المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فضيحة 26 مليار حقيقة ام خيال


نورالدين خبابه
27-01-2007, 16:10
الرقم 26 صار على كل لسان في جزائر لم تتحرر كلية من قيود الحزب الواحد
وثقافة ''حرف الميم''
، فكان يكفي أن يلقي الوزير الأول عبد الحميد إبراهيمي
محاضرة بجامعة العلوم الاقتصادية بالخروبة بالعاصمة، تحدّث فيها على غير العادة عن الفساد والرشوة،
ليطرح القضية المستنتجة من أقوال سمعها لمسؤولين كبار أكدوا أن الرشوة كانت تمثل 20 بالمائة
من إيرادات التجارة الخارجية للجزائر منذ عام
1962 ليصل بعملية بسيطة أن كل سنة، كانت تعرف تحويل مليار دولار من خزائن الدولة
نحو وجهات مشبوهة، ليصل في النهاية إلى الرقم الأسطوري،
إلى القضية الأم في تاريخ الرشوة في الجزائر، 26 مليار دولار،
ذهبت سدى، لم تستعمل في بناء المدارس والمستشفيات،
إيصال قنوات الغاز والماء، التي كانت تفتقدها البلاد آنذاك·
تصريحات كما سبق الذكر، احتضنها الشارع والقلة القليلة من معارضي الخفاء
، لينفخوا في بالون ''الرقم'' ليزداد حجما ويحوله الرأي العام إلى قضية وطنية، خاصة وأن مصدرها لم يكن أيا كان، بل الوزير الأول، عبد الحميد إبراهيمي، الذي صرح سنوات بعد ذلك أنه كاد أن يعرف السجن بسبب تصريحاته هذه، دون الحديث عن غضب ''النظام'' مما جاء في محاضرته بالجامعة·
وقام ''النظام'' بإنشاء لجنة تحقيق برلمانية بتاريخ 13 ماي 1990 ترأسها وزير النقل الحالي، محمد مغلاوي، ولم يتم لحد اليوم التعرف على عصارة التقرير الذي تمخض عن نشاطها، وقد يبدو الأمر غريبا، لكن الأهم في ''قضية 26 مليارا''، ليس ما ترتب عنها من متابعات، ففي الأصل هذا لم يحدث، وإنما درجة تغلغلها وسط الجزائريين لتتحول إلى رمز للفساد، ففي نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، شغلت القضية حيّزا هاما من حديث الشارع الجزائري، الذي كان لا يعترف بما كان يتسرب من الخطاب الرسمي، حول الجانب الخرافي للقضية، التي يجب وضعها في محيطها المتمثل في الفترة الفاصلة بين انتفاضة أكتوبر وبداية العشرية السوداء، فهي من بين ما دفع آلاف الشبان إلى تكسير كل ما كان يرمز للدولة·
أين نتائج لجنة التحقيق ؟
لا يمكن عزل هذه القضية عن المحيط التي ''ولدت'' فيه والمتسم بحالة استقرار سياسي، بالإضافة إلى بداية ''تحرر'' الكلمة ولو جزئيا، فاحتضن الشارع الرقم ''26 مليارا''، وأصبح مطلب الجزائريين تسليط الضوء على هذه القضية، تحديد المسؤوليات، كيف ومتى ومن، كان وراء اختلاس الملايير، غير معترفين بالأطروحات المؤكدة أن القضية لا تعدو أن تكون ''خرافة'' لا أساس لها من الصحة، فلم يتردد بعض المحللين في اعتبارها مجرد ''تصفية حسابات'' من قبل وزير أول سابق مع نظام أزاحه من السلطة· واعتبروه أحد رموز النظام الذين ساهموا فيما حدث على الأقل بسكوته لسنوات طويلة عن ما حدث وهو تكذيب لم يفلح في إخماد الغضب الشعبي المطالب بأسماء والطرق التي تم بها تحويل هذا الرقم ودعّم الشارع الجزائري استيائه في تلك الفترة بمقاربة بين هذا الرقم ''المجنون'' والمديونية الخارجية للبلاد التي كانت أقل بكثير، حيث كانت حينها تتراوح بين 22 و23 مليار دولار، فتمحورت جل التعاليق في تلك الأيام على أنه لولا هذا الاختلاس القياسي، لتمكنت الجزائر من تسديد ديونها الخارجية مع توفير ثلاثة ملايير، الشارع لا يأبه بالمنطق والعمليات الاقتصادية في حالة الغضب، فلو كانت القضية حقيقة فعلا، فلا يجب نسيان أن 26 مليارا تم اختلاسها على مدار 26 سنة·
الضغط الشعبي المطالب بتسليط الضوء، تراجع مع مرور الوقت، وكما رأيناه ظلت لجنة التحقيق البرلمانية ''رسالة دون عنوان''، ليستحيل على أي كان اليوم التأكيد على أن ما قاله عبد الحميد إبراهيمي، حقيقة، ورغم أنه ظل متشبّثا بموقفه سنوات بعد ذلك، إلا أنه لم يقدّم الدليل القاطع على مزاعمه، فعدا تأكيده أن الرشوة تمثل 20 بالمائة من عمليات التجارة الخارجية، نقلا عن مسؤولين، فإنه لم يدعم اتهاماته، ولا يشك أحد أنه لو كانت لدى الوزير السابق ''أسماء'' لكشف عنها، مما يدفع للتفكير أن القضية أقرب منها إلى ''الخيال'' من الحقيقة·
لكن حتى لو انطلقنا من هذا الافتراض، فهذا لا يمنع أن ''الرشوة'' والاختلاس، تغلغلت بصورة كبيرة في ''التعاملات اليومية'' ليس فقط للاقتصاد، بل على كل المستويات وفي كل القطاعات في العشرية السوداء، وحاليا تنقل الصحافة يوميا ''أخبار'' اختلاسات مبالغ كبيرة تلحق أضرارا بالاقتصاد الوطني لدرجة دفعت الكثير إلى الإشارة، أنه من الممكن جدا أن تكون اليوم، حصيلة الرشوة وتحويل المال العام منذ الاستقلال، قد فاقت اليوم الـ26 مليار دولار التي تحدّث عنها الإبراهيمي·


المصدر: غ· فاروق
2007-01-17
م جريدة الخبر