مشاهدة النسخة كاملة : وقائع سنوات الدم في الجزائر
الإهداء
إلى أمي التي لم أرها منذ شهر سبتمبر 1993،والتي أخشى ألا أراها أبدا بسبب الجنرالات المجرمين الذين يحكمون الجزائر اليوم!
إلى روح الجنرال فضيل سعيدي والعقيد عاشور زهراوي، وكل من الرائدين فاروق بومرداس، وجابر بن يمينة ضحايا النذالة والغدر، وافتراء الجنرالات المفسدين والمفترسين!
إلى عبد الحي بليردوخ الصحفي الشجاع صاحب القلم الجريء الذي ضحى بنفسه لفضح ومحاربة محتالي الجمهورية و أشرارها.
إلى السيد محمود خليلي المناضل الصلب المقدام المدافع عن حقوق الإنسان الذي طالما تعرض لضغط وتعسف أولئك الذين اغتصبوا السلطة في الجزائر..
إلى كل المدنيين والعسكريين الجزائريين والأجانب الذين ذهبوا ضحية مؤامرات الجنرالات ضد مبادئ ورموز ثورة أول نوفمبر 1954.
تمـهيـــد
"العلاقة القوية " بين جهاز الأمن العسكري(أ.ع/SM) الجزائري
و جهاز المخابرات الفرنسي (ج.م.ف/DST)
ذات يوم من شهر سبتمبر سنة 1995، أفتح باب غرفة تقع في الطابق الأول من فندق "رينال" وهو نزل متواضع يقع في وسط مدينة بون، لألتقي من جديد برئيسي السابق الجنرال إسماعيل العماري المعروف بـ (إسماعين) الذي قدم متخفيا، وهو الرقم الثاني في جهاز المخابرات الجزائرية المعروف بالـ(أ.ع/SM).
إنه قصير القامة ذو وجه بزوايا حادة، وعينان سوداوان يعلوهما صلع متقدم، بدا لي مجرد أن رأيته أنه مصمم على اتخاذ قرار خطير، وقد كان بجانبه زميلاي الملحقان العسكريان السابقان بسفارة الجزائر بألمانيا، قدما هما كذلك خصيصا من الجزائر، وهما العقيدان رشيد لعلالي، وعلي بن جده المكنى بـ "إسماعين الصغير" وكلاهما ضابطان في الأمن معروفان بإخلاصهما الكبير، وولائهما للجنرال إسماعين...
من الوهلة الأولى وبدون مقدمة فاتحني هذا الأخير بموضوع ذلك الاجتماع "السري" المثير للاستغراب، طالبا مني تدبير عملية اغتيال معارضين إسلاميين جزائريين لاجئين في ألمانيا، هما السيدان: رابح كبير وعبد القادر صحراوي... وهما شخصيتان عموميتان ووجهان معروفان، صحيح أنهما معارضان للنظام الحاكم في الجزائر، ولكنهما لا يمثلان أي خطر يمكن أن يوضع في خانة ما يوصف "بالإرهاب"
وأمام إبداء اندهاشي من جدوى القيام بتلك العملية، أضاف إسماعين قوله :(ربما كتبرير لإقناعي) "يجب تصفية هؤلاء الأوغاد الذين يغرقون الجزائر في الدم والنار ويعوقون حصولنا على المساندة الدولية... إن شبح الأصولية، وقيام جمهورية إسلامية في الجزائر من شأنه أن يزعزع الاستقرار في البلدان المغاربية قاطبة كما من شأنه –أيضا- أن يمثل قاعدة صلبة ومنطلقا للهجوم على الغرب... ويبدو أن ذلك لم يقنع شركاءنا الأوروبيين ولذلك يجب إحداث هزة قوية توقظ ضمائرهم، مثلما كان الحال مع الفرنسيين."
قلت: ماذا لو حدث طارئ؟
قال: اطمئن لن يلحقك أي أذى لو يطردونك من هنا سأعينك في منصب آخر
قلت: الدولة هنا دولة قانون وليس عندكم أي حظ للنجاح وزيادة على ذلك لا يمكنكم الاعتماد "مثلما هو الحال في فرنسا" على أصدقائكم في "ج.م.ف/DST"... أو وزارة الداخلية ليهبوا لمساعدتكم عند الحاجة، إن هنا في ألمانيا لا يوجد (باسكواPasqua) "وزير الداخلية" ولا (بونيBonnet) "جهاز مكافحة التجسس" ولا(باندرو Pandraud) أو (مارشيانيMarchiani).
قطعا إن رفضي هذا أجهض العملية ولكنه في الوقت ذاته مثل القطيعة النهائية و"الطلاق البائن" مع أصحاب القرار في الجزائر... وهو ما دفعني لاتخاذ قرار الانسحاب من الجيش بعد ذلك ببضعة أشهر.
ويجدر القول هاهنا أنه في الوقت الذي كنا نعقد ذلك الاجتماع في مدينة بون كانت فرنسا تهتز منذ أسابيع بموجة من العمليات المنسوبة إلى الإسلاميين، والتي كانت قد أسفرت عن عدد من القتلى وعشرات الجرحى، ورغم عدم توفري حيينها عن معلومات دقيقة وقاطعة.. فإني أشك في أن للجماعات الإسلامية "المُستغلة أو المَدسوسة" منذ زمان من طرف نظيري في الـ(أ.ع/SM) بباريس "العقيد حبيب" صلة بتلك العمليات!!
إن الـ(أ.ع/SM) في فرنسا هو بالفعل أقوى في هذا البلد منه في ألمانيا كما أن له فيها تقاليد قديمة في مراقبة الجالية الجزائرية المهاجرة بالموافقة الصريحة للحكومة الفرنسية أيا كان لونها السياسي وخاصة من خلال مكاتب وفروع ودادية الجزائريين في أروبا، وكذلك القنصليات الثماني عشرة الموزعة عبر التراب الفرنسي، والتي تضطلع بمهمة تأطير أفراد الجالية في مجموع النواحي داخل فرنسا.
لقد استطاع الـ(أ.ع/SM) دائما أن يعتمد(في إطار أقل رسمية) على العديد من العملاء الذين يوجدون أساسـا في مختلف مكاتب وممثلات الخطوط الجوية الجزائرية، وكذلك في الشركة الوطنية للملاحة البحرية (ش.و.م.ب/SM)، والمركز الثقافي الجزائري بباريس، والوكالة الجزائرية للخدمات الإعلامية، وفي مسجد باريس كذلك، كما يعتمد الـ(أ.ع/SM) في فرنسا أيضا على شبكة واسعة من الأشخاص ومن أصحاب المهن والوظائف المتنوعة (محامين، مسيري فنادق، أصحاب حانات، سائقي سيارات الأجرة في كبريات المدن الفرنسية، كما يعتمد الجهاز أيضا على بعض "تجار الشنطة" من الذين يهربون بعض البضائع والمواد الممنوعة.. مقابل تقديم تسهيلات لهم لدى مصالح الجمارك الجزائرية(...)
ابتداء من سنة 1993 كان يقدر عدد ضباط وضباط صف الـ(أ.ع/SM) ومحافظي الشرطة في فرنسا (وبدون احتمال الوقوع في الخطأ) بمائة فرد عامل (ثم ما لبث هذا العدد أن أخذ في الارتفاع بعد ذلك بكيفية محسوسة)، ويضاف إلى هذا الرقم بضع مئات من المتعاونين والمخبرين... وبهذا لدينا فكرة عن المراقبة الممارسة على أفراد الجالية الجزائرية الموجودين على التراب الوطني الفرنسي، وكذلك مستوى تعاون الدولة الفرنسية ذاتها في هذا الخصوص، وهو بلا شك من الحالات النادرة في العالم التي يلاحظ فيها قبول دولة بوجود شرطة أجنبية (بمثل هذا العدد) على ترابها الوطني وبكيفية دائمة!!
ويمكن بالأحرى الحديث هنا ليس عن غض الطرف والقبول فحسب، بل على التواطؤ الصريح والكامل الذي كان محوره الأساسي هو التعاون والتقارب الشديد بين جهاز المخابرات الجزائري ونظيره الفرنسي، ولقد أمتنت هذه العلاقة بصفة خاصة ابتداء من منتصف الثمانينيات وهي الفترة التي قدم فيها ضباط من الـ(أ.ع/SM) (ومن بينهم "إسماعيل العماري") خدمات جليلة متعددة لنظرائهم الفرنسيين، وخاصة في قضية الرهائن الفرنسيين المحتجزين في لبنان، وكذلك أثناء العمليات التي هزت باريس سنة 1986، وهو الأمر الذي أكده بعد ذلك المدير السابق للمخابرات الفرنسية السيد " إيف بوني " في مذكراته 1 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftn1)التي وصف فيها هذه "العلاقة القوية" التي تربط جهاز الأمن الجزائري بمصالح الأمن الفرنسية بقوله:" إن فرنسا جد محظوظة لأنها تستطيع الاعتماد على شريك كهذا، كفء، وعلى دراية تامة بواقع الشرق الأوسط... إن مرشدنا في القضايا العربية هي الجزائر" 2 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftn2)ويضيف قائلا:" لم يتكهن أحد بصعود التيار الإسلامي، ولا بالخطر الكبير الذي سيمثله بالنسبة للجزائر بل ولفرنسا أيضا، ولا يستطيع أحد أن يقدر كم سيتعين علينا أن نكون جد متعاونين[...] كنا في المرحلة الأولى نتبادل الانطباعات والعموميات، ثم سرعان ما أصبح الحوار بيننا "عمليا" [...] وبالنسبة لهم لدينا بالمقابل معلومات دقيقة وموثوق بها عن معارضيهم..." 3 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftn3)
"حوار عملي" إن هذه العبارة في لغة مصالح الأمن تعني القيام بعمليات مشتركة بل حتى تدبير مشترك "لعمليات دنيئة" [وبالفعل فابتداء من مطلع سنة 1992 والانقلاب الذي وقع في الجزائر، انتقل تعاون الجهازين نوعيا من مستوى "القضايا العربية" إلى الإشراف المشترك على الرقابة واستغلال عنف الإسلاميين الجزائريين في فرنسا، كما سيظهر ذلك في بعض المحطات التي سأوردها في هذا الكتاب (أنظر الفصل التاسع)]، لقد كان إسماعيل العماري الرجل الأساسي في هذه الشراكة إلى درجة أن علاقته بمدير جهاز الأمن الفرنسي كانت مباشرة وما تزال قائمة على أشدها حتى لحظة كتابة هذه السطور!
وعلى مستواي فإني أقدم هنا شهادة لإثبات متانة هذه العلاقة القائمة بين الجهازين : فأذكر أنني عندما كنت في منصبي في بون (ألمانيا) كثيرا ما سافرت إلى فرنسا بدون تأشيرة مع العلم بأنها كانت إجبارية على الجزائريين، وللتمكن من الحصول على الإعفاء منها كان يكفي لنظيري في باريس العقيد "لحبيب" أن يخطر المصالح المعنية كي تمنح لي رخصة خاصة من شرطة الحدود أتمكن بموجبها من الإقامة على التراب الفرنسي... وعند المغادرة أعيد الوثيقة في المطار ليختفي كل أثر لإقامتي على الأرض الفرنسية..!
وبالتأكيد فإن هذه "العلاقة المتينة والمتميزة" بين المصالح الجزائرية والفرنسية لا تعني بالضرورة أن هذه الأخيرة كانت على علم بأن المصالح الجزائرية سيصل بها الأمر إلى حد الإقدام على تفجير القنابل في باريس، لإرغام المسؤولين السياسيين الفرنسيين على التأييد بدون تحفظ لسياسة "الاستئصال" التي يمارسها جنرالات الجزائر ضد الإسلاميين على حساب عشرات الآلاف من القتلى منذ سنة 1992...
لكن، ومهما يكن من أمر فإن هذه العلاقة الخاصة قد لعبت بدون شك دورا أساسيا في هذه الحرب حتى وإن كانت المسؤولية الأولى تقع - قطعا- على رؤسائي السابقين الذين لم يترددوا في استغلالها إلى درجة تتجاوز في الحقيقة العنف الإسلامي إلى ما وراء ذلك، من تنفيذ مخططاتهم الجهنمية، وتحقيق أغراضهم الدنيئة، وإشباع نهمهم ونيل مآربهم في الثأر من كل ما يمت إلى الوطن وثوابته وقيمه الثورية بصلة وذلك هو الموضوع الأساسي الذي يتمحور حوله هذا الكتاب.
مـقـدمــة
"يوجد نوعان من التاريخ: تاريخ رسمي، كاذب وهو التاريخ الذي لُقنا إياه في المدارس، وتاريخ سري، يتعين علينا البحث عنه وفيه تكمن الأسباب الحقيقية للأحداث، وهو تاريخ مخجل حقا"
هونري دوبلزاك Honoré DE BALZAC "الأوهام الضائعة"
"كيف يمكننا إدراك هذا المفهوم البوليسي المجنون لحالة التعفن العام، والفوضى العارمة التي تجعل بعض الضباط يفقدون رشدهم تدريجيا في تدهور أخلاقي ومهني من جراء اللجوء الآلي إلى التعذيب والقتل وينحطون إلى هذا المستوى اللامعقول من القسوة!؟ (...) وكلما غاص هؤلاء في هذه الهوة من الوحشية والخساسة كلما تدهورت قدراتهم العسكرية المحضة (...) وكلما تدنت إمكانياتهم في المواجهة الفعلية لعدو محدد عل أرض معركة حقيقية، وأمام جنود منظمين مُحكمي القيادة، ويطلقون نيرانا حقيقية"
العقيد برودانسيو غارسيا Colonel Prudencio GARCIA4 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftn4)
أنا ضابط سام في جهاز المخابرات بالجيش الوطني الشعبي الجزائري (ج.و.ش/ANP)، شاركت في الانقلاب الذي أطاح بالرئيس الشاذلي بن جديد في شهر يناير 1992، كان لي دور في الحرب المعلنة ضد الشبكات المسلحة للأصوليين الإسلاميين في بداية التسعينيات، لأنني كنت أرى حينذاك أنه من واجبي المساهمة في عملية إنقاذ الوطن من الخطر الذي كان يتهدده... غير أن تطورات الأحداث بعد ذلك أظهرت لي بكل وضوح أني أقوم بدور المتواطئ مع جلادي الشعب الجزائري، كما أظهرت لي أيضا أنني لم أكن في حقيقة الأمر أشارك في الدفاع عن مصالح الشعب الجزائري كما كنت أظن، وإنما كنت أدافع عن مصالح عصابة من الأشرار والمفسدين في الأرض، ليس لأعضائها همٌ سوى الحلم بالاستحواذ وبكل الوسائل (هدم،نهب،كذب) على مقدرات البلاد، وفرض إرادتهم التي لا تعدو كونها شكلا منحرفا وملتويا من أشكال الحكم الشمولي!
لقد حاولت في بداية الأمر أن أستدل بالعقل، وأقنع رؤسائي بضرورة تغيير تلك الاستراتيجية التي تسير في الاتجاه المتعارض طولا وعرضا مع طموحات ومصالح الشعب الجزائري والتي لا يمكنها في النهاية إلا أن تسفر عن نتائج وخيمة على البلاد والعباد، ولما لم أجد أية أذن صاغية لرأيي اتخذت موقفا مغايرا منذ 1992 وابتداء من سنة 1996 كنت من بين أوائل الضباط السامين في (ج.و.ش/ANP) الذين رفضوا مسايرة هذا الانحراف متخذا قراري الحاسم والنهائي بترك العمل في مؤسسة أصبحت أداة قمع بين الأيادي الإجرامية لأعداء الشعب الجزائري الأبي.
لماذا الانسحاب من الجيش؟
شعورا مني بواجب إظهار الحقيقة وتكريما لضحايا هذه الحرب التي لا أساس لها، قررت أن أفضح وأندد بكل أولئك الفاعلين الحقيقيين صانعي هذه المأساة الطاحنة والفظيعة التي يعيشها وطني! إنها "حرب قذرة" بكل المقاييس قادها جنرالات عديمو الكفاءة متعطشون للسلطة، يتوارون عن الأنظار ولا يظهرون على المشهد الأمامي لإخفاء رداءتهم وبناء سلطتهم في الظلام على أشلاء أبناء وطنهم.
إن كل ما دونته هنا هو وقائع حقيقية أو تصريحات لأطراف مختلفة ذات صلة بهذه الأحداث، والتي كنت شاهدا مباشرا عليها من خلال القيام بمهامي الوظيفية أثناء حدوثها، لقد حرصت في ذكر هذه المعلومات على توخي أقصى درجات الدقة والتوثيق فيها، بحيث لا تترك مجالا يتسرب منه أدنى شك في مدى صحتها ومصداقيتها، وما آمل من وراء ذلك إلا أن يساهم هذا الكتاب في إظهار الحقيقة التاريخية وإرجاعها إلى نصابها ناصعة دون أن تشوبها أية شائبة، إحقاقا للحق وإنصافا للتاريخ الحقيقي الذي لا ينتظر أن يكتبه أو يستسيغ سماعه المنحرفون من مغتصبي الأوطان وجلادي الشعوب.. كما آمل في الحين ذاته أن يتمكن هذا العمل الموثق من أن يكون من ضمن وثائق الإثبات في محكمة محايدة ومنصفة ستقام يوما لمحاكمة هؤلاء المسؤولين المجرمين المتسببين في هذه المأساة الفظيعة!
لقد انخرطت في صفوف (ج.و.ش/anp) في شهر يوليو من سنة 1974، وبعد حصولي على شهادة مهندس في الكيمياء الحيوية سنة 1977 اجتزت دورة تدريبية لتكوين الضباط (من شهر أكتوبر 1978 إلى جوان 1979) وبعد تخرجي (وكنت الثاني على دفعتي) عُينت مدرس في مدرسة الأمن العسكري (جهاز المخابرات التابع للجيش والمعروف باسم "أ.ع/sm") الواقعة ببني مسوس (في ضواحي العاصمة)، وبعدها شغلت عدة مناصب دائما في الـ(أ.ع/sm)، في قسنطينة ثم في ڤالمة، فتيبازة.
بعدها (من مارس 1990 إلى 1992) عينت في الجزائر العاصمة كمسؤول عن مصلحة البحث والتحليل (م.ب.ت/sra) في إدارة مكافحة التجسس، وبالموازاة مع هذه الوظيفة الأساسية كنت أعمل مدربا في مدرسة ضباط الـ(أ.ع/sm) ببني مسوس، وكنت أيضا عضوا في إدارة حالة الحصار المعلنة في شهر جوان سنة 1991 ثم بعد ذلك في إدارة حالة الطوارئ ابتداء من شهر يناير 1992(حتى وإن لم يعلن ذلك رسميا إلا في منتصف شهر فبراير كما هو معلوم)، وفي صائفة 1992 ونتيجة حصول عدم تفاهم بيني وبين رؤسائي حول الطريقة التي مورست بها عمليات محاربة العنف المسلح طلبت إعفائي من مهامي الوظيفية غير أن طلبي قوبل بالرفض القاطع، وفي ظروف سأعود إلى ذكرها بالتفصيل فيما بعد قبلت أخيرا تعييني في سفارة الجزائر بألمانيا، حيث شغلت من شهر سبتمبر 1992 إلى غاية شهر يناير 1996 منصب الملحق العسكري، وفي نفس الوقت المستشار المسؤول عن الفرع المحلي للـ(أ.ع/sm)، برتبة رائد ثم مقدم.
وبالرغم من الشكوك التي كانت تراودني منذ 1992، فقد كنت مقتنعا بأني أشارك في إنقاذ وطني، ولكنني وفي سنة 1995 زال شكي تماما أمام دلائل قطعية لا يرقى إليها الشك وأدركت المؤامرة التي تحاك ضد الشعب الجزائري.
وبدافع من ضميري ومحض إرادتي اتخذت قرارا لا رجعة فيه بالقطيعة النهائية مع النظام القائم، ووضعت نفسي في خدمة الجزائر وليس في خدمة عصابة من اللصوص لا يهمها إلا الدفاع عن مصالحها الخاصة، والمحافظة على امتيازاتها التي لا تعرف الحدود، على حساب كل الأعراف والقيم، العصابة التي لا تتردد من أجل الإبقاء على تلك الأوضاع في إثارة الجزائريين وتحريض بعضهم ضد البعض الآخر، واغتيال الأبرياء للإمساك بقبضة من حديد على الوطن، ورهن مصيره ووضع الأيدي على قدراته السياسية والاقتصادية...
ونتيجة لمواقفي المغايرة التي أبديتها لرؤسائي فيما يتعلق بممارساتهم، تم استدعائي إلى الجزائر العاصمة في 26 يناير 1996.
لقد حاول رئيس جهاز الأمن الجنرال محمد مدين المعروف بـ "توفيق" أن "يشتري" سكوتي عارضا علي منصبا ضمن إطارات مؤسسته ومقترحا علي في الوقت ذاته ترشيحي لرتبة عقيد (مع العلم أن اسمي كان في الحقيقة مدرجا على لائحة المرشحين للرتبة في شهر يوليو 1996). وبحكم تجربتي الطويلة معهم، وخبرتي العميقة بهم كنت أعرف جيدا قيمة تلك الوعود، ولذلك لم أمكث في الجزائر سوى أسبوع واحد، بعد وصولي إليها قي 4 فبراير، وقفلت عائدا إلى ألمانيا في 12 من نفس الشهر عن طريق خط الجزائر بروكسل، لقد كنت أعرف أن بقائي في الجزائر بقبول المنصب الجديد يعني حتما بالنسبة لي إصدار الأوامر لجزائريين لقتل جزائريين آخرين، وفرض المزيد من المعاناة والمآسي والآلام على أفراد الشعب بالاعتقال والإذلال... وهو ما كان يتعارض تعارضا كليا مع قناعتي وضميري، ويتناقض أيضا مع اليمين التي أديتها معاهدا الشهداء الأبرار عند انخراطي في صفوف (ج.و.ش/anp) على أن أظل ما حييت وفيا لهم ولمبادئهم السامية، كما لم أرد كذلك أن أخون شعارنا الثلاثي الرائع الذي شربناه واقتنعنا به وطبقناه طوال سنوات التكوين والخدمة ألا وهو " الإخلاص، الشجاعة، اليقظة ".
لقد وقفت مليا أمام هذا الوضع وتساءلت عن كيفية تفادي المشاركة في هذه الحرب "المنافية للعقل"؟ هل أقدم استقالتي حسب اقتراح بعض الأصدقاء ؟ إن الإقدام على ذلك لم يكن ممكنا، ذلك أن تقديم الاستقالة أثناء "حالة حرب" سيوضع قطعا في خانة الفعل "الخياني" ويتعرض صاحبه حتما للإعدام..
وكذلك، فإن العديد من الضباط النزهاء ذوي الضمير الحي والحس الوطني والمهني الرفيع من الذين رفضوا التورط في المغامرة قد اغتيلوا جميعهم في ظروف غامضة: وفي غياب إجراء أي تحقيق جدي فقد كان اغتيالهم دائما ينسب إلى الجماعة الإسلامية المسلحة (ج.إ.م/gia) ويعلق على شماعتها الجاهزة المعدة لهذا الغرض!! في حين أن كل عمليات التصفية تلك كانت في الحقيقة مدبرة ومخططة من طرف رؤسائهم الأنذال، تحت ذريعة امتناع هؤلاء الضباط عن تطبيق تعليماتهم الإجرامية أو أنهم من المحتمل أن يمتنعوا..
فكرت كثيرا في كيفية التصدي لانحراف هذه العصابة المجرمة فلم أجد أمامي أي خيار سوى الهجران البائن والانسحاب من الجيش، وترك الجمل بما حمل من أوزار، فاتخذت القرار الحاسم بالإقدام على طلب اللجوء السياسي (وحصلت عليه) في ألمانيا حيث أعيش منذ ذلك التاريخ حتى يومنا هذا.
انحراف الإسلاميين
بصفتي قد عايشت الأحداث في قلب النظام، أستطيع أن أصرح بأن الحرب الطاحنة التي تمزق بلدي منذ 1992 هي أكثر تعقيدا مما تحاول أن تسمعنا إياه بعض التحاليل القادمة من أروبا، والتي تقدم لنا هذه الحرب باعتبارها صراعا ناشئا عن تعارض بين عسكريين جمهوريين ومتعصبين إسلاميين... فلهذا السبب أردت أن أساهم في إظهار الحقيقة للتاريخ دون أية مجاملة أو تحيز لهذا الطرف أو ذاك.
إني في هذه الشهادة أتهم وأدين قادة الجيش الذين يسيرون ويستغلون العنف الذي تقوم به الجماعات الإسلامية منذ سنوات. قد يعتقد البعض أنني أتخذ موقف الدفاع عن (الجبهة الإسلامية للإنقاذ) (ج.إ.إ/fis)، أو عن الإسلاميين، ولذلك أحرص منذ البداية هنا على التوضيح بأني لم أنتسب على الإطلاق، في أي يوم من الأيام إلى أية منظمة سياسية، كما أنه ليس في نيتي على الإطلاق أن أنفي أو أبرر الجرائم الفظيعة التي ارتكبها بعض الإسلاميين، والتي وردت وقائعها مفصلة في العديد من الكتابات، وسواء كان مرتكبو تلك الجرائم أو لم يكونوا مستعملين ومغررا بهم، فإنهم في كل الأحوال مجرمون، ويجب أن يحاكم مرتكبوها يوما لينالوا جزاءهم. إذا كانت هناك حرب فحتما يوجد هناك طرفان متعارضان ومتصارعان وهذان الطرفان في نظري هما الجنرالات من جهة وقادة (ج.إ.إ/fis)من جهة أخرى، فلكل منهما دور ومسؤولية في إحداث المأساة الجزائرية الراهنة.
بعد الانتصار الذي تحقق للإيديولوجية الإسلامية ابتداء من سنة 1989 أخذ أصحابها يتوقون إلى تجسيد مبادئ وقيم الإسلام محاولين في غالب الأحيان فرض ذلك بالقوة وبالتي هي أخشن، وليس بالإقناع وبالتي هي أحسن. وبالرغم من أن قاعدة هذا الحزب كانت غير متجانسة إلا أن بعض قادة (ج.إ.إ/fis)شجعوا هذا الانحراف التسلطي، وهو الأمر الذي أدى إلى ظهور تيار متطرف مناهض لأي تقدم أو مسايرة للعصر. وقد طور هذا التيار خطابا معاديا للديمقراطية يتجلى بوضوح في بعض الشعارات المرفوعة آنذاك " الديمقراطية كفر" أو " القانون الوحيد هو القرآن" أو "لا ميثاق لا دستور قال الله قال الرسول" وكان أصحاب هذا الاتجاه يدعون إلى تطبيق الإسلام بالقوة والعنف، كإجبار النساء على ارتداء الحجاب أو إقامة الحدود الشرعية على العصاة والمخالفين... وكذلك أخذ الضريبة "الثورية" التي تحولت فيما بعد، خلال سنوات الدم، إلى "ضريبة الجهاد"، (إن هذه الفرقة المتطرفة من الإسلاميين هي التي دفعها الـ"أ.ع/sm"، بالوسائل التي سنتحدث عنها فيما بعد، إلى الثورة والمجابهة، مجرجرة معها شبيبة بكاملها إلى حمل السلاح والالتحاق بالجبال واتخاذ لغة العنف وسيلة وحيدة للتخاطب)، ثم ما لبثت الحسابات السياسية لقادة (ج.إ.إ/fis)وتلاعبات مصالح الـ(أ.ع/sm) واستفزازاتها فيما بعد أن جعلت الحركية المتولدة من هذا الحزب تسلك طريق المواجهة، مما أدى أكثر فأكثر إلى جعل أية فرصة أو إمكانية للتعايش غير ذات موضوع، أو قرار.
لقد حاول الرئيس الشاذلي بن جديد كثيرا أن يحقق نوعا من التوازن بحرصه الشّديـد على تحقيق المصالحة بين أصحاب الاتجاه الديمقراطي (بمن فيهم الموجودون داخل "ج.إ.إ/fis") والجنرالات "أصحاب القرار" المعادين للإسلاميين في آن واحد، علما أن الإسلاميين وعـدوا بمحاسبة المسؤولين، وكانوا سيتولون أمر المراقبة على المداخيل (التجارة الخارجية، وصادرات البترول والغاز). وقد كلّـف الرئيس الشاذلي بن جديد تمسكه بموقفه التصالحي هذا، منصبه ذات يوم في 12 فبراير 1992.
ابتداء من هذا التاريخ المشؤوم، اتخذ جنرالات الظل من توقيف المسار الانتخابي وإلغاء نتائج دورته الأولى... ذريعة للزج بآلاف الجزائريين في أتون حرب أهلية فظيعة: جنون غير مسبوق يصيب الشباب الذين كانوا محرضين بعضهم ضد البعض الآخر من قبل نظام حكم مكيافيلي، في حين لم يكن هؤلاء الشبان يحلمون جميعهم في حقيقة الأمر إلا بالحرية والعدالة والكرامة!
إن الإسلام الثوري أو الحركي لم يبرز إلى الوجود هكذا من العدم. فالبؤس الاجتماعي وتهميش النخب التواقة إلى التقدم ومواكبة العصر وكذلك رفض أي مشروع مجتمع متماسك يسمح بتكوين تركيبة متناسقة تجمع بين القديم والجديد والأصالة والمعاصرة، يضاف إلى ذلك غياب الحرية والديمقراطية، وتفشي ظاهرة الرشوة والفساد في كل مكان وفي مختلف المجالات... كل هذه العوامل والظروف مجتمعة هي التي أدت خلال الثمانينيات إلى ظهور الحركة الإسلامية في الجزائر. ومن جهة أخرى وفي سياق جيوسياسي وتحول واسع وعميق للعالم (سقوط جدار برلين، أفول نجم الشيوعية، نهاية الحرب الباردة، وبالتالي نهاية عالم القطبين، وظهور العولمة...) كان بروز الحركة الإسلامية نتيجة منطقية كذلك لتدني مستوى "أصحاب القرار" الرئيسيين الذين لم يرفضوا تسليم المشعل للأجيال اللاحقة فحسب، بل أن فسوق" شبه النخبة" هذه التي تعيش على الريع قد عكس للمجتمع صورة نظام متغطرس تنخره الرشوة، ويشله الإهمال، ويقتله التبذير.
لم يدرك هؤلاء المسؤولون أو القادة أن وضع العالم قد انقلب جذريا رأسا على عقب، وأن الإسلام السياسي يفرض نفسه فرضا كبديل للهيمنة الأمريكية منذ انهيار الإمبراطورية الشيوعية. لقد كانوا يريدون مواصلة تسيير الأمور على الطريقة القديمة التي عف عنها الزمن، وتجاوزتها الأحداث. وهذا ما يبرر عدم الفهم والإدراك في البداية ثم الاندهاش بعد ذلك، وأخيرا المقاومة الشرسة لكل محاولات الإصلاح التي أعقبت "الانفتاح السياسي المراقب" منذ بداية 1989.
لقد لاحظت البلدان الأوروبية هذه التحولات دون أن تدرك المراهنات في الواقع، مترددة بين الرضى بما يعد به الانفتاح الديمقراطي وبين التوجس من إمكانية قيام ديكتاتورية إسلامية على أعتاب أروبا. إن احتمال ظهور دولة دينية على النمط الإيراني هو أمر غير وارد فضلا عن أنه غير مقبول كذلك. وهذا كله ما يفسر تخاذل الحكومات الأوروبية، عندما ذهب الجنرالات بعيدا في ممارستهم للقمع والاضطهاد ابتداء من انقلاب 1992.
إن هذا الانقلاب قد سار نحو الأسوأ في دعم سلطة الجنرالات وبسط نفوذهم بصفة كلية على البلاد منذ ذاك الوقت، وهؤلاء الجنرالات هم : خالد نزار، العربي بلخير، محمد تواتي، محمد العماري، وشركاء آخرون... هؤلاء الذين يسمون عادة بعصابة "الفارين من الجيش الفرنسي" (ف.ج.ف/daf)، حتى إن بعضهم كالجنرال محمد العماري، ومحمد تواتي لم يلتحقوا بمراكز الجيش الوطني خارج الحدود الجزائرية إلا في سنة 1961 أي ببضعة أشهر فقط قبل الاستقلال، ولم يشاركوا قط في أية معركة ضد المحتل الفرنسي داخل الوطن أو خارجه!
وبصفة جلية فإن قسما كبيرا من قادة (ج.إ.إ/fis) قد أخطئوا نتيجة قلة تجربتهم السياسية وانشغالهم في كبح جماح الجناح المتطرف داخل الجبهة الذي غالبا ما كان يُحَرك من طرف جهاز الـ(أ.ع/sm)، وبذلك تكون(ج.إ.إ/fis) قد شاركت بقسط وافر وبشكل كبير في إعطاء المبرر لجنرالات(ف.ج.ف/daf)، وتمكينهم من النجاح في مناورتهم للاستئثار بالسلطة وبسط نفوذهم على البلاد والعباد!
ابتكار الأطروحة الخارقة للعادة
"من يقتل من؟"
انطلاقا من المذابح الفظيعة المرتكبة في خريف سنة 1997 بدأ الرأي العام العالمي أخيرا يعير اهتمامه للعديد من الملاحظين خاصة بعض المنظمات غير حكومية لحقوق الإنسان، الصحافيين وخبراء الأزمة الجزائرية الذين كانوا يشكون منذ مدة في تورط قوات الأمن في أعمال العنف المنسوبة للإسلاميين. ولكن إلى ذلك التاريخ كان هؤلاء المنادون والمستصرخون كمن يؤذن في مالطا!
إن تصور قيام قوات تابعة للجيش بارتكاب أو مساعدة من يقوم بارتكاب جرائم مماثلة، هو بكل تأكيد صعب التقبل والتصديق!! خاصة وأن هذه الأفعال قد بلغت في بشاعتها درجة لا يكاد يتصورها المرء فكيف يبلغ الخيال بالإنسان أن يتصور مواطنين بسطاء (بينهم أطفال، نساء وشيوخ طاعنون في السن) يُختطفون، يُشوهون، يُغتصبون، يُقتلون، يُذبحون... بتحريض من أولئك الذين يفترض أن يكونوا حماتهم ومنقذيهم من ذلك ؟
ومع ذلك، كما سنرى، فإن كل المناورات والألاعيب السابقة لأعمال العنف التي قام بها الإسلاميون، والتي كنت شاهدا عليها، كانت مؤشرا مسبقا لهذه الفظائع والشناعات. فمن المؤكد وبصفة خاصة أنه منذ سنة 1992 حتى سنة 1996، قامت جماعات إسلامية مستقلة بارتكاب جرائم وفظائع مريعة، ولكن القسم الأكبر من الاغتيالات والمذابح الجماعية المنسوبة إلى الإسلاميين منذ سنة 1992، وبصفة أخص منذ سنة 1997 هي في الحقيقة أعمال مباشرة أو غير مباشرة قام بها رجال تابعون نظاميا لهياكل الأجهزة الأمنية!!
إن هذا الموضوع هو الذي سأنكب على توضيحه والبرهنة عليه عبر فصول هذا الكتاب، كما أشرت في المقدمة، وذلك بهدف المساهمة في إظهار الحقيقة الخاصة بهذه "العشرية الحمراء" المتميزة بأرقام مفزعة تتمثل في 000 200 قتيل و1200 مفقود وعشرات المراكز للتعذيب (بمقياس "صناعي")، 000 13 معتقل 000 400 لاجئ وأكثر من مليون مُنقل أو نازح. ونتج عن هذه النكبة التي ضربت اقتصاد البلد إفقار جزء كبير من أفراد الشعب (البطالة مست أكثر من 30 % من الأفراد العاملين. ومن خلال تقديرات بعض المنظمات الدولية غير الحكومية فإن حوالي 15 مليون من أفراد الشعب الجزائري يعيشون تحت عتبة الفقر، وهو أمر متناقض تماما مع واقع بلد بمثل غنى الجزائر)، كما ظهرت من جديد أمراض سبق القضاء عليها منذ عشرات السنين (التيفوئيد، السلّ، الطاعون...) وتفشي آفات اجتماعية بصفة عامة (الرشوة، اللصوصية، الدعارة، الانتحار...).
إن هذا الكتاب يهدف - إذاً - إلى الحيلولة دون وقوع تزييف آخر، وتشويه جديد لتاريخ الجزائر، على غرار ما حصل بالنسبة لتاريخ حرب التحرير، الذي أعاد كتابته دجالون جعلوا أنفسهم أبطالا.
ذلك لأن الرأي العام العالمي ما يزال بعيدا جدا عن التصديق بالمدى الواسع الذي بلغته التلاعبات والمناورات الشيطانية التي قام بها الـ(أ.ع/SM) [هذا الشعار الأسطوري الذي لم يتبدل رغم كل التغييرات التي طرأت على التسمية كـ "المديرية المركزية لأمن الجيش" (م.م.أ.ج/DCSA) و"المندوبية العامة للتوثيق والأمن" (م.ع.ت.أ/DGDS) والتسمية الأخيرة منذ سبتمبر 1990 5 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftn5)وهي "قسم الاستخبارات والأمن" (ق.إ.أ/DRS) وبصفة خاصة تلك التي تهتم بالأخبار والإعلام عن أحداث الحرب والتي تُستبدل بها تلقائيا، وبمهارة فائقة أخبارٌ مشوهة "على المباشر".
ولعل التجسيد الأكثر إثارة للعجب والدهشة لهذه السياسة التشويهية المنقطعة النظير هو بدون شك ذلك الابتكار العجيب لأطروحة " من يقتل من؟" في أواخر سنة 1997. فبعد المذابح الرهيبة المرتكبة في ضواحي العاصمة صمم المناضلون الجزائريون لحقوق الإنسان والمنظمات الدولية غير الحكومية للدفاع عن حقوق الإنسان على المطالبة من جديد، بلجنة تحقيق دولية مستقلة لتسليط الضوء على الشكوك المخيمة حول تورط قوات الأمن في أعمال العنف المنسوبة إلى الجماعات الإسلامية.وفي هذه المرة بدأ صوتهم يسمع من "المجموعة الدولية" إلى درجة أن الناطق الرسمي باسم الحكومة الأمريكية جيمس روبين قد صرح يوم 05 يناير 1998 بأن حكومة بلاده ترغب في لجنة تحقيق دولية لمعرفة المسؤولين عن ارتكاب هذه المذابح ومدبريها 6 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftn6).
أمام هذا التهديد قامت مصلحة الدعاية في (ق.إ.أ/DRS) 7 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftn7)بابتكار شعار في غاية الفعالية والخطورة، حيث قامت باستعمال عملائها الإعلاميين في الجزائر وفي الخارج (وخاصة في فرنسا حيث يزيد عددهم عن الحاجة) للترويج والإيحاء بأن هذه المنظمات الدولية والشخصيات التي تساندهايجرؤون على طرح تساؤل "من يقتل من؟"، مع العلم أن هذه الصيغة في الحقيقة لم يسبق على الإطلاق أن استعملها المدافعون عن حقوق الإنسان (...) وهو التساؤل الذي وصف تلقائيا "بالبذاءة" (وهو التعبير نفسه الذي استخدمه بصفة خاصة كل من الفيلسوفين الفرنسيين اندري كلوكصمن، وبيرنار هنري ليفي)، لوصف تلك العبارة!، " ذلك أن كل هذه الجرائم، كانت قد أعلنت الجماعات الإسلامية المسلحة مسؤوليتها عنها"، ناسين بكل تأكيد التحقق من وجود هذه الاعترافات أصلا، وإذا ما وجدت بالفعل التأكد من صحتها!
ونلاحظ خلال السنوات اللاحقة، وحتى اليوم، أن كل من يشكك في دور قوات الأمن في الاغتيالات والمذابح التي ما يزال حتى الآن يكتنفها الغموض وتحوم حولها الشكوك.. نجدهم يلصقون به فورا وبصفة تلقائية تهمة "نصير أطروحة من يقتل من؟" [إن ما يجب أن يُعرف هو أن مصلحة الدعاية التابعة لـ(ق.إ.أ/DRS) وصحافة معروفة بعينها مكلفين خصيصا بمتابعة وكشف أي محاولة للتشكيك في مصداقية الخطاب الرسمي...و إن أقل تلميح أو أبسط تساؤل ولو محتشم في هذا الخصوص يدان في الحين ويتهم "بمحاولة تبرئة الإسلاميين من جرائمهم"، وذلك لتأكيد وترسيخ التفسير الرسمي السائد للصراع، والمتمثل في شرعية الحرب التي يخوضها الجيش الجمهوري اللائكي ضد "مجانين الله الإرهابيين"]. وقد أتاح هذا التبسيط للأمور، تبرير كل الجرائم، وذلك بحصر هذه المأساة في صراع ثنائي مخادع بين بعض أطرافه المحركة، والتغاضي عن أطراف أخرى لا تقل أهمية، ابتداء من الشعب ذاته!
إن هذه الممارسات التي تغذي الخلط والإبهام قد بلغت في تفننها من الإتقان ما يجعل الشك يساور أكثر الناس حنكة وفطنة ودراية. وهكذا فليوهموا الرأي العام بأن هذه المذابح المرتكبة في حق المدنيين قد تمت بالفعل على أيدي الإسلاميين... قام (ق.إ.أ/DRS) بضبط آلية جهنمية لا تكاد تخطئ الهدف ويتمثل هذا "الاختراع الشيطاني" في إدراج إسلاميين حقيقيين ضمن مجموعات (مُشكلّة) من تلك الوجوه الإسلامية وعناصر من وحدات الأمن، وتكلف هذه المجموعة بتنفيذ العمليات المبرمجة في الزمان والمكان المحددين...(ويتعلق الأمر هنا بأفراد من الإسلاميين كانوا قد ألقي عليهم القبض من قبل، وتم إكراههم، سواء تحت التعذيب أو إغراؤهم بتقديم وعود لهم بالتخفيف، أو الإعفاء من جرائم ثابتة ضدهم... والنتيجة هي إرغام هؤلاء أو أولئك على التعاون مع القوات الخاصة المكلفة بتنفيذ العمليات، وساعة ارتكاب المذبحة يأمر المسؤولون بتجاوز المنازل الأولى من الحي أو القرية المستهدفة، ويتعمدون عدم قتل أهلها، كي يتخذوا منهم في اليوم التالي شهود إثبات على أنهم رأوا بأم أعينهم سير العملية من البداية إلى النهاية، وأنهم تعرفوا، بما لا يدع مجالا للشك على إسلاميين يتقدمون المجموعة المهاجمة التي ارتكبت "المذبحة".
ولا داعي للإشارة هنا أن وجوه هؤلاء الإسلاميين "دليل دفع التهمة" تكون طوال الليل مكشوفة بينما تظل وجوه بقية عناصر المجموعة المجرمة من قوات الأمن كلها ملثمة!!
وهكذا فإن حبك الأمور بهذه الكيفية الشيطانية هو الذي جعل أطروحة "من يقتل من؟" تأتي أكلها وتحقق النجاح المأمول لها في نظرهم!
الأمن العسكري (أ.ع/SM) في قلب السلطة
أذكر وأنا أختار الـ(أ.ع/SM) ولحظة انخراطي في (ج.و.ش/ANP) في يوم7 من شهر يوليو1974، وكنت أبلغ حينها واحدا وعشرين سنة، كان طموحي وغايتي أن أقدم مساهمتي المتواضعة في بناء دولة قانون قوية، ديمقراطية، مؤسسة على مبادئ وقيم نوفمبر (مبادئ وقيم مفجري ثورة التحرير في الأول من نوفمبر سنة 1954) واحترام الحريات واختيارات الشعب.ومع الزمن وبفعل الوظائف والمسؤوليات التي كان لي شرف تقلدها، ومع التجربة والخبرة التي توفرت لدي على مدى سنوات الخدمة التي نيّفت عن العشرين سنة، أستطيع أن أجزم وبكل تأكيد أن الـ(أ.ع/SM) هو "قلب" السلطة في الجزائر!
انه دولة حقيقية داخل دولة، يتمتع بصلاحيات وإمكانات ووسائل لا حدود لها. ولقد اكتسب هذا السلك من الأمن بحق شهرة "صانع الملوك" لأن "المصالح" كما نسميها، هي التي كانت تُعين أو تَعزل المديرين العامين للمؤسسات العمومية، الولاة، القناصل والسفراء، نواب البرلمان والوزراء وحتى رؤساء الجمهورية !!
غير أنه ولسوء الحظ تأكدت خلال سنوات التسعينيات من حقيقة أخرى، وهي أنها بدلا من أن تضع هذه المؤسسة إمكاناتها الهائلة ووسائلها الضخمة في خدمة البلد والشعب أصبحت توجهها ضد الجزائر والجزائريين. إن رؤساء (ق.إ.أ/DRS) محمد مدين، وإسماعيل العماري، وكمال عبد الرحمان، وتحت ذريعة إنقاذ الوطن من "التهديد الأصولي" قد نظموا بالتواطؤ مع أعضاء عصابة الجنرالات وبعض "الدمى المدنيين" عملية نهب ثروات البلد وارتكاب جرائم بشعة ضد مواطني بلدهم، فلم ينجو منهم لا الإسلاميون ولا الديمقراطيون ولا المثقفون ولا حتى العسكريون. فالشعار الوحيد لهؤلاء المفترسين هو تسيير البلد على هواهم وحسب أمزجتهم المتقلبة، دون قبول أي شكل من أشكال الاحتجاج!!
فابتداء من سنة 1988، وبصفة خاصة بعد 1992، ثلاثون سنة بعد انتهاء حرب تحرير بلدهم عرف الشباب الجزائري معسكرات الاعتقال (المسماة كناية "بالمراكز الأمنية") في الصحراء، كما عرفوا الاختطاف، والاستخدام الواسع للتعذيب (المستعمل بكيفية تلقائية لابتزاز المعلومات – أو خاصة لإذلال المعتقلين) وكذلك التصفيات الجسدية والاغتيالات السياسية (محمد بوضياف، قاصدي مرباح، عبد الحق بن حمودة، عبد القادر حشاني...) المحاكم الخاصة، حظر التجول، "مواطني الدرجة الثانية" 8 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftn8) الميليشيات، و"جماعات الدفاع الذاتي (ج.د.ذ/GLD)" كل ذلك يذكر الجميع بممارسات جيش الاحتلال (تجنيد، استخدام الجنود الإضافيين كالحركى، المخازنية، القومية...) فلا يستغرب –إذن- إذا اعتقد الجزائريون وهم يشاهدون ذلك بأعينهم ويلمسونه بأيديهم أن سياسة جنرالات اليوم هي امتداد أو استمرار لتلك السياسة التي مارسها عساكر الاحتلال في سنوات الخمسينيات من القرن الماضي !!
لا يمكنني أن أسكت وليس لي الحق في ذلك، لأن السكوت يعتبر تواطؤا مع هذه السلطة المجرمة، ولذلك فإن قصدي الأساسي في تـأليف هذا الكتاب هو تقديم شهادتي على أحداث محددة بعينها، قد عايشتها كفاعل منفذ أو كملاحظ منتبه، وإني أقوم بهذا عن قناعة تامة، شعورا مني بالواجب، وبنزاهة القصد، لكي لا يُزور تاريخ الجزائر المعاصر من طرف الدجالين والمتآمرين الدمويين، كما أقوم بهذا العمل كذلك وفاء لذكرى العديد من هؤلاء الذين ذهبوا ضحية الجريمة المخططة في هذه العشرية، وهذا بأمل أن تساعد مساهمتي المتواضعة هذه على استرجاع الشعب الجزائري سيادته وحريته واستقلاله الذي دفع من أجل الحصول عليه ثمنا باهضا!
سيتطرق هذا الكتاب إلى اختراق (ج.إ.إ/FIS) كهيكل سياسي، وزعزعة استقرار الوزير الأول مولود حمروش (المبادر الصادق لإجراء الإصلاحات الاقتصادية، في 1990 و1991، كما سيتطرق أيضا إلى تكوين "النواة الصلبة " للحركة الإسلامية الراديكالية في الجزائر، وكذلك توقيف المسار الانتخابي (في يناير 1992) والذي كان يستهدف بالدرجة الأولى "إطلاق العنان" للعنف، وقيام مصالح المخابرات بتكوين الجماعات الإسلامية المسلحة وعملهم كحلفاء للسلطة، حيث أنه وفي هذه السنوات بالذات(1990–1991) كما سأبينه، أخذت تتجذر البذور الأولى للمأساة المفجعة التي أدمت الجزائر وما تزال تطيل نزيفها إلى اليوم !
سأتطرق كذلك وبأكثر دقة ممكنة لدور هذه "الجماعات الإسلامية للجيش" وهي التسمية التي أطلقها عليها الشارع الجزائري(الذي لم يعد مغفلا منذ زمن طويل) سأفضح دورها في المذابح والاغتيالات الأكثر مشهديه وشناعة وكذلك تصفية الشخصيات السياسية، والعسكرية، وسأذكر توجيههم واستغلالهم من طرف رؤساء الـ(أ.ع/SM) في صيانة "الحرب القذرة" والقيام بمحاولات اغتيال معارضين في الخارج أو استعمالهم كأدوات ضد "المصالح" الفرنسية، وخاصة ما يتعلق بالتفجيرات المأساوية التي وقعت في باريس سنة 1995.
إن القارئ غير المطلع وغير المحنك سيفاجأ عند قراءة هذه الصفحات بالطابع المعقد، والمدى الصعب التصديق، الذي بلغه هذا الاستخدام والتلاعب مع أنه في الحقيقة واقع مؤكد ومثبت بالأدلة القطعية. ولكن ما يجب أن يُعرف هو أن هذه الممارسة التي يقوم بها رؤساء الجيش، والمصالح التي توجه ساسة البلد منذ 1988، لا يمثل في الحقيقة ابتكارا أو شيئا جديدا بل هو يندرج ضمن تقاليد "عريقة" في التسيير السياسي بواسطة "الضربات الدنيئة" تقاليد تعود إلى استقلال الجزائر سنة 1962، بل تعود إلى سنوات حرب التحرير !! وحتى لو لم يكن ذلك من أهداف هذا الكتاب، فيجب التذكير بأن السلطة الفعلية أو الحقيقية كانت قد صودرت بالفعل منذ سـنة 1962 من طرف كمشه من الضباط تكونوا في مدرسة المخابرات السوفياتية (كاجيبي/KGB) والذين اتخذوا من أساليب التلاعب والمناورة الطريقة الأنجع للتحكم في نزاعاتهم الداخلية والسيطرة على الشعب، "فأصحاب القرار" اليوم ومن خلال استغلالهم للعنف الإسلامي كتغطية "لإرهاب الدولة" لم يقوموا إلا بمواصلة العمل المتمادي في استعمال الطرق والأساليب التي ورثوها عن أسلافهم.
وأخيرا، يجدر بي أن أذكر هنا أن إعداد هذا الكتاب لم يكن بالأمر السهل وقد زاد في صعوبته لجوئي إلى بذل جهود مضنية للتذكر، كي أستحضر الأحداث التي وقعت منذ أكثر من عشر سنوات، حيث لا مفر من وجود بعض الثغرات، لقد اخترت توخي الدقة بقدر الإمكان إلى درجة أنني تجاوزت عن ذكر بعض الأسماء والتواريخ التي لم أكن متأكدا منها، والتزام هذه الصرامة في نظري هو احتياط لابد منه حتى لا أترك أية ثغرة، وبالتالي أية فرصة للجنرالات، وعملائهم، كي يلقوا بظلال الشك، وفقدان المصداقية على ما أذكره من حقائق قاطعة، ويصفونها "بالقذف" وذلك لأنني مثل العديد من الذين عايشوا "سنوات الدم" وقطعوا الصلة معها وهم اليوم لاجئين يستحيل علي ماديا حتى لحظة كتابة هذه السطور، أن أبرهن وأثبت تلقائيا بالمعنى القضائي للكلمة – مجموع الوقائع التي انقلها، في حين أن الطاعنين في أقوالي هم في موقع يسمح لهم "بفبركة" وتلفيق أية أدلة وإحضار أي شهود!! فلهذا اخترت ألا أحدد بالاسم ولا أذكر إلا الفاعلين المؤكدين في هذه الحلقات المأساوية، لأني أعرف أنهم إن غامروا في رفع دعوة ضدي أمام العدالة الفرنسية بتهمة "القذف" فسأكون قادرا حيينها على تقديم "عرض من الأدلة" لن يستطيع محاموهم أن يدحضوها أبدا.!!
آخر تدقيق: إني أعرف مسبقا أن هذه الصفحات ستتعرض للنقد الشديد من "أصحاب القرار" في الجزائر، بواسطة مصالح العمل النفساني التابعة لـ(ق.إ.أ/DRS) وأدواتها الإعلامية المعروفة... وقد سبق و أُخطرت بذلك بعدة طرق وخاصة في الثالث من شهر يوليو سنة 2002، أثناء الإدلاء بشهادتي أمام الغرفة 17 للمحكمة العليا بباريس، لصالح الضابط السابق في القوات الخاصة الجزائرية الحبيب سوايدية الذي كان متابعا قضائيا بتهمة "القذف" من طرف وزير الدفاع السابق الجنرال خالد نزار، بسبب الحديث الذي أدلى به للقناة الفرنسية الخامسة ضد "أصحاب القرار" في الجزائر على إثر صدور كتابه "الحرب القذرة" 9 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftn9).
بعد الإدلاء بشهادتي صرح الجنرال خالد نزار للعدالة بقوله "إن السيد سمراوي غادر الجزائر منذ 1992، بعد ستة أو سبعة أشهر من توقيف المسار الانتخابي... فبعد 12 سنة من الوضع القائم في الجزائر توجد هناك تطورات ولا أظن أن السيد سمراوي ملم بكل العناصر". 10 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftn10) وألاحظ هنا عابرا أن السيد خالد نزار تحدث سنة 2002 عن "12 سنة" فهو يعتبر إذن أن الوضعية التي كان هو أحد المسؤولين أثناءها، قد بدأت سنة 1990 وليس منذ انقلاب 1992. هنا يكمن أحد مفاتيح فهم خلفيات الفاجعة التي يعيشها وطني منذ ذلك التاريخ!
فهذه إذن مسائلة جوهرية سأحاول أن أتناولها بالتفسير في هذا الكتاب، خاصة وأنني اعتقد أنني قد أجدت "الإلمام بكل العناصر" التي يتحدث عنها السيد نزار، وأترك الحكم للقارئ.
1990-1991:
الإسـلاميـة المـوجهـة
1
زعزعـة استقـرار مولود حمروش
في شهر مارس من سنة 1990 بعد مروري سريعا على نيابة مديرية مكافحة التجسس، عينت رئيسا "لمصلحة البحث والتحليل"(م.ب.ت/SRA) التابعة "للمندوبية العامة للتوثيق والأمن" (م.ع.ت.أ/DGDS)، وهي إحدى فروع جهاز الـ(أ.ع/SM) الجزائري، كانت البلاد حينئذ في حالة غليان، ورؤساؤنا بصدد العهد إلينا بمهام جد خاصة لمواجهة هذه الحالة المستجدة. ولكن قبل أن أشرع في تفصيل ذلك يتعين علي أن أعود إلى الوراء لمعرفة المناخ الذي كان يسود صفوفنا حينذاك.
الـ(أ.ع/SM) وصدمة أكتوبر 1988
في شهر نوفمبر 1987، قام رئيس الجمهورية الشاذلي بن جديد (بإيعاز من رئيس ديوانه الجنرال العربي بلخير "الذي ستكون لي فرصة العودة إلى الحديث عنه بالتفصيل") بإعادة تنظيم جذري لجهاز الـ(أ.ع/SM)، العمود الفقري للسلطة منذ استقلال الجزائر سنة 1962. حيث تم تقسيم الجهاز إلى كيانين مختلفين تماما وعمليا منفصلين هما: "المندوبية العامة للوقاية والأمن" (م.ع.و.أ/DGPS) تابعة لرئاسة الجمهورية، قد أسندت إلى الجنرال مجدوب لكحل عياط (الذي كان يسير الـ"أ.ع/SM" منذ 1981) و"المديرية المركزية لأمن الجيش" (م.م.أ.ج/DCSA) أصبحت منذئذ مسيرة من طرف الجنرال محمد بتشين، وهذا الجهاز كان يتكلف خاصة وحصرا بالمسائل العسكرية.
كانت مهمة (م.ع.و.أ/DGPS) تتمثل في محاربة التجسس، والأمن الداخلي، و"الوقاية الاقتصادية"، بهدف مكافحة الآفات التي كانت تنخر المجتمع، وخاصة الاختلاسات، الرشوة، نهب أموال الدولة، وكذلك التكفل بمتابعة إنجاز الصفقات العمومية ومراقبة الشركات الأجنبية في الجزائر. وبعبارة مجملة فإن كل ما يخص الحياة المدنية كان يدخل ضمن صلاحيات هذا الجهاز.
إن لكحل عياط، و بتشين، على الرغم من أنهما لا ينحدران من جهاز الـ(أ.ع/SM) ولم يكن لديهما مؤهلات خاصة في مجال الاستخبارات فكلاهما معروف بكونه عسكريا جيدا، ويكاد مسار خدمتهما العسكرية يكون مماثلا: قيادة لواء ناحية عسكرية، لكن لكل واحد منهما طابعه الخاص.
كان الجنرال لكحل عياط المنحدر من عائلة ميسورة الحال من عين رقادة بالقرب من واد الزناتي، محترما جدا، رجل مرح، يتميز باعتدال يصل أحيانا إلى درجة التراخي، وقد فوض جزءا كبيرا من صلاحياته إلى مرؤوسيه الذين كان يمنحهم ثقة تامة، والذين استغلوها ليقلبوا له الأمور بكل مكر. إن الجنرال لكحل عياط من الضباط السامين القلائل جدا في (ج.و.ش/ANP) الذين قبلوا طواعية أن يكونوا كبش فداء وأن "يدفعوا" من أجل الآخرين، مؤديا في ذلك دور الصهيرة أو "كبس الاحتراق" في الوصلة الكهربائية، من أجل رفاقه في "الديوان السري" وهذا يدل على أن نزاهته الأخلاقية لا يمكن أن توضع محل الشك.
الجنرال محمد بتشين أكثر حذرا، ذو شخصية قوية، معروف في قسنطينة – مدينته الأصلية – كمشجع متحمس للفريق الرياضي القسنطيني، نادي كرة القدم الذي كان رئيسه الشرفي، ملاكم قديم، وطني حتى النخاع، رجل حازم، وأوامره لا تقبل أي نقاش.
من نوفمبر 1987 إلى أكتوبر 1988 كان جهاز الـ(أ.ع/SM) يراوح مكانه في حالة انتظار: الجنرالان لكحل عياط ومحمد بتشين قضيا السنة يتنازعان حول اقتسام وتوزيع الأفراد والوسائل.
رجال كلا المصلحتين قضوا جزءا كبيرا من الوقت في مراقبة بعضهم بعضا (كما كان الأمر في زمن النزاعات والمناوشات الداخلية في سنوات التسعينيات) في ذلك الوقت كان الرئيس الشاذلي بن جديد بمشورة الجنرال العربي بلخير، يعتزم القيام بانفتاح اقتصادي قابل للتطور والتكيف مع المستجدات: لم يكن واردا لديهم إجراء أي انفتاح سياسي ولكن إعطاء بعض الحرية داخل حزب (ج.ت.و/FLN) الحزب الوحيد في البلاد منذ الاستقلال سنة 1962.
في هذه الظروف أرادت عصابة بلخير أن تستغل هذا المعطى الجديد كي تتخلص من الضباط الذين كانوا يعارضون هذه السياسة وخاصة منهم ضباط الـ(أ.ع/SM)، وهو ما يفسر "إعادة الهيكلة " للـ(ج.و.ش/ANP) التي كان قد شُرع فيها في منتصف الثمانينيات، توخيا الحيطة والحذر من احتمال وقوع أي انقلاب عسكري 11 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftn11)من جهة، وإبعاد جيل كامل من الضباط المنحدرين من جيش التحرير الوطني الجزائري من جهة أخرى، وبصفة خاصة أنصار الحزب الواحد المتحمسين له وللعقيدة الاشتراكية. وقد كان هذا التطهير فرصة للجنرال العربي بلخير، وهو الرجل القوي فعليا في السلطة، أن يعمل على تركيع "المصالح" 12 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftn12) أو على الأقل إضعافها بهدف التخطيط "لاستحقاقات" قادمة، ووضع رجال من زمرته أوفياء لسياسته وينفذون تعليماته على الرأس والعين.
أستطيع أن أذكر عشرات الحالات الخاصة بالضباط المبعدين وخاصة المديرين العامين للـ(أ.ع/SM) مثل الرواد حاج عمر جرمان، معروف، عبد العلي، محمود، وزيادة (وسأقتصر فقط على ذكر أولئك الذين أعرفهم شخصيا على مستوى الناحية العسكرية الخامسة، لأن الأسلوب نفسه هو الذي اتبع في النواحي العسكرية الأخرى، النقباء محمد بوقلاب من قسنطينة، علي عميرش من سطيف، خان من القلّ، بلقاسم مناسل من باتنة، عبداوي من سطيف، محمد الصالح المدعو "فليو" من عزابة، وكذلك رؤساء مكاتب أمن القطاع (وقد كان يوجد واحد في كل ولاية) كالملازم عبد الله صحراوي من عنابة، وبلقاسم درموني من تبسة، الصديق من خنشلة، عمور من سكيكدة... أصبح الـ(أ.ع/SM) في أزمة حقيقية متخبطا في العديد من المشاكل المصطنعة جراء النزيف الذي أصابه نتيجة ذهاب العديد من الضباط الأكفاء إلى التقاعد، وبالتالي عجز العديد من إطاراته عن فهم وإدراك خلفيات وأبعاد أحداث أكتوبر 1988.
هذه الأحداث رسمت منعطفا حاسما في تاريخ بلادنا منذ الاستقلال من يوم 5 إلى 10 أكتوبر شهدت البلاد تمردا شعبيا غير مسبوق راميا مئات الآلاف من الشبان في شوارع وطرقات كبريات مدن الوطن مهاجمين كل رموز النظـام(مقرات حزب "ج.ت.و/FLN"، وزارات، بنوك، محلات تجارية تابعة للدولة...)، كان القمع شرسا فبعد إعلان حالة الطوارئ لم يتردد الجيش تحت قيادة الجنرال خالد نزار في إطلاق النار على الحشود، موقعا أكثر من خمسمائة قتيل وقد ألقي القبض على الآلاف من المتظاهرين الذين كانوا يعذبون بصفة تلقائية13 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftn13).وبالفعل سرعان ما عرفنا بأن تلك المظاهرات كانت نتيجة تدبير مخطط من "أصحاب القرار" التابعين لزمرة العربي بلخير. لقد نظموا عن قصد – عملية نقص بعض المواد والسلع ذات الاستهلاك الواسع في السوق ليُشعلوا فتيل الفتنة!
لقد كان هدفهم الأساسي هو تحطيم حزب (ج.ت.و/FLN)، والشروع في تحقيق نوع من الانفتاح السياسي "المراقب" الذي يخدم شهيتهم في الفوز بالسلطة والثروة!
إن وضع الشاذلي بن جديد وقتها كان في غاية الضعف من جراء فضيحة رشوة تورط فيها ابنه توفيق (والمعروفة بقضية موحوش) ونظرا لرغبته في الحصول على عهدة ثالثة فانه لم يكن أمامه أي بدّ من التكفل والتغطية على الدسائس التي كان يدبرها مرشده العربي بلخير.
وعليه فقد سددت العديد من الشخصيات السياسية والعسكرية المقلقة فاتورة هذه الأحداث "العفوية" بدأ برئيس الحكومة منذ 1979 الدكتور عبد الحميد براهيمي الذي أعفى من مهامه في 9 نوفمبر 1988 وعّوض بالرئيس السابق للـ(أ.ع/SM) قاصدي مرباح 14 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftn14)، ثم محمد الشريف مساعدية الأمين الأول لحزب (ج.ت.و/FLN)، ولقد عرف نفس المصير أيضا رئيس(م.ع.و.أ/DGPS) كبش الفداء الذي وجد ليتحمل مسؤولية القمع الوحشي: ابتداء من نهاية أكتوبر 1988 أقيل الجنرال لكحل عياط وعين مكانه رئيس (م.م.أ.ج/DCSA)، الجنرال محمد بتشين الذي يترك منصبه للجنرال محمد مدين المدعو "توفيق" هذا الأخير كان آنذاك مسؤولا عن تنسيق مصالح الأمن برئاسة الجمهورية.
لقد ورث ببساطة على "طبق من فضة" إدارة تتوفر على وسائل مادية هائلة، عانى الجنرال بتشين في تجميعها، وقد جلبت له الكثير من المتاعب والخصومات!
لقد كان السياق السياسي وقتها يتطلب بالضرورة وجود رجل قوي على رأس أقوى فروع الـ(أ.ع/SM) والذي يكون في الوقت ذاته وفيا، وقريبا من زمرة "أصحاب القرار" وهي بالضبط الصفات المتوفرة في توفيق.
إن الجنرال محمد بتشين لم يكن رجل الوضعية: فالظروف الصعبة الآنية هي فقط التي فرضته، كما كان الحال بالنسبة لقاصدي مرباح عندما كان الأمر يتطلب اختيار رجل نزيه لقيادة الحكومة بعد شلال الدم الذي سال في أكتوبر 1988. تبين أن تكتيك الجنرال العربي بلخير المخ المدبر للرئيس الشاذلي بن جديد كان ناجحا... فالجنرال محمد بتشين الذي كان قد أفرغ (م.ع.و.أ/DGPS) من بعض عناصرها الممتازة لصالح (م.م.أ.ج/DCSA) وجد نفسه على رأس هيكل "مدني " مُنهك (سمي لاحقا "بالمندوبية العامة للتوثيق والأمن" "م.ع.ت.أ") والذي كان قد قام لتوه بإفراغه من محتواه وتقطيع أواصله كما أسلفنا!
لكن بالنسبة إلينا لم يتغير أي شيء على الإطلاق فمهامنا وصلاحياتنا داخل الدار لم يطرأ عليها أي تغيير، نفس الأشخاص بقوا في أماكنهم، يقومون بنفس المهام وعمليا بنفس المنظم. وكل الناس واصلوا استعمال تسمية "الـ(أ.ع/SM)" عند الحديث أو الإشارة إلى مصالح الأمن (فعبارة (م.ع.ت.أ/DGDS) لم يكن لديها وجود إلا كترويسة للتقارير أو عند طلب الرخص والعطل...)
آمال حكومة حمروش وصعود الـ(ج.إ.إ/fis)
لقد مثل أكتوبر 1988 بكل تأكيد زلزالا شديدا بالنسبة للطبقة السياسية الجزائرية، أذكر جيدا الانتقادات العنيفة التي كان يوجهها العديد من محافظي حزب (ج.ت.و/fln) في الولايات (المحافظات) للرئيس الشاذلي بن جديد، ونعته "بالخائن" لكونه خضع لأوامر "حزب فرنسا" وهو ما يعتبر أفظع شتيمة في الجزائر. فقد كان الكثير من قادة الحزب الواحد في ذلك الوقت المتخوفين من الانفتاح الذي أخذت تتحدد معالمه، لا يفهمون موقف الرئيس الذي كان يبدو أنه يقوم بشن حرب ضد حزب (ج.ت.و/fln) رمز الثورة.
وبالفعل فقد عرفت البلاد وقتها انقلابا عجيبا في الأوضاع : إن الدستور الجديد المصادق عليه في 28 فبراير 1989 يجيز تعدد الأحزاب ويعترف مبدئيا –ولو بكثير من التحفظ – بالتعددية بكل أشكالها (السياسية، النقابية، الثقافية...) وهذا قد أثار، واغضب، رجال (ج.ت.و/fln) وخاصة أولئك الذين كانوا يستغلون بطاقة أو عنوان الحزب للاستفادة من الامتيازات المختلفة كالتملك غير القانوني لأملاك الدولة والرشوة والمحسوبية وما شابه ذلك...
وهو ما أصبح أمرا عاديا عند تذوق طعم السلطة وامتيازاتها لاسيما أن مفهوم إعادة توزيع المداخيل لم يدخل بعد في ثقافة هؤلاء السدنة الذين لم تكن الديمقراطية معروفة لديهم، كما كانوا يجهلون تماما وجود أي شيء يسمى سلطة فعلية مضادة..
إلا أن الأمر في الواقع كان يتعلق بانفتاح "تحت الرقابة" ذلك أن التوجيهات التي عجلت بأحداث أكتوبر 1988 كانت تعني حقيقة أن العسكريين "أصحاب القرار" أدركوا أن المحافظة على السلطة لا يمكن أن تتم إلا بهذا الثمن. معولين على استعمال مبدأ "فرق تسد" فأعّد العربي بلخير وحلفاؤه مخططا بسيطا مفاده: اقتسام الواجهة السياسية بين التيار الإسلامي، والتيار الوطني (ج.ت.و/fln) والتيار المسمى "ديمقراطي" ممثلا في "جبهة القوى الاشتراكية" (ج.ق.إ/ffs) والشيوعيين وحزب الحركة البربرية، "التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية" (ت.م.ث.د/rcd) الذي حصل على الاعتماد في فبراير 1989. وكما أعلمنا لاحقا، فإن حساباتهم كانت تقوم على تقسيم الأصوات على الأقطاب الثلاثة بنسبة 30% لكل واحد منهم، مع ترك هامش للمناورة بقدر 10% يقدم عند الاقتضاء للبراليين أو المستقلين أو التكنوقراطيين، مهما يكن فالمهم أن القاعدة الشعبية لهذا القطب وذاك تظل محدودة ولا يكون هناك حظ لأي واحد منهم أن يفرض نفسه على الساحة السياسية كقوة وحيدة منفردة.
لقد كان الهدف المتوخى(غير المعلن بطبيعة الحال) هو أن لا تسفر "ديمقراطية الواجهة" هذه عن أية أغلبية مطلقة، وتسمح بذلك لعبة التحالفات اللازمة للحكم "لمحركي الدمى" من مواصلة القيادة والتسيير بفضل البيادق المزروعة هنا وهناك داخل التشكيلات السياسية.
لكن لم يكن يدرك هذه الحسابات في ذلك الوقت إلا القليلون جدا، فالوقت كان للحماس الذي كان يعيدنا بكيفية ما إلى روح ثورة الاستقلال. فبالنسبة للكثير من الجزائريين، كان جيل الفاتح من نوفمبر (ذلك الذي فجر ثورة التحرير الوطني) المجسد في مراد ديدوش، مصطفى بن بولعيد، يوسف زيغود، والكثير غيرهم من المجاهدين الصادقين أبطال تلك الملحمة المجيدة التي ترمز إلى أسمى وأروع أنواع التضحية في سبيل استقلال الجزائر. لقد كان ذلك بالنسبة لي مثلا احتذى به عندما انخرطت في الجيش، واضعا في اعتباري أنه إذا كان أسلافنا الميامين قد سقطوا في ميدان الشرف من اجل تحطيم نير الاستعمار، فإن دور جيلنا هو التضحية من اجل إقامة دولة عصرية تسودها العدالة، تتركز على أسس وقيم نوفمبر 1954 لكي يعيش الشعب الجزائري في كنف العزة والكرامة والازدهار.
بديهيا، أن الذين كانت لديهم هذه القناعات قبل 1988 كانوا يدركون أن تشييد دولة "مثالية" يتطلب الكثير من الوقت والجهد وان النقص والقصور الملاحظ هنا وهناك كان دائما يسجل على حساب نقص التجربة وعدم وجود نخبة قادرة على وضع سياسة حقيقية لإعادة بناء الدولة. كنا نجد دائما الذرائع لتبرير عجزنا الذي ينحصر في شيئين هما التراخي، والمجاملة. ولا أحد كان يجرؤ على ذكر نقص الشفافية، وغياب الحرية، وضعف روح المبادرة. غير أنني لم أفقد الأمل، وعكس الكثير من زملائي، فقد كنت مطمئنا عندما شق الرئيس الشاذلي بن جديد الخطى نحو الانفتاح السياسي وإقرار التعددية الحزبية بعد أحداث أكتوبر 1988، وتحت ضغط الشارع وبعض "مستشاريه".
ولقد كبرت ثقتي وازداد أملي يوم 9 سبتمبر 1989 عندما أسندت الحكومة إلى مولود حمروش (بعد قاصدي مرباح الذي لم يبق سوى ستة أشهر) وهو رجل شاب نشيط وكفأ. ابن الشهيد هذا هو مقدم في (ج.و.ش/anp) كان مرافقا للرئيس الراحل هواري بومدين قبل أن يتدرج في سلم المسؤولية شيئا فشيئا : فقد بدأ رئيسا للديوان في الرئاسة ثم أمينا عاما للرئاسة فرئيسا للحكومة خلفا لقاصدي مرباح.
كان على عاتق مولود حمروش إقحام حكومته في العمل على جبهتين: الشروع في عملية الإصلاح الاقتصادي، وإعادة بناء المؤسسات لتكييفها مع متطلبات الديمقراطية.
عندما استلمت وظيفتي كرئيس (م.ب.ت/sra) التابعة لـ (م.ع.ت.أ/dgds) في مارس 1990 كان البلد مقبلا بعد ثلاثة أشهر على أول انتخاب تعددي في تاريخه الفتي: كان الاقتراع قد حدد إجراؤه يوم 12 جوان للتنافس على الفوز بالمجالس الشعبية البلدية والولائية. ومنذ شهور ظهر في الساحة معطى جديد شوش على رجال "الحل والعقد" العسكريين، وسبب اضطرابا كذلك "للإصلاحيين" في حكومة حمروش: ويتمثل هذا المعطى الجديد في صعود (ج.إ.إ/fis) التي أسسها عباسي مدني وعلي بن حاج، والتي حصلت على الاعتماد يوم 6سبتمبر 1989، وقد حجبت الأنظار بالفعل عن التشكيلات السياسية الأخرى وكادت تفرض نفسها كبديل لـ(ج.ت.و/fln) الحزب الحاكم منذ الاستقلال!
لقد سجلت (ج.إ.إ/fis) نقاط أثناء زلزال نوفمبر 1989 والذي ضرب منطقة تيبازة، حيث هب مناضلوها إلى تقديم المساعدة، وإسعاف المنكوبين وكانوا يرددون بسخرية آنذاك بأن "الابن فعل أفضل من الصهر" في إشارة إلى المعنى المختصر لبداية حروف (ج.إ.إ/fis) التي تقابلها بالحروف اللاتينية (f.i.s) وتعني في اللغة الفرنسية "ابن" تلميحا بذلك إلى أن " الابن " الذي هو (ج.إ.إ/fis) فعل ما لم يفعله "الصهر" وهي إشارة واضحة إلى والي (محافظ) تيبازة الذي كان بالفعل "صهرا" للرئيس الشاذلي بن جديد بما يحمل ذلك أيضا من معاني للإشارة إلى جو محاباة الأقارب الذي كان سائدا... في الوقت الذي صرح مدير الإدارة المحلية بالولاية للتلفزة الوطنية مقرا بأنه "وجد نفسه عاجزا عن تقديم المساعدة للمتضررين من الزلزال" مع العلم أن المخبزة الصناعية في مدينة الشراڤة لم تكن تبعد أكثر من 30 كلم عن مكان الزلزال، وكان بإمكانه أن يجعلها تساهم بشكل فعال في توفير الخبز للمنكوبين، في هذه الأثناء كان مناضلو (ج.إ.إ/fis) يعملون بدون انقطاع كخلية نحل على إيصال المواد الغذائية والبطاطين للمنكوبين في قوافل متتالية.
إن هذه الانطلاقة في العمل التضامني بقدر ما كانت تخدم بالتأكيد غرضا انتخابيا، كانت تتباين مع انشغالات كبار المسؤولين في الولاية الذين كانوا مجندين لإزاحة أكوام الحجارة والدمار عن الطريق المؤدية إلى الفيلا التي يملكها الجنرال محمد عطايلية بشنوة، بالرغم من أنها لم تكن مسكونة!
إن هذا الحماس لدى الإسلاميين أحدث تباينا صارخا مع جمود إطارات الإدارة المحلية، كما أن الأسواق "الإسلامية" التي مكنت المحرومين، وضعاف الدخل من الحصول على الخضر والفواكه بأسعار معقولة في شهر رمضان لسنة 1990، كانت أيضا من العوامل التي زادت من توسيع القاعدة الشعبية لهذا الحزب، وبالإضافة إلى ذلك فإن قادة (ج.إ.إ/fis) الذين اتخذوا من الإسلام الداعي إلى إصلاح الأخلاق والتطهير سجلهم التجاري قد أحسنوا استغلال أخطاء المسؤولين المحليين والشقاء الذي يعيشه المجتمع، وشعور الشبيبة بأنها مهمشة وبدون مستقبل، إضافة إلى مشاكل البطالة، والسكن، التي تضرب أطنابها دون أن تعرف أي حل !
صراع العـصب في القمة
من ناحيتي أنا كانت الأمور واضحة، بعد خلافتي للرائد حاج لرباع على رأس مصلحة البحث والتحليل (م.ب.ت/sra)، وهو منتوج خالص "معتق" من النظام القديم، كنت أظن أني جسدت التغيير، وكنت أرى من واجبي نفخ روح التجديد هذه في نفوس رجالي.
ومن باب النزاهة الفكرية، أرى من واجبي أن أقرّ هنا بأن التعليمات لم تكن تسير في هذا الاتجاه بالضبط، الخطأ الرئيسي المرتكب من مصالحنا في عهد الجنرال بتشين " الذي دام إلى غاية سبتمبر 1990" كان يتمثل في اختراق الأحزاب السياسية التي كانت في الحقيقة تمارس نشاطها في إطار الشرعية طبقا للقانون (ومن هنا جاء مصطلح "الشرطة السياسية" الذي استعمله المعارضون الحقيقيون في الإشارة إلى الـ"أ.ع/sm")، ولم ينج من هذا الاختراق أي حزب سياسي مؤثر، أهدافنا الرئيسية كانت (ج.إ.إ/fis)، و(ج.ق.إ/ffs)، يجب القول هنا بأننا في ذلك الوقت لم نكن قد اكتسبنا تجربة التعاطي مع الديمقراطية: فمعظم ضباط الـ(أ.ع/sm) "واجهوا" للمرة الأولى معارضين يمتلكون حق النقد العلني والصريح في حين أن رؤساءهم كانوا ما يزالون على ولائهم لـ(ج.ت.و/fln). لم يصلوا بعد إلى التمييز بين معارض وعدو، بحكم أنهم طوال سنوات خدمتهم، كانت مهمتهم الأساسية تتمثل في مطاردة المعارضين المعتبرين "كأعداء للثورة".
لقد كانت (م.ب.ت/sra) تتمحور صلاحياتها حول أربع مهام رئيسية هي:
- مكافحة الجرائم الاقتصادية أو ما يعرف بـ "الوقاية الاقتصادية"
-إجراء "تحقيقات التأهيل" لتعيين الشخصيات في المناصب العليا للدولة...
- الجوسسة المضادة
- "الأمن الداخلي" ويعني مراقبة الأحزاب السياسية والمنظمات الجماهيرية (النقابية، الطلابية...) مراقبة الصحافة، وكذلك بعض "الأماكن الحساسة" (العدالة، المواني، المطارات، الفنادق...) متابعة التجمعات والمؤتمرات والاجتماعات والمظاهرات، المشاركة في الأعمال الإدارية بالولايات والدوائر والبلديات، وكذلك إعداد التحاليل الاستشرافية اللازمة للقيادة قصد اتخاذ القرارات على ضوء المعطيات المقدمة... كما كان من مهام مصلحتنا أيضا تحضير أعمال مصالح العمليات...
بعد أحداث أكتوبر 1988 أصبحت (م.ع.ت.أ/dgds) منحصرة في الجزء المركزي لما يُعرف بالـ(أ.ع/sm) سابقا، يعني مجموع الإطارات العاملين مع الجنرال بتشين: الإدارة العامة، المفتشية، الوسائل والمالية، القسم التقني، وقسم مكافحة التدخل الخارجي "الذي يضم نيابة مديريتين: الأمن الداخلي والجوسسة المضادة"، المراكز الستة للبحث والتقصي (الموجودة في كل ناحية عسكرية)، مصلحة البحث والتحليل (م.ب.ت/sra) وكذلك المركز الرئيسي للعمليات (م.ر.ع/cpo).
قسم مكافحة التدخل الخارجي كان يسيره الرائد عبد القادر حداد المدعو "عبد الرحمان" والمعروف باسم مستعار ثاني هو "النمر" وقد آخذ عليه أعداؤه وصحافة معينة مغالاته في الاستنطاقات الخشنة أثناء أحداث أكتوبر 1988 وبالرغم من ذكائه الحاد وكفاءته العالية، فإن الرائد عبد الرحمان (مسؤول سابق في مصلحة الشرطة القضائية) ذهب ضحية زمانه. وفيما يخصني فإني احتفظ له بصورة رجل محترف مخلص لوطنه.
أثناء هذا الربيع 1990 كانت (م.ع.ت.أ/dgds) المندوبية العامة للتوثيق والأمن في قلب المعركة القائمة بين العصب في هرم السلطة. فالعمل الذي أنجزه الجنرال محمد بتشين والمتمثل في إعلام الرئيس الشاذلي بن جديد بصفة مباشرة بالأوضاع السائدة والسائرة على أرض الواقع كان يقلق بالفعل مخططات العربي بلخير وزملائه (المكلفين بتجميع المعلومات بطريقة "انتقائية" لتبليغها إلى الرئيس) فتقرير (م.ر.ع/cpo) كان يذهب من الرائد عبد الرحمان عن طريق الجنرال بتشين ليصل مباشرة إلى رئيس الجمهورية، مما أكسب الجنرال بتشين ثقة الرئيس بفعل سرعة ومصداقية المعلومات التي كان ينقلها إليه.
هنا تكمن جريمة القدح في الذات الملكية لعراب "الديوان الأسود" الذي كان يطمح إلى "تسيير" ومراقبة كل صغيرة وكبيرة، فالعربي بلخير كان زيادة على ذلك حانقا على مولود حمروش، لمباشرته عملية الإصلاح السياسي والاقتصادي محاولا من جانبه (وسأعود إلى هذا الموضوع فيما بعد) أن يلغي العمولات الخفية المأخوذة من أصحاب الريع في السلطة على الواردات من المواد الاستهلاكية. ولو دامت هذه الوضعية على ما كانت عليه فإن السيرة المهنية للعربي بلخير كانت ستتعرض حتما للخطر الداهم!
ولكي يثأر لهذه "الإهانة" المزدوجة، نجده يضرب عصفورين بحجر واحد، وذلك بحبك الدسائس والمؤامرات ضد الضابطين القديمين في جيش التحرير الوطني، حمروش وبتشين، بإثارة وتحريض كل واحد منهما ضد الآخر ليصل إلى التخلص من "مقلقيه" كليهما بفارق شهور فقط بين الأول والثاني!
أثناء هذه الحملة كلها بقي الجنرال محمد مدين بعيدا عن هذه المجابهة بين العربي بلخير ومحمد بتشين، يحضر نفسه في الخفاء للظفر بمصلحة الأمن والاستخبارات محيطا نفسه بمعاونيه "المستقبلين" الذين اختارهم منذ ذلك الوقت وهم معه حتى الآن.
الإصلاحيون" يقـلقون !
عندما باشرت مهامي الجديدة على رأس (م.ب.ت/SRA) لفت انتباهي عنصران متناقضان: الكفاءة العالية لغالبية الإطارات الذين كنت أقودهم وضعف المستوى الثقافي للعُصب الحاكمة وضحالته المفزعة.
فقد لاحظت أن أغلبية الضباط المذكورين كانوا من قدماء ضباط الصف جندوا على أساس "الكفالة"، فهذا التقليد الفريد في الـ(أ.ع/SM) ترك آثارا لا تمحى، فهذا مُتهم بأنه "رجل العقيد فلتان" وذاك "رجل العقيد علان"...
لقد عين الضباط الأربعون الذين كانوا تحت قيادتي كلهم تقريبا في مهام تخص البحث والتقصي، كانوا مغروسين في الإحدى والعشرين بلدية التابعة للعاصمة، وفي الوزارات والمناطق الصناعية.. الخ، أنه حقيقة نسيج عنكبوت، يغطي هكذا في الجزائر، مجموع النشاطات السياسية، والاقتصادية، والإدارية (مدارس، جامعات، مساجد، محاكم، مؤسسات التنمية الاجتماعية، صحافة، إذاعة، تلفزيون...).
لقد كان عملي يتمثل في التنشيط والتوجيه والتنسيق وجمع المعلومات وإعداد الخلاصة وتقديم عروض عن الوضعية للقيادة.
ونظرا لكثرة الأعمال، فلم أجد وقتا لترتيب الأمور، وتنظيف الجو السائد في المصلحة بالكيفية التي كنت أرغب فيها. كنت أتمنى(في هذا الوضع الجديد الذي أحدثه التعدد السياسي) أن أبعد من الصفوف أولئك الضباط من ذوي النزعة التجارية أو عديمي الكفاءة الذين لم يكونوا جديرين في نظري بالانتساب إلى هذا السلك من النخبة، لأسباب أخلاقية تخص الاستقامة والأمانة، والنزاهة... لم يشطب من صفوفي وبمبادرة مني إلا ضابطان اثنان أحدهما هو النقيب داود. 15 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftn15)
لم يكن لدي الوقت الكافي، ذلك أن الوضعية كانت في غاية الصعوبة، وكنا نعمل على جميع الجبهات.
لقد كان رؤساؤنا يعبئوننا لمراقبة جريان الرياح الجديدة التي كانت تهب على الساحة السياسية الجزائرية: الأحزاب تنشأ كل يوم مثل الفطر، وكذلك الصحف والإصلاحات التي بدأها مولود حمروش ووزيره غازي حدوسي كانت دائما تحت نيران هذه الصحافة الجديدة المسماة "مستقلة" وهي كلها تصدر باللغة الفرنسية كـ (ليبدو ليبيري، لو جون انديبوندن، ألجيري أكتوياليتي، لو صوار دالجيري..) وما يجب ذكره هنا هو أن حكومة حمروش منذ 1989 قد شجعت ازدهار هذه الجرائد والصحف المنشأة حديثا أو المخصخصة، ضامنة لمؤسسيها ثلاث سنوات من الراتب، ومن جهة أخرى بقيت هذه الصحف "المستقلة" وإبقائها تابعة كليا للدولة، في مجال التزويد بالورق والطباعة وخاصة الإشهار الذي يعتبر ضروريا لبقائها.
وهي ورقة الضغط التي أفرطت في استخدامها "المصالح" الخاضعة لأوامر العربي بلخير، أو محافظين سابقين في (ج.ت.و/FLN) (أبعدهم الأمين العام للحزب عبد الحميد مهري الذي كان يقف مع الإصلاح) للتأثير على الرأي العام وتوجيه النقاش ضد الإصلاحيين. ولقد كان هؤلاء الإصلاحيون ضعفاء بالفعل غير أنهم قد استغلوا هامش المناورة الضيق الذي تُرك لهم فكانوا يسعون بشجاعة، لخوض غمار إصلاح هيكلي للخروج من اقتصاد الريع والافتراس، في حين أن الحسابات الخارجية كانت حينها منخفضة إلى أدنى درجة. وكان يتعين عليهم قيادة مفاوضات مع صندوق النقد الدولي كانت قد بدأتها حكومة قاصدي مرباح من قبل قصد الوصول إلى اتفاق متوسط المدى مع الإيطاليين، ومع البنوك الدائنة من أجل إعادة جدولة الديون الخارجية التي كانت تخنق البلد. ومن جهة أخرى إذا كان صحيحا أن المسؤولين الرئيسيين في الحكومة (مثلما هو الشأن بالنسبة لأغلبية الإطارات) الذين توصلوا إلى القضايا لأول مرة سنة 1989 كانوا مستقيمين وأمناء، فإنه كان من الخطر بمكان المجازفة باستنكار أو إدانة الشبكات المفترسة التي كانت تعمل تحت إشراف العربي بلخير وبعض قدماء المجاهدين حيث يعرض ذلك إلى عواقب وخيمة ورد فعل عنيف،16 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftn16) وهذا بالضبط ما لحق بالذين كانوا أكثر التزاما من بينهم، وقد كنت في موقع الاطلاع لأعرف "المؤامرات الدنيئة" التي ذهبوا ضحيتها.
إن الثمانية أشهر الأولى لحكومة حمروش حتى شهر جوان 1990 كانت أشهر ملاحظة محايدة للأوضاع، والعصب التجارية كانت مقتنعة بأن عملية الإصلاح لن تسفر إلا على المزيد من الصفقات وجني الأرباح والفوائد لؤلئك الذين كانوا يشغلون مناصب مواتية في الدولة. لقد كان أول حمام بارد أخذته تلك العصب التجارية هو الإصلاح المالي، والقانون الخاص بالعملة والقرض وإصلاح مدارات القرار المالي مع استبعاد الإدارة، وهو ما جعل أصحاب القرار يثورون ويرفضون ذلك بشدة، وجعلهم يسربون أخبارا ملفقة ومكذوبة ضد الإصلاحيين عبر مختلف القنوات، موعزين بذلك إلى الأحزاب المجهرية التي كانت محسوبة عليهم في المجلس الوطني الشعبي (م.و.ش/APN) إلى طلب استجواب الحكومة بهذا الخصوص.
إن الإصلاحيين الذين ظنوا أنفسهم في مركز قوة ولديهم الكثير من الأوراق الرابحة... (آفاق خلق مناصب شغل للشباب، إحياء نشاطات الصناعات الصغيرة والمتوسطة...) لم يعيروا الاهتمام الكافي لهذه الهجمات من طرف أصحاب الريوع في السلطة.
وستدوم هذه الحرب الملبدة حتى التسوية النقدية، الإصلاح المالي الحقيقي والتحرير التجاري. ولما اتضح الأمر بأن الإصلاح الاقتصادي الذي قام به مولود حمروش سائر في طريق إلغاء مصادر الانتفاع بالنسبة لهؤلاء المفترسين كان رد فعلهم عنيفا، حيث بدأوا "ينشرون" الفضائح الملفقة في "الصحافة المستقلة" ضد الإصلاحيين!!
لقد بدأت هذه الإصلاحات بالفعل تكشف الطفيليين وتسحب البساط من تحت أرجل الوسطاء المنحرفين الذين كانوا يسيطرون على شبكات الاستيراد، والاتجار في المواد الضرورية المستوردة ذات الاستهلاك الواسع كالسكر والقهوة، والدواء، والحبوب... إن قيام مولود حمروش بهذه العملية لتحقيق القطيعة مع الأسلوب القديم أقلق أصحاب الريوع من رؤساء "المافيا" السياسية والمالية في البلاد، وهذه التسمية كانت كناية تستعملها "الصحافة المستقلة" لتفادي تعيين المسؤولين الحقيقيين، وذكرهم بأسمائهم، وهم كمشة من الجنرالات المرتشين الذين ما فتئوا يستنزفون الاقتصاد الوطني منذ 1980. لقد كانت العمولات الهامة التي يقبضونها بطريقة غير قانونية من هذه العمليات تتراوح كحد أدنى ما بين 10 و15% من المبلغ الإجمالي للصفقة المبرمة وهو ما يمثل مصدر ثراء لا يقل عن مليار دولار في السنة، كانت تهدده إصلاحات حمروش بالزوال!
ردود فعل رؤسـاء العـصابة
وهكذا بدأ مولود حمروش منذ شهر ماي 1990 يتعرض لحملة منظمة لزعزعة استقراره، وهي مدبرة ومنسقة من بعض المصالح خاصة مصالح الصحافة التابعة للـ(أ.ع/sm) والتي كان يشرف عليها العقيد جيلالي مراد (المدعو صالح) وتلك التابعة للرئاسة والتي كان الجنرال توفيق قد تنازل عنها للجنرال بن جلطي (المعروف بعبد الرزاق، وبحسن تيطوان) وقد كانوا يستعملون لذلك جريدة (إيبدو ليبيري) التابعة لمحمد مقدم، المدير السابق للإعلام بالرئاسة والصديق الشخصي للجنرال توفيق (الاثنان من ناحية برج بوعريريج) لقد أخذت المصالح تُقطّر "الأخبار" وتسرب " الملفات" للصحافة "المستقلة" التي كانت تتكفل بنزع المصداقية عن حكومة مولود حمروش وتشويه صورتها!
وقد ظل وزيراه المكلفان بحقيبتي الاقتصاد والداخلية يتعرضان لهجوم متواصل الأول (غازي حدوسي) وقد كانوا يتهمونه "ببخس قيمة" الاقتصاد الوطني، والثاني (محمد الصالح محمدي) على أنه مظلي سابق في الجيش الفرنسي موالي للإسلاميين ولكن الأول كان المستهدف بصفة خاصة، والإشاعة التي روجت ضده هي أنه يهودي !! وقد كانوا يستدلون في إطلاق هذه الإشاعة عليه بسبب تعامله مع يهودي مغربي يدعى ريمون بن حـاييم (وهو معارض لنظام الحسن الثاني ومحكوم عليه بالإعدام) عضو مكتب دراسات فرنسي (act)، لمساعدته في إعادة تنظيم التجارة الخارجية الجزائرية، خاصة وأن هذا الأخير كان قد عمل على العقود المبرمة مع المؤسسات الأجنبية، من طرف (م.و.م.غ/enapal)، وهي تمثل احتكار الدولة المكلف باستيراد بعض المواد الاستهلاكية الأساسية (كالسكر، القهوة، الزيت وما شابه ذلك...) فبماذا كان يقلقهم مكتب الدراسات الفرنسي؟
الحقيقة أن فحص هذا المكتب لفيوضات التجارة الخارجية، والعقود المبرمة مع المصدرين الأجانب، كان يساعد الحكومة (وهذا بطلب منها) على التعرف على أساليب النصب وكشف مختلف مصادر العمولات الخفية (تضخيم الفواتير...) وهو ما كان يهدد مباشرة مصالح المنتفعين بذلك.
وبإصلاح (م.و.م.غ/enapal) أصبحت هذه الأخيرة مستقلة وبدأت تعطي نتائج إيجابية (انعكست على انخفاض الأسعار، وتحسين طريقة التموين) وقد امتدت التجربة إلى شركة النقل البحري، واستيراد السيارات (المفاوضات مع شركات بيجو، رونو، فيات...) وقد كان الرهان في غاية الأهمية: فإذا انخفضت التكلفة وتحسنت الخدمات في هذه المؤسسات، ستعمم عملية التحديث لتشمل احتكار الاسترادات الأخرى(كالحليب، والدواء، وما إلى ذلك...) ولهذا السبب تركزت الهجمات على (م.و.م.غ/enapal)، وعلى مكتب الدراسات الفرنسي اللذين أعانا الوزير غازي حدوسي في عملية إصلاحه هاته. ولهذا سيتهم في الصحافة بأنه "عميل" لإسرائيل ! ويتهم مكتب الدراسات الفرنسي، بأنه مؤسسة تعمل لحساب حمروش ماليا، قصد خدمة مستقبله السياسي وتلميع صورته في الغرب...
وهناك قضية أخرى ذات دلالة على الجو الذي ساد تلك الحقبة (وبإمكاني ذكر المزيد من هذا النوع) وهذه القضية تخص غرف التجارة: فبتعليمة من رئاسة الجمهورية كانت هذه الغرف ستصبح مستقلة ومسيرة بمجلس إدارة منتخب. وقد كان الهدف من ذلك مزدوجا: قطع الصلة، بين القطاع الخاص المنتج ووزارة التجارة، وإجبار أرباب العمل الخواص على الاضطلاع بمسؤولياتهم دون انتظار الامتياز. فقد أعطت حكومة حمروش لمجالس إدارة غرف التجارة الجدد صلاحية التسيير المباشر لعملية التموين الخارجي للقطاع الخاص، في انتظار حرية تنقل رؤوس الأموال.
لقد كان انتخاب مجالس الإدارة هذه في بداية 1990 حماسيا، وكانت نتائجه هزيمة لأصحاب الريوع المرتبطين خاصة بزمرة بلخير، الذين فقدوا بذلك السيطرة على القطاع الخاص، ومن ثمة فقدوا جزءا من العمولات التي كانوا يأخذونها عن التجارة الخارجية. وقد حاولوا دون جدوى اتهام خصومهم بتلقي رشاوى، وحتى لجنة التحقيق التي أثارتها في (م.و.ش/apn) لم تجد كملفات وسخة إلا ملفات الشبكات التي أخفقت في الانتخاب(حبوب، أحذية، نسيج، صفقات عمومية للبناء...) وبالطبع المتابعات التي طلبتها اللجنة.
ابتداء من أواخر سنة 1990 بدأ الإصلاحيون يخيفون أعضاء عصابة الجنرالات الذين لاحظوا أن أساليبهم المعتادة لم تعد مفيدة، وأن الإصلاحيين كانوا قادرين على وضع حد للرشوة. وكانت بداية الفترة الثانية من عهدة حكومة مولود حمروش متسمة بالتصلب من كلا الطرفين، واشتعلت الحرب بينهما على جميع الجبهات وانتهت في جوان 1991 بإقصاء مولود حمروش من طرف عصابة العربي بلخير.(وسأعود إلى هذا الموضوع لاحقا)
غير أنه قبل ذلك كان العربي بلخير يريد التخلص من رئيس (م.ع.ت.أ/dgds) الجنرال محمد بتشين. سليل جيش التحرير الوطني وبالتالي معاد لعصابة الجنرالات القادمين من الجيش الفرنسي بدأ بتشين بالفعل، يكسب ثقة الرئيس الشاذلي وبالتالي يضع مكانة العربي بلخير (مدير ديوانه) في خطر وهو الذي كان يريد أن يبقى المصدر الوحيد (حسن الاطلاع) للمعلومات التي تنقل لرئيس الدولة حتى يظل قادرا على مراقبته بكيفية جيدة. وبمناورة شيطانية استعمل العربي بلخير مكائد مختلفة لإفقاد مصداقية بتشين لدى الرئيس الشاذلي، مستعملا في الوقت ذاته كل ما يملك من وسائل، لتسميم العلاقة بين رئيس (م.ع.ت.أ/dgds) الجنرال محمد بتشين، والوزير الأول مولود حمروش. فرئيس الحكومة تم إقصاؤه من طرف الجنرالات، فأصبحت كل تقارير (و.د.و/mdn) و(م.ع.ت.أ/dgds) ترسل إلى رئيس الجمهورية، أو إلى الجنرال العربي بلخير، دون أن توجه ولو خلاصة عنها إلى مولود حمروش. وعندما كان يتكرم عليه الجنرالات ببعض المعلومات، فذلك لا يكون إلا لتضليله بأخبار مشوهة ومغلوطة قصد إفقاده المصداقية لدى الرئيس، ليبدو بذلك في الدوائر الرئاسية شخصا سيئ الاطلاع على الوضعية، أو غير قادر على تسييرها، والسيطرة عليها. لقد فعلوا كل شيء للإضرار بمولود حمروش وإبعاده عن الرئيس لإضعافه أكثر فأكثر!
إن المناورة الأكثر بذاءة كانت تتمثل في إعطائه توقعات مغلوطة عشية الانتخابات المحلية التي جرت في 12 جوان 1990 مسجلين لـ(ج.ت.و/fln) نسبة 80% من الأصوات، وفي الوقت ذاته وصل حقد وبغض الـ(أ.ع/sm) على حمروش إلى درجة أنهم قدموا تقريرا للرئيس الشاذلي بن جديد عن وجود شبه تمرد أو مقاومة مسلحة كان مولود حمروش بصدد تنظيمها في مسيلة. وأستطيع أن أدلي بشهادتي على هاتين العمليتين من تشويه الأخبار اللتين كانت لي صلة مباشرة بهما.
التوقعات المغلوطة عن انتخابات جوان 1990
أثناء اجتماعات التحضير –للانتخابات- التي عقدت في آخر ماي 1990 على مستوى ولاية الجزائر فوجئت بعدم اكتراث السلطات المحلية، وخاصة الوالي هاشمي جيار وأقرب مساعديه الذين لم يكونوا على الإطلاق يسيطرون على الوضعية في الميدان. لا الوالي ولا رؤساء الدوائر، والأقل منهم حاج صدوق رئيس أمن ولاية الجزائر، فلا أحد منهم كان يبدو عليه أنه توقع صعود (ج.إ.إ/FIS). بما أن الانتخابات كانت دائما مزورة، فالكل كانوا يعتقدون بلا شك أن (ج.ت.و/FLN) "ستتملك" من جديد، وأن نتائج الانتخابات "ستُصحح" كالعادة!
في حين أن التعليمات المعطاة من طرف رئيسنا الجنرال محمد بتشين كانت واضحة: ليس من الوارد على الإطلاق التدخل في التصويت أو إجراء أي تغيير أو تحويل في الاقتراع بأية وسيلة من الوسائل. وزيادة على ذلك فالأمر يتعلق بأول انتخاب تعددي يجري في الجزائر، وممثلو الأحزاب السياسية يملكون حق الإشراف على عمليات الانتخاب والسهر على شرعيتها. وبالفعل أستطيع أن أجزم بأنه وإلى ذلك اليوم فإن تلك الانتخابات مع التي جرت في ديسمبر 1991 هي الوحيدة في تاريخ الجزائر المستقلة التي لم تلجأ فيها الإدارة إلى عملية التزوير. حتى أن البعض من ضباطي (كمحمد بوزارة في بئر مراد رايس، وسفيان لحلوح في حسين داي، أو الملازم حاجي في الدار البيضاء...) الحاضرين في عمليات فرز الأصوات، قد منعوا عملية "حشو صناديق الاقتراع" أمام اندهاش وذهول المسؤولين المحليين!
عشية الانتخابات كنت مكلفا من طرف الرائد عبد القادر حداد المدعو "عبد الرحمان" رئيس قسم مكافحة التدخل (ق.م.ت/DCI) التابع للـ(م.ع.ت.أ/DGDS) بإعداد تقرير مصالح الأمن عن النتائج المحتملة للانتخاب، والذي كان من المفروض أن يسلم إلى رئيس الجمهورية. بعد عقد العديد من الاجتماعات مع الإطارات الذين كانوا حاضرين في الميدان، ونظرا لحالة الاتكال واللامبالاة التي طبعت سلوك مرشحي حزب (ج.ت.و/FLN) الذين فضلوا الاستجمام على الشواطئ بدلا من التجند... كنا مقتنعين بانتصار الإسلاميين. فقد كانت (ج.إ.إ/FIS) تحظى بجاذبية قوية لدى الشباب والإطارات المقصين والمهمشين من النظام، وكذلك لدى الطبقات الأكثر حرمانا وفقرا في المجتمع دون نسيان المساجد التي كانت تقوم بدور المنابر الدعائية للحزب.
وشعورا مني بأن القيادة لا ترغب في التوقعات "الكارثية" بذلت جهدا في أن أترك موضوعيتي جانبا لكي أمنح "فقط" 40% لـ(ج.إ.إ/FIS) و30% لـ(ج.ت.و/FLN) و20% لبقية الأحزاب الأخرى (مع وضعي في الاعتبار نسبة متملقة لـ(ت.م.ث.د/RCD) نظرا لمقاطعة (ج.ق.إ/FFS) الانتخابات في بلاد القبائل) كما قدرت 10% لما يسمى بالمرشحين "الأحرار"، الحركة من أجل الديمقراطية في الجزائر (ح.د.ج/MDA) للرئيس الأسبق أحمد بن بلة، وحزب الطليعة الاشتراكي (ح.ط.إ/PAGS) (الحزب الشيوعي الجزائري السابق) انضموا إلى (ج.ق.إ/FFS) لحسين آيت احمد (وهو أقدم حزب معارض في الجزائر منذ استقلالها سنة 1962) في النداء إلى مقاطعة هذه الانتخابات التعددية الأولى في تاريخ الجزائر المستقلة.
لقد استقبل هذا التقرير الواقع في حوالي عشرين صفحة، والذي يبين الأسباب التي دعتنا إلى هذه الاستنتاجات... استقبالا سيئا من طرف رئيس (ق.م.ت/DCI)، الذي كان الساعد الأيمن للجنرال محمد بتشين ونظرا لما كان يسود علاقتنا من احترام متبادل فقد طلب مني أن"أعيد النظر" في تحليلي الاستشرافي، حيث كان يرى حسب تقديره أن (ج.إ.إ/FIS) لا يمكن أن تحصل على هذه النسبة، وأن تقديري لم يضع في الحسبان انتخاب "الهيئات الرسمية" (ج.و.ش/ANP)، الشرطة، الحماية المدنية... الذين يفضلون تقليديا (ج.ت.و/FLN)، ونظرا لما لاحظه لدي من تحفظ فقد عهد الرائد عبد الرحمان بتحرير التقرير المذكور إلى النقيب السعيد لوراري (المدعو مسعود) الذي لم يتردد في منح (ج.ت.و/FLN) نسبة 80% وبقراءة التقرير الجديد أصابني الذهول، وثبطت عزيمتي حيث لم تتغير في التقرير سوى النسب الخاصة بالنتيجة، وليس النص الذي يبرر هذه الأرقام...
النسخة النهائية للنص المعدل حررت خلال الليلة السابقة للاقتراع، وفي اليوم التالي الذي كان يصادف الأربعاء 10 جوان 1990 طلب الجنرال بتشين التقرير الذي لم يكن قد انتهى من تحريره إلا في الساعة العاشرة صباحا(وقتها كنا حديثي العهد بإدخال الإعلام الآلي إلى مصالحنا ولم نكن نتحكم فيه جيدا، مما جعلنا نحرر النص يدويا، ثم يدخل الكاتب المعطيات ويصحح الأخطاء بعد ذلك، لينتهي بطبعه وتسجيله. إنه عمل ممل ومرهق للأعصاب.. وأنا الذي ذهبت على متن سيارة الجنرال بتشين، وهي من نوع بيجو 504 سوداء اللون، لأسلم شخصيا التقرير المزيف إلى العربي بلخير، مدير ديوان الشاذلي بن جديد، الذي كان ينتظره بفارغ صبر على درج مدخل الرئاسة بالمرادية.
فبهذه الوثيقة تحصل الجنرال العربي بلخير على الدليل القاطع على "عدم كفاءة" رئيس (م.ع.ت.أ/DGDS)، الذي كان قبل ذلك بأيام قلائل قد أبلغ مولود حمروش بتوقعاته الخاطئة، والتي تعجّل هذا الأخير تبليغها إلى الرئيس الشاذلي. وعند إعلان نتائج الاقتراع 17 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftn17) كان رئيس الدولة في غاية الاستياء، منتقدا علانية نقصان الصرامة لدى مصالح الأمن. هذه هي الكيفية التي يمكن فيها لأعلى سلطة في البلاد أن توقع عمدا في الخطأ!
لكن بدافع النيل من مولود حمروش ولإفقاده المصداقية لدى الرئيس، وإيهامه بأنه لا يسيطر على الوضعية في الميدان، البلد كله وجد نفسه مورطا في ركوب "مغامرة" تمثلت لدى "أصحاب القرار" في إضعاف جبهة التحرير قليلا (بما من شأنه أن يكبح عملية سيرها نحو التجديد الحقيقي)، والمراهنة على ورقة (ج.إ.إ/FIS) (مع إبقائها تحت المراقبة) وكل هذا من اجل أن يتمكنوا من الاحتفاظ بامتيازاتهم...
لقد لعبت السلطة بالنار، ولتغطية هزيمتها النكراء راحت تتحدث عن "الانتخاب العقابي" الذي تعرض له حزب (ج.ت.و/FLN)، وفي الحقيقة فان الحزب الواحد سابقا ذهب ضحية تخريب منظم ومخطط بإتقان، فبإثارة قسم كبير من نواب (ج.ت.و/FLN) ضد حمروش، والذين كانوا يعتبرون أنفسهم قد خانهم الشاذلي بن جديد توصلت مناورة الظل لعصابة الجنرالات إلى شل محاولات الوزير الأول لتجديد الحزب: فبدلا من إزالة العوائق لتشبيب القادة، والالتزام بعزم وتصميم، بإيجاد الحلول للمشاكل المزمنة التي يتخبط فيها المواطنون بقي أعضاء (ج.ت.و/FLN) في صراعاتهم الداخلية منشغلين بمصالحهم الخاصة والمحافظة على امتيازاتهم... بدلا من الاقتراب من الجماهير الشعبية ومعايشة همومها، وحل مشاكلها...
في هذا السياق المضطرب ذهب مولود حمروش ضحية التضليل والتلاعب بالمعلومات وعداء الجنرالات الفارين من الجيش الفرنسي وحلفائهم.. وأصبح في وضع يستحيل عليه إدراك المؤامرة التي كانوا يحيكونها ضده.
قضية "المقاومة الزائفـة" في مسيلة
إن قضية ادعاء وجود "مقاومة مسلحة" بمسيلة وهي منطقة تقع حوالي 150 كلم جنوب شرق الجزائر، هي كذلك تعتبر اغرب من الخيال، واليكم سردا لوقائعها بالتفصيل فيما يلي: ففي شهر أوت سنة 1990 كانت قناة التلفزة الوطنية الوحيدة (الصوت الرسمي للسلطة) قد أعلنت عن مصادرة قوات الأمن لكمية من الأسلحة لدى تنظيم مسلح بالمسيلة، والتي قالت أن وراءها "أحد المسؤولين الكبار في الجزائر، بهدف زعزعة استقرار البلاد". بالنسبة لمصالح الأمن فالأمر يتعلق برئيس الحكومة مولود حمروش بالذات !
وبصفتي مشاركا مباشرا في هذه القضية فإني أستطيع أن اشهد بأن المسألة برمّتها هي عبارة عن مؤامرة موغلة في الدناءة دبرها العربي بلخير بتواطؤ مع بعض عناصر الـ(أ.ع/SM). وعلى رأس هذه العناصر المورطة مباشرة في هذه العملية الرائد عبد الفتاح مدير مركز البحث والتقصي (م.ب.تق/CRI) بالبليدة وهي مدينة تقع بحوالي 40 كلم جنوب غرب العاصمة. ففي بداية 1990 وحينها كنت في منصبي بتيبازة على خلاف مع هذا الشخص (بسبب رفضي تلبية رغبته في وضع منزل صيفي تحت تصرفه لقضاء العطل الأسبوعية على الشاطئ، مع إعفائه من دفع أي حساب...). وقد توترت العلاقات بيننا وبلغت درجة من السوء حتمت على أحدنا أن يترك منصبه، فطلبت حينها إذن مقابلة رئيس (م.ع.ت.أ/DGDS) الجنرال محمد بتشين، وعندما استقبلني هذا الأخير باح لي بهذا السر:" أنا متأسف أن أرجح هذا الاختيار، ولكنه (عبد الفتاح) يقوم حاليا بمتابعة قضية ذات أهمية كبرى تمس أمن الدولة، ولذلك فإنك أنت الذي ستذهب" وهكذا تم تعييني في الجزائر العاصمة في شهر أفريل 1990 لدى الرائد "عبد الرحمان" مسؤول (ق.م.ت/DCI) قبل أن أعين بعد ذلك بشهر على رأس (م.ب.ت/SRA).
أثناء صيف 1990 طلبني الرائد عبد الرحمان إلى مكتبه ليطلب مني المشاركة في "بعثة" تضم أيضا ضباطا آخرين من قسم مكافحة التدخل (ق.م.ت/DCI) وعناصر من مجموعة التدخل الخاصة (م.ت.خ/GIS) 18 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftn18). ولم يكن الرائد عبد الرحمان كثير الكلام مختصرا قوله في أن الذهاب سيكون يوم الخميس ابتداء من منتصف الليل في اتجاه المسيلة. وفي الساعة الصفر لحظة الانطلاق، كنت مستغربا من رؤية عناصر (م.ت.خ/GIS) محمولة على متن شاحنات عسكرية، في حين أن لهم وسائلهم الخاصة للتنقل، (وهي سيارات من نوع دوكاطو الإيطالية) وعند وصولنا إلى المسيلة حططنا الرحال في ثكنة كان يقيم بها أصلا عناصر من (م.ب.تق/CRI) للبليدة بقيادة الرائد عبد الفتاح. لقد كان الكل بمن فيهم الجنرال محمد بتشين حاضرا يومها في المسيلة.
على الساعة السادسة صباحا عقدنا اجتماعا سريعا لعرض أهم النقاط، وقد كانت المسألة تتعلق "بالقضاء على شبكة هامة للتسليح". ولقد شرح لنا الرائد عبد الفتاح المسألة، وأنه بفضل الأموال التي وضعت تحت تصرفه من (م.ع.ت.أ/DGDS) (مليون دينار وهو مبلغ معتبر في ذلك الوقت) قام أحد رجاله (برتبة مساعد) باختراق هذه الشبكة بتسريب مخبرين إلى صفوفها، وإعطائهم أموالا لإعادة شراء الأسلحة، ولقد اشتروا بالفعل دزينة من القطع من أحد الأشخاص يدعى "احمد العود" وهو "المخ" الرئيسي لهذه المجموعة المختصة بالاتجار في السلاح وتهريبه...
وبفضل هذه الأدلة التي لا تقبل الدحض، كان يعلم أن هذه الشبكة زودت جماعة مقاومة نظمها "مسؤول كبير" (إن أول ما فكرت فيه ساعتها هو أن الأمر يعني بالضرورة الرئيس الأسبق أحمد بن بلة الذي عاش في مسيلة بعد إطلاق سراحه من السجن سنة1980) وكان الأمر إذا يتعلق بضرورة تفكيك هذه الشبكة.
وبعدما رفع الاجتماع قامت عناصر من مجموعة عمليات التدخل الخاصة بتوقيفاتها الأولى، الرجال الأوائل الذين أحضروهم كانوا كما ولدتهم أمهاتهم ومشبعين ضربا، وكان الضباط الجلادون المكلفون بالاستنطاق هم (مصطفى، زياد، سعود، عزالدين) وقد كانوا يريدون اجتثاث اعترافات منهم بأية وسيلة، كنت ألاحظ دون أن أصدق ما يجري بمجرد أن "يهمهم" أحدهم بلفظ اسم من الأسماء حتى يسارع رجال مجموعة عمليات التدخل الخاصة إلى إحضاره في الحال !!
بينما أنا في تلك الحالة من الاندهاش والحسرة أنظر دون تعليق بادرني الرائد عبد الرحمان بقوله: "وأنت ألا تستنطق !؟" فقلت:" لا، أنتظر أن يأتوني بالملف كي أحضّر أسئلتي، ليس لدي أية فكرة عن طبيعة هذه القضية" لحظتها قال عبد الفتاح وعلى وجهه شحوب ظاهر:" لقد ألححت في طلب الملف ثلاث مرات على الأقل..." وفي أثناء ذلك تبين أن ستة أشخاص في الناحية كلهم كانوا يحملون اسم "احمد العود" (بمن فيهم أحد الموقوفين مقطوع الذراع، وقد كان يتعرض لنفس المعاملة التي يتعرض لها الآخرون !).
وعندما رأوا تصميمي أحضروا لي الملف أخيرا على الساعة العاشرة صباحا، وبفحصه لم يتطلب مني الكثير من الوقت لاكتشف أن الأمر برمته هو محض تركيب أو ترتيب: لا أساس لوجود أي اتصال مادي ملموس بين رجل عبد الفتاح (الذي كان من المطلوب أن يتفاوض على شراء السلاح) والشخص المدعى تاجر السلاح، الوارد في القضية. في الوقت الذي كان (م.ب.تق/CRI) في البليدة يتوفر على وسائل التصنت والمراقبة... لم يكن في الملف أي أثر تسجيل سمعي، بل ولم يكن في الملف ولو تقرير مكتوب، سند، أو وصل يحمل دليلا على المعاملة التجارية الحاصلة بين الطرفين.. لا شيء إطلاقا لا شيء ! مع أن عبد الفتاح لم يكن شخصا مبتدئا!
وهكذا فبدلا من أن انضم إلى عملية الاستنطاق الجارية لهؤلاء الموقوفين، طلبت الاستماع إلى المساعد المكلف بهذه العملية من طرف الرائد عبد الفتاح، وبما أن الجلادين المحققين لم تقع أيديهم على المتهم الرئيسي الذي "تبخر فجأة" (ولن يجدوه أبدا، وأجهل حتى إذا كان هؤلاء الموقوفون قد قدموا إلى العدالة من طرف (م.ت.خ/GIS) التي ألقت عليهم القبض وأحضرتهم إلى الاستنطاق...) طلبت من المساعد أن يوضح أسباب اختفاء المتهم الرئيسي، فكانت إجابته قليلة الإقناع، وغير مناسبة مع الأهمية التي يفترض أن تكتسيها هذه القضية. لقد قال شارحا تلك الأسباب بان لقاءه بالمشتبه فيه يعود إلى يوم قبل ذلك، وأنه شك في وجود "تسرب" ومن ثمة امتنع عن إجراء أية معاملة جديدة، واستشعارا منه بالخيانة، واكتشاف أمره فقد توقف عن مواصلة تسليم الأسلحة، وأشهد الله على ذلك!! وأمام جوابي الجاف "إنك تكذب" أخذ صاحبنا يرتجف ويتلجلج وبقي واجما عندما قلت له:" في الأوساط المتاجرة في السلاح والمخدرات لا نفلت من الشخص الذي حاولنا التخلص منه، لا يوجد " الله وكيلك" في هذه الأوساط، خاصة وأنك –كما تزعم- كنت تحمل حقيبة يد تحتوي على مبلغ هام من الأوراق النقدية وكان الوقت ليلا وفي الجبل، أنا متأسف، إنها حكاية لا يصدقها عاقل!
وأثناء ذلك لم يحقق الجلادون أي تقدم، فالأشخاص الموقوفون لم يكونوا سوى مهربين صغار لا وزن لهم ولا أهمية. لقد تبين أن العملية كلها هي عبارة عن بضع مسدسات آلية من النوع الرديء صنعت في ليبيا، لم يكن يتجاوز عددها العشر، وهو ما لم يكن يهدد أمن الدولة في شيء، كما كانت تريد بعض الأوساط أن تروج له، وتحمل الناس على تصديقه ومن بين هؤلاء المروجين يومية المجاهد الناطقة بالفرنسية.
وعلى الساعة الحادي عشرة شرحت المخادعة بكل تفاصيلها للرائد عبد الرحمان الذي أبلغ الجنرال محمد بتشين في الحين قائلا له باستهزاء " لقد اكتُشف السر" ولم تمض عشر دقائق حتى تلقينا الأمر بحزم أمتعتنا والعودة إلى الجزائر!
وكوني قد كشفت المناورة، فقد ظننت ببساطة، في البداية، بأنها عملية مدبرة من عبد الفتاح للحصول على "بعض المال" وعندما رأيت وجه الجنرال بتشين لحظة اكتشافه أنه قد "خدع" انتظرت أن يتخذ إجراءات عقابية، وبالفعل فقد عزل رئيس(م.ب.تق/CRI) للبليدة من منصبه على الفور، (وعوض بمهنة جبار الذي كان يشغل نفس المنصب في ورڤلة) لكن لم أكن أتصور أن يقوم التلفزيون ثم الصحافة المكتوبة بعد ذلك بشر عناوين كبيرة تتحدث عن "زعزعة الاستقرار" نظرا لسخافة الموضوع، غير أن الصحافة لم تتطرق إلى جوهر هذه القضية وفحواها (ولم ينشر عنها أي شيء حتى هذه اللحظة)!
وبالفعل لقد كانت مفاجأتي عظيمة عندما علمت بعد ذلك بقليل بأن الجنرال بتشين قد رفع تقريرا كاذبا للرئيس الشاذلي عن هذه القضية يتهم فيه رئيس الحكومة مولود حمروش، ويحمله مسؤوليه تكوين وتسليح عناصر مقاومة في المسيلة! عندما ذكر الرائد عبد الرحمان في بداية القضية تورط مسؤول كبير اعتقدت بصدق أن الرئيس السابق أحمد بن بلة هو الذي كان مستهدفا من هذه المناورة (ولم أكن مخطأ) لكن في آخر الأمر أصبح المستهدف منها هو مولود حمروش بالذات!
ولقد أكد لي ذلك فيما بعد وزير الاقتصاد السابق غازي حدوسي شخصيا الذي أظهر له الرئيس الشاذلي تقرير الجنرال بتشين الآنف الذكر. وبإلصاق هذه التهمة بحمروش كانت عصابة الجنرالات تريد أن توهم الرئيس الشاذلي بان حمروش كان بتلك العملية "يحضر" في الخفاء للاستيلاء على السلطة (وهو بالضبط ما آخذوه عليه بعد ذلك بسنة!) وقد كانوا يهدفون من وراء ذلك بصفة خاصة إلى إثارة رئيس الوزراء ضد الجنرال محمد بتشين.
ولقد علمت فيما بعد أن القضية بكاملها كانت طبخة جديدة، وعملية قذرة من عمليات العربي بلخير، وقد حيكت بأوامره وتحت إشرافه من الألف إلى الياء (من وراء الجنرال محمد بتشين الذي لم يكن يعلم عنها شيئا)، والذي قام بالتنفيذ ثلاثة إطارات من الـ(أ.ع/SM) وهم: الرائد عبد الفتاح والملازم رضوان(رجل ثقة لعبد الفتاح في "م.ب.تق/CRI" بالبليدة) والمساعد الذي نسيت اسمه والذي كان يقوم بدور الوسيط مع تجار الأسلحة (وكان الدور الوحيد لهذا الأخير طوال السداسي الأول من سنة 1990 مقتصرا على دفع المال واسترجاع (تحصيل) السلاح الذي سيستخدم "كدليل إثبات" فيما بعد ضد حمروش.
لقد كان للملازم رضوان أحد الأقارب يعمل تحت السلطة المباشرة للجنرال العربي بلخير، مما مكنه من استخدامه بسهولة، أما بالنسبة للرائد عبد الفتاح فإن النهم الذي كان يتميز به جعله الرجل الأمثل للقيام بمثل هذه العمليات، زد على ذلك أنه سيقبض من وراء الصفقة بضع عشرات من ملايين السنتيمات!
وما يجب أن يعرف، هو أن بلخير عندما يريد أن يتخلص من أحد لا يهاجمه أبدا من الأمام، فهو ذكي ومحنك في المكر وأعمال الغش، والضرب تحت الحزام، ويتمثل تكتيكه المفضل في خلق الخصومة والتنافس، وإذكاء التوتر في العلاقات وتحريض هذا المسؤول ضد ذاك، ثم يتقدم بعد ذلك، وهذا حسب الحالات "كوسيط" أو "مصلح ذات البين" بين الأصدقاء والأخوة المتشاحنين!! وفي هذه الحالة بالذات فإن هذه المؤامرة التي حبكها مع عبد الفتاح في البداية كانت تهدف إلى زعزعة استقرار بن بلة، الذي كان يقدر أن بإمكان حزبه الجديد، الحركة من أجل الديمقراطية في الجزائر أن يعطيه سندا قويا. وبتوسط عبد الفتاح اقتنع بتشين، وتورط شخصيا في القضية، لأنه صدق حقا بوجود مقاومة مسلحة وكان صادقا عندما قال لي بأن الرائد عبد الفتاح يقود "قضية ذات أهمية كبرى تمس أمن الدولة". خاصة وأنه قد أخطر الرئيس بهذا الملف.
وعندما أدرك أنه خُدع من طرف عبد الفتاح، لم يكن بإمكانه قط الرجوع إلى الوراء، حتى لا يكون هزأة أمام الرئيس، وهو ما سيؤدي إلى إضعاف سلطته. فكان لابد –إذن- أن يغطي هذا الفشل بالبحث على كبش فداء، ولهذا السبب قبل اقتراح العربي بلخير بإعداد تقرير ضد حمروش بالتفاصيل المذكورة آنفا، وإدراكا من بلخير بأن مخططه الأصلي ضد بن بلة قد انكشف (لقد أدخلت رجلي في الموضوع دون أي علم بما كان يدبر في الواقع) قرر بالفعل أن يمدّ طوق النجاة إلى بتشين، مقترحا عليه تقديم هذه الدسيسة "كمؤامرة" من تدبير حمروش، وفي الوقت ذاته قام بلخير باتخاذ التدابير لتنظيم تسريب سيصل إلى رئيس الحكومة بواسطة غازي حدوسي.. إن هذه المكيدة نجحت تماما في إحداث الوقيعة والقطيعة بين بتشين وحمروش، وتحولت البرودة السائدة بينهما أصلا، إلى تباغض وعداء شديدين!!
لقد حرصت على أن أشرح بالتفصيل نوازع هذه المؤامرة المتعددة الجوانب، والتي تقترب في غرابتها من الخيال، حتى يقيس القارئ الكريم النفسية المنحرفة التي يتميز بها هذا الرجل وأصدقاؤه "أصحاب القرار" الذين سيرتكبون جرائم في السنوات اللاحقة، أخطر وأفظع من ذلك بكثير في حق الوطن!
المنعطف الحاسم لصيف 1990
إنني أجهل في الأساس لماذا سار الجنرال بتشين في هذه المؤامرة مع أنه صديق لمولود حمروش، وقد ظل مخلصا له وأمينا معه تقريبا حتى تلك الواقعة. لعل ذلك يعود إلى وفائه (لرفقاء السلاح) من العسكر العربي بلخير وخالد نزار، (في حين لم يكن هو نفسه من القادمين من الجيش الفرنسي) على كل حال فإن تقلبه لم ينجه: حيث أجبر في آخر أوت 1990 من طرف هؤلاء أنفسهم على تقديم استقالته وسيتزامن هذا الذهاب مع منعرج كبير في الحياة السياسية للبلاد.
سجل صيف 1990 بالفعل تتويج عمل تقويضي دؤوب مسير منذ عدة سنوات من طرف زمرة "أصحاب القرار من المنحدرين من الجيش الفرنسي" بقيادة العربي بلخير، لإقصاء الضباط السامين الآخرين المنحدرين من جيش التحرير الوطني. ومن بين العوامل الأخرى المساعدة على ذلك سلبية الشاذلي بن جديد المأخوذ في قبضة مدير ديوانه، مما سمح لهذا الأخير والمتواطئين معه بحرمان رئيس الدولة من دعم الضباط الذين بقوا أوفياء له. منذ سنة 1987 تم إقصاء العميد الركن محمد بلوصيف الأمين العام لـ(و.د.و/mdn)، مع أنه كان مرتبطا جدا بالرئيس، وذلك بإجباره على التقاعد في أعقاب قضية "تحويل أموال" مزعومة مدبرة ومرتبة بين العربي بلخير والمتواطئين معه بمساعدة جهاز الاستخبارات الفرنسي. (في حين أنه أقصي في الواقع بسبب رفضه إعطاء الأوامر للـ"ج.و.ش/anp" لقمع أعمال الشغب المندلعة في قسنطينة وسطيف سنة 1986) وفي الوقت ذاته أقصي الضباط المقربون منه مثل بولطيف، هبيري، أو بدر الدين بخوش وهم على التوالي: مدير الموظفين والقضاء العسكري، ومدير المالية، ومدير الخدمات الاجتماعية. وفي 1988 بعد أحداث أكتوبر كان دور إقصاء الجنرالات: مجدوب لكحل عياط ومحمد علاق، وعلي بوحجة، والهاشمي هجرس، وزين العابدين حشيشي، وآخرين.
وفي 1989 بعد تعيين الجنرال خالد نزار في منصب رئيس أركان (ج.و.ش/anp) (العضو البارز في زمرة بلخير، والمسؤول الرئيسي على القمع الدموي الذي ساد أحداث أكتوبر 1988 في العاصمة) تمت عملية تفريغ جديدة مست هذه المرة الجنرال عبد الله بلهوشات الذي أخذ نزار مكانه وكذلك نائبي رئيس الأركان الجنرالان: اليمين زروال، وكمال عبد الرحيم والجنرال عبد المجيد شريف، قائد سابق (ق.ق.بح/ cfn) وقائد الأكاديمية المتعددة الأسلحة في شرشال. وأخيرا في سنة 1990 كان دور الجنرال محمد عطايلية المفتش العام للجيش.
وقد اقتُرحت على بعض هؤلاء المُبعدين مناصب شرفية مثل زروال وحشيشي اللذين عينا سفيرين في كل من رومانيا وبلغاريا، والجنرال الهاشمي هجرس الذي وجد نفسه عضو المكتب السياسي في (ج.ت.و/fln)، وهو منصب شكلي بالنسبة لجنرال في ذلك الوزن، أما بعض العنودين فقد اشتُروا بقروض واعتمادات مالية لم تسدد أبدا مكنتهم من التحول إلى عالم الصفقات والأعمال! أما بالنسبة لكمال عبد الرحيم، وهو ذو شخصية قوية فقد انطلق لوحده دون دعم أو سند في مشروع لصناعة المحاقن.
في فترة لا تتجاوز الثلاث سنوات سمح هذا التطهير الذي تم إجراؤه بمهارة فائقة "لضباط فرنسا" وحلفائهم أن يتخذوا موقعا وينصبوا أنفسهم ورجالهم المخلصين في أهم الوظائف والمناصب الحساسة في (ج.و.ش/anp) وقيادة الأركان. وقد تكرس انتصارهم في 27 يوليو 1990 بتعيين الجنرال خالد نزار في منصب وزير الدفاع الوطني في حكومة مولود حمروش الذي لم يكن أمامه أي اختيار آخر غير القبول. إنه ابتكار هام إذ أنه منذ انقلاب 19 جوان 1965 (حيث كان وقتها وزير الدفاع هواري بومدين، الذي أطاح بالرئيس احمد بن بلة) كانت هذه الحقيبة الاستراتيجية دائما بين يدي رئيس الجمهورية ذاته!
وهكذا وبعد أن خلا الطريق تماما أمامها، أصبح قلب السلطة، أي الـ(أ.ع/sm)، في يد عصبة بلخير التي شرعت في إعادة تنظيمه كما يحلو لها. وبالفعل ففي 4 سبتمبر 1990 اختفت (م.ع.ت.أ/dgds) بصفتها تلك، والتي كنت أتبع إليها، لكي تُدمج في (ق.إ.أ/drs) الاسم الجديد للمصلحة المُوَحَدة، لم أكن واعيا بذلك حينها لكن دوامة العنف الشنيع كانت قد انطلقت!
2
الانحـرافـات الأولـى
بعد انتصار (ج.إ.إ/FIS) في الانتخابات المحلية لجوان 1990 بدأ "جنرالات فرنسا" يحسون بالخطر الذي يهدد مصالحهم، فوجهوا إذن "مدراس" حقيقي لتهميش (ج.إ.إ/FIS) بعد أن تمكنوا من "تحرير" مركز القرار من الضباط المصنفين "عروبي إسلامي" (بسبب معيار وحيد هو اللغة) الذين كانوا يستطيعون أن يُفشلوا مخططاتهم الجهنمية، ويَحولوا دون تحقيق أغراضهم الدنيئة، ذاك هو السبب الذي جعل صيف 1990 يسجل تحولا حقيقيا في تاريخ الجزائر منذ الاستقلال!
سبتمبر 1990 تكوين قسم الاستخبارات والأمن (ق.إ.أ/DRS)
الذراع العسكري للجنرالات "أصحاب القرار"
بالنسـبة للثنائي (بلخير – نزار) فان إعـادة تنظـيم المصالح السرية للجيش تحت التسمية الجديدة وهي (ق.إ.أ/DRS) تستجيب أولا لانشغال عزل الرئيس الشاذلي بن جديد من أجل التغييرات التي كانا قد خططا لها.
وماعدا التسمية الجديدة فالتغيير الوحيد الذي يستحق الذكر هو أن (ق.إ.أ/DRS) [الذي عهد به آنذاك إلى الجنرال محمد مدين المدعو "توفيق" الذي كان يرأس حينها (م.م.أ.ج/DCSA)] وضعت تحت سلطة وزير الدفاع الوطني، في حين كان جهاز الـ(أ.ع/SM) قبلها ملحقا برئاسة الجمهورية. لقد كان هذا "التغيير الكلي" يهدف بالأساس إلى خداع الرئيس الشاذلي وقطع صلته بأية مصادر للمعلومات قد تأتي من سواهم!
إن (ق.إ.أ/DRS) الجديد أصبح يشرف على ثلاث مديريات رئيسية (زيادة عن المديريات الملحقة مثل: الإدارة الوسائل،التصنتات التقنية...) فمديرية الجوسسة المضادة (م.ج.م/DCE)، والمديرية المركزية لأمن الجيش(م.م.أ.ج/DCSA) ومديرية التوثيق والأمن الخارجي هو تنظيم ما يزال ساريا حتى ساعة كتابة هذه السطور، والتي من الأهمية بمكان أن أفصل فيها الحديث لأنها هي التي ستصبح في قلب آلة الرعب التي ستنقض على بلدي لأكثر من عشر سنوات.
فـ(م.ج.م/DCE)عُهّـدت للمقدم إسماعيل العماري المدعو"إسماعين" الذي جاء من (م.م.أ.ج/DCSA)، وهو من مواليد عين بسام، هذا الضابط صف القديم في البحرية الفرنسية قد عرج على الشرطة في سنوات الستينيات. بدون أي إشعاع أو نفوذ خاص، هذا الشخص الكارثة مدين بسيرته المهنية إلى الزبائنية التي كانت زراعته المفضلة الوحيدة في كل الفصول. من كان يسمع بالحديث عن هذا الشخص في سنوات الستينيات والسبعينيات والثمانينيات؟ مكلف بملف الشرق الأوسط من طرف الجنرال لكحل عياط في منتصف الثمانينيات، ثم تسلل في الخفاء، بمعاشرة إطارات مصالح (ج.م.ف/DST)، و"العملاء " الفلسطينيين، وبفضل هؤلاء اكتسب خبرة كبيرة في مجال التضليل وتشويه الأخبار والمؤامرات، والأعمال الدنيئة الخ... وتحت حماية العربي بلخير كان منذ 1985 المخاطب المفضل لدى (ج.م.ف/DST) إلى درجة أن العديد من الضباط كانوا يشكون في أنه عميل لـ(ج.م.ف/DST)!
المقدم كمال عبد الرحمان أخذ إدارة (م.م.أ.ج/DCSA)، هو من مواليد سور الغزلان، صف-ضابط قديم في الجيش الفرنسي، بما أنه كان ضمن "القوات المحلية" 19 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftn19) في مارس 1962، فقد ظل مجرد مساعد بسيط في الأكاديمية المتعددة الأسلحة بشرشال حتى سنة 1974، ثم أصبح نقيبا أثناء أحداث أكتوبر 1988. حيث تشاء الأسطورة أن تجعل منه حينها شخصا ذا شأن، قام "بعمل بطولي" بتعريض حياته للخطر لإنقاذ "دبابة"هوجمت بكوكتال مولوطوف من طرف أحد المتظاهرين، وقد عرف بعدها صعودا مثل البرق بفضل حماية الجنرال توفيق الذي كان قد أعد له ملفا مورطا ليضمن ولاءه له!
وعهدت أخيرا مديرية التوثيق والأمن الخارجي (م.ت.أ.خ/DDSE) إلى المقدم فضيل سعيدي المعروف بعبد الحميد، وهو رجل ذكي، في غاية البساطة، هذا الضابط القديم في جيش التحرير الوطني، من مواليد الميلية، كان قبلها مسؤول الاستخبارات العسكرية. سيقتل في شهر جوان 1996 من طرف عصابة الجنرالات (انظر الفصل الثامن).
لقد شرح لنا رؤساؤنا في مختلف الاجتماعات بان إعادة التنظيم هذه ليست إلا مرحلة نحو تحول مصالح الـ(أ.ع/SM)، استجابة لمتطلبات الانتقال إلى الديمقراطية.
ورغم تعودنا على تغيير التسميات (هذه هي التسمية الرابعة خلال أقل من عشر سنوات) فإنه كان لدينا شعور بأن الأمر يتعلق بمناورة أخرى، وغيرها كثير، من أجل إسكات "المتفرجين" ودفع عربون للديمقراطيين الحقيقيين، وخاصة للسيد حسين آيت احمد، رئيس (ج.ق.إ/FFS)، الذي كان دائما يتخذ من تطويق "الشرطة السياسية " حصان المعركة المفضل لديه، زيادة على ذلك أن حضور الجنرال توفيق ("الرجل ذو السيجار" كما كنا نسميه فيما بيننا) أحد قدماء المؤسسة، وهو معروف بمقدرته وقوته في العمل، كان ذلك تأمينا لنا.
بكل تأكيد ستتغير الأمور، لأن الـ(أ.ع/SM) قد عانى طويلا من الصراعات الداخلية، ومن نقص كفاءة الجنرالين لكحل عياط ومحمد بتشين فيما يتعلق بعمل المخابرات، وكنا نعتبرهم بالأحرى "دخلاء" لكون اختصاصهم الأصلي لم يكن الـ(أ.ع/SM). غير أن الضباط الذين ابتهجوا لهذه التغييرات سرعان ما تخلصوا من أوهامهم، فابتداء من سبتمبر 1990، سيحرمون من أخذ عطلة نهاية الأسبوع، إذ كان يجب عليهم تغطية خطب الجمعة، وأن يكونوا حاضرين في كل مساجد العاصمة، الأمر الذي كان من المستحيل تحقيقه، ولذا وقع الاختيار على انتقاء الأكثر أهمية منها: مسجد السنة وكتشاوة في باب الواد، مسجد بن باديس بالقبة، مسجد الأرقم في حي شوفاليي، مسجد كابول في حي بلوزداد (بلكور) وكذلك مسجد المحمدية (لافيجري) ومسجد حي الجبل (لامونتان) بالحراش...
لقد دل ذلك على مدى الكره الشديد الذي يضمره مسؤولو الجيش للإسلاميين. بالنسبة لنا كان ذلك شيئا غير مفهوم تماما، لأنه حسب رأينا فإن الإسلاميين عموما و(ج.إ.إ/FIS) على وجه الخصوص، لا يمثلون بأي حال من الأحوال أي تهديد جدي، والسعي إلى أخذ السلطة عن طريق الانتخاب هو شيء عاد تماما ومشروع. فالخطب "النارية" التي كانت تلقى في بعض المساجد هي نتيجة إزالة الكبت، ورد الفعل على الرقابة والاضطهاد الذي كان السائد في الساحة أيام الحزب الواحد، وللتاريخ أذكر هنا أن قادة (ج.إ.إ/FIS) قد استجابوا أكثر من مرة (بمن فيهم علي بن حاج) "لأوامر" المسؤولين السياسيين والعسكريين لتلطيف حدة الأئمة المتشددين.
فإذا مثلت (ج.إ.إ/FIS) تهديدا، فإن رئيس الدولة بما يتوفر لديه من أدوات قانونية يستطيع أن يمنعهم: فبإمكانه مثلا أن يلجأ إلى حل البرلمان أو طلب استفتاء ثان أو اقتراح تعديل الدستور...زيادة على ذلك أن مصالح الأمن كانت تستطيع أن تقاضي العناصر المتطرفة التي تتجاوز الإطار القانوني، أو الجمهوري، فالدستور واضح في هذه النقطة.
خارج القادة العسكريين الذين جعلوا من (ج.إ.إ/FIS) فزاعة أو بعبعا، فإن مجموع الضباط مثلي كان في تقديرهم أنه لا ينبغي التدخل إلا في حالة الضرورة القصوى وكانوا ضد تشجيع التدهور الذي قد يؤدي إلى مجابهة لم يكن لا الجيش ولا الشعب مهيأين لها، (على الأقل كان هذا رأينا في البداية، حيث قام المكتب السياسي بعد ذلك والقادة العسكريون بحملة "تعبئة" واسعة النطاق).
لقد انتقل الجنرال نزار شخصيا مرتين مرفوقا بالجنرال توفيق إلى مدرسة الـ(أ.ع/SM) في بني مسوس، لعقد اجتماعات كان كلامه فيها متسما بالتخويف والتناقض في الوقت ذاته.
ففي الوقت ذاته الذي كان يقول لنا " نحن مع (ج.ت.و/FLN)" كنا نتلقى التعليمات من العقيد إسماعيل العماري (الذي كان في نزاع مفتوح مع عبد الحميد مهري الأمين العام للحزب الوحيد سابقا) بالعمل على خلق الانقسام والشقاق بين "الشيوخ" الكبار للجبهة، والذين كانت تطلق عليهم الصحافة اسم "الديناصورات"، و"الذئاب الصغار" الممثلين بالموجة الجديدة من إطارات الحزب (كعلي بن فليس، وكريم يونس وعلي صديقي...)
في هذا الوقت شرع الثنائي بلخير- نزار في إعداد مخططهما لمعارضة (ج.إ.إ/FIS) والحد من اتساع رقعتها على الساحة، والتي وجد خطابها صدى واسعا في أوساط الجماهير الشعبية: لقد استعاد هذا الحزب بالفعل من جديد ولحسابه "مُثل نوفمبر" التي تخلى عنها النظام، مع الإلحاح على حقيقة أن ثورة 1954 قامت وسارت باسم الإسلام، مؤكدين على أن السلطة بتخليها عن العقيدة الإسلامية قد شجعت على الفساد والانحراف والظلم...
في سنة 1990 لم يتم إحياء ذكرى اندلاع ثورة التحرير في الفاتح من نوفمبر بالحماسة المعهودة في السنوات السابقة. والأغلبية منا لم يبدُ عليها الانشغال بالتغييرات التي حولت طريقة معيشة المواطنين..
كان بعض الضباط الحنينيون إلى الماضي يحرصون على تأكيد وجود هذا التحول: لقد كان بعيدا ذلك الزمن الماضي الذي كنا نعجب بالاستعراضات العسكرية، الدبابات، الطيران، المغاوير، المشاة الذين يستعرضون على الشوارع الرئيسية في المدن الكبرى حيث كل الناس يشعرون بفخر يعجز الإنسان عن وصفه!!دون الحديث عن المسيرة بالمشاعل وفتيات الاستعراض والإثنتي عشرة طلقة منتصف الليل والتي تبعث فينا ذكريات اندلاع ثورة نوفمبر 1954.
الهدف رقم واحد لمصالح الأمن هو إسلاميو الـ(ج.إ.إ/FIS)
كنا إذا في أول نوفمبر 1990، ولم نحتفل لإحياء ذكرى هذا التاريخ، لقد كنت حائرا بالنسبة للوضعية العامة، ولم أكن أجرؤ بعد على الحديث عن "انحراف". قبل ذلك بيومين أو ثلاثة كان قد استدعاني المقدم إسماعيل العماري رئيس (م.ج.م/DCE) والذي أصبحت منذ ذاك تابعا له، وكنت برفقة الرائد عمار ڤطوشي مسؤول (م.ر.ع/CPO) 20 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftn20)كي يطلعنا على التوجيهات "الجديدة" المقررة من القيادة العسكرية، موجها حديثه أولا إلي بصفتي مسؤول (م.ب.ت/SRA) قائلا لي:" ابتداء من الآن فالهدف رقم واحد للمصالح هم إسلاميو (ج.إ.إ/FIS)، لو يستولون على السلطة سيقطعون رأسنا، وأنتم كذلك ! سيفعلون تماما ما فعل الإيرانيون للصافاك (SAVAK)، يجب سد الطريق أمامهم بأي ثمن، إنها أوامر القيادة..." واستطرد قائلا: "ما هي الملفات التي بحوزتكم؟" أجبت بأن (ج.إ.إ/FIS) تُعامل من طرفنا مثل جميع الأحزاب المعتمدة من وزارة الداخلية، يعني نطبق التعليمات التي تلقيناها منذ عهد الجنرال بتشين، وتتعلق بمتابعة قادة الأحزاب السياسية، مراقبة اجتماعاتهم، أعمالهم في الميدان تأثيرهم في الجماهير، تحالفاتهم المحتملة مع تشكيلات أخرى، لم أذكر له إلا العموميات ولم يكن بإمكاني أن أقر له بأننا كنا "نلهو" كذلك باختراق الأحزاب الشرعية منذ 1989، كما هو الشأن مع (ج.ق.إ/FFS) لحسين آيت احمد (وهو العدو اللدود لرؤسائنا) (ت.م.ث.د/RCD) لسعيد سعدي، (ح.إ.د/PSD) لعبد الرحمان عجريد، أو (ح.و.ت.ن/PNSD) لرابح بن شريف... بالفعل، فعلى الصعيد السياسي وبدون أن نترك عادتنا القديمة الموروثة عن الحزب الواحد فقد اتخذنا المبادرة دون مراعاة تسلسل الرتب، وتلقى الأوامر من رؤسائنا (حيث أنهم منحونا بطاقة بيضاء في ذلك) للاستقصاء والتحري إلى أقصى حد عن "الجمعيات ذات الطابع السياسي". لقد كنت راضيا عن عمل ضباطي وحتى رؤسائي (قبل مجيء الجنرال إسماعيل) كانوا جد راضين عن النتائج المحصلة ولم تبدر منهم أي شكوى.
وبعدها اتجه إلى زميلي: " وأنت عمار؟" هذا الأخير أجاب " أنا ليس عندي أي شيء على الإطلاق، لقد خلفت لتوي النقيب عبد العزيز، ولم يترك أي ملف، هو رجل الجنرال بتشين ولا شك أنه كان يتحرى عليكم حضرات..." (وافتح قوسا هنا لأشير إلى أن الجنرال بتشين الذي كان يشك في إسماعيل بأنه عميل للمخابرات الفرنسية كان قد أبعده منذ فبراير سنة 1990، بل واقترح حتى طرده من الجيش قبل أن "يُستعاد" بواسطة الجنرال العربي بلخير. في وقت (فقدان الحظوة) كان إسماعيل محل مراقبة من طرف عناصر مصلحة العمليات التي كان يقودها النقيب عبد العزيز، كل الضباط وضباط الصف الذين كانت لهم علاقة بهذه القضية وضعوا على الهامش من طرف الإدارة الجديدة). قال له إسماعيل:" هيئ نفسك سوف يكون عندك شغل كثير يا عمار".
ثم التفت نحوي طالبا مني أن أعطيه تقويما عن الوضعية وكذلك الوسائل المادية والبشرية المطلوبة لإعادة تنظيم مصلحتي بغرض تمكينها من التكيف مع متطلبات العمل الجديد.
لقد كانت مصلحة البحث التي أسيرها تضم حوالي أربعين ضابطا وعشرة ضباط صف، و(شخصان مدنيان مدمجان) ومجموعة من العملاء، كان مجموع هذه الإطارات موزعا على مستوى خمسة فروع:
-الأمن الداخلي: معهود إلى النقيب سعيد لوراري (المدعو "سعود") والذي كان يهتم بالأحزاب السياسية، وبأعمال التخريب (وقتها لفظة "الإرهاب" لم تكن مستعملة بعد)، النشاطات السياسية بصفة عامة وخاصة على مستوى البلديات، لأننا رأينا أن المجالس الشعبية البلدية في الغالب كانت قد حازت عليها (ج.إ.إ/FIS) منذ جوان 1990.
- الجوسسة المضادة: معهود بها إلى النقيب مصطفى، والذي كان يهتم بالأجانب، بالبعثات وبالأشخاص الديبلوماسيين، والشركات الأجنبية، والمركز الثقافي الفرنسي...
- الوقاية الاقتصادية: معهود بها إلى النقيب فاروق شطيبي الذي كان يهتم بمكافحة الإجرام الاقتصادي ويطلق عليه مصطلح "التحسيس" (كناية عن مراقبة القطاع الاقتصادي من طرف إطارات الشركات، والذين يرفعون التقارير الشهرية عن مشاكل الصيانة، أو التوزيع، حالة معنويات المستخدمين، النشاط النقابي، المحرضين على الإضراب مثلا، الميولات السياسية للإطارات...الخ) وكذلك كل ما يتعلق بالحياة الاجتماعية (نقابات، إضراب...) ضباط هذا الفرع هم الذين يقومون كذلك بتسيير "المساعدين في الأمن الوقائي" (كان يوجد منهم واحد في كل مؤسسة من مؤسسات الدولة، وزارات، منشآت عمومية، مؤسسات جامعية، فنادق...) وإقامة علاقات مع السلطات المحلية، إطارات الوزارات، البرلمانيين، الصحافيين، المحامين...الخ
- تحقيقات التقصي والتأهيل: معهود به إلى النقيب جمال.
- متابعة الصحافة: معهود به إلى النقيب دحمان بن دحمان بالنسبة للصحافة الناطقة بالعربية، وإلى النقيب عنتر للصحافة الناطقة بالفرنسية.
بما أن التوجيهات الجديدة تتطلب إطارات ذوي خبرة وكفاءة، فقد أعلمت إسماعيل بفقدان التجربة بالنسبة للضباط المعينين في سبتمبر 1990 بفرع البحث والتحليل، الذين وجدوا صعوبة في الاندماج في البلديات، فمعظمهم كان قد أنهى تدريبه في يوليو ولم يكن لديهم عمليا أي اتصال بالميدان.
ولدعم مصلحتي اتخذ رئيس (م.ج.م/DCE) قرارا باستدعاء الواحد وعشرين ضابطا، الذين كانوا معينين خارج العاصمة في إطار حركة صيف 1990. هذه المساعدة القيمة سهلت عملية البحث، بإعادة علاقات الإطارات القديمة بالعاملين معهم، وبمصادرهم لاستقصاء الأخبار والمعلومات. وقد وزع هؤلاء الضباط من جديد، بمعدل عنصر واحد في كل بلدية من بلديات العاصمة: يخلفون رئيس (م.ش.ب/APC)يراقبون نشاط (ج.إ.إ/FIS) في هذه البلديات التي كانت كلها مسيرة من طرف مناضليها...
ولقد كان المقدم إسماعيل يلح كذلك على أهمية تركيز كل الجهود على هذا الهدف حتى ولو دعا الأمر إلى "التخلي" عن نشاط الجوسسة المضادة والوقاية الاقتصادية، زد على ذلك أنه بعد وقت قصير ناداني المقدم رشيد لعلالي (المدعو "عطافي") مدير ديوان الجنرال مَدّين ليطلب مني أن أعطيه ملخصا عن نشاط "الوقاية الاقتصادية" وأن أسلم له بعض الملفات الاقتصادية "الحساسة" التي كنت منكبا على دراستها، كتلك المتعلقة (م.و.م.غ/ENAPAL)، والغرف التجارية. ملفان متفجران كنت قد تعرضت لذكرهما من قبل، واللذان أراد أن يستعملهما (ق.إ.أ/DRS) لزعزعة استقرار مولود حمروش الذي كان قد بدأ يهدد مصالح عصابة الجنرالات بإصلاحاته الاقتصادية، كما تلقيت الأمر كذلك بمتابعة نشاط ريمون لوزوم وهو يهودي جزائري كان يمسك متجرا للبصريات في شارع مراد ديدوش، ولقد تكفل بهذا الملف الملازم بلقاسم الذي توصل إلى تجنيد خدامة منزله التي كان يحصل منها على معلومات مفصلة عن تنقاله إلى فرنسا وتونس 21 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftn21).
أما بالنسبة للرائد عمار ڤطوشي فقد تلقى الأوامر هو الآخر بوضع قائدي (ج.إ.إ/FIS)، عباسي مدني وعلي بن حاج، تحت المراقبة، وقد أعطى لهما اسمين مشفرين هما (رقم1) و(رقم2) كانا محل تتبع مستمر، وتصنت دائم على مكالماتهما الهاتفية.
ومثلهما كذلك أعضاء قيادة الحزب الأكثر تأثيرا، كعلي جدي الذي كان معلما في مدرسة أشبال الثورة بالقليعة (الذي كان يعتبر وقتها الرقم الثالث في الـ"ج.إ.إ/FIS"...) وكذا يخلف شراطي، ونورالدين شيجارة وعبد القادر بوخمخم وآخرون...
لقد كان النقيب جعفر خليفاتي وهو ضابط جدي، كفء، وتقي جدا (حتى أنه كان مشكوك فيه بأنه من المتعاطفين مع الإسلاميين في وقت من الأوقات...) هو المكلف بنقل المكالمات وتلخيصها لمديرية المخابرات والأمن، وللترويح عليه، وتشجيعه على العمل الجاد ضد (ج.إ.إ/FIS) منحه العقيد إسماعيل شقة ببوزريعة.
وبغرض وضع مشروع حربه ضد إسلاميي (ج.إ.إ/FIS) حيز التنفيذ أخبرني إسماعيل بوجوب التهيؤ لنقل مقر قسم البحث والتحليل من حديقة صوفيا (تقع بالقرب من دار البريد الكبير بالعاصمة من الناحية البحرية) إلى مركز عنتر الواقع بالقرب من حديقة الحيوانات، حيث يوجد (م.ر.ع/CPO)، وهذا الانتقال يعود إلى كون حديقة صوفيا لا توفر الضمانات اللازمة "للأمن" حسب قوله (وقد تم ذلك بالفعل بعد خمسة اشهر) وكنا وقتها في نوفمبر 1990 نتطلع إلى الديمقراطية، في الوقت الذي كان بعض القادة العسكريين يحضرون "لشن الحرب".
المصدر الوحيد للسلطة هو الله "
أسبوع بعد هذا الحديث طلب مني رئيس (م.ج.م/dce) العقيد إسماعيل أن "ألغم" مكتبا في حديقة صوفيا (بالكامرات والسماعات...) لتسجيل لقاء مع مدير جريدة "لوجون انديبوندن" وقد حضّرت نفسي لاستقبال "شخصية" من الصحافة المستقلة، وكم كانت مفاجأتي كبيرة عندما وجدت نفسي قبالة "طفل" مهمل الهندام بدون أية قريحة، بمجرد أن خرج ضيفنا، وشريط الفيديو ما يزال بين يدي حرص العقيد إسماعيل على تذكيري بتعليمات القيادة العسكرية بجعل (ج.إ.إ/fis) هدفا من أولى أولوياتها!
لقد كان هذا الحزب السياسي بالنسبة إليه هو "حركة اجتماعية للاحتجاج، تستغل فقر وجهل الشعب، وتستعمل الدين لإضفاء الشرعية على خطابها، وجعله مقفزا للوصول إلى السلطة" ويضيف قوله:" إن المساجد أصبحت منابر للمتطرفين يوجهون منها نداءهم إلى القتل، ليست (ج.إ.إ/fis) إلا نسخة ثانية من (ج.ت.و/fln)، وستقفل الباب وتزيل التداول على السلطة، وتعيد إقامة الحزب الواحد من جديد ذلك أن الذي يعارض (ج.إ.إ/fis) يوضع في خانة المعارضين لله! (أي يعتبر معارضا لله).
ستُغرق (ج.إ.إ/fis) البلد في دكتاتورية جديدة، بل في حرب أهلية إذا تركناهم يمرون، إنه التقهقر بأربعة عشر قرنا إلى الوراء ".
الجزء الأول من تحليله بالنسبة لطبيعة تشكيلة (ج.إ.إ/fis) بدا لي إلى حد ما صحيحا، ذلك أن الإسلاميين في ذلك الوقت كانوا يتميزون بالخطب النارية التي كان يلقيها علي بن حاج تناوبا كل جمعة (في مسجد بن باديس في القبة، والسنة في باب الوادي) والمسيرات الضخمة التي تضم عشرات الآلاف من المتعاطفين مع الجبهة... والتي كانت تنظم كل يوم خميس في الجزائر العاصمة، تشهد لهم بالقدرة على التجنيد والتي كانت تخيف الكثير من غير المقتنعين بهذا الحزب (كما أصبح هذا الاستعراض للقوة يمثل تهديدا حقيقيا لمصالح الطبقة الحاكمة)
لقد اغتنم قادة (ج.إ.إ/fis) ضعف السلطات، حتى قبل حرب الخليج الثانية، ليصعّدوا لهجة خطابهم العنيف، وكشاهد على ذلك نورد هذه الفقرة من مقابلة كان قد أجراها علي بن حاج مع صحيفة "لوريزون" ونشرت يوم 23 فبراير 1989 حيث يقول فيها حرفيا:" إن التعددية الحزبية غير مقبولة، بسبب كونها صادرة عن تصور غربي، فلو يعبر الشيوعيون والبربر مثلما يعبر الآخرون أيضا، لأصبح بلدنا ميدانا للمواجهة بين مختلف الإيديولوجيات المتناقضة والمتعارضة مع دين شعبنا – لا توجد ديمقراطية لأن المصدر الوحيد للسلطة هو الله من خلال نص القرآن، وليس من خلال الشعب فإذا انتخب الشعب ضد شريعة الله فهذا لا يعني سوى الكفر الصّراح، وفي هذه الحالة يجب قتل هؤلاء الكفرة لأنهم بذلك يريدون أن يستبدلوا قانونهم وسلطتهم بشريعة الله وسنته".أو كذلك هذا الاستجواب الآخر لعباسي مدني الذي أجرته معه " الجزائر الأحداث" في عددها الصادر يوم 24/12/1989 الذي جاء فيه قوله:" إذا كانت الديمقراطية إطارا للحوار واحترام الرأي فنحن متفقون مع هذا المفهوم، بيد أنه وعلى العكس من ذلك، فإننا لا نقبل أن يصبح المنتخبون متناقضين مع الإسلام وشريعته وقيمه".
ابتداء من صيف 1990، وفي المناخ الدولي الذي أحدثه غزو العراق للكويت صعد التوتر إلى درجة أعلى، فالـ(ج.إ.إ/fis) التي وقفت مع صدام حسين آخذت على القادة الجزائريين تقاعسهم في مساندة العراقيين، وأدانوا بشدة النظام الذي كانوا يتهمونه "بالعلمانية" و"التخلي عن الإسلام".
ورغم هذا في نظري، فإن الوضعية لم تكن بتلك الدرجة من الخطورة التي كانت تدعيها (م.ج.م/dce)، حتى ولو أن الديمقراطية كانت في حالة تلجلج! صحيح أن (ج.إ.إ/fis) نجحت في الانتخابات البلدية والولائية بستة أشهر قبل ذلك، لكن كنت أرى مثل الكثير في هذا الانتصار بأنه تعبير عن إرادة عميقة لدى الجزائريين في إجراء القطيعة مع النظام أكثر مما هو رغبة في أي "استبداد إسلامي". وهو الشيء الذي لم يفهمه الجنرالات، وخاصة أنهم لم يهضموه على الإطلاق !
إن الذي صدمني في كلام إسماعيل هو أنه في أول مرة يذكر مسؤول في (ج.و.ش/anp) أمامي عبارة "الحرب الأهلية" التي كانت في ذلك الوقت مجهولة الاستعمال تماما في اصطلاحاتنا المتداولة. لا جدال في أن هناك نساء قد استهدفن ببعض المعاملات الخاصة لمحاولة تطبيق الشريعة.. كما أن بعض مناضلي (ج.إ.إ/fis) كانوا يكثرون الاستفزاز والإثارة وأن بعض الخطب لم تكن مستساغة من طرف كل الجزائريين، ولكنا كنا بعيدين جدا عن التفكير بأن نكبة بهذا المستوى الكارثي المروع كانت تختمر وتتفاعل في الأعماق تحت سطح البلاد وأرجل العباد!
مناشير إسلامية مـزورة!
لمعارضة فعالية (ج.إ.إ/FIS)، والحد من امتدادها المخيف كنا نستغل الشقاقات القائمة داخلها باللجوء إلى الصحافة "المستقلة" لتحسيس الرأي العام بخطر التهديد الإسلامي..ولكون (ج.إ.إ/FIS) في الحقيقة هي عبارة عن سديم مشكل من عدة تيارات ومشارب تتراوح مواقفها من أدنى الاعتدال إلى أقصى التطرف، أكثر مما هي كتلة متجانسة، ومتراصة اللبنات... فقد كانت الاختلافات دائما على أشدها بين عناصرها، مما سهل علينا استغلال تلك الأقوال المتشددة لبعض قادتها، وممارسة الخلط المتعمد في هذا الخصوص بقصد التهويل وتشجيع المثقفين على إدانة التطرف الإسلامي.
غير أن هذا كله قد بدا وكأنه غير كاف في نظر رؤسائنا الذين ما فتئوا يطلبون منا "المزيد" !!
وما يجب التذكير به هنا هو أن هذه الفترة قد عرفت أيضا ظهور طائفة أو جماعة التكفير والهجرة، وهي عبارة عن تنظيم صغير متطرف لا تربطه أية صلة بـ(ج.إ.إ/FIS) (وسأعود إلى هذا الموضوع فيما بعد)، إن هذه الجماعة القليلة العدد، والتي ليس لأفكارها المتطرفة أية علاقة بتقاليدنا العريقة، والراسخة القدم، كانت تتكون بوجه خاص من مناضلين إسلاميين ذهبوا إلى جهاد السوفيات في أفغانستان(والذين نطلق عليهم اسم "الأفغان") أعلنوا أنفسهم كتيار "سلفي" 22 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftn22) عقيدتهم المذهبية تصل حتى الترخيص بقتل الوالدين أو الاخوة الذين لا يلتزمون بتطبيق المبادئ الإسلامية. كانت هذه الجماعة تنتشر بعض الشيء، ولكنه ليس إلى الحد الذي يمكن اعتباره تهديدا خطيرا، فبتحسيس جيد لمسؤولي الأحزاب الإسلامية، والمزيد من التدابير الصارمة، كان بإمكان مصالح الأمن بالتعاون مع العدالة أن يقضوا على هذه الآفة الطائفية ويستأصلوا شأفتها من الوجود كليا.
لكن للأسف ! فإن هذا النوع من التدابير لم يكن ينطبق أو يتماشى مع برامج ومخططات الجنرالات !
ففي ذلك الوقت بالذات، كان بعض عناصر (م.ج.م/DCE) منكبين على إعادة تأسيس وبعث الحركة الإسلامية المسلحة (ح.إ.م/MIA2) من العدم، وهي منظمة كانت قد فككت تماما قبل ذلك بسنوات(وسأعود إلى هذا الموضوع في الفصل التالي). لقد كان الجنرالات في الحقيقة يريدون أن يستخدموا (ق.إ.أ/DRS) "لصب الزيت على النار" قصد إعطاء الانطباع للرأي العام بأن (ج.إ.إ/FIS) بكاملها تسعى إلى فرض نظام حكم استبدادي بالقوة.
وهكذا، فقد تكلف ضباطي بتوزيع المنشورات على الصحفيين والجمعيات النسوية، وتعليق البيانات داخل المساجد، وإلصاقها على الجدران في الأحياء الجامعية في بوزريعة، دالي براهيم، ميادين جامعات باب الزوار والجامعة المركزية.... لقد كانت هذه المناشير والبلاغات والبيانات التي تحمل إمضاء (ج.إ.إ/FIS) كلها تحرر من طرف النقيب جعفر خليفاتي، وقد كانت تلك الفتاوى المزعومة (المنسوبة زورا وبهتانا إلى الجبهة الإسلامية) المذاعة بواسطة البلاغات الكاذبة الموجهة من (م.ج.م/DCE) تدعو "اخوة الإيمان" في كل مكان إلى ضرورة التخلص من الطاغوت المتسلط على رقاب العباد، وإلى رفض الديمقراطية "الغريبة المنحطة، والمنحلة أخلاقيا" وقد كانت تلك المناشير في الغالب تدعو إلى الجهاد وإلى العصيان، أو رفع السلاح ضد النظام إذا لم يحترم قانون الانتخابات والإرادة الشعبية، كما كانت تطالب كذلك بفتح معسكرات التدريب لمناضلي (ج.إ.إ/FIS) الذين يرغبون في الذهاب إلى المشاركة في الحرب إلى جانب القوات العراقية أثناء حرب الخليج، وإقامة نظام حكم ديني لتطبيق الشريعة الإسلامية...
إن الهدف المتوخى في الأساس من هذه المناشير والبلاغات المزيفة هو المزايدة المنتظمة على تلك البلاغات الحقيقية التي كانت تصدر عن (ج.إ.إ/FIS)، (والتي كانت هي أصلا متطرفة) لقد كان هدفها إحداث الشقاق في صفوف القادة الإسلاميين، وبصفة خاصة إثارة الخلاف والنزاع بين عباسي مدني وعلي بن حاج، لدفع كل واحد منهما إلى الشك في الآخر واتهامه بتحرير البيانات دون التشاور والاتفاق المسبق، وابتداء من يناير 1991، بدأت العديد من هذه البيانات المنسوبة إلى (ج.إ.إ/FIS) تقرأ حتى خلال نشرات أخبار التلفزيون على الساعة الثامنة مساء، وهذا زرع الشكوك في صفوف مناضلي الجبهة الإسلامية، ولا جدال في أن (ق.إ.أ/DRS) قد أصاب الأهداف المسطرة!
فالقادة الإسلاميون الذين لم يكونوا في الأصل يشكلون تنظيما متجانسا في عناصره ومتراصا في بنيانه،اصبحوا غير قادرين على مواجهة هذه المخططات، مساهمين بذلك في إعطاء المصداقية للخلط بينهم وبين المتطرفين، مع أنهم كانوا في الحقيقة يعتبرونهم أعداء.
فمنذ ذلك الوقت كان الهدف واضحا بالنسبة لرؤسائنا، تصيير (ج.إ.إ/FIS) شيطانا وتهويل أمرها بجعل هذا الحزب "بعبعا" مرعبا قصد تكوين "جبهة" مدنية ضده، وإضفاء طابع الشرعية على تدخل الجيش للقضاء عليه فيما بعد.
1 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftnref1) ) إيف بوني Yves BONNET، مذكرات قائد من جهاز الاستخبارات الفرنسي(DST) ، كالمان ليفيCalmann-Lévy، باريس 2000.
2 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftnref2) ) نفس المرجع ص 320
3 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftnref3) ) نفس المرجع السابق ص 339
4 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftnref4) )برودانسيو غارسيا، El Drama de la autonomia militar، دراما الحكم الذاتي العسكري، منشورات أليناسا، مدريد، 1995، هذا الكتاب الملفت للنظر لضابط إسباني متقاعد، خُصص لسلوك قوات الجيش الأرجنتيني تحت ظل ديكتاتورية الجنرال يورغ رافائيل فيدلا Jorg Rafael Videla (1976-1983)، نموذج قمعي مستوحى مباشرة من تقنيات الجيش الفرنسي إبان حرب التحرير الجزائرية (1954-1962) وهو نفس النموذج الذي استلهمه جنرالات الجزائر لـ(سنوات الدم) منذ 1992.
5 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftnref5) ) إن الـ(أ.ع/SM) منحدر من (المالڤ/MALG) مصالح الاستخبارات لـ(ج.ت.و/FLN) والذي حُل سنة 1962 غداة الاستقلال؛ حاضرا كليا منذ ذلك الوقت داخل كامل دواليب الدولة والحزب (إبان فترة الحزب الواحد والذي كان يخدمه كشرطة سياسية)، لقد أعيدت هيكلة الأمن العسكري سنة 1980 تحت اسم (م.م.أ.ع/DCSM) المديرية المركزية للأمن العسكري، والتي تركت مكانها سنة 1983 للـ (م.ع.و.أ/DGPS) المندوبية العامة للوقاية والأمن التابعة لرئاسة الجمهورية، والتي غُيرت بدورها بعد "موجة" الديمقراطية لأكتوبر1988، بالـ(م.ع.ت.أ/DGDS) المندوبية العامة للتوثيق والأمن التابعة دائما لرئاسة الجمهورية وليس لوزارة الدفاع الوطني، ولقد حُلت (م.ع.ت.أ/DGDS) رسميا في جوان 1990 بدون أن يلحق ذلك أي تأثير على عناصرها، فعاليتها ووسائلها، وفي سبتمبر 1990 (وسأعود إلى هذا) أصبح الأمن العسكري (ق.إ.أ/DRS) قسم الاستخبارات والأمن، موضوعا تحت إمرة الجنرال محمد مدين المدعو "توفيق"، وبالرغم من مرور الزمن وتعاقب الأجيال والتغيرات الطارئة على التسمية إلا أن اسم الأمن العسكري (أ.ع/SM) ما يزال دائما متداولا، لأنه ينتمي إلى اللاشعور للإطارات والمواطنين، مسجلا بسنوات من الرعب والقمع.
6 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftnref6) ) ديلي براس بريفينغ Daily Press Briefing ، أنجزه مكتب المتحدثين Office of the Spokeman، لإدارة حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، 6 يناير 1998.
7 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftnref7) ) إبان كل فترة "الحرب الجزائرية الثانية" وإلى يومنا هذا، لعبت هذه المصلحة دورا رئيسيا في تشويه المعلومات، كانت تسمى "مصلحة الصحافة والتوثيق"، ثم أصبحت في يناير 1993 "مصلحة العمل النفساني" يقودها العقيد جيلالي مراو المدعو "صالح" ثم العقيد المشؤوم طاهر زبير المدعو "الحاج" (هذا الأخير عوض بالعقيد فوزي نهاية 2001).
8 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftnref8) ) هذا المصطلح المستعمل في الشارع العاصمي للإشارة إلى المجالس المعينة وسكان إقامات الدولة لأصحاب السلطة ( كالمكان المعروف بنادي الصنوبر) وهو يشير إلى النظام الذي أقامته فرنسا الاستعمارية سنة 1947، القاضي بإنشاء هيئة ناخبين من "الدرجة الثانية"، مخصص للأعيان "الأهليين"، وبلا شك فإن أصحاب "الدرجة الأولى" كانوا هم المستعمرين الفرنسيين (حيث يحتسب صوت الواحد منهم بعشرة أمثاله من "الأهليين" )
9 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftnref9))حبيب سوايدية، الحرب القذرة La Sale Guerre، "لا ديكوفارت La Découverte" باريس 2001، لقد خسر الجنرال نزار قضية القذف تلك. النص الكامل لوقائع هذه المحاكمة التي دامت أكثر من خمسة أيام، نشرته "لا ديكوفارت La Découverte "؛ بعنوان حبيب سوايدية، محاكمة "الحرب القذرة" "La Sale Guerre" Le Pocès de، باريس 2002.
10 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftnref10) ) حبيب سوايدية محاكمة "الحرب القذرة" نفس المرجع السابق ص 245.
11 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftnref11) ) أُنشأت بهذه المناسبة القوات الجوية، القوات البحرية، والقوات البرية، كانت وحداتهم تابعة نظاميا لكل رئيس ناحية عسكرية، ولكنها لا تستمد أوامرها العملياتية إلا من رئيس قيادة أركان (ج.و.ش/ANP)، وهكذا فلم يكن بإمكان رئيس ناحية أن يعطي أوامر لوحدات من (ج.و.ش) للسير نحو العاصمة، كان الأمر يتعلق فعلا بمراقبة مزدوجة: الأولى على مستوى الناحية حيث توجد وحدات القتال، والأخرى على مستوى مقر العمليات.
12 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftnref12) ) بعد إعادة هيكلة (ج.و.ش/ANP)، كان جهاز الـ(أ.ع/SM) يعتبر بحق أحد ألوية الجيش تماما مثل البحرية، الطيران، المدرعات، المدفعية، المشاة، الصحة، ولكن بدون أن تكون له إشارة خاصة به .
13 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftnref13) ) عابد شارف، الجزائر 88، شغب صبيان، ?un chahut de gamins ، Laphomic ، الجزائر 1990،
Octobre, ils parlent, ouvrage conçu par sid Ahmed Semiane منشورات لوماتن، الجزائر 1998، أنظر كذلك حبيب سوايدية (محاكمة "الحرب القذرة" ) . مرجع سبق ذكره ص. 491.
14 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftnref14) ) كان هذا الشخص وإسمه الحقيقي عبد الله خالف، مسؤول الأمن العسكري إبان رئاسة بومدين، عزل من الـ(ج.و.ش/ANP) في يناير 1982، وذلك بعد فترة وجيزة كنائب وزير الدفاع مكلف بالصناعات الحربية، تولى حقيبة وزير الصناعات الثقيلة من 1982 إلى 1984 في حكومة محمد بن أحمد عبد الغني ثم حقيبة الفلاحة والصيد من 1984 إلى 1986 في حكومة عبد الحميد براهيمي وفي 1989 أسس حزبه السياسي (ح.ج.ع.ت/MAJD).
15 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftnref15) ) استرجع هذا الأخير فيما بعد من طرف المقدم إسماعيل العماري (المدعو "إسماعين" شخص أساسي، ستكون لي فرصة التطرق إليه وذكره مرارا فيما بعد) الذي كان سيقترحه لمنصب رئيس دائرة في إحدى ولايات الجنوب سنة 1991، تلك هي كيفية تطور الزبائنية في جزائر العصب الاجرامية، نقيب مطرود من صفوف (ج.و.ش/ANP) بسبب عدم الكفاءة سيجد نفسه رئيسا لدائرة!
16 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftnref16)) المحاربين القدامى في ثورة التحرير، بعض مسؤولي منظمة قدماء المجاهدين يشكلون مجموعة ضغط اقتصادي قوي في قلب نظام السلطة الجزائرية!
17 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftnref17) ) لقد أسفرت أول انتخابات نزيهة في تاريخ البلاد على فوز ساحق لمرشحي (ج.إ.إ/FIS): حيث حاز هذا الحزب على 4331472 صوت (ما يعادل 54.25 % من الأصوات المعبر عنها، ونال 45.6 % من المجالس الشعبية البلدية و55% من المجالس الشعبية الولائية.
18 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftnref18))هذه البنية التابعة للأمن العسكري أنشئت في 1987، على شاكلة الوحدات المضادة للألوية الحمراء الإيطالية، أو الـ(GIGN) الفرنسي، كانت مهمتها الأولى (هجومية) (تحرير الرهائن، الاقتحام...) وكانت مكونة من 300 رجل تقريبا، وعند ملاحظة الرئيس العدد غداة توقيع مرسوم إنشاء الهيكل (م.ت.خ/GIS)، تلفظ بكلام يشبه النبوءة قالا "لماذا كل هذا العدد؟ أتريدون أن تقوموا بانقلاب أم ماذا؟" لقد أتاحت الفرصة للرائد مصطفى غمري مع أنه رئيس (م.ت.خ/GIS) ما بين 1988 و1989 أن يطلعني عن عدم فهمه فيما يخص جدوى هذه التركيبة : كانت تقوم بعمل مزدوج مع (م.ت.س/GIR) للدرك الوطني، ووحدات التدخل للـ(م.ع.أ.و/DGSN)، وبخلق هذه البنية المضادة للإرهاب بالرغم من أنه لم يكن هناك إرهاب في تلك الحقبة، كان الجنرالات الاستشرافيون يعدون وبلا شك كل الأسلاك للحرب...
19 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftnref19) ) أنشأت هذه "القوة المحلية" في نهاية حرب التحرير مارس 1962 طبقا لمعاهدات إيفيان ووضعت من طرف الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية كقوة توسط، من أجل احترام سير عملية وقف القتال بين جيش التحرير الوطني والجيش الفرنسي، مجندة لذلك كثيرا من الجزائريين الملتحقين في آخر لحظة بمعسكر الاستقلال، والذين أطلق عليهم اسم (المارسيين) نسبة إلى شهر مارس.
20 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftnref20) ) (م.ق.ع/PCO) المركز القيادي للعمليات، كما يوجد هذا في كل المصالح السرية في العالم، كان الـ(م.ق.ع/PCO) وحدة من وحدات (ق.إ.أ/DRS) مكلف بالعمليات غير الشرعية، مراقبة، تتبع، تفتيش سري، توقيفات، خطف، استنطاقات، وضع أجهزة التنصت، شهادات الزور...الخ، ففي مركز عنتر ببن عكنون كان مقر الـ(م.ق.ع/PCO) ومن هناك كانت تصدر البيانات المنسوبة لـ(ج.إ.إ/FIS) منذ يناير1991.
21 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftnref21) ) في شهر جانفي 1994، بينما كنت أشغل منصبا في ألمانيا، علمت بأن ريمون لوزوم قد قتل من طرف الإسلاميين على حد تعبير الصحافة، بالرغم من أنه لم تكن توجد هناك أدلة، حينها راودني الإحساس (وذلك لمعرفتي باستهتار مسؤولي (ق.إ.أ/DRS) بأن هذا الاغتيال -غير المتبنى- يتماشى أكثر مع أغراضهم لنصب العداوة بين الجماعة اليهودية والإسلاميين، وقطع الدعم الدولي المحتمل (خاصة الولايات المتحدة الأمريكية) لصالح أنصار الدولة الإسلامية.
22 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftnref22) ) إن التيار السلفي يدعو إلى الإسلام السياسي (الدولي) المحافظ، وهو متعارض مع تيار "الجزأرة" العصري الخاص بالجزائر.
يتبع:811:
"مخطط العمل الشامل" للجنرال نزار.
في شهر ديسمبر 1990، أثناء اجتماع برئاسة الجنرال نزار في بني مسوس، والذي دعي إلى حضوره كل من المسؤولين الرئيسيين للـ(أ.ع/SM)، أطلعنا وزير الدفاع على التدابير المتخذة لمعارضة(ج.إ.إ/FIS).
لقد صّرح لنا بأن لا يقع التسامح مع هذا الحزب إلا في حالة ما إذا لم يتجاوز نجاحه نسبة 30% في الانتخابات التشريعية التي كان مزمعا تنظيمها في 27 جوان 1991 وإلا فإن (ج.و.ش/ANP) سيضطر إلى "تحمل مسؤولياته" في حالة نجاح (ج.إ.إ/FIS) فلن يكون أمام قيادة الجيش إلا أحد الأمرين: إما الاستيلاء على السلطة مباشرة، وإما إقامة قيادة جماعية بواجهة مدنية. ولم يكن المرء يحتاج إلى أي جهد فكري كي يستنتج بأن الاختيار الثاني هو الذي سيحظى بالتفضيل، فالاختيار الأول يمثل الكثير من المساوئ الظاهرة(المسؤولية تجاه الرأي العام العالمي، ردود الفعل السلبية أو العكسية من طرف البلدان الغربية، واحتمال إقامة حظر على الدعم المالي الدولي...).
لقد كان مخطط إقصاء (ج.إ.إ/FIS) من الوصول إلى الحكم إذن معدا سلفا في ديسمبر 1990، ولم يبق إلا خلق الظروف المناسبة لوضعه حيز التنفيذ.
ذلكم هو الهدف من "مخطط العمل الشامل" المدبر من الثنائي (العربي بلخير ونزار) والمحرر من طرف مستشاري هذا الأخير (الجنرالان: محمد التواتي، وعبد المجيد تاغيت، هذا الأخير كان وقتها قائد "ق.ق.بح/CFN") وقد عُهد بتنفيذ المخطط إلى رئيس (ق.إ.أ/DRS) الجنرال توفيق والعقيدين إسماعيل العماري، وكمال عبد الرحمان، وفي نفس الوقت قُدم "مخطط نزار" هذا إلى رئيس الجمهورية والوزير الأول للتصديق عليه 23 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftn23) ، لقد كان يتضمن عددا من التدابير التمييزية مثل:
-إبعاد كل الإسلاميين (باستثناء المتعاونين مع الـ"أ.ع/SM") من المناصب الحساسة.
- تبني تقسيم (مفصل على المقاس) للدوائر الانتخابية (لحرمان التشكيلات الإسلامية من الامتياز بدون أية مواربة!)
- المساندة المتعددة الأشكال لـ(ج.ت.و/FLN).
- رشوة "التشكيلات الحزبية الديمقراطية" بفضل توفير الدعم لها، وفسح المجال الإعلامي أمامها، وخاصة التلفزيون.
ياله من تصور عجيب وغريب للديمقراطية، التي لا يُسمح بها إلا إذا ضُمن بقاء السلطة في أيدي الجنرالات..!!إن التداول على السلطة بالنسبة إليهم كان يعني استنساخ جبهة تحرير ثانية، يُحكم بواسطتها كما كان الشأن في السابق، أو القبول عند الاقتضاء بحزب "ديمقراطي" مُدَجّن، سهل الانقياد يكون رهن إشارتهم لتلقي أوامرهم بالسمع والطاعة!
وعندما تطرق إلى الفصل المتعلق بمحاربة "المتطرفين" أوصى الجنرال نزار، قائلا :" تقسيم التيارات الدينية باستفزاز أو استغلال، أو إحياء تناقضاتهم، وإذكاء الخلافات بينهم.
-تشويه صورة (ج.إ.إ/FIS)، والحط من قيمتها فيما يخص الحريات الديمقراطية، والحريات الفردية (...)
-استغلال جهل الإسلاميين المتطرفين بما يخص العلوم السياسية، والعلوم العصرية(...)
-التشكيك الإعلامي في قادة (ج.إ.إ/FIS) بنشر الصور والأقوال والخطب التي تثبت عجزهم وقصورهم عن معالجة المشاكل الاقتصادية الكبرى (...)
-توجيه الإعلام واستخدامه، بإشراف ومساعدة إعلاميين محترفين (...)
لقد كان هذا انحرافا خطيرا، فبأي حق تخول (و.د.و/MDN) لنفسها تحريض إطاراتها على أن يصبحوا خارجين عن القانون؟! ما هي الغاية من قرارها الخاص بإعداد "برنامج عمل نفساني"؟ إذا ارتكب الإسلاميون جنحا.. أليس بإمكان العدالة أن تعاقبهم؟ إذا كان الأمر يتعلق بالمتطرفين... ألم يكن الأحق والأصوب أن يعمد إلى القبض عليهم؟ لقد أطلعت العقيد إسماعيل العماري على بعض هذه التحفظات التي سجلتها على هذا المخطط المسمى "خاص" (لكونه لا يستهدف إلا الـ"ج.إ.إ/FIS") وقلت له لماذا هذه الإجراءات المنافية للديمقراطية؟ بما أن السلطات العمومية كان بوسعها أن لا تمنح الموافقة للجبهة الإسلامية سنة1989، وعلى كل حال فان دستور فبراير 1989 يعطي لرئيس الدولة صلاحية حل البرلمان فكان جواب رئيس (م.ج.م/DCE) في خلاصته هو: "يجب تنفيذ الأوامر دون طرح الكثير من الأسئلة، لا ينبغي للجزائر أن تسقط في قبضة الأصوليين، إن المستقبل هو أنتم، ستكونون قادة الغد، يجب إزاحتهم تماما عن طريقكم إذا أردتم أن تتحكموا في مقاليد البلد".
لقد قفز إطارات (ق.إ.أ/DRS) قفزا على هذه الفرصة، وتحمسوا كثيرا لوضع هذا المخطط الفذ "مخطط العمل الشامل " حيز التنفيذ لاسيما أنه كان يمثل ترقية سهلة، ميزانية غير محدودة، ووعود بامتيازات متنوعة (مضاعفة علاوات عناصر مجموعة العمليات الخاصة، استفادة الإطارات المرؤوسين بالسكنات...) لقد كان إضعاف (ج.إ.إ/FIS) كهدف مكلف بتحقيقه (ق.إ.أ/DRS)، يتطلب وجود ضباط مختارين بصرامة، تُراعى فيهم أهمية تطبيق الأوامر دون اعتراض. إن من أولى النتائج التي أسفر عنها تطبيق " مخطط عمل " الجنرال نزار كان إبعاد الضباط الجامعيين المنعوتين بالمعربين.
فبعضهم إما طردوا كالنقيب حسين وشطاطي المدعو"سليم"على سبيل المثال وإما جمدوا في مهام لا علاقة لها بكفاءتهم واختصاصهم، كتعيينهم في وحدات (ج.و.ش/ANP) أو في وظائف تبعث على السخرية، كالنقباء: سمير (رئيس سابق "م.أ.ق/BSS" مكتب أمن القطاع ببرج بوعريريج) ودحمان بن دحمان (رئيس "م.أ.ق/BSS" بسطيف) وعبد الحميد خروفي المدعو"حسني" ولطفي وغيرهم...
فبالنسبة إليّ كعسكري منضبط، حتى لو لم أكن مقتنعا تماما بضرورة مخطط كهذا، فما كان لي بد من أن أسير معهم في الخط ! لقد نجح الرؤساء بالفعل أن يوهمونا (وهو ما لم أكن مقتنعا به أبدا في البداية) أن الجمهورية كانت في خطر، وأن الإسلاميين كانوا مدعومين ماليا وسياسيا من قوى أجنبية، وأنهم كانوا سيعدمون كل رجال الـ(أ.ع/SM) في حالة ما إذا استولوا على الحكم، وأنهم كانوا يريدون زعزعة استقرار البلاد، وتعريض مؤسساتها إلى الخطر الداهم..
باختصار هذا هو الخطاب الإيديولوجي الذي استعمل لتجنيد العسكريين والتأثير على جزء من المواطنين.
لقد فعلت حملة التسميم هاته إذن مفعولها، إذ سرعان ما تجند كل الضباط وراء القيادة. بل وأننا كنا في الخطوط الأمامية: فالأمر –كما كنا نقول– يتعلق بـ" الدفاع عن مؤسسات الجمهورية، والشرعية الدستورية" إن الحرب ضد الـ(ج.إ.إ/FIS)، (أؤكد هنا الحرب ضد الـ(ج.إ.إ/FIS) وليست ضد الإسلاميين، وسأعود إلى تفصيل هذا الموضوع لاحقا) قلت الحرب إذن أصبحت حقيقة !
لقد كانت إحدى المهمات الأولى لـ(ق.إ.أ/DRS) في هذا هي تنفيذ توصية "مخطط نزار " وهي تشجيع "تقسيم التيارات الدينية بالاستفزاز أو بالاستغلال، أو إحياء تناقضاتهم، وإذكاء الخلافات بينهم..." ففي آخر 1990 ولهذا الغرض أعاد الجنرال توفيق "تنشيط" الرائد عبد الرحمان بن مرزوقة (هو نائب مـدير سابق في الأمـن الداخلي مكلف بالتحليل، وقد وضع على الهامش بعد ذهاب الجنرال بتشين، بتهمة أنه كان مقربا من هذا الأخير) وكلفه باسم "التحالف ضد الأصولية" (يعني "ج.إ.إ/FIS") بربط الصلة مع الشيخ محفوظ نحناح، رئيس جمعية الإصلاح والإرشاد الخيرية، لكي يحولها إلى حزب سياسي، لمواجهة التأثير المتصاعد لـ(ج.إ.إ/FIS)، وقد قبل الشيخ نحناح الاقتراح بإنشاء حزب"حماس " الذي سيصبح فيما بعد "حمس"(حركة مجتمع السلم) 24 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftn24)وهذا بالرغم من اعتراض نائبه الشيخ محمد بوسليماني الذي أكد أن "السياسة تدنّـس الضمير" وفضل أن يبقى على رأس جمعية الإرشاد والإصلاح، بعيدا عن "دسائس السياسيين" 25 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftn25).
لقد كنا وقتها غير شاعرين بخطة "نجدة" الوطن التي دشن انطلاقها سنة 1990 لتفادي إغراق البلاد في عهد "الظلامية" لم نشعر وقتها إذن بأن هذه "الخطة" ستوصل الجزائريين إلى مواجهة أهوال حرب أهلية دموية شنيعة.!!
إنشاء هيكل غير قانوني
في مديرية الجوسسة المضادة (م.ج.م/DCE)
منذ ذلك الوقت لم يكن العسكريون من (أصحاب القرار) يحرصون على العمل النفساني والتشويه الإعلامي فقط، بل شرعوا جهارا، نهارا في القيام بعمليات على هامش القانون!!
وهكذا فبعد وقت قصير من محادثاتنا في آخر أكتوبر 1990، أنشأ إسماعيل العماري داخل (م.ر.ع/CPO) "شعبة حماية"، هذه المؤسسة أو هذا الهيكل الذي لم يكن له أي طابع قانوني ولم يكن حتى منصوصا عليه في منظام (م.ج.م/DCE)، زيادة على أنه يفتقد لمبررات وجوده، ذلك أن مهمة حماية الشخصيات أو الممتلكات كانت توجد لدى مصالح الأمن من قبل ذلك ممثلة في مصلحة الأمن الرئاسي! ومجموعة التدخل الخاصة(م.ت.خ/GIS)، وكذلك المديرية العامة للأمن الوطني (م.ع.أ.و/DGSN)، والدرك الوطني.
وقد عهد "بشعبة الحماية" هذه إلى الملازم معاشو، وكانت تشتمل في البداية على حوالي ثلاثين عنصرا وتتلقى أوامرها مباشرة من إسماعيل العماري، وللتمويه على الأهداف الحقيقية لهذه المؤسسة (التي ستوحي لهم لاحقا في مارس 1992 بإنشاء "سرايا الموت" السيئة الذكر والمنحوسة، التابعة (م.م.أ.ج/DCSA)، (وسأعود إلى ذلك في الفصل السابع) فإن رجالها (وكلهم ضباط صف محنكون) كانوا معينين رسميا كحراس شخصيين، وسائقين لدى الجنرالات خالد نزار (الذي كان سائقه المساعد عيسى، واسمه الحقيقي حنان بوعمر، وهو عضو قديم في مصلحة المراقبة) العربي بلخير، عبد المالك ڤنايزية...الخ.
لكن كانوا أيضا يقومون بحماية الشخصيات المقربة من المصالح وكذلك المتعاملين والموظفين الموثوقين الذين كانوا "ينشطون" في دواليب العدالة، أو داخل الأحزاب السياسية كالوكيل العام في العاصمة عبد المالك السايح، أو أحمد مراني أمين مخزن سابق في معهد باسطور بمدينة الجزائر، وإمام سابق أصبح فيما بعد مسؤول لجنة الشؤون الاجتماعية في (ج.إ.إ/FIS). 26 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftn26)
وقد تلقى الملازم معاشو بسرعة "صلاحيات" جديدة، وعناصر الشعبة "الشبح " الذين لم يكونوا معينين لحماية الشخصيات كانوا حاضرين في كل مكان: ميناء الجزائر، مطار الدار البيضاء، الفنادق الضخمة بالعاصمة... مهمتهم مراقبة الحاويات، إدخال الناس وإخراجهم بدون أوراق هوية، من الميناء أو المطار، حجز الغرف في الفنادق، مرافقة "الزوار" (رجال أعمال لا يمرون على مراقبة شرطة المطار والحدود، مستشارون أجانب، أشخاص مبعوثون من العقيد محمود سوامي مسؤول (ق.إ.أ/DRS) بباريس، أفراد من ذوي الهويات التي لا ينبغي أن تعرف رسميا...). وكان هؤلاء الأفراد يقدمون تقاريرهم وعروضهم مباشرة إلى (م.ج.م/DCE) دون أن يخطروا لا الرائد ڤطوشي، ولا أنا !
الجواب، الذي لم أعرفه إلا متأخرا، هو أن رئيس (م.ج.م/DCE)، وبضمان الجنرال توفيق، كان قد انتقى عناصر مطواعة وموثوقة، تنفذ المطلوب منها دون أي تردد أو أدنى تفكير أو عبوس أو حرج أو ضمير!!
لقد كان هؤلاء المنفذون من مستوى ثقافي دون المتوسط يتصرفون كالمرتزقة، مشدودين بإغراءات ومحفزين بترقيات، وفتح حسابات بالعملة الصعبة... وستلعب هذه المؤسسة أثناء سنوات الحرب التي أعقبت توقيف المسار الانتخابي في يناير 1992 دورا خطيرا، سأعود إلى تفصيل الحديث عنه لاحقا.
إسلامي في خدمة الـ(أ.ع/SM)!
منذ الشهور الأولى لاستلام وظيفته الجديدة على رأس (م.ج.م/DCE) بدأ المقدم إسماعيل العماري يبرهن على تصميمه وحزمه وعزمه على التدخل مباشرة ليس لاختراق الإسلاميين فحسب، ولكن أيضا لاحتوائهم واستعمالهم! ولعل قضية "ب" والتي لم يُعلن عنها أبدا خير مثال على ذلك: فهذا الإسلامي النشيط في الاتجار، قد أصبح في هذا العهد عميلا متعاونا مع الـ(أ.ع/DCE) (وحتى أكون دقيقا مع إسماعيل العماري) وذلك لترقية مستواه الاجتماعي. ففي غضون شهر يوليو 1990 رفع لي أحد رجالي وهو الملازم عبد المالك والذي كان يغطي منطقة الدار البيضاء تقريرا عن حركية أحد الإسلاميين يدعى "ب" مناضل (ج.إ.إ/FIS) في أحياء شرق العاصمة، والذي نظم عملية استيراد أجهزة الاتصالات اللاسلكية من نوع (طالكي والكي، راديو...) موجهة إلى الإسلاميين في ناحية برج الكيفان، معقل جماعات التكفير والهجرة.
وعند قراءة التقرير لاحظت أن هذا الاسم ليس غريبا علي، لقد تذكرت أنني في فترة مكوثي القصير على رأس نيابة (م.ج.م/DCE) في (م.ع.ت.أ/DGDS) في فبراير 1990 علمت أن هذا الشخص قد أخبرنا عنه من طرف مصلحة الاستخبارات الإيطالية بأنه حاول أن يُدخل إلى الجزائر سلاحا، كان قد اشتراه من إيطاليا. طلبت حينها فحص وضعية "ب" لقد كانت ش**** مؤسسة: فأثناء القيام بتفتيش مسكنه، اكتشفنا سلاحا ناريا ووثائق مورطة (وصل طلب أسلحة، فواتير...) وهي أدلة تثبت دوره على رأس شبكة لإمداد بالأسلحة نحو الجزائر.
وكانت أيضا مصلحة الشرطة القضائية للمديرية العامة للأمن الوطني تريد أن تقبض عليه في إطار تحقيق تم إجراؤه في سبتمبر 1990 على السيارات الفخمة المسروقة في الخارج، لأن "ب" كان يتجول على متن سيارة من نوع بيجو 605 "طايوان" 27 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftn27)
لقد تطلبت هذه القضية شهرا من البحث والتقصي لجمع الأدلة وحبك الملف القضائي.. وفي بداية سبتمبر 1990 ألقي القبض على "ب" من طرف الشرطة القضائية للـ(أ.ع/SM) (التي كان مقرها في مركز عنتر...) ولكن في الوقت الذي كان مقررا أن يقدم إلى العدالة، قدم رئيس (م.ع.ت.أ/DGDS) الجنرال محمد بتشين استقالته، وأعيد إثر ذلك تنظيم المصالح لإنشاء مديرية الأبحاث والأمن. وعندما عين إسماعيل العماري على رأس (م.ج.م/DCE) استعاد القضية "ب" إلى يديه. غير أنه بدلا من تقديم "ب" إلى المحاكمة "عرض عليه صفقة، وهي طي ملفه، والسماح له باستئناف نشاطه التجاري في" الاستيراد والتصدير" مقابل التعاون مع الـ(أ.ع/SM) وهو ما قبله بسهولة.
وكاعتراف بالجميل لإسماعيل أهداه سيارة من نوع (سيطروان بي إكس) بُنّية اللون، وكانت أول سيارة مصفحة يملكها ضابط جزائري. وقد كان "ب" في كرمه سخيا إلى درجة أن سيارته (بيجو605) كثيرا ما كانت "معارة" لضباط الـ(أ.ع/SM) للقيام بمهام محدودة، أو لاحتياجاتهم الخاصة منذ يناير 1991. وبصفتي قد عالجت شخصيا هذا الملف فقد أبلغت وقتها رئيس ديوان إسماعيل العماري النقيب عمر مرابط، والرائد عمار ڤطوشي، برفضي لهذه التصرفات. وحينها تأكدت بأن "ب" قد جند بالفعل من طرف رئيس (م.ج.م/DCE). لم أكن موافقا على قيام هذا الأخير بالتفاوض مع أشخاص تحوم الشكوك حولهم، و"إدخالهم في الدائرة" لاستعمالهم فيما بعد كعملاء، بدلا من ترك الإجراءات القضائية تأخذ مجراها لينال كل مدان جزاءه على ما ارتكبه من جنح... وبالطبع لم أتلقّـى أي جواب على احتجاجي هذا.
في نهاية 1990 أصبحت نوايا ومقاصد (أصحاب القرار) إذن واضحة: فلمواجهة الاحتجاجات، وبدل الاغتيال، كان لا بد من تحييد – إن لم يمكن استعمال – المحركين والقادة، إما بالاستعادة السياسية (حالة الساسي لعموري، محفوظ نحناح، سعيد قشي...) وإما إثراؤهم بإعطائهم محلات تجارية، منشآت وصفقات تجارية (حالة سرار في سطيف، زبدة بن عزوز، أحمد مراح...) وسأعود إلى الحديث عن هؤلاء الأشخاص، والشبكات الزبائنية التي أنشأها إسماعيل العماري، عندما أتطرق (في الفصل السادس) إلى المرحلة التي سبقت تكوين (ج.إ.م/GIA).
1991، الـ(أ.ع/SM) يـسـيـطر على الجمـاعـات الإسلاميـة المتطرفـة
في النصف الأول من سنة 1991 كنت شاهدا مباشرا على تجسيد "أصحاب القرار" لرغبتهم في احتواء الإسلاميين المتطرفين، واستعمالهم لإفقاد (ج.إ.إ/FIS) اعتبارها في الساحة الوطنية وقد تمثل ذلك بالفعل في مواصلة تطوير خطة معدة سلفا (في حالة ما إذا...) ولقد كان المستهدف الأول في هذه الخطة هم نشطاء الحركة الإسلامية الذين كونوا في بداية 1980 "الحركة الإسلامية الجزائرية"(ح.إ.ج/1MIA) المعروفة عموما بـ "البويعليين". وإن هذا التذكير يتطلب منا الرّجوع قليلا إلى الوراء.
كيف أحيت مصالح الأمن
الحركة الإسلامية الجزائرية (ح.إ.ج/1MIA) ؟
لقد تكونت (ح.إ.ج/1MIA) سنة 1982 من طرف مصطفى بن بويعلي 28 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftn28) وهو مناضل بارز من أجل القضية الإسلامية، لقد كان هذا المجاهد القديم (في حرب التحرير الوطنية) موظفا في الشركة الوطنية لصناعة الأجهزة الكهربائية في مدينة العاشور مسؤولا عن مصلحة الصحة والأمن، ولقد أخنقه الانحراف الكلي للنظام، ونتيجة تعرضه لسلسلة من الاستفزازات والتحرشات من طرف الـ(أ.ع/SM)، والشرطة بسبب آرائه السياسية، قرر الانتقال إلى العمل السري، وأنشأ حركة مسلحة في جنوب غرب الجزائر العاصمة مع مجموعة تضم حوالي 30 رجلا (من بينهم عبد القادر شبوطي وعز الدين بعة، وأحمد مراح، وملياني منصوري) وقد كانت هذه الجماعات تتصدى لوحدات الدرك الوطني، و(ج.و.ش/ANP) قرابة خمس سنوات كاملة، وفي 3 يناير 1987 لقي مصطفى بويعلي مصرعه ناحية مدينة الأربعاء نتيجة وشاية وقد تم القبض على معظم رفقائه وحوكموا في خضون السنة ذاتها بمحكمة أمن الدولة بالمدية، فكانت الأحكام ضدهم تتراوح بين الإعدام والسجن المؤبد، وقد عرفوا سجون البرواڤية، والأمبيز (باتنة)، والحراش، وتيزي وزو وغيرها، ثم شملهم العفو العام الذي أصدره الرئيس الشاذلي بن جديد في أواخر سنة 1989 لصالح الانفتاح الديمقراطي.
كان تكوين (ح.إ.ج/1MIA) وقتها نوعا من التعبير أو الاحتجاج الذي لم يجد أصحابه إطارا سياسيا للتعبير عن وجهة نظرهم المختلفة في نطاق (ج.ت.و/FLN). وقبله كان مثال آخر للاحتجاج والمعارضة، هو (ج.ق.إ/FFS) لحسين آيت أحمد سنة 1963، وهو أحد القادة التاريخيين لحركة التحرير الذي رفض هيمنة (ج.ت.و/FLN) كحزب وحيد في ذلك الوقت. لم يكن أمام المعارضين المحتجين سوى اللجوء إلى العنف لإسماع صوتهم، أو تسجيل مواقفهم السياسية المخالفة للسلطة.
في خريف 1989، مع بداية الانفتاح الديمقراطي(المُراقب) قرر رئيس جهاز الـ(أ.ع/SM) الجنرال محمد بتشين أن يستعمل "البويعليين" المسجونين للتحكم في الفريق الأكثر استعصاء على السيطرة والمراقبة في رقعة الشطرنج السياسي آنذاك وهم الإسلاميون وعلى هذا الأساس وقع اتصال ضباط الـ(أ.ع/SM) برفقاء مصطفى بويعلي الذين كانوا يقضون أحكامهم في السجن، وهؤلاء الضباط هم الرواد: عبد الرحمان بن مرزوقة، ومحمود سوامي المدعو "حبيب" وعبد القادر حداد المدعو "عبد الرحمان النمر" 29 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftn29). وقد أسفرت هذه العملية الناجحة عن تجنيد "بويعليين" سابقين كعمل وقائي أو احتياطي بهدف وحيد، وهو استخدام هؤلاء الرجال للسيطرة على التيارات الثورية (الراديكالية) 30 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftn30) في الحركة الإسلامية.
ومرة أخرى، هل كان من اللازم أن يخرجوا من السجن؟ في ذلك الوقت كان الجنرال العربي بلخير ورجال عصابته (ومن ضمنهم الجنرال خالد نزار وحسن بن جلطي المدعو "عبد الرزاق")، كانوا قد اقترحوا وبإلحاح على الرئيس الشاذلي بن جديد إعلان عفو عام يشمل الإسلاميين، والجلادين في نفس الوقت، يعني يشمل ضباط الـ(أ.ع/SM) الذين مارسوا التعذيب الوحشي على نطاق واسع وبعدد كبير في حق الشبان الموقوفـين إثر أحداث أكتوبر 1988 (وبالطبع يشمل العفو كذلك العربي بلخير، وخالد نزار نفسيهما).31 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftn31) ولقد أجيب (دعاؤهما) في الحين يوم أول نوفمبر 1989، حيث بيض العفو الشامل كل المُذنبين من جرائمهم سـواء الإسلاميين من جماعة بويعلي المسلحة، أو جلادي أكتوبر 1988، مع إسقاط حق المتابعة القضائية في شأنهم.
وهكذا وجد قدماء البويعليين أنفسهم أحرارا في 29 يوليو 1990 (بعد سبعة أشهر من التكييف الضروري لإقناعهم بالتعاون مع النظام، بعد أن كانوا "مقاومين" له، في حين كان قد أفرج عن الإسلاميين الآخرين منذ نوفمبر 1989)، وبعد ذلك ببضعة أسابيع قرر الرئيسان الجديدان للـ(أ.ع/SM) (الذي أصبح "ق.إ.أ/DRS") توفيق وإسماعيل استخدام هؤلاء البويعليين لتحقيق أهداف أكثر انحرافا مما كانوا يقومون به في السابق، فلم يعد الأمر متعلقا باستخدام هؤلاء الأشخاص في اختراق الجماعات الإسلامية المتطرفة والسيطرة عليها فحسب، ولكن استعمالهم في بعث الـ(ح.إ.ج/1MIA) من جديد (تحت اسم "ح.إ.م/MIA2")32 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftn32) وخلق مقاومة مسلحة مزيفة، بهدف نزع المصداقية عن الـ(ج.إ.إ/FIS).
لقد كان أحد الخيارات المطروحة هو احتواء قادة هذه الحركة وخاصة شبّوطي، بعّة، مرّاح. عبد القادر شبوطي كان إماما مؤثرا بخطبه النارية ضد "النظام الفاسد" وقد أعلن نفسه "قائدا" وكان يحظى بتعاطف كبير من كل سكان التيتري، وهي النواحي المحاذية للمتيجة، والتي تمتد نحو الجنوب الغربي (المدية، قصر البخاري) وله أنصار ومريدون كثيرون معجبون بخطابه الشديد الصارم، ومنجذبون إليه. أما بالنسبة لعز الدين بعة فقد احتفظ بشبكات قوية في المتيجة وأحمد مراح الذي كان يكنى بـ "مثقف" التنظيم، فقد كان يمتد تأثيره حتى بلاد القبائل.
ابتداء من صيف 1990 كان أحمد مراح هو الوحيد الذي يتباهى بالظهور مع مسؤولي الـ(أ.ع/SM)، مادون رفيقيه الآخرين، ويلفت إليه الانتباه بالتردد على إسماعيل العماري، وعمار ڤطوشي، بزياراته المتعددة التي كانت تتم علانية، بقصد توجيه أنظار قادة (ج.إ.إ/FIS) إليه (حيث كان يعلم أن أمره قد افتضح، ولا يداري عداءه للإسلاميين) بالتالي يداري الأنظار عن عبد القادر شبوطي الذي كان هو الآخر مستعملا من طرف الـ(أ.ع/SM)، حيث أن المقربين منه ومنهم سائقه الخاص كانوا من الذين تظاهروا بالهروب من الجيش، وظلوا مستمرين في عملهم مع مصالح الأمن.
لقد بقيت الاتصالات غير الرسمية مستمرة بين إطارات (ق.إ.أ/DRS)، وهؤلاء الثلاثة سواء بصفة مباشرة كما هو الحال بالنسبة لأحمد مراح الذي قبل التعاون مع المصالح بدون أي لبس أو مواربة، أو بطريقة غير مباشرة بواسطة عملاء، وعلاقات أشخاص موثوقين. وبهذه الطريقة تمكن أحد ضباط الصف من (م.ب.تق/CRI) بالبليدة (نسيت اسمه) من أن يمرر نفسه تحت غطاء الفرار من الجيش ليتولى مراقبة عز الدين بعة، في حين أن خالد بوشمال وهو من منتخبي (ج.إ.إ/FIS)، رئيس (م.ش.ب/APC) لبلدية رايس حميدو ونائب كمال ڤمازي، وهو عضو مؤثر في قيادة (ج.إ.إ/FIS) ورئيس (م.ش.ب/APC) لبلدية الجزائر، قد دخل في اتصال مع عبد القادر شبوطي من بداية 1991، وكان بوشمال من بين الكثيرين من رجال الـ(أ.ع/SM) الذين انقلبوا إلى سياسيين بعد التحول الديمقراطي في الجزائر سنة 1989، بهدف اختراق الأحزاب السياسية التي لم تكن واقعة مباشرة تحت سيطرة (ق.إ.أ/DRS) كـالـ(ج.إ.إ/FIS) و(ج.ق.إ/FFS).
في بداية 1991 لم يكن عدد أعضاء (ح.إ.م/MIA2)، يتجاوز العشرين فردا، لكن بتشجيع من إسماعيل وزبانيته أخذ "البويعليين" القدامى يجوبون البلاد طولا وعرضا لتجنيد الإسلاميين المتطرفين وخاصة "المجاهدين الأفغان" العائدين لتوهم، وكذلك المتشددين الخلص، من أنصار قيام الدولة الإسلامية الساخطين على النظام، وحتى في الأوساط الشعبية الأكثر حرمانا كانوا يجندون "أصحاب السوابق" الذين "تحولوا" إلى الأصولية، وبصفة خاصة أولئك الذين انجذبوا إلى صفوف الإسلاميين عن طريق الخطب الحماسية والمؤثرة التي تتحدث عن فضائل الإسلام في مجال الأخلاق والعدل وتكافؤ الفرص، والتكافل الاجتماعي...
سيارات مصالح الاستخبارات والأمن
تحت تصرف الإسلاميين المتطرفين!!
اعتبارا من بداية سنة 1991، ارتفعت درجة التعاون بين مصالح المخابرات وقادة (ح.إ.م/2MIA)، ولقد طلب مني العقيد إسماعيل العماري أن أضع تحت تصرف هؤلاء القادة أربع سيارات من نوع رونو 9 مأخوذة من حظيرة سيارات (م.ب.ت/SRA)، معللا إجراءه ذاك بكونه لا يستطيع أن يمنحهم سيارات "فيات ريجاطا" جديدة بدون أن يلفت ذلك الانتباه إليهم. وقد شرح لي أن هذه السيارات المتقنة التجهيز بآلات تصنت وأجهزة خاصة أخرى تمكننا من متابعة حركاتهم وكل اتصالاتهم داخل كامل التراب الوطني.
وتمكننا أيضا من التعرف على "المتطرفين" الإسلاميين، وانتقاء القابلين منهم للاستمالة و"الاسترجاع" وبالفعل فأنا نفسي صدقت المسألة ولم اكتشف ذلك إلا بعد حين، وقد كان تشجيع هؤلاء الإسلاميين المتطرفين على العمل المسلح يستهدف، بصفة خاصة، إظهار الإسلاميين للرأي العام بأنهم يحضرون للقيام بأعمال العنف، وهو ما يبرر قمع السلطة لهم، ويسوغ لها حظر (ج.إ.إ/FIS) بعد ذلك. وبالرغم من وضع تلك السيارات تحت تصرف قادة (ح.إ.م/2MIA) إلا أنها بقيت تابعة للمركز الرئيسي للعمليات من ناحية الصيانة والتصليح وتغيير الزيت، وسندات التزويد بالبنزين... وقد استبدلت وثائقها العسكرية، ببطاقات رمادية "صحيحة/مزورة" صادرة من ولايتي الجزائر وتيزي وزو. ولقد خدمتني هذه المبادرة أيما خدمة، حيث أصبحت أنا الذي كنت أشتكي من "ترهل" سياراتي أعوض عن السيارات الأربع القديمة (من نوع رونو9) بسيارات جديدة (من نوع فيات ريجاطا وأونو).
السيارة (رونو 9) الرمادية التي كان يقودها الملازم أول سفيان لحلوح، وضعت تحت تصرف عبد القادر شبوطي، ولقد كان خالد بوشمال يقوم بدور الوسيط في هذه القضية، وهو ما مكننا (بفضل إفادات مفصلة كنا نتلقاها من سائقه، وكذلك الأجهزة التقنية، وخاصة موصلات الصوت المثبتة داخل السيارة) من متابعة خطوط سيره أثناء جولاته في تبسة، البرواڤية، غيليزان، قصر البخاري، ومعرفة كل الأشخاص الذين كان يذهب إليهم.
لقد كانت كل تلك الاتصالات، عبر التراب الوطني مسجلة في بطاقة 33 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftn33) وكانت المتابعة اليومية للبطاقية تمكننا في حينه من معرفة الأماكن التي توجد بها (ح.إ.م/2MIA) بعناصرها، وفرز من لا أمل في عودتهم من تلك العناصر، ومن هم على درجة من الليونة و"القابلية للطرق" والاسترجاع. لقد كنا في (م.ر.ع/CPO) نتندر دائما برجال الدرك الوطني عندما نعلم أنهم قد انطلت عليهم خدعة الأوراق المزورة (التي كنت أمنحها أنا في الجزائر والرائد رشيد في تيزي وزو) أثناء مراقبة أوراق السيارات في الحواجز، أو في الطرق الوطنية، والتي مكنت"إرهابيينا" من التنقل بأوراق هوية مزورة!
رونو 9 الزرقاء التي كان يستعملها النقيب بوعلام، أعطيت لأحد رجالنا المسربين العريف توام من (م.ب.تق/CRI) بالبليدة، والذي تظاهر بكونه فارا من الجيش، وتمكن بهذه الحيلة من أن يصبح أحد المقربين من سعيد مخلوفي، وهو ملازم أول قديم في المحافظة السياسية للجيش كان قد طرد من (ج.و.ش/ANP) سنة 1986 أو 1987 (؟) بسبب أفكاره الدينية، وتعاطفه وقتها مع "البويعليين" ولقد كان اسم مخلوفي مدرجا ضمن قائمة القادة الخمسة عشر المؤسسين لـ(ج.إ.إ/FIS) التي قدمت لوزارة الداخلية في شهر مارس 1989 لطلب الاعتماد، هو من الاتجاه السلفي داخل الحزب، ومسؤول صحيفة "المنقذ" الصادرة باسم الحزب وهو الذي حرر الكتيب الخاص بالعصيان المدني (المنشور في فبراير 1991) الذي سيلعب دورا هاما أثناء الإضراب التمردي الشهير الذي قامت به (ج.إ.إ/FIS) سنة 1991 (انظر الفصل التالي).
لقد كان وجود سعيد مخلوفي (المستعمل دون علمه) في صفوف (ح.إ.م/2MIA)، مهما بالنسبة لـ(ق.إ.أ/DRS) حيث أن ذلك سيساهم لاحقا في تأكيد الأطروحة الممررة من النظام، التي تفيد بأن (ج.إ.إ/FIS) هي التي تقف وراء العنف المسلح، وهي تتصرف خارج القانون، وتهدد مؤسسات الجمهورية بتحضيرها لعملية الاستيلاء على السلطة بقوة السلاح ! وعلى العموم فإن تخصيص سيارة لأحد المقربين من سعيد مخلوفي قد قدم لنا معلومات ثمينة جدا، خاصة لمعرفة المخابئ المستعملة من أفراد هذه الجماعة في البليدة، والشريعة، وبوفاريك، والحراش (حيث يملك مخلوفي سكنا بالحي الديبلوماسي) وعين طاية، وبرج الكيفان.
أعطيت السيارتان الأخريان الرماديتان (من نوع رونو9) لأحمد مراح الذي كان يتلقى تعليماته من إسماعيل العماري شخصيا والذي كان يوجهه إما إلى الرائد عمار ڤطوشي، عندما يتعلق الأمر بالعمليات، وإما إلى النقيب عمر مرابط إذا كان الأمر يتعلق بتسليم وثيقة أو معلومة 34 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftn34).
غير أن علاقة مراح بشبوطي ومخلوفي وبعة ومنصوري كانت سطحية، بالرغم من أنهم كانوا يناضلون سويا في صفوف (ح.إ.م/2MIA) لبويعلي (باستثناء سعيد مخلوفي) وتعرضوا جميعهم لمكاره السلطة، إلا أن الاحتراز، وعدم الثقة كان هو السائد بين الجميع. وكان لكل واحد منهم نظرته الخاصة وتصوره المنفرد لطريقة الكفاح المسلح! فملياني منصوري مثلا، كان دائما يريد أن يعمل بكيفية منفردة، حيث كان يجند رجاله من أفراد عائلته، ومن محيطه المقرب، وهو الأمر الذي عقّد المسألة، وصيّر مهمتنا أكثر صعوبة!(ولكن هذا ليس بالنسبة لرئيس"م.ج.م/DCE") الذي كانت إستراتيجيته آنذاك مبنية على استغلال الشقاق السائد بين المسؤولين الإسلاميين بهدف تشتيتهم وتفتيت صفوفهم وتفريق شراذمهم أيادي سبأ!
الجـيش يبني المخابئ "لإرهابيي" المستقـبل.
في البداية، (وحتى ذهابي من فرع البحث والتحليل، في شهر يوليو 1992) كانت المهمة المزدوجة التي كلف بها أحمد مراح، هي: تنظيم مقاومة مسلحة في شرق الجزائر ببلاد القبائل، وتجنيد الإسلاميين الشباب، لدفعهم إلى "فم المدفع" وتعريضهم للموت المحقق، لقد كنت أجهل ذلك تماما وقتها، ولم أبدأ في طرح التساؤلات حول هذه المسألة إلا بعد حدوث واقعة بدت لي في غاية الغرابة.
ففي إحدى ليالي يوليو 1991 قام الرائد عمار ڤطوشي برفقة أحمد مراح، مع فرقة من (م.ت.خ/gis) "بالتمشيط" في ناحية "عمر" بولاية بومرداس، على بعد حوالي خمسين كلم من الجزائر العاصمة، هذا على الأقل ما ذكره لي قبل ذهابه، لكن في اليوم التالي لهذه العملية أخبرني من (م.ت.خ/gis) ملازم كان طالب ضابط عندي أثناء فترة "التدريب" بعدم ارتياحه لرؤية مدني ملتح (يقصد أحمد مراح) في مخيم (ج.و.ش/anp)! وقد كشف لي بمحض الصدفة، أن فرقة (م.ت.خ/gis) المرافقة للرائد ڤطوشي كانت في الواقع على موعد ليلتها مع كتيبة من (ج.و.ش/anp) مكلفة بحفر بعض "الغيران" رغم الظلام (لم يكن يوجد سوى مصباح كشاف واحد لإضاءة المنطقة)
لقد كان إذن وراء الأكمة ما وراءها، فقول الرائد عمار بأنه ذاهب للمشاركة في عملية تمشيط كان يناقضه كلام ضابط الـ (م.ت.خ/gis)، فلا تقوم عمليات التمشيط بحفر "الغيران" (ملاجئ تحت الأرض!).
لم أكن أفهم شيئا مما كان يحاك على الإطلاق ! وبكل سذاجة طلبت من عمار أن يوضح لي ما استعصى علي فهمه وقتها. وحسب روايته: "كان الأمر يتعلق بعملية مشتركة مع قوات من الجيش وسيتحتم على فرقة الهندسة العسكرية أن تتوقف ليلا، وتقوم بمواصلة عملها لعدة أيام متتالية، حتى تطرد كل الإسلاميين من الناحية" وأضاف بأن وجود مراح قد استلزمته معرفته الجيدة بالناحية، حيث كان يلجأ إليها "البويعليون" في الثمانينيات.
وقد كان هذا كافيا لإزالة ش****، لأننا في ذلك الوقت كانت تستحوذ علينا فكرة قيام نظام "على الطريقة الإيرانية" كما كان يدعي رؤساؤنا... فكنت بعيدا جدا عن أن أشك في الحقيقة التي لم أدركها إلا بعد مدة طويلة، فالرائد عمار، وبالتواطؤ مع مراح كانا قد ذهبا ليهيّـئا لإعداد مقاومة إسلامية مزيفة في جبال القبائل! لقد كان جنود الهندسة العسكرية إذن يعدون مخابئ لصالح إرهابيي المستقبل.
لقد كنا حينها في شهر يوليو 1991 أي قبل توقيف المسار الانتخابي بمدة طويلة!
أثناء هذه الفترة التي كانت بحق ذات طابع خاص جدا، اعترضتني عدة مسائل وأمور غريبة من هذا النوع، وقد صدمتني وقتها دون أن أدرك بأنها كانت تستجيب لمخطط استخدام وتوجيه العنف الإسلامي المدبر من المسؤولين في قمة هرم السلطة، وأستطيع أن أذكر الكثير من الحالات، غير أنني اقتصر هنا على ذكر حالتين بالغتي الدلالة في هذا الخصوص.
إسلاميون منقـلبون، وعملاء مزدوجون
أثناء استلام مهامي كرئيس لقسم البحث بـ(م.ج.م/dce) كان الملف الأكثر توثيقا الذي أهممت به هو المتعلق بمتابعة تنظيم التكفير والهجرة الذي سبق أن تحدثت عنه من قبل.
لقد كان هذا التنظيم الذي ظهر في أواخر الثمانينيات، والذي كان نشاطه أقرب إلى الطائفة، مكونا في مارس 1990 من حوالي مائة من الأتباع المنتشرين خاصة في ناحية برج الكيفان، وحي بلوزداد (بلكور سابقا) والقبة (وهو الحي الذي يسكن فيه علي بن حاج) ويتميز أتباع هذا التنظيم بخطاب عنيف جدا "ويكفرون" كل من لا يمتثلون لمذهبهم !
إن أعضاء تنظيم الهجرة والتكفير، كانوا بصفة خاصة شبانا تلقوا تكوينا عقائديا في أفغانستان، وكانوا يدعون إلى إسلام جذري رافض لكل ما هو مخالف للأخلاق الإسلامية - حسب اعتقادهم-، وبالتالي فهو يدخل من منظورهم في عداد المحرمات والمحظورات.
فبالنسبة إليهم يحرم على الفتيات الذهاب إلى المدرسة، ويحرم على النساء الخروج بدون حجاب، أو بدون مرافقة الأب أو الزوج أو أحد المحارم والأولياء... وكذلك الأمر بالنسبة لمشاهدة التلفزيون، أو حضور الحفلات الموسيقية... إن بعض أعضاء هذه الجماعة ذهبوا حتى إلى تنصيب أنفسهم كمقاضين لمراقبة بطاقات هوية الأزواج الشبان، بل حتى إلى قطع خيوط الهوائيات الخاصة باستقبال برامج القنوات الفضائية فوق أسطح العمارات السكنية!
وبصفة عامة لم تكن توجد أية علاقة تنظيمية بين جماعة التكفير والهجرة، و(ج.إ.إ/fis)، التي كانوا يحتجون على وجودها في الساحة السياسية، فالديمقراطية في اعتقادهم هي مفهوم مستورد من الغرب، وبالتالي يجب أن تزال وتوضع بمجلس شورى، والحكومة الجزائرية حسبهم غير شرعية كذلك، لأنها تحكم البلد بقوانين "غربية" وليس بالشريعة الإسلامية...الخ. ومن هنا كان اختلافهم مع التيار الوطني للجزأرة الذي حاول النظام أن يستغله لإذكاء الخلاف بين المسلمين، وإثارة بعضهم ضد بعض! وبالفعل فبدلا من أن يطلبوا منا العمل على تحييد هذا التنظيم (وقد كانت تتوفر لنا كل الوسائل لتحقيق ذلك) فضّل (أصحاب القرار) أن يؤطروه ويتركوه لينشط على راحته كي تنسب أفعاله المتطرفة إلى (ج.إ.إ/fis).
إن هذا الملف الهام قد تكفل به ثلاثة من ضباطي الذين تمكنوا بفضل شبكة من المخبرين الأكفاء ذوي النفوذ، من معرفة هيكل هذا التنظيم معرفة جيدة وأصبحوا يراقبون كل حركاته وسكناته. وفي آخر سنة 1990 عندما تلقينا التعليمات بإعطاء الأولوية لمتابعة الحركات الإسلامية، ولاحظنا أن أتباع تنظيم التكفير والهجرة أصبحوا أكثر عدوانية تجاه السلطة (خطب نارية، الدعوة إلى تجنيد الشبان، تدريبات شبه عسكرية على الشواطئ الساحلية الشرقية لعين طاية وبرج البحري...) قمت شخصيا بإعطاء الاسم الرمزي "فلفل حلو" للملف الساخن ودخل في تصنيف "سري للغاية" وأصبح الاطلاع على هذا الملف غير مسموح لمن لا يشتغل عليه في المصلحة، لأنه يحتوي على معطيات حساسة جدا (تقارير العملاء، الرقابة أو التصنت....)
تتميز طرق هذا التنظيم بتقسيم العمل بين المسؤولين والمنفذين. فالأولون يعملون في الكواليس، يعقدون اجتماعات سرية في شقق خاصة أو في مصليات صغيرة في حي فايزي أو في بن زرقة بناحية برج الكيفان (لقد تعرفنا في الجزائر العاصمة وفي الضواحي القريبة، على حوالي عشرين مكانا يحتمل أن يأوي هذه الاجتماعات...) أما النشاط النضالي فقد كان معهودا به لأعضاء يتميزون بالحماس المثير، كي يوجدوا لهم أسماء، وشهرة في أحيائهم، طامحين بالتأكيد إلى خلافة رؤسائهم في يوم من الأيام!
من بين العناصر التي كانت تتميز بالنشاط الفائق تعرفت مصالحي على الأخوين بودشيش، اللذين كانا يفرضان قانونهما الخاص على سكان تلك الأحياء الشعبية مثل بن طلحة وبن زرقة... فقد كانا يجبران النساء والفتيات على ارتداء الحجاب، والجيران الشبان على أداء الصلاة، ويفرضان غلق الحانات وقاعات الألعاب والفرجة، ومنع التلفزيون والهوائيات الخاصة باستقبال برامج القنوات الفضائية والاختلاط وذهاب الفتيات إلى المدرسة...
إن هذه "الأسلمة" بالإكراه كانت تشكل، بكل وضوح، فعلا مناهضا للنظام الجمهوري، وكان يبدو لي بصفة خاصة، تصرفا صادما للشعور، في ديمقراطيتنا الوليدة، ومع ذلك فان المصلحة التي أشرف عليها، لم تقم بأي رد فعل إزاء ذلك التصرف لأنني كنت أرى طبقا للقانون، أن الشرطة والدرك هم الذين يتعين عليهم فرض احترام قوانين الجمهورية، وليس ذلك من صلاحيات الـ(أ.ع/sm) المكلف بمجال الاستخبارات فقط، وهو بكل تأكيد ما كان تقديرا ساذجا من طرفي !!
إلا أن قراري هذا لقي ترحابا لدى إسماعيل العماري الذي كان يرى الأشياء بكيفية مختلفة تماما، فرئيس (م.ج.م/dce) كان يبحث على كل الوسائل لتعفين الوضع، ودهورته إلى أبعد الحدود لحاجة في نفس يعقوب!
ففي بداية ربيع 1991 تجمعت الأدلة لدى مصالحي ضد أكبر الأخوين بودشيش، وكانت أدلة قاطعة: كان يرهب السكان، وينتقل ممتشقا سيفا، يشارك في تمارين شبه عسكرية(مع شريط بالصوت والصورة الناطقة التي تظهر تدريبات الإسلاميين باللباس العسكري...) وحتى صنع قنابل تقليدية (وقد حصلت على نموذج من هذه القنابل، بواسطة أحد العملاء من داخل التنظيم، كان باتصال مع النقيب فاروق شطيبي).
لقد كان مكتوبا على البطاقات عبارة "إسلامي خطير جدا" وأثناء إدارة حالة الحصار في جوان 1991 ألقي عليه القبض من قبل مصالح (م.ر.ع/cpo) في منتصف جوان، مع حوالي عشرين من رفقائه في تنظيم التكفير والهجرة. بعد ثمانية وأربعين ساعة من إلقاء القبض عليه، وساعتها كنت مكلفا بخلية الأمن على مستوى قيادة القوات البرية (ق.ق.بر/cft) بعين النعجة، وهو المكان الذي كنا ننسق منه العمل المتعلق بسير حالة الحصار (إعداد القوائم، تنظيم وسائل الإمداد، إعداد توجيهات للولاة، تحضير المهام لكل سلك من أسلاك الأمن...) فإذا بأحد الضباط من مصلحتي يكلمني بالهاتف ليخبرني بأن المسمى بودشيش على رأس مجموعة مكونة من حوالي عشرة من مثيري الشغب، يعيثون فسادا في مدينة برج الكيفان، ويدعون إلى الفوضى والدمار، وقد أضرموا النار في حافلتين، وفي شاحنة نصف مقطورة تابعة (للشركة الوطنية للنقل البري / sntr).
قلت له:" هذا مستحيل! لقد ألقي عليه القبض منذ يومين !"
فأجابني مخاطبي بصوت مختنق على الطرف الآخر من الخط:" إني أراه بأم عيني إنه يحرق حافلتين جديدتين، ويخرب وينهب شاحنة... أرجوك أن تفعل شيئا، إن الجماهير هائجة! وبمجرد أن حط السماعة راجعت قائمة الأشخاص المقبوض عليهم، فوجدت بودشيش ضمنها بالفعل، فقال النقيب مازاري وهو ضابط من (م.ج.م/dce)، كان ضمن العاملين معي :" لعله يهلوس، وقد تراءت له أشباح!"
وحتى لا أضع جدية هذا الضابط موضع الشك، هاتفت الرائد عمار ڤطوشي لكي أتأكد بالفعل ما إذا كان بودشيش ما يزال موقوفا عنده في مركز عنتر، أم نقل إلى مكان آخر، أو ربما يكون قد هرب! وهو أمر مستبعد جدا بناء على ما نعرفه من يقظة إطارات الـ(أ.ع/sm)، زيادة على أن وضع المرحلة (حالة حصار، وحالة استنفار رقم 1) لا تسمح بأي تراخ أو استرخاء.
و يا لها من مفاجأة عندما قال لي:"أطلقت سراحه!" فكان جوابي السريع والوحيد:" هل جننت يا عمار، إنه شخص خطير جدا " فاتصلت في الحين بالمقدم صادق آيت مصباح (مسؤول (ق.إ.أ/drs) مكلف بالإشراف والتنسيق على مستوى إدارة حالة الحصار) لأحيطه علما بتفاصيل القضية، وبتصرفات بودشيش، وأخطرته بما كنت أراه عمل هواة أو إهمالا من "أصحابنا" ولكن تبين فيما بعد أنه مخطط محبوك بإتقان وتدبر!!
لقد كان التفاهم كاملا بيني وبين المقدم صادق، وقد اقتنع بالأخطار الكبيرة التي ستنجم عن عدم توقيف بودشيش، فاصدر الأمر إلى الرائد عبد العزيز شاطر، مسؤول مجموعة الدرك الوطني للجزائر للقيام باعتقاله فورا، وهو ما تم بالفعل في نفس اليوم !
وبعد يومين تلقيت محضر استجواب بودشيش الذي بين فيه بأنه أطلق سراحه بعد أن قبل التعاون مع الـ(أ.ع/sm)، وانه إذا كان قد أضرم النار في الحافلتين، فذلك لإبعاد شكوك رفاقه عن سبب إطلاق سراحه المبكر الذي يثير الشبهة!!، وبتعريضه للتعذيب انتهى بودشيش إلى الإقرار بأنه كان يخطط لاستدراج الملازم أول وهيب، الضابط المكلف بمراقبته، والذي كان قد جنده بثلاثة أيام من قبل، وقال بودشيش بأنه كان ينوي قتل هذا الأخير في دلس والاستيلاء على سلاحه!
اذكر هدا المثال لأعطي فكرة للقارئ الكريم عما كان يختمر في ذلك الوقت، وعن العلاقة السائدة آنذاك بين الإسلاميين (الذين سيصبحون لاحقا أعضاء في الجماعات الإسلامية المسلحة) وبعض الإطارات الموجهة والمستعملة لهم في (ق.إ.أ/drs).
لقد كانت هناك عمليات استخدام كثيرة للإسلاميين أخذت بتهاون، إلى درجة أن (ق.إ.أ/drs) قد فقد شيئا فشيئا السيطرة على "عملائه" وأصبح عاجزا عن التمييز في الواقع، بين العميل الإسلامي المسترد والمنقلب، فعلا، ضد رفاقه، والعميل المزدوج الذي يكون ظاهره معك، وباطنه مع أعدائك!
ولقد تفاقمت خطورة هذا الوضع بعد ذاك، لأن كل مصلحة من مصالح الأمن كان لها عملاؤها الخاصون بها، وليس من الصعب على المرء أن يتصور اللبس الذي كان سائدا حينها، حيث أن كل مصلحة كانت تعتقد أنها تتعامل مع إرهابيين حقيقيين، في حين أن هؤلاء الإرهابيين كانوا عملاء مجندين من طرف مصلحة أخرى في (ق.إ.أ/drs)!.
وهكذا وجد كل من الإرهابيين الحقيقيين، وأصحاب القرار ضالتهم في هذه الفوضى العارمة! !
قضية النقـيب بوعمرة واختراق "الأفغان"
إن حالة احمد بوعمرة هي مثال آخر أكثر فضاحة على تلاعبات أصحاب القرار الذين وبفضل مركزية المعلومات كانوا يهدفون في آن واحد إلى السيطرة على مختلف مصالح (ق.إ.أ/DRS) وتوجيه الحرب ضد الإرهاب حسب ما يخدمهم.
منذ بداية الثمانينيات بدأت جماعة الإخوان المسلمين 35 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftn35) القوية بدعمها المالي من المنظمات والجمعيات الخيرية السعودية والكويتية تنظم إرسال الشبان الجزائريين لجهاد الجيش الأحمر في أفغانستان... وابتداء من سنة 1987 أخذت بهذا الدور جماعة التكفير والهجرة ثم بعدها الجماعة السلفية التابعة لـ(ج.إ.إ/FIS) ابتداء من 1989.
ففي جوان 1992 كنا نقدر عدد الجزائريين الذين شاركوا في جهاد السوفيات في أفغانستان بما يتراوح بين 3000 و3500، ولكن من الصعب معرفة العدد بالضبط الذي عاد من هؤلاء إلى الجزائر (هم مئات على أقل تقدير) وهذا بسبب العدد الذي مات منهم في "المعركة" أولائك الذين اختاروا الهجرة إلى البلدان الأوربية، أو البقاء في باكستان 36 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftn36).
إن الذي كنا نعرفه في المقابل، من خلال استنطاقات هؤلاء "الأفغان" والاستماع إلى أقوالهم عند العودة إلى الوطن، هو أن هؤلاء المحاربين المتطوعين ذهبوا من الجزائر إما إلى سورية (وهو البلد الذي لم يكن يفرض التأشيرة على الجزائريين) وإما إلى العربية السعودية (عن طريق أداء العمرة) 37 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftn37)، ثم نظمت شبكات أخرى للذاهبين إلى أفغانستان من فرنسا وألمانيا وبلاد أروبية أخرى.إن المرحلة الأولى كانت باكستان حيث يخصص لهم تكوين ديني، وبعد هذا العبور الإجباري يوجه المجاهدون إلى أفغانستان حيث يجتازون فترة تدريبية عسكرية مكثفة (استعمال الأسلحة، تقنيات حرب العصابات...) وكانت مدة الفترة الجهادية تتوقف على رغبة المرشح، بعضهم يختار من 6 إلى 8 أشهر، والبعض الآخر يختار من سنة إلى سنتين، وهو ما يعني أنه لم يكن يمارس أي إكراه على هؤلاء المتطوعين.
لم تحرك مشاركة الشباب الجزائري في الجهاد "الأفغاني" أي ردود فعل من طرف قادتنا في البداية، لكن في أواخر الثمانينيات بعد هزيمة الاتحاد السوفياتي في أفغانستان وانهيار الشيوعية والذي صادف صعود (ج.إ.إ/FIS) وعودة "الأفغان" وتجدد انبعاث الإسلام السياسي في الجزائر.. كل ذلك جعل هؤلاء المسؤولين يعون الخطورة التي تهدد مصالحهم، وقد أدرك الجنرالات أنه لم يكن بإمكانهم منافسة (ج.إ.إ/FIS) على الصعيد السياسي! فالشعب الجزائري متمسك جدا بالإسلام، وكانت المساجد تستخدم كمنابر دعاية "للحزب الديني"، ولكل هذه الأسباب قرر مسؤولو (ق.إ.أ/DRS) تفجير هذا السديم من الداخل.
ولقد كان استعمال "الأفغان" من أولى الطرق المتوخاة لتحقيق هذه الغاية.
في أكتوبر 1990 كلف الجنرال محمد مدين العقيد كمال عبد الرحمان، رئيس (م.م.أ.ج/DCSA) بانتقاء ضابط من بين أولئك الذين كانوا قريبين من التيار الإسلامي للقيام بمهمة محددة، وهي الذهاب إلى الباكستان لاختراق "الأفغان" وكجزاء له على ذلك التعاون ستتم ترقيته إلى رتبة عسكرية أعلى، مع ضمان ترقية له في المناصب "المدنية" لاحقا 38 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftn38).
وأؤكد هنا أن هذا النوع من الاختراق كان موجودا منذ الثمانينات، لكن الأمر وقتها كان يتعلق فقط بالاهتمام بمعرفة الشبكات، ومعرفة ما إذا كانت مصالح الاستخبارات الأجنبية وراء هذه المجموعات، حيث لم يكن وقتها أي تهديد يواجه الجزائر، فكان الأمر يتعلق فقط بمعرفة المحركين الجزائريين الذين كانوا وراء هذه الشبكات، وتحديد المنظمات الدولية غير الحكومية التي ترعى المجاهدين، ويظل من المحتمل جدا أن المعلومات المتحصل عليها كانت تستعمل "كعملة تبادل" في إطار التعاون مع أجهزة المخابرات الأجنبية وبصفة خاصة منها السوفياتية (كاجيبي/KGB) لكن لا أستطيع أن أؤكد ذلك بصفة قطعية. وبعد حرب الخليج، ومع صعود (ج.إ.إ/FIS) تغير المعطى، فأصبح الأمر لا يتعلق بتحصيل المعلومات وتجميعها فحسب، ولكن بقيادة عمليات استغلال واستخدام لهذه المعلومات.
لقد وقع الاختيار في الأول على النقيب حسين بوراوي، وهو طبيب في المستشفى العسكري بعين النعجة، إلا أنه لم يقبل بسبب أن أخاه العسكري (برتبة مقدم) وطبيب القلب في المؤسسة ذاتها، كان لا يتوفر على المعايير والشروط المساعدة على حبك الموضوع وإخراج القصة في أكمل الصور المطلوبة، حيث إن هذا الأخ لم يكن يصلي وقد كان يشرب الخمر!!
بعد هذه المحاولة غير الموفقة وقع الاختيار على الملازم أول أحمد بوعمرة طبيب من ناحية بوفاريك يتميز بثلاث خصال تجعل منه الشخص المناسب للمهمة، فهو تابع للمصالح أصلا، وله عدد من الأقارب مناضلون في (ج.إ.إ/FIS) والصفة الثالثة هي أنه يمارس الرياضات القتالية، وبعد أن تمكن من الحصول على تسريحه الصوري من (ج.و.ش/ANP) بسرعة البرق (في الوقت الذي كان يتطلب ذلك من غيره شهورا بل سنوات...) ذهب إذا برتبة نقيب في مهمة خاصة ومحددة إلى بيشاور في أكتوبر أو نوفمبر1990. وبفضل اختصاصه وكفاءته استطاع أن يصنع له اسما، ويخترق ليس فقط تنظيم التكفير والهجرة، بل حتى الجمعيات الإنسانية والخيرية المجودة في بيشاور والتي كانت تمول المجاهدين الأفغان.
وبعد انتهاء الحرب ضد السوفيات وبدأ "الأفغان" الجزائريون يعودون إلى الوطن ابتداء من سنة1989، ولقد كانوا بالطبع مراقبين عن كثب، وفي 1990 وقعت اتفاقية بين مسؤولينا ومصالح الأمن التونسية، تقضي بإعطائنا معلومات عن كل الأشخاص القادمين إلى تونس من كاراشي، والمسافرين على الخطوط الجوية التونسية (وهي الخطوط المفضلة عادة من طرف المحاربين الجزائريين، لكون تذاكرها أرخص بقيمة النصف مقارنة بسعر التذاكر لدى شركات الطيران الأخرى) ثم يستقل هؤلاء "الأفغان" الخط الجوي (تونس/ الجزائر)، ليستقبلوا مباشرة من طرف شرطة الحدود في مطار الجزائر الدولي، فيحجزون لمدة 24 ساعة لدى الشرطة في محافظة كافينياك أو في المحافظة المركزية بشارع العقيد عميروش بالعاصمة، قبل أن يتم توجيههم نحو (م.ر.ع/CPO) التابع للـ(أ.ع/SM) في مركز عنتر، لكي يجرى لهم "فحص وضعية" معمق، وبعد عدة أيام في الحجز، حيث يتعرضون خلالها غالبا للتعذيب أثناء جلسات الاستنطاق، فكانوا – حسب الحالات – إما أن يتم تجنيدهم أو يوضعون تحت المراقبة، أو يسجنون بكل بساطة، (ومن المعلومات التي حصلت عليها فيما بعد من طرف النقيبين ميلود وجعفر، أنه ابتداء من جوان 1992، كان يتم تصفية بعضهم بدم بارد، سواء بسبب رفضهم التعاون مع المصالح، أو لكونهم قد يمثلون خطرا محتملا إذا أطلق سراحهم، وحتى لو قدموا إلى المحاكمة فلم يكن في ملفاتهم من التهم ما يسمح قانونا بحبسهم لمدة تتجاوز الشهرين...).
وعلى نفس الخط (إسلام أباد – كاراشي- تونس – الجزائر) عاد أحمد بوعمرة إلى الجزائر مع بعض من رفقائه في أفريل 1991. وبسبب انتمائه إلى الحركة الإسلامية فان اسمه كان معروفا لدى مصالح (م.ج.م/DCE) و(م.ت.أ.خ/DDSE) (مع جهلهم طبعا بأن الأمر يتعلق "بضابط مخابرات" مغروس من رؤساء الاستخبارات والأمن، لأن السرّ لم يكن يعرفه إلا هؤلاء فقط). ولهذا كان من الطبيعي جدا أن يلقى عليه القبض بمجرد نزوله من الطائرة، ولكن يالها من مفاجأة أذهلت مصالح الشرطة القضائية الموجودة في مركز عنتر عندما تلقت الأمر من الجنرال توفيق شخصيا بإطلاق سراحه فورا !! وبما أن التقاليد العسكرية تقضي دائما بتنفيذ الأوامر دون تعليل الأسباب، وأن الرئيس دائما على حق، فقد أخلوا سبيله دون أية مناقشة.
وبعد مدة قصيرة من عودته تمكن من تحقيق إنجاز كبير بأن أصبح "أميرا" وإماما لمسجد السنة بحي بلوزداد (بلكور) وهو يقع على بعد مائتي متر من مسجد كابول (شارع محمد بولدون) وقد أصبح مسجد السنة هذا الذي كان تحت إمرته معقلا لعناصر جماعة التكفير والهجرة، أثناء الإضراب "العصياني" الذي قامت به (ج.إ.إ/FIS) في جوان 1991، ففي مكان العبادة هذا الذي تخصص في التلقين العقائدي للشباب وتجنيد المنحرفين وأصحاب السوابق، تم تخزين الأسلحة والذخائر، استعدادا للجهاد، ومن هذا المكان أيضا صدرت الفتوى التي تبيح تعاطي المخدرات (الاتجار في المخدرات يسمح بالحصول على مدخول معتبر، كما أن استهلاكها يمنح الشجاعة لأنصارهم من الشباب كي ينطلقوا في أعمال العنف) وفي مسجده هذا أيضا تم حجز المختطفين العسكريين في جوان 1991. فبعد أعمال الشغب التي أعقبت هجوم قوات الأمن على المتظاهرين والمعتصمين تم اختطاف ضابطي صف من مصلحة المراقبة التابعة (م.ر.ع/CPO) من طرف إسلاميين بالقرب من مركز غرمول مقر (م.ج.م/DCE) وتم حجزهم لأكثر من 24 ساعة. ولقد كنت أثناءها موجودا في مكتب الرائد عمار ڤطوشي عندما هتف إلى علي بن حاج زعيم (ج.إ.إ/FIS) ليطلب منه السعي لدى المختطفين لإطلاق سراحهما، وهو ما تم بالفعل، وإن رجالي برفقة النقيب عبد القادر خيمان من (م.ت.خ/GIS) هم الذين استردوا المختطفين في اليوم التالي في حدود الساعة التاسعة صباحا، بالقرب من المستشفى الجامعي مصطفى باشا في وسط العاصمة.
وبعد ذلك قمنا بعملية تمويه وتنكير جسمي ووجهي ضابطي الصف، لكي يعرضا مساء ذلك اليوم على شاشة التلفزة قصد إيهام الرأي العام بأن العسكريين كانا قد اختطفا واعتدي عليهما، وعوملا بوحشية من طرف إسلاميين من (ج.إ.إ/FIS)، الذين يسعون إلى الاستيلاء على السلطة بالقوة والعنف !
وقد مكنت هذه القضية أيضا أصحاب القرار من تلفيق التهمة ضد علي بن حاج الذي فُسر تدخله لصالحنا من أجل إطلاق سراح العسكريين بأنه دليل على تواطئه مع متطرفين، يدعون إلى العنف، وسيتم اعتقاله لهذا السبب يوم 30 جوان 1991. وقد ذهب ضحية أحد الأعمال الدنيئة والمناورات الرخيصة "المحببة لقلوب الجنرالات"!
لقد تم بعد ذلك إلقاء القبض على أحمد بوعمرة والعناصر التي كان قد جندها، أي مجموعة مسجد السنة بحي بلوزداد في يوليو1991 من طرف وحدات كومندو تابعة لـ(ق.ق.بر/CFT)، التي سلمتهم للمركز الرئيسي للعمليات، وقد أطلق سراح الأغلبية منهم ماعدا أحمد بوعمرة الذي أبقي عليه في مكان سري بمركز عنتر! فبهذه المناسبة أخذت علما بعملية الاختراق هذه لأن رجالي النقباء: مصطفى، زياد، فاروق، حاجي، ووهيب هم الذين كانوا مكلفين باستجواب أحمد بوعمرة، ولتحضير الأسئلة تلقيت ملخصا عن الوضع من طرف رئيس (م.م.أ.ج/DCSA) العقيد كمال عبد الرحمان الذي شرح لي كيفية تكليف الجنرال توفيق لأحمد بوعمرة بتنظيم الشبان الأصوليين باسم الإسلام، والجهاد، وتدريبهم على تقنيات حرب العصابات ومبادئ الإسعاف، ومعارك التلاحم، وجمع المعلومات عن "الأهداف" المحتملة... ولقد علمت فيما بعد من عدة مصادر (عسكرية وصحفية) أن أحمد بو عمرة قد أودع السجن العسكري بالبليدة، الذي اختطف منه يوم 30 نوفمبر 1995 ليقتل ويتم التخلص منه نهائيا، وأجهل تماما الأسباب التي دعت إلى تصفيته، ولكن ما أنا متأكد منه هو أن هذا الضابط قد رفض منذ جوان 1991 أن يستمر في القيام بهذه المهمة الخطيرة، وإبلاغ المعلومات عن الشبكات التي كان قد وضعها في بيشاور وباكستان.
قـسم الاستخبارات والأمن(ق.إ.أ/DRS)
يحضر لتأطير المقاومة في الجبال، ويستهدف المثقـفين!
في شهر أفريل سنة 1991، وقبل شهرين من الانتخابات التشريعية التي كان مقررا إجراؤها في27 جوان (ثم أرجئت إلى يوم 26 ديسمبر 1991، في أعقاب إضراب (ج.إ.إ/FIS)، وإعلان حالة الحصار على إثر ذلك) كلف إسماعيل العماري بحضوري الرائد عمار ڤطوشي بتشكيل خلايا إسلامية كنواة تكون تحت المراقبة الكاملة لرجال (ق.إ.أ/DRS)، وتحرص على التنسيق فيما بينها وكانت الفكرة تقضي بأن يقوم كل عميل بقيادة مجموعة تتكون من خمسة إلى عشرة أفراد. وقتها لم يكن الأمر يتعلق بعد بخلق مجموعات مسلحة من العدم 39 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftn39)، ولكن فقط لتكوين شبكات تستعمل لاحقا لتأطير ومراقبة مناضلي (ج.إ.إ/FIS) المستعدين للامتثال لأمر "العصيان المدني " الذي كان يدعو إليه "متشددو" الحزب (كسعيد مخلوفي) وكذلك الشبان الإسلاميين المتطرفين المناهضين للخط المستقيم لـ(ج.إ.إ/FIS) والذين بدأ بعضهم ينتقل إلى السرية بهدف الالتحاق بالجبال للقيام بالمقاومة المسلحة.
تم تقسيم التراب الوطني إلى خمس مناطق، على غرار تنظيم (جش.ت.و/ALN) أثناء الثورة التحريرية: ناحية جيجل للشرق، وناحية سيدي بلعباس للغرب، وناحية شلف-عين الدفلى، وناحية المتيجة، وناحية بلاد القبائل (الزبربر)، وقد ظلت حدود هذه المناطق غامضة وخاضعة في تقسيمها عموما لكثافة الوجود الإسلامي بها.
وفي النواحي العسكرية الرئيسية الثلاث قام رؤساء المكاتب الفرعية المحلية (م.ب.تق/CRI) التابعة لـ(م.ج.م/DCE) وهم الرواد: جبار (البليدة)، وهيب (وهران)، وفضيل (قسنطينة) قاموا بتشكيل هذه المجموعات الإسلامية بكل نشاط، ووضعها في أماكنها المحددة لها. لقد كانت معظم هذه الكتائب مكونة من ستة إلى اثني عشر رجلا موضوعة تحت قيادة "أمير" وهؤلاء الأمراء كانوا في الحقيقة ضباط صف من مصالح الأمن (مثل المساعد ناصر، وعمر في حالة (م.ب.تق/CRI) للناحية العسكرية الخامسة) وإلا فمناضلين إسلاميين من عملاء (ق.إ.أ/DRS)، وبالنسبة لـ (م.م.أ.ج/DCSA) (وهي فرع من الأولى) فكانت مكلفة بالمناطق الواقعة على الحدود مثل ناحية الوادي، وبشار وتلمسان.
وهكذا ابتداء من ربيع 1991 أخذت أولى مجموعات المقاومة الإسلامية (سواء المؤطرة برجال الاستخبارات والأمن، دون علم أعضائها، أو تلك المجموعات الحقيقية) تتكون باجتذاب المناضلين الذين اختاروا العمل السري!
غير أنه، باستثناء بعض الأعمال المتفرقة أو الفردية فإن هذه المجموعات لم تقم بأية عملية مسلحة قبل شهر مارس 1992، لأن إقامة نظام مقاومة مسلحة يتطلب بالفعل عدة شهور من العمل، فالشخص المكلف يبدأ أولا بتجنيد مساعديه، ثم ينتقل لمرحلة التلقين الإيديولوجي للمترشحين للعمل الإرهابي، وتحضيرهم البدني والنفسي ثم وضعهم تحت الاختبار.
ففي تلك الفترة ذاتها، ماي وبداية جوان 1991 - كنا في خضم الحملة الانتخابية، والمرحلة ساخنة- ظهرت في العاصمة مناشير غريبة موقعة من طرف " جماعات إسلامية " غير معروفة، أو بأسماء مستعارة أقل ما يقال فيها أنها غير جادة. في البداية كانت هذه الجماعات تدين قادة (ج.إ.إ/FIS) وخطتهم الانتخابية، مؤكدة أنهم يريدون إقامة جمهورية إسلامية بالحراب وليس بالانتخاب!
ثم ما لبثت أن ظهرت بعد ذلك مناشير أخرى على نفس النمط تحمل تهديدات بالقتل، وتذكر أسماء معينة لمثقفين، وصحافيين مناهضين لـ(ج.إ.إ/FIS).
وسرعان ما علمت من فم المساعد حفيظ، كاتب رئيس (م.ج.م/DCE)، بأن الأمر في الواقع يتعلق بمبادرة جديدة للعقيد إسماعيل العماري، كان يهدف أصحاب القرار من ورائه إلى الحصول على انضمام ما كان يدعى "تجاوزا" في الجزائر بـ "المجتمع المدني" (تلك الطبقات المتوسطة الفرنكوفونية -أصحاب المهن الحرة، موظفين، صحافيين، فنانين، ومثقفين...الخ - الدائرين في فلك مراكز السلطة) فقرروا -إذن- أن يرهبوا هذا المجتمع المدني بالمزايدة على خطاب (ج.إ.إ/FIS) الذي كان هو ذاته في الأصل مخيفا!!
إن أولى المناشير "الإسلامية" المطالبة بالاستيلاء على السلطة بالسلاح كانت تصدر في الواقع من ثكنة عنتر ببن عكنون، وهو مقر (م.ر.ع/CPO) وأما بالنسبة "للقوائم السوداء" المشؤومة المنسوبة إلى الإسلاميين فقد تم إعدادها في مركز غرمول، وهو مقر (م.ج.م/DCE). انهم النقباء: عمر مرابط، سعيد لوراري(المدعو "سعود") وعز الدين عويس، هم الذين حرروا تلك المناشير، التي كلف الرقيب هوام سبتي، وعناصر من "فريق الحماية" وسائقي المديرية بوضعها في صناديق بريد الأشخاص المستهدفين !.
ولقد أفادت هذه الحملة في استنفار الأحزاب السياسية "اللائكية" المقربة من (أصحاب القرار)، كـ(ح.ط.إ/PAGS) 40 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftn40) (الحزب الشيوعي الجزائري سابقا الذي أصبح بعد الاستقلال حزب الطليعة الاشتراكية) أو (ت.م.ث.د/RCD) وبالطبع كذلك الصحافة المسماة "مستقلة"!
"شيطنة" (ج.إ.إ/FIS) وخلق الفـوضى العارمة
وبالرجوع إلى الوراء أستطيع أن أجزم بكل يقين أن الـ(أ.ع/SM) بدأ تنظيم المقاومة المسلحة في الجبال منذ سنة 1991، (وذهب حتى إلى حفر الخنادق المهيأة "لإرهابيي" المستقبل) وذلك بالمشاركة الفعالة لبعض الإسلاميين المنقلبين.
لقد كنت دائما أظن بكل سذاجة أن تلك الجماعات "النواة" قد شكلت في الأصل آنذاك من أجل تزويدنا بالمعلومات عن العمليات في طور التحضير من أجل توقع حدوثها أو العمل على إبطال أو إضعاف مفعولها، لكنني لم أكن أستطيع أن أتخيل على الإطلاق أن تستعمل تلك الجماعات كأداة في أيدي الإجرام لإزهاق الأرواح البريئة.
لا جدال في أنه منذ بداية سنة 1991 بدأ الـ(أ.ع/SM) يدفع الإسلاميين المتشددين إلى التطرف والثورة، بهدف إفقاد مصداقية (ج.إ.إ/FIS) كحزب سياسي، ولم يكن يوجد في ذلك لا الإسلاميون المسلحون، ولا توقيف المسار الانتخابي، ولا النداء إلى الجهاد، ولا الإرهاب ولا هم يحزنون... غير أن الأعمال المتهورة التي خطط لها مسؤولو مصالح الأمن لتأبيد النظام المستبد، هي التي ألقت بالبلاد في جحيم العنف وأتون "الحرب القذرة"، وإلا فكيف نفسر قبول الجنرال خالد نزار وزير الدفاع "الجمهوري" وفي عز حرب الخليج، أن يستقبل شخصا مثل علي بن حاج وهو يرتدي بزة عسكرية مطالبا إياه بفتح معسكرات التدريب لمناضلي حزبه الذين يتطوعون للمشاركة في الحرب إلى جانب العراق!؟ فهذا يعني أنه منذ ديسمبر 1990 وطبقا "لمخطط نزار" كان قد أنجز كل شيء لتحويل (ج.إ.إ/FIS) إلى حيوان متوحش في أعين الرأي العام، وذلك بالتغاضي، بل بتشجيع غلوها "الطبيعي" ودفعها إلى ارتكاب الخطأ، وتجاوزه بأخطاء أكثر تطرفا وشناعة من اختراع (ق.إ.أ/DRS)، وبعلامتها المسجلة، في "مصانعها" ببن عكنون، وغرمول!!
وفي المحصلة نستطيع أن نقول بأنه منذ نهاية 1990 حتى منتصف سنة 1991 قد سارت عملية احتواء واستخدام التيار الإسلامي من طرف (ق.إ.أ/DRS) على أربع مستويات نحددها فيما يلي:
-مواصلة "المفاوضات السياسية " مع قائدي (ج.إ.إ/FIS) عباسي مدني وعلي بن حاج، وهذا العمل كان يقوده حصرا الجنرالان توفيق وإسماعيل، وذلك بقصد تضليلهما وإلهائهما في انتظار أن تشكل "المقاومات المزيفة" وتكون قادرة على العمل في الميدان.
وهكذا تميز ربيع 1991 باتصالات كثيفة بين مسؤولي (ق.إ.أ/DRS) و(ج.إ.إ/FIS)، وأحيانا بحضور رئيس الحكومة مولود حمروش (الذي كان يجهل بطبيعة الحال أن الأمر يتعلق بمفاوضات مزيفة (وسأعود إلى ذلك في الفصل اللاحق).
-توجيه سياسي الجبهة الإسلامية (ج.إ.إ/FIS)، بواسطة أعضاء في قيادتها (كأحمد مراني، سعيد قشي، بشير فقيه، علي نسيم بوعزة، الهاشمي سحنوني، زبدة بن عزوز) الذين كانوا عملاء الـ(أ.ع/SM)، بهدف خلق جو من التشدد والتمزق داخل الحزب، وتشجيع الشيخين الرئيسيين "القائدين" لاتخاذ خطاب أكثر تطرفا! وقد ساهم هؤلاء المسؤولون كل على مستواه في إنجاح هذه العملية (كما سأفصل ذلك لاحقا أيضا)
-اختراق المجموعات المتطرفة التي لم تكن تتجاوب مع أطروحات (ج.إ.إ/FIS) (وهذا بفضل إعادة تكوين وبعث "ح.إ.م/2MIA") وتجنيد "متطرفين" بجعلهم أمراء أحياء منهم، وقد كان هذا العمل من صلاحيات (م.ج.م/DCE).
-خلق شبكة بكاملها من الإسلاميين المتطرفين الداعين إلى العنف، وقد عهد بهذه المهمة بصفة رئيسية إلى (م.م.أ.ج/DCSA). حيث قام بعض العساكر بتمثيل هروب من الجيش بالعتاد والسلاح مما يحقق لهم شهرة و"بطولة " تمكنهم من السيطرة على جماعات تعيش في السرية، واستدراج الإسلاميين سواء للتخلص منهم أو لاستعمالهم لاحقا في عمليات مضادة (وهو ما فعلوه ابتداء من سنة 1992 للقضاء على المقاومة المسلحة الحقيقية، لمهاجمة أهداف محددة كانوا قد كلفوا بها) ولقد واكبت هذه العمليات حملة من الدعاية قادها بعناية (ق.إ.أ/DRS)، التي كانت تضخم (وأحيانا تشوه) خطابات بعض قادة (ج.إ.إ/FIS) الأكثر إفراطا في الغلو كتلك التي تقول بأن الديمقراطية كفر، وتطالب بإجراء انتخابات رئاسية مسبقة وتدعو إلى إعادة النظر في علاقة الجزائر بالبلدان الغربية... وطبعا كان لـ(ق.إ.أ/DRS) أوراق رابحة باستعمال "الصحافة المستقلة" لتضخيم واستغلال الانحرافات الفاضحة والحقيقية لبعض قادة (ج.إ.إ/FIS)، الذين استعجلوا، سواء عن قناعة أو عن انتهازية، فرض رؤية دينية تجاوزها الزمن...
أما بالنسبة لقصة "المحاكم الإسلامية" والشرطة الإسلامية الموازية، فلم تكن في جوهرها إلا من ابتكارات الـ (أ.ع/SM). لقد كنت في مكان يؤهلني للحديث عن هذا الموضوع: كانت مهمة ضباط (م.ب.ت/SRA) -بفضل شبكة عملائهم- هي نشر هذه الفكرة، وحث المناضلين الإسلاميين البسطاء في القاعدة على التصرف على هذا المنوال مستدلين ببعض الحالات الخاصة والمنفردة. وطبعا كان عملاؤنا "الصحفيون" في الجرائد المستقلة يتكفلون بتضخيم صدى هذه الأحداث بمقالات مثيرة ومنذرة بالخطر الداهم.
وفي الحقيقة، وقد قلتها مرارا، بأن حل (ج.إ.إ/FIS) كان مخططا له منذ تدشين "خطة نزار" في ديسمبر 1990، وكان الأمر ينتظر فقط البحث عن الذرائع التي تبرر قرارات الجنرالات، وأسوق هنا كدليل على ذلك أن العقيد إسماعيل العماري، كان قد طلب مني منذ فبراير 1990، أن تقوم مصالحي بتحديد وتعريف مسؤولي مجلس الشورى لـ(ج.إ.إ/FIS) وكذلك المكاتب التنفيذية البلدية، ولجان الأحياء التابعين للحزب الإسلامي، وكذلك الأئمة المتشددين أصحاب الخطب النارية...
إن خطة عمل الجنرال نزار التي ترتكز على تشتيت التيارات الإسلامية ونزع المصداقية، والتقليل من قيمة (ج.إ.إ/FIS)، وتشويه صورتها إلى أبعد الحدود في أعين الناس... كل هذا طبق حرفيا في السنوات اللاحقة من طرف رؤساء (ق.إ.أ/DRS). إن المتطرفين وبصفة خاصة عناصر تنظيم التكفير والهجرة، "الأفغان" الجزائريين، وكذلك العناصر المتمردة المستعصية على السيطرة داخل (ج.إ.إ/FIS)، كانت كلها بالتأكيد مستعدة للانتقال إلى أعمال العنف، ولكن بدلا من العمل على تحييدها، وهو ما كان في متناولنا فعله بكيفية ناجحة وبأدنى خسارة ممكنة، فقد دفعوهم إلى ذلك دفعا بفعل حملات الاستفزاز والتحرش والضغط المولد للانفجار الحتمي! 41 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftn41)
هناك جانب آخر هام ومكمل لمخطط نزار - الذي تفادى الجنرال التعرض له في مذكراته- يتعلق بـ(ج.ق.إ/FFS) وهو أقدم حزب معارض في الجزائر يقوده السيد حسين آيت أحمد وهو من الأسماء البارزة في حرب التحرير الوطنية.
لقد قام أصحاب القرار بكل ما في وسعهم لإضعافه وإزالة مصداقيته، للتقليل من حظوظه، حتى لا يصبح تيارا قويا من شأنه أن يمثل " خيارا ثالثا " يمّكن البلاد من تفادي القطبية الثنائية (إسلاميون/عسكر) التي ما انفك جنرالات العصابة يبذلون قصار جهدهم كي يحصروا فيها الساحة السياسية الجزائرية لتحقيق مآربهم المعروفة والمكشوفة.
فمنذ "الانفتاح الديمقراطي" في بداية 1989 كان الأمر يتعلق بصفة خاصة بتحجيم (ج.ق.إ/FFS)، وحبسها في بعدها الجهوي المحدود ببلاد القبائل، وقد كان إنشاء (ت.م.ث.د/RCD) للدكتور سعيد سعدي وهو منشق عن (ج.ق.إ/FFS)، بمبادرة من العربي بلخير، وتوفيق مدين، وأبو بكر بلقايد (وزير الداخلية في حكومة قاصدي مرباح) في شهر فبراير من نفس السنة، يخدم هذا الهدف حيث تم دفع الموجة الجديدة من "الديمقراطيين الليبراليين" المدافعين عن الثقافة البربرية (القبائلية) لمواجهة "الاشتراكيين" الذين كانوا يناضلون في آن واحد ضد الدولة الأصولية والدولة البوليسية.
وبعد شهور من النزاع والأخذ والرد كان هذا الحزب من آخر التشكيلات السياسية التي تعتمد رسميا من طرف السلطة (وكان ذلك يوم 13 نوفمبر 1992 أي بشهرين بعد اعتماد (ج.إ.إ/FIS) !
وبما أنهم لم يستطيعوا تفادي الاعتراف بهذا الحزب للقيمة السياسية للسيد حسين آيت أحمد، فقد تم اللجوء إلى تقسيم (ج.ق.إ/FFS) بناءا على أوامر صادرة من فوق وبفضل عمل تقويضي دؤوب رعته المصالح.
وهكذا أنشئ حزب جبهة القوى الديمقراطية من طرف منشقين من(ج.ق.إ/FFS)، برئاسة عبد الحفيظ ياحَة، وهو من رموز الثورة، كان ضابطا في جيش التحرير الوطني، وقد التقيت به شخصيا للحديث معه بخصوص الوسائل الممكنة لإضعاف (ج.ق.إ/FFS) (وخاصة رئيسها الكارزماتي) والمساعدة التي يمكن تقديمها إلى الحزب الجديد (الذي ولد شبه ميت ولم يكن له أي أثر يذكر في الساحة) !
وبعد سنة من ذلك التاريخ، في يناير1991 قرر العربي بلخير منح آيت احمد مقرا لحزبه(وهو عبارة عن فيلا كبيرة تقع بالقرب من فندق الجزائر) كانت تابعة للـ(أ.ع/SM) تُنوزل عنها مجانا لـ(ج.ق.إ/FFS)، وكان آخر شاغل للمكان، هو الرائد منير بومديري الذي لم يعجبه أن يقدم (ق.إ.أ/DRS) هدية بهذه القيمة لحزب (ج.ق.إ/FFS) من أجل إجباره على الطاعة والانقياد، حتى ولو كان هذا الحزب لآيت أحمد، أحد القادة التاريخيين للثورة. غير أن هذا الأخير قد استمر في تصلبه، ولذلك لم تتوقف تحرشات (ق.إ.أ/DRS) ضد (ج.ق.إ/FFS) من أجل إضعافها طيلة السنوات اللاحقة، وان كانت (ج.إ.إ/FIS) على وجه الخصوص هي التي ظلت تمثل الهدف الأساسي لنا طبقا "لمخطط نزار" كما سبق الذكر، ولم يكن أحد في تلك الفترة يشك في النوايا المنحرفة للجنرالات: بلخير وآخرين...
انتخابات تحت الضغط العالـي
في بداية سنة 1992 كانت خطة عمل الجنرال خالد نزار تجري على قدم وساق، وفي الأسابيع الأولى من هذه السنة كان قادة (ج.إ.إ/fis) واثقين من التأييد الشعبي، سواء كان ذلك عن سذاجة منهم أو عن قلة تجربة فإنهم كلما اعتقدوا أنهم في طريق النجاح كلما سقطوا يوما بعد يوم في الفخ المنصوب لهم من الجنرالات.
اللعب المزدوج للجنرال توفـيق
كانت مظاهرات الشارع تتتابع بتواتر كل أسبوع، ورؤساء (ق.إ.أ/drs) كانوا يتوجسون خيفة من إستعراض العضلات هذا الذي يقوم به الإسلاميون و الذين تجاوزا الحدود المسموح بها. ذلك أن المواقف الاستعراضية للـ(ج.إ.إ/fis) طالما بقيت تراوح مكانها بين باب الوادي وساحة أول ماي، فهذا لا يزعج أحدا، ولكن شيئا فشيئا بدأت مطالب (ج.إ.إ/fis) تأخذ طابعا هجوميا. وبدأت المسيرات تتجه نحو قصر الحكومة ورئاسة الجمهورية أو مقر (و.د.و/mdn)، وقد نصب قادة (ج.إ.إ/fis) أنفسهم "نوابا" عن الشعب لتقديم لوائح وأرضيات أو تظلمات لأسمى المسؤولين في الدولة، وخطاباتهم كانت توصف "بالحاقدة" من طرف القادة العسكريين الذين ضاعفوا من تحذيراتهم، ولكن لا رئيس الجمهورية (الذي كان الإسلاميون يطالبون بالانتخابات المسبقة لإزالته)، ولا رئيس الحكومة (الذي كانوا يطالبونه هو أيضا بالذهاب) فلا هذا ولا ذاك عبر عن اكتراثه بالوضعية التي كان ينعتها أصحاب القرار "بالمتفجرة" مما جعلهم يتهمون كلا من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة "بالتواطؤ مع الإسلاميين"
إن الجنرال توفيق رئيس (ق.إ.أ/drs) بارع في فن استخدام الجزرة والعصا: فهو من ناحية يبدي قلقه من صعود التيار الإسلامي، ويجري مفاوضات سرية مع قادة (ج.إ.إ/fis) ومن ناحية أخرى يكلف الصحافة بإطلاق النار على "مجانين الله" ويعهد إلى نائبيه إسماعيل العماري وكمال عبد الرحمان "بنفخ الجمر" لإبقائه مشتعلا ولهذا تلقى ضباط (م.ب.ت/sra) المستدعين من جديد إلى العاصمة تعليمات بإعادة تنشيط الجماعات الدينية القديمة الشبه عسكرية.
ففي فبراير أو مارس 1991، وأثناء اجتماع عقد في مقر (م.ر.ع/cpo) بثكنة عنتر في بن عكنون أخبر العقيد إسماعيل العماري ضباطه بضرورة اختراق كل جماعة "جهادية" قد تنشأ، آمرا إياهم بعدم تحييدها ولكن العمل على تلغيمها من الداخل بواسطة العملاء القدامى الذين يتعين بعث نشاطهم من جديد وبأي ثمن.
وفي هذا الإطار خصصت لي ميزانية بخمسين ألف دينار لاحتياجات هذه العملية (وقد جدد لي هذا المبلغ مرتين قبل انفجار الإضراب الانتفاضي في جوان 1991) ومن ثمة أصبحت ملاعب العاصمة مغزوة في المساء بفئات الشبان الذين يتدربون على الرياضات القتالية (بعد تدريبات فرق كرة القدم) وذلك تحت أنظار واستحسان رجال الشرطة!
إن هذا "الخطاب المزدوج" والطابع المميز لسلوك أصحاب القرار، الذي جعلهم دائما يلعبون على التناقضات والتضاد بين الفئات الاجتماعية والعصب وقد وصل بهم الأمر أحيانا إلى أن يفتعلوا هم أنفسهم هذه الخلافات والتناقضات افتعالا، وأستطيع أن أعطي مثالا آخر مدهشا يعود كذلك إلى بداية 1991 عندما كان الجنرال توفيق يستعمل فرعي (ق.إ.أ/drs) لاستفزاز (ج.إ.إ/fis) ومراقبتها في آن واحد.
ففي الوقت الذي كان رجال الرائد طرطاڤ التابع لـ(م.م.أ.ج/dcsa) يستفزون مناضلي (ج.إ.إ/fis) ويشوشون على مسيراتهم (دون أي تأثير يذكر)، كان رجال الرائد عمار ڤطوشي التابع لـ(م.ج.م/dce) يساعدون منظمي (ج.إ.إ/fis) في تأطير المسيرات والمظاهرات. ففي هذه الفترة بالذات وقعت لي قصة في غاية الغرابة، وتطرح العديد من علامات الاستفهام والتعجب !
الإنذار الأول
يوم الخميس الأول من فبراير 1991، نظمت (ج.إ.إ/FIS) كعادتها مسيرة في العاصمة، من ساحة الشهداء إلى ساحة أول ماي، وفي ذلك اليوم مثل كل أيام الخميس منذ ديسمبر 1990، كنت في مكتبي، لأنه كان يتعين علي أن أضع جهاز متابعة خفية لإشعارنا بأية تجاوزات، وإعلامنا بطبيعة الشعارات المرفوعة، وهويات الأشخاص "المؤطرين" والمسؤولين عن مصالح النظام في (ج.إ.إ/FIS)، وحوالي الساعة الرابعة مساءا وبمجرد أن أنهيت كتابة تقريري الموجه إلى العقيد إسماعيل العماري، أخبرني النقيب سعود بقدوم بوعلام سمعون مسير فندق القطاني، وبوعلام هذا كان ضابط صف في الـ(أ.ع/SM) عزل من الخدمة العسكرية سنة 1980 في أعقاب أحداث ڤفصة 42 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftn42) وكان يساعدنا بوضع فندقه تحت تصرف مصالحي. ظننت أولا أنه أتى ليخبرنا باجتماع (ج.ق.إ/FFS) (لقد كان على اتصال وثيق ببعض مسؤولي حزب آيت احمد) مثلما تعود أن يفعل دائما.. لكن هذه المرة أتى ليدعوني لقضاء أمسية عائلية، وقد جاءت دعوته هذه في وقتها تماما! فقد كان بعض الترويح عن النفس مرغوبا فيه جدا في تلك الفترة التي لم نذق فيها طعم الراحة منذ شهور.
كنت أسكن وقتها في تيبازة، وهي مدينة ساحلية صغيرة تبعد بحوالي 60 كلم غرب الجزائر، وكنت تقريبا غير معروف هناك! وكان من المقرر أن أعود أنا وزوجتي حوالي منتصف الليل، إلا أن السهرة قد طالت ففضلنا أن نقضي الليلة في الفندق بالجزائر، ولا نعود إلا في اليوم التالي. وبطبيعة الحال لم يكن أحد يعلم بغيابنا عن منزلنا في تلك الليلة.
وعند وصولنا يوم الجمعة صباحا إلى المنزل، لم أتعرف على باب شقتي حتى أني خرجت للتأكد بأنها فعلا عمارتنا، وهنا كانت الصدمة! لقد تعرضنا لعملية سطو، غمرتني عند الدخول رائحة غاز قوية، كان البهو نصف فارغ من أثاثه، والفوضى العارمة تسود غرفتين من الغرف الخمس التي تتكون منها الشقة.
لقد كان أول رد فعل أقوم به هو المبادرة إلى فتح النوافذ لتهوية الشقة، والإسراع إلى غلق صنبور الغاز، قبل أن أروح عن زوجتي، وأعاين الخسائر، ثم بعدها طلبت من ضابط المداومة في أمن ولاية تيبازة أن يبعث لي بأحد أفراد الشرطة العلمية من شاطوناف بالعاصمة.
فلاحظنا أن "الفاعلين" قد اكملوا جريمتهم بفتح صنبور الغاز قبل المغادرة، وذلك لكي يحدث انفجار حتمي بمجرد أن أشغل المفتاح الكهربائي، لأنير المنزل بعد العودة في الليل، ويمرر الانفجار على أنه حادث عاد ناجم عن تسرب الغاز! وقد تبين من خلال العديد من المؤشرات والقرائن بأن هذا "السطو" لا علاقة له بعمليات السرقة التقليدية:
- لم يعثر مفتشو الشرطة العلمية على أي أثر للبصمات، لأن "اللصوص" كانوا يلبسون قفازات ولم يتركوا أي أثر، كما دلت الاحتياطات المتخذة من طرف الفاعلين على أن الأمر يتعلق بأناس على درجة عالية من الاحتراف.
- لم يلاحظ الجيران كذلك أي شيء على الإطلاق مع أن العديد من الأغراض (كالتلفزيون، وجهاز تسجيل تجسيمي وملابس ومجوهرات...) قد سرقت.
- هناك غرفتان لم تدخلا أبدا، مع أن الزوار كان عندهم من الوقت ما يكفيهم لانتقاء ما يفيدهم كأخذ سندات البنزين الصادرة عن شركة سوناطراك –مثلا- دون سندات (ج.و.ش/ANP) (لأنها غير قابلة للاستعمال دون تسجيل رقم السيارة وبالتالي حتمية اكتشاف صاحبها بسهولة...) كما أن أي سارق عاد لا يمكن أن يسرق بدلا (من صنع الشركة الجزائرية للصناعات النسيجية) ويترك بدلا غالية الثمن وراقية الطراز من نوع "بوص" وهو ما يثبت بجلاء أن الأمر يتعلق بعملية سطو مفتعلة!
- من بين حقائب الوثائق الثلاث وحدها تلك التي كانت تحوي ملفات قضية (م.و.م.غ/ENAPAL)، وغرفة التجارة بالجزائر (بما فيه التسجيلات الصوتية التي كانت موجودة) هي التي اختفت بينما الحقيبتان الأخريان قد اكتفي بتفتيشهما فقط، ولم ينقص منهما إلا مبلغ ثلاثين ألف دينار من أوراق نقدية جديدة كنت قد تسلمتها في الليلة السابقة من طرف العقيد إسماعيل لدفع مستحقات العملاء.
فلماذا يهتم يا ترى لصوص عاديون بهذين الملفين بالذات؟؟
كل التحقيقات والتحريات اللاحقة التي قام بها عناصري، أو أصدقاء من خارج المصالح لم تمكنا من التوصل إلى أية نتيجة في الموضوع! لم يعثر على أي منحرف في الجهة له علم بهذا السطو على منزلي في حين أنه من العادة عندما يكون الضحية ضابطا في الجيش أو شخصا مهما تقضي التقاليد المعمول بها في مثل هذه الظروف بين الشرطة واللصوص بإرجاع الأغراض المسروقة لأصحابها (شريطة أن تبقى هوية الفاعل غير معروفة، وأن لا تتم متابعته قضائيا). إني متيقن تماما بأن مدبري هذه العملية هم أناس يشغلون مناصب عالية، أرادوا الاستيلاء، بصفة خاصة، على الملفين "الساخنين" المذكورين اللذين ظللت أتابعهما وقتها، بالرغم من أنه قد طلب مني التخلي عنهما (فبصفتي "متخصصا في الجرائم الاقتصادية" - كنت ما بين 1982، 1989 مسؤولا عن الوقاية الاقتصادية- فقد كان هذا العمل يستهويني جدا، لمعرفة وتحديد فاعلي هذه الدسائس المضرة بمصلحة الدولة).
إن الملف المسروق المتعلق بغرفة تجارة الجزائر، كان يكشف أسماء واصلة في النظام، وخاصة أولائك ضباطا سامين تمكنوا (بواسطة أقارب لهم وأناس مسخرين) من الحصول على الاعتماد الرسمي منذ 1989، لتأسيس شركات، والاستفادة من قروض بنكية (لم تسدد أبدا) 43 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftn43) كما كان يفضح أيضا الأساليب المافيوزية لمسؤولي هذه الهيئة. ومن ذلك مثلا أنهم كانوا يحصون المشاريع المهمة المقدمة من مواطنين عاديين لإنشاء مؤسسات، ثم يسلمون تلك المشاريع لبعض قادة (ق.إ.أ/DRS) الذين يسجلونها بأسماء أصدقائهم فيما بعد، لقد اكتشفت أثناء تحقيق أجريته سنة 1990 أن مسؤولي غرفة تجارة الجزائر ومثلهم مسؤولي ميناء الجزائر، وكذلك الجمارك كانوا كلهم تحت السيطرة المباشرة لمسؤولي (ق.إ.أ/DRS) وكل شيء كان محبوكا بدقة متناهية.
ولسوء الحظ أنني لم أتمكن وقتها من التعمق في هذا التحقيق لأننا كنا منشغلين بالقضاء على "الخطر الإسلامي" ! ففي الوقت الذي كان كل إطارات المصالح منشغلين بخوض هذه المغامرات ضد (ج.إ.إ/FIS) كانت إطارات الجنرال توفيق تستطيع هكذا أن تواصل رعاية شبكات الرشوة هذه ليغتنوا بمنجى من أي عقاب. ولم أدرك إلا لاحقا بأن المحافظة على تلك الشبكات والدفاع عنها، كانت هي همهم الأساسي في الواقع طوال سنوات الدم !
المفاوضات الكاذبة بين (ق.إ.أ/DRS) و(ج.إ.إ/FIS)
إن الشهور التي عرفت غليانا إسلاميا شديدا كانت تلك التي تمت فيها تحضيرات الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في27 جوان 1991. وكان رئيس الحكومة مولود حمروش قد أعد نصوص قوانين جديدة لتقسيم الدوائر الانتخابية وتحديد طريقة إجراء الانتخابات، وظل يستطلع الأمور في كل الاتجاهات، إلا أن الذي كان يسير الأمور في الحقيقة، من وراء علم رئيس الحكومة بالطبع، هم خصوصا رؤساء(ق.إ.أ/DRS).
فابتداء من شهر مارس تمت عدة لقاءات سرية بين قائدي (ج.إ.إ/FIS) عباسي مدني وعلي بن حاج، وقائدي (ق.إ.أ/DRS) الجنرال توفيق والعقيد إسماعيل العماري، وتوسعت لاحقا لتشمل مولود حمروش، وقد كانت تعقد هذه الاجتماعات في فيلا تابعة لـ(ق.إ.أ/DRS) في موريتي وهي محطة سياحية ساحلية تقع غرب العاصمة، ولم يعلن للعامة أي شيء عن هذه اللقاءات منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم، وإذا تكلمت عن هذا الآن فذلك لأني كنت مكلفا بضمان "سريتها"، فلقد قمت مع بعض ضباطي بتجهيز لواقط الصوت لتسجيل المحادثات وضمان الرقابة حول المكان لإحباط أية محاولة للتتبع قد يقوم بها رجال الشرطة أو الدرك أو أعضاء (ج.إ.إ/FIS).
فبحضور مولود حمروش كان الحديث في جوهره يدور حول التقسيم الجديد للدوائر الانتخابية، وطريقة إجراء الانتخاب في جوان، وكل جانب كان يعرض وجهة نظره (وقد كان رئيس الحكومة في هذه المسألة هو الخصم والحكم) لأنه كان يقود القائمة الانتخابية لـ"ج.ت.و/FLN" لكن ليس هذا هو الأساس، لأن المساومة في غياب الوزير الأول كانت تدور بين مسؤولي "ق.إ.أ/DRS" وقائدي "ج.إ.إ/FIS") حول دور وكيفية سير مجلس وطني تعددي على أساس تشكيل حكومة أغلبية للـ(ج.إ.إ/FIS) وكذلك موضوع التعايش بين الحكومة الجديدة والرئيس الشاذلي بن جديد...الخ
فقد وعد توفيق وإسماعيل عباسي مدني باحترام دستور 23 فبراير 1989 وأن القوات المسلحة ستخضع لنتائج الصندوق، كما وعدا قادة (ج.إ.إ/FIS) أيضا بإزالة كل العوائق الإدارية لتمكينهم من تطبيق برامج الحكومة الجديدة في أحسن الظروف. وقد ذهبا في تظاهرهما بالجدية في المحادثات إلى درجة أن طلبا من علي بن حاج (الذي سيرأس الحكومة الجديدة) التنازل عن الحقائب الوزارية الاستراتيجية كالاقتصاد والمالية، والتجارة الخارجية، ووزارات السيادة كالداخلية والعدل والخارجية. 44 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftn44)
غير أن ذلك كله لم يكن في الحقيقة إلا محض ادعاء، وتمويه، وتضليل ومناورة من رئيسي (ق.إ.أ/DRS) اللذان كانا يريدان أن يعرفا إلى أي مدى يمكن أن يتنازل قائدا (ج.إ.إ/FIS) ويريدان بصفة خاصة (وهو المقصود من كل تلك المسرحية) ربح الوقت، لتحضير قوات الأمن للضغط، وكذلك لتجنيد "المجتمع المدني" داخل جبهة "مناهضة للأصولية" كما كانوا يخططون ويمكرون... وبالتوازي مع هذه المفاوضات الكاذبة، كان الجنرالات من عصبة بلخير يواصلون تطبيق "خطة نزار" التي تستهدف إضعاف (ج.إ.إ/FIS) (أو إزالتها من الوجود إذا لزم الأمر ذلك!). وكما سبق أن قلت، فابتداء من نوفمبر 1990 كان قد تم وضع كل قيادة (ج.إ.إ/FIS) تحت المراقبة (التصنت، التتبع...) وكانت استفزازات (ق.إ.أ/DRS) تتضاعف لتحسيس "المجتمع المدني " ومسؤولي الصحافة "المستقلة" بخطر استيلاء (ج.إ.إ/FIS) على السلطة.
ولهذا تضاعفت الملصقات على جدران العاصمة (في باش جراح، باب الوادي) التي تحمل شعارات إسلامية من نوع "الإسلام هو الحل" "لا للديمقراطية""الشريعة هي القانون الوحيد" وبطبيعة الحال كان الإسلاميون الحقيقيون هم الذين يقومون بهذه الأعمال في البداية، ولكن حسبما أخبرني رجال مصلحتي الذين كانوا شهودا على ذلك، فقد كان يضخم عمل هؤلاء الإسلاميين ويضاعف عشرات المرات من طرف عناصر (م.ر.ع/CPO) بقيادة الرائد بشير طرطاڤ.45 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftn45) وتزامن ذلك أيضا مع الفترة التي كان يقوم فيها شاب إسلامي متطرف برش الفتيات غير المتحجبات بفتات الزجاج في تيليملي(حي بأعالي العاصمة) وان هذا المتطرف "الغريب والعجيب" الذي لم تعرف هويته، ولم يلق عليه القبض بالتالي، من طرف مصالح الشرطة لأنه بكل بساطة كان يخرج من ثكنة المركز العسكري الرئيسي للبحث (م.ع.ر.ب/CPMI) ببن عكنون!
لقد كانت هذه العمليات، ومثيلاتها كذلك تنفذ بمبادرة من العقيد كمال عبد الرحمان رئيس (م.م.أ.ج/DCSA) (وهي المعلومة التي استطعت أن أحصل عليها وأتأكد من صحتها لدى ضباطي الذين حولوا للعمل في هذه الوحدة)، وقد استمرت هذه المصالح في إذكاء نشاط فروع صغيرة من المتطرفين الإسلاميين الذين كانوا يدعون إلى أعمال العنف، وعندما تلقي الشرطة عليهم القبض كانت العدالة تصدر ضدهم أحكام خفيفة تمكنهم قبل إطلاق سراحهم من الدعوة إلى أفكارهم في سجون سركاجي، الحراش وغيرهما... بل وحتى أنه قد تمكن بعض الإسلاميين الخطرين من جماعة التكفير والهجرة ومنهم نور الدين صديقي وبعض الآخرين من الذين كانوا مورطين في قضية سرقة المتفجرات من تاكسنة (بولاية جيجل) في سنة 1987، (حيث تمت سرقة عدة أطنان من المتفجرات من أحد المحاجر، والتي لم يعثر على الجزء الأكبر منها) من تحقيق "المعجزة"، بالفرار من المحكمة العسكرية بالبليدة مع تجريد رجال الدرك المكلفين بحراستهم من سلاحهم المتمثل في رشاشات من نوع كلاشنيكوف. 46 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftn46)
ومثال آخر كذلك من العديد من الأمثلة، هو ذلك "الإسلامي" المسمى عمر والمدعو "كوماندو" الذي كان يعيث فسادا في ناحية "ميسونيي" (وهو حي في قلب العاصمة)، وعلى الرغم من أنه كان في قائمة المبحوث عنهم من مصالح الأمن إلا أنه ترك حرا، وقد أخبرني أكثر من مرة أحد رجالي، وهو الملازم أول الهادي زمالي الذي يسكن في نفس الحي، عن تردد كومندو على مقر سكناه، وقد تعجب من ذلك لأنه كان بإمكان رجال الأمن إلقاء القبض عليه في أية لحظة، ولكن سر هذه الحصانة بالطبع يعود إلى قرار إسماعيل العماري، باستخدام مثل هذا النمط من الأشخاص ضمن طرقه المعروفة والمكشوفة!
إن (م.ج.م/DCE) من طرفها كانت تتصرف مثلما رأينا بالنسبة لـ(ح.إ.م/2MIA) لعبد القادر شبوطي، والقيام ببث الشقاق داخل (ج.إ.إ/FIS) بواسطة عملائها السابق ذكرهم. دون إغفال أعمال التسميم التي كانت تستهدف إفقاد مصداقية القادة لدى الشعب (كترويج الإشاعة بأن زوجة عباسي مدني إنجليزية، وأن علي بن حاج فلاشا من أصل تونسي) أو تشجيع التشكيلات السياسية الإسلامية التي كان يعتقد أن من شأنها منافسة (ج.إ.إ/FIS) والتقليل من وهج إشعاعها في الساحة كـحماس للشيخ "محفوظ نحناح" الذي كان يعتقد بسذاجة أن حزبه الحديث النشأة سيضاهي (ج.إ.إ/FIS) في البليدة وفي المتيجة!
جـوان 1991 "الإضراب الانتفاضي" للـ(ج.إ.إ/FIS)
إن الأحزاب السياسية الأخرى لم تبق مكتوفة الأيدي بل بدأت حينها تظهر معالم وأعراض معارضة تسمى "ديمقراطية" تحاول أن تنتظم لتوجد لها مكانا في الانتخابات، وفي هذا الإطار عقدت سلسلة من الاجتماعات المتتالية في فندق السفير خلال شهر مارس 1991، ضمت عددا من الأحزاب التي كان يطلق عليها اسم مجموعة "7+1" 47 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftn47) والتي ذكرت فيها لأول مرة فكرة القيام بشن إضراب عام يشمل التراب الوطني، احتجاجا على القانون الجديد الذي كان قد "فصل" لصالح (ج.ت.و/FLN). هل كانت فكرة الإضراب اقتراحا عفويا؟ هل كان اقتراحا من (ق.إ.أ/DRS)؟ يمكن الشك في ذلك لأن الأحزاب المجهرية (المصنوعـة في مخابر "ق.إ.أ/DRS") هي التي بادرت بعرض الفكرة قبل أن تنسحب من تحالف مجموعة "7+1" ومن ثمة أصبحت مجموعة "7+1-2" ثم "7+2" الخ، لا شيء كان يتسم بالجدية في القضية! بقي أن نعلم بأن فكرة الإضراب العام هذه قد تلقفتها (ج.إ.إ/FIS) ووظفتها لحسابها، مهددة باللجوء إليها إذا لم تلب مطالبها بخصوص إلغاء التقسيم الجديد للدوائر الانتخابية.
وهذا الموقف الذي اتخذته (ج.إ.إ/FIS) نزل هبة من السماء على (ق.إ.أ/DRS) الذي كان يفعل المستحيل من أجل أن يدفعهم إلى هذا الإضراب "الفخ"، وذلك لتحقيق هدفين في آن واحد، إضعاف (ج.إ.إ/FIS) (وربما إقصاؤها نهائيا من سباق الانتخابات القادمة) من ناحية وإيجاد المبرر الكافي للتخلص من مولود حمروش من ناحية ثانية، وتوقعا للمؤامرة المرسمة معالمها في الأفق من جهة، وإدراكا منه لمدى اختراق (ج.إ.إ/FIS) من (ق.إ.أ/DRS) من جهة أخرى بادر رئيس الوزراء السابق قاصدي مرباح بإرسال مبعوث إلى عباسي مدني لتحذيره مما كان يبيت ضده من مؤامرات وتنصحه بالعدول عن اللجوء إلى الإضراب المقرر... لكن قائد (ج.إ.إ/FIS) قد ارتكب خطأ لا يغتفر عندما لم يأخذ ذلك التحذير مأخذ الجد، ظنا منه بأن دافع قاصدي مرباح إلى ذلك التحذير كان مرده الرغبة في الانتقام من الشاذلي بن جديد (الذي كان قد عزله من منصبه بكيفية غير لائقة، ببضعة أشهر قبل ذلك!؟ إن هذا الخطأ في التقدير الذي وقع فيه عباسي مدني كان نتيجة حتمية لإشاعة مسمومة روجتها مصالح (ق.إ.أ/DRS) تقول بأن الحكومة قد استقدمت خطة تقسيم الدوائر الانتخابية من الإيليزي، والذي قام بإعدادها هم خبراء فرنسيون لمساعدة مناصري "حزب فرنسا" في الجزائر المتمثل في اللائكيين، وذلك لإنقاذهم من السقوط المهين في الانتخابات القادمة!
وقد كان بعض متشددي (ج.إ.إ/FIS) الذين كانوا في جزء كبير منهم مخترقين وموجهين من (م.ج.م/DCE) يقومون بتوزيع الكتيب الصغير الذي حرره سعيد مخلوفي بعنوان "العصيان المدني"، كانوا يوزعونه خفية على بعض مسؤولي المكاتب البلدية التابعة للـ(ج.إ.إ/FIS) 48 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftn48). كما جندت لهذا الغرض كذلك النقابة الإسلامية للعمل (ن.إ.ع/SIT) المنخرطة في (ج.إ.إ/FIS) للاستجابة لأمر الإضراب في حالة ما إذا اتخذ المجلس الشوري قرار انطلاقه!
وقد ظل تصارع القوى متواصلا خلال شهر مارس 1991 بين الثنائي عباسي- بن حاج، ومسؤولي (ق.إ.أ/DRS) توفيق - إسماعيل، أثناء اجتماعاتهم السرية بدون أن يتوصلوا إلى أي حل وسط، ويوم 23 ماي في خضم الحملة الانتخابية، وبالضبط في اليوم الأخير من تنظيم التجمعات، اجتمع المجلس الشوري للـ(ج.إ.إ/FIS) في مقر الحزب بنهج شاراس (في الوقت ذاته الذي كان مولود حمروش يعقد اجتماعه مع مترشحي (ج.ت.و/FLN) لانتخاب 27 جوان)، في حدود الرابعة مساء ينزل الحكم مدويا: لقد صوت المجلس الشوري على القيام بالإضراب العام ابتداء من يوم السبت 25 ماي، وقد برهن مسؤولو (ج.إ.إ/FIS) بذلك عن عدم نضجهم بالاستهانة والاستخفاف برد فعل أصحاب القرار الذين تركوهم يتمادون في هذه المغامرة (بتشجيع من عملائهم المبثوثين في المجلس الشوري ذاته) منجرين بذلك إلى فخاخ منصوبة لهم بإتقان، بحيث دفعوهم إلى قطع حبل التراجع، والإصرار على المضي في الإضراب حتى لا يفسر ذلك من طرف الشارع (بعد البيانات التي أصدروها)على أنه علامة ضعف من (ج.إ.إ/FIS).
لكن الإضراب قد استجيب له بمعدل متوسط جدا! فقد أحتل مناضلو (ج.إ.إ/FIS) ساحة الشهداء في باب الوادي وساحة أول ماي في بلدية سيدي امحمد ناصبين الخيام للمبيت بالليل، وقد تتابعت المظاهرات بين الساحتين، برفع الشعارات المعهودة "عليها نحيا وعليها نموت" و"لا ميثاق لا دستور قال الله قال الرسول" و"دولة إسلامية" 49 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftn49) والشيء الجديد في هذه الشعارات هو "الكلاّب" في مقدمة الاستعراض وقد كان الشعار يرمز إلى "مسمار جحا" 50 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftn50) الذي يتعين خلعه، وهي إشارة ساخرة وتلميح واضح إلى ضرورة ذهاب الرئيس الشاذلي بن جديد !
وبما أنني شاهدت وتابعت عن كثب هذه المظاهرات منذ اليوم الأول أستطيع أن أؤكد بأن الإضراب كان فاشلا حيث أن نسبة التغيب عن العمل كانت أقل من25%، ومع ذلك فقد أعطينا التعليمات لرؤساء المؤسسات العمومية ليفصلوا، وبدون إنذار كل من لا يلتحق بمنصب عمله، ثم وقع في اليوم الثاني تغيير مفاجئ: فقد تلقينا معلومات بأن أشخاصا ملتحين يجبرون تجار العاصمة على غلق محلاتهم تحت التهديد، (ولا أستطيع أن أجزم بأن تلك الأعمال التخويفية كانت نوعا من الاستفزاز الذي قامت به عناصر لحساب "ق.إ.أ/DRS" أم أنه من فعل متطرفي "ج.إ.إ/FIS" أنفسهم).
وفي اليوم الثالث توضح الأمر لدينا بأن رؤساءنا قد قرروا الذهاب إلى المواجهة، ذلك أننا لاحظنا أنه إذا كان رجال الشرطة يتابعون المتظاهرين بحياد، فإن (م.ت.س/GIR) التابعة للدرك الوطني، و(م.ت.خ/GIS) التابعة لـ(ق.إ.أ/DRS) قد وضعوا في حالة استنفار من الدرجة الأولى أي على أهبة الاستعداد للتدخل في أية لحظة.
وقد تعددت الاستفزازات وكانت تذكر بكيفية عجيبة بأحداث أكتوبر 1988 وخاصة وجود تلك السيارات المدنية الغريبة والمريبة التي كان راكبوها يطلقون النار بصفة عشوائية على المتظاهرين!
وقد سلم عباسي مدني للجنرال توفيق أثناء أحد الاجتماعات السرية التي عقدها شريط فيديو يظهر هذه السيارات المدنية المموهة تخرج بالفعل من المحافظة المركزية لشرطة الجزائر!.
وقـد أخطر زعيم (ج.إ.إ/FIS) كذلك بهذه الاستفزازات وزير الداخلية محمد الصالح محمدي الذي وعـد بإجراء تحقيق (وهو التحقيق الذي لم يشرع في إجرائه أصلا لأن حكومة حمروش سقطت بعد ذلك بأيام قليلة).
في فجر يوم 3 جوان كان الوضع قد وصل إلى حالة انسداد كامل، وفي الليلة الموالية قامت قوات الأمن بهجوم بالقنابل المسيلة للدموع والسلاح الآلي على المعتصمين لإخلاء الساحتين العموميتين، وقد حصلت مواجهات خلفت عشرات القتلى من بين المتظاهرين (وقتيل واحد من المهاجمين، وهو نقيب من الدرك الوطني) كما اقتحمت دبابات (ج.و.ش/ANP) الجزائر العاصمة، وأخذت أماكنها في مفترقات "الطرق الاستراتيجية".
وفي 4 جوان أجبر حمروش على تقديم استقالته بعد اختلافه مع الجنرالات حول التسيير "العنيف" للأزمة، وهم نزار، وبلخير، وتوفيق، وسقطت حكومته بعد واحد وعشرين شهرا من العمل دون أن يتوفر لها الوقت الكافي لإتمام إصلاحاتها المقررة.
إن الشخص الذي قال ذات يوم "تمر أو تتكسر"هاهو ذا تتكسر أسنانه على صخرة الجنرالات الذين عوضوه بوزيره للخارجية سيد احمد غزالي الذي ظل دمية في أيديهم حتى رموه. ولم يتمكن هذا التغيير على رأس السلطة من وضع حد للمشادات، كما لم تتمكن ألوية مكافحة الشغب من السيطرة على الوضع أبدا.
إلقاء القبض على الشيوخ
يوم 4 جوان 1991 أعلنت حالة الحصار، وفرض منع التجول، وأجل موعد إجراء الانتخابات التشريعية إلى ما بعد ستة أشهر، ولقد كانت مهمة رئيس الحكومة الجديدة هي التحضير لإجراء انتخابات "نظيفة ونزيهة"، لكن في الواقع نجد أن الـ(أ.ع/SM) هو الذي تكفل بهذا الملف! فقد تميز شهر جوان بمواجهات مستمرة بين قوات الأمن والإسلاميين، رغم النداءات إلى التهدئة التي ظل يصدرها عباسي مدني وعلي بن حاج مطالبين مناضليهما بعدم الرد بالعنف على قوات الأمن، وزيادة على ذلك فإن ضباط الـ(أ.ع/SM) كانوا دائما يطلبون من قائدي (ج.إ.إ/FIS) تهدئة النفوس، في حين كان المشكوك في أنهم "المحركون" محل توقيف واعتقال.
في مقر (ق.ق.بر/CFT) في عين النعجة، كانت هناك وحدات قتالية ووحدة مظليين قد استقدمت من الجنوب لتتموقع وتبقى في حالة استعداد وتأهب لمواجهة أي طارئ! وتم توقيف العديد من قادة (ج.إ.إ/FIS) بمن فيهم علي جدي، بل وحتى اللاعب الدولي صالح عصاد.
إن قـرار اعتقال الإسلاميين الذين كان من المحتمل أن يحملوا السلاح قد اتخذ في الاجتماع الأول الذي عقدنـاه بعد إعلان حالة الطوارئ في مكتب المقـدم إبراهيم فضيل الشريف، وكان هذا الأخير وقتها قائـد الأركان في (ق.ق.بر/CFT)، والسـاعد الأيمن للجنرال محمد العماري قائد القوات البرية، وبما أن هـذا الأخير كان يقضي كل وقته في مكاتب (و.د.و/MDN) وقيـادة الأركان العامة للجيش، فإن إدارة حالة الحصار قد عهد بها إلى المقدم فضيل الشريف الذي كان "العسكري الجيد" المؤهل لفعل كل شيء في عين النعجة.
عند استعادة القوائم من الدرك الوطني، ومن الشرطة ("م.ع.أ.و/DGSN" تابعة لوزارة الداخلية) لاحظنا أن هذه الأخيرة لم تكن لديها أية فكرة عن تنظيم الشبكات الإسلامية (لم يكن بحوزتها إلا معلومات عامة عن إسلاميين مخبر عنهم أو استجوبوا أثناء منع التظاهرات الثقافية أو الموسيقية. فمن بين سبعمائة اسم نشيط خطير تم إحصاؤهم أخيرا في جوان 1991 (وقد انتقل هذا الرقم إلى 1100 في يناير 1992) لم تحمل منها قائمة الـ (م.ع.أ.و/DGSN) بالكاد 5 % والدرك 20 % و75 % لـ(ق.إ.أ/DRS) بجميع مصالحها!
إن الهيكل المسمى (قيادة العمليات الأساسية التي ستصبح فيما بعد المركز القيادي للعمليات (م.ق.ع/PCO) كان وقتها حديث النشأة، وسيكلف في المستقبل بجمع المعلومات، وإعداد الخلاصات ومخطط العمليات للقيادة. لقد عين الرائد عبد القادر بن عايشة كمسؤول وحدة الكوماندوس 51 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftn51) المكلف بحفظ النظام ودعم (م.ت.خ/GIS)، في وحدة تدخلات الشرطة، وكذلك وحدة تدخلات الدرك (الحواجز، المداهمات، التوقيف).
إن مؤسسات القيادة لم تكن مع ذلك جاهزة لإطلاق عملية واسعة في صفوف الإسلاميين، والانتهاء بـ(ج.إ.إ/FIS)، لم يكن في القيادة أي سبب جدي ووجيه للإقدام على ذلك مخافة أن تجلب عليهم سخط الرأي العام العالمي، وتبين أن ديمقراطية الواجهة لم تكن إلا وسيلة للتغطية على الطابع الاستبدادي للنظام! لقد حاول الجنرالات بكل الوسائل تجنب الظهور في مقدمة الحلبة، ولذلك لم يكن واردا لديهم القيام بانقلاب عسكري، فدائما يوجد "مدنيو الخدمة" لضمان التسيير العادي للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية أو ليكونوا ناطقين باسمهم، ومكبرين لصوتهم!
إن عمليات القمع والاضطهاد التي كلفنا بها كانت أساسا ذات طابع تحذيري أو إنذاري، بحيث تحضر ما سيأتي، ولذلك لم يتم إلقاء القبض إلا على ثلاثمائة من بين سبعمائة الذين كانوا في قائمة "المطلوبين" وقد اعتقلوا خلال شهري جوان ويوليو 1991. وبالموازاة مع ذلك قام رجال الشرطة والدرك بإيقاف عدة آلاف من المناضلين العاديين أو المتعاطفين مع (ج.إ.إ/FIS) والذين سيطلق سراحهم تدريجيا في الأسابيع اللاحقة. وقد توخى رؤسائنا بذلك عدة أهداف: تخويف النشطاء من التيار الإسلامي، والتحقق من امتثال أعضاء قوات الأمن لتطبيق أوامرهم، وتكوين بطاقية بأسماء الإسلاميين "المشبوهين" (وبما أنهم قد سجلت أسماؤهم فسيضطرون إلى الدخول في السرية ابتداء من يناير 1992 للإفلات من التوقيف التعسفي).
وموازاة مع ذلك، وبتعليمة من الجنرال توفيق شخصيا قام "المنشقون" من أعضاء قيادة (ج.إ.إ/FIS) وهم أحمد مراني، الهاشمي سحنوني، وبشير فقيه بإدانة "مخاطرة" عباسي مدني وعلي بن حاج واتهامهما "بإثارة الفتنة بين الجزائريين" أثناء حصة تلفزيونية مرتجلة.
لقد كان قادة الجيش منقسمين، فهؤلاء الذين سيعرفون فيما بعد باسم "الإستئصاليين" (وخاصة الجنرالات العربي بلخير، خالد نزار، محمد العماري، محمد التواتي) كانوا يريدون دفع الإسلاميين إلى الثورة ليتسنى لهم قهر "الحركة الثورية" ومن ثمة حل (ج.إ.إ/FIS) نهائيا، ولكن لم يكونوا متأكدين من رد فعل الوحدات العسكرية، ومدى تصميم (ج.و.ش/ANP) على مواجهة الغضب الشعبي! وحتى يحضروا لذلك بكيفية جيدة، قرروا كمرحلة أولى، توقيف قادة (ج.إ.إ/FIS) ثم مواصلة سياسة الدهورة وتعفين الأوضاع في انتظار اللحظة المناسبة لنزع الأهلية عن حزب عبـاسي مدني وإقصائه بصفة نهائية من الساحة السياسية.
أما بالنسبة لرئيسي (ق.إ.أ/DRS) الجنرالين توفيق وإسماعيل فقد ظلا يعتقدان دائما في إمكانية تدجين (ج.إ.إ/FIS) وأن اللجوء إلى "الوسائل الثقيلة" يعني التدخل العسكري لا ينبغي أن يتم إلا في حالات الضرورة القصوى.
لقد كانا واثقين ويريان أن الانشقاق الحاصل داخل الحزب ذاته، مع جهود عملائهم المدسوسين فيه وكذلك الصحافة والضغط (التوقيفات، أنواع الحظر المختلفة...) سيضعف هذا الحزب، ويسمح لأحزاب أخرى كـ(ت.م.ث.د/RCD) وحزب التجديد الجزائري...الخ أن تشكل قوة "عازلة " بين (ج.إ.إ/FIS) و(ج.ت.و/FLN). فبحكم هذا التحليل انضموا إلى قرار توقيف الشيخين.
وبأمر من الجنرال خالد نزار وزير الدفاع الوطني، قام العقيد براهيم فضيل الشريف بتكليف وحدة كوماندوس بتطويق مقر (ج.إ.إ/FIS) في نهج شاراس، وتوقيف عباسي مدني، وكل الأشخاص الموجودين معه في حين أمر العقيد إسماعيل العماري يوم 29 جوان الرائد عمار ڤطوشي بتوقيف علي بن حاج الذي كان يوجد في القبة.
يوم 30 جوان قامت وحدة مظلات مرفوقة بعناصر من (م.ت.خ/GIS) بتطويق مقرات (ج.إ.إ/FIS) ونسفوا الباب قبل أن يعتقلوا عباسي مدني وبعض أوفيائه (وقد تمكن البعض الآخر من الهروب من بينهم قمر الدين خربان الذي لجأ إلى القصبة) كل الوثائق التي لم يتم تدميرها قد صودرت بغرض استغلالها من طرف الـ(أ.ع/SM).
وفي اليوم ذاته نصب الرائد عمار ڤطوشي شركا لعلي بن حاج: بما أن المواجهات لم تتوقف فقد ترجاه في الهاتف أن يتدخل في التلفزيون ليدعو إلى التهدئةلأنه الشخص الوحيد الذي ينصت إليه كل الإسلاميين، ويستجيبون لندائه، ويطيعونه، وبالمقابل يستطيع أن يستعمل حقه في الرد لتفنيد مزاعم وادعاءات المنشقين عن (ج.إ.إ/FIS) (مراني، سحنوني، فقيه) الذين اتهموا قائدي الحزب بإشعال نار الفتنة داخل الشعب الجزائري. سذاجتا من علي بن حاج الذي صدّق كلام مخاطبيه، وجاهلا بتوقيف عباسي مدني في تلك الآونة قدم مسرعا برفقة كمال ڤمازي وشخصين آخرين من قادة الجبهة إلى مقر الـ(م.و.ت/ENTV) لإلقاء كلمة كما هو متفق يطلب فيها من مناضليه عدم تحدي قوات الأمن. غير أنه استقبل في المدخل الرئيسي للـ(م.و.ت/ENTV) حيث ألقي عليه القبض هو ومرافقيه الثلاثة من طرف الرائدين عمار ڤطوشي وحمو بلويزة، فسيق علي بن حاج إلى مركز عنتر حيث قضى الليلة هناك قبل أن يحول في اليوم التالي إلى السجن العسكري بالبليدة.
ونبين هنا أن قادة (ج.إ.إ/FIS) قد أوقفوا دون أي أمر قضائي ( بإلقاء القبض عليهم ) يكون قد سلم من أية جهة كانت، مما يشكل اعتداءا صارخا على قوانين الجمهورية التي لم تطرح أي مشكل للجنرالات "حماة الديمقراطية" و"الحرية" و"قوانين الجمهورية".
وبعد أن أودع الشيخان الزعيمان عباسي وبن حاج السجن 52 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftn52) ظن رؤساء (ق.إ.أ/DRS) أن (ج.إ.إ/FIS) قد قطع رأسها، واستهانة منهم بالقدرة على التجنيد والتعبئة، التي يملكها زعماء الحزب الذين بقوا خارج القضبان، وفي مقدمتهم عبد القادر حشاني، ومحمد السعيد (واسمه الحقيقي لونيس بلقاسم) فقد كانوا مقتنعين بأن نتائجها الانتخابية لا يمكنها إلا أن تتفتت وتتفرق أثناء التشريعيات المقررة ليوم 26 ديسمبر 1991 53 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftn53) وزيادة على ذلك فإن مناضلي (ج.إ.إ/FIS) لم يقوموا بأية مقاومة كما أنهم لم يلجؤوا إلى إثارة الشغب والقيام بالمظاهرات بعد توقيف قائديها الرئيسيين، فترجم أصحاب القرار هذا الفتور بأنه نوع من التشجيع على مواصلة، وتكثيف الأعمال السرية التي يقوم بها (ق.إ.أ/DRS) لتفجير (ج.إ.إ/FIS) من الداخل بإذكاء عوامل الشقاق داخلها (بواسطة العملاء المغروسين في قيادتها) كالتقسيم بين دعاة "الجزأرة" (وطنيين)، والاتجاه "السلفي" (عالميين وأكثر محافظة) أو بين أنصار المشاركة في الانتخابات وأنصار المقاطعة أو المشاركة المشروطة بإطلاق سراح علي بن حاج وعباسي مدني وبالتوازي مع ذلك كله كانت مراهنة مخططينا قائمة على فكرة تشجيع الأحزاب الإسلامية الأخرى المعتدلة (كـ "حمس/MSP" للشيخ محفوظ نحناح الذي كان قد قاطع انتخابات جوان 1990 أو "النهضة" للشيخ عبد الله جاب الله) لإنقاص الأصوات من رصيد (ج.إ.إ/FIS) في حالة دخولها إلى الانتخابات المقررة في 26 ديسمبر.
سيد أحمد غزالي و الـ(ج.إ.إ/FIS)
اقتناعا من رئيس الحكومة الجديد سيد احمد غزالي (وهو بيدق بسيط في رقعة شطرنج أصحاب القرار من الجنرالات) بهذا التحليل الخاطئ لمصالح (ق.إ.أ/DRS) فقد كان متأكدا بأن حظوظ الـ (ج.إ.إ/FIS) بعد عمليات الإضعاف هذه لن تتجاوز في أحسن الأحوال نسبة 30 % من الأصوات وهو "الخط الأحمر" الذي كان قد رسمه له الجنرالات، ولهذا السبب قرر بدون شك صادقا، الالتزام بتنظيم انتخابات "نظيفة ونزيهة" في ديسمبر، ليتمكن بواسطتها من تجاوز الـ (ج.إ.إ/FIS) "ديمقراطيا"، ويبقي في نفس الوقت على الوضع كما هو ليمّكن النظام من المحافظة على مصالحه "العليا" في السلطة والمال والأعمال...!
ولبلوغ هذا الهدف (الذي من أجله عين رئيسا للوزراء" كما أكد ذلك") فقد اعتمد سيد احمد غزالي وأولياء نعمته (الجنرالات بلخير، نزار، توفيق، والعماري) على انفجار (ج.إ.إ/FIS) أثناء مؤتمرها الذي انعقد في باتنة يومي 25 و26 يوليو، لكن تيار الجزأرة بقيادة عبد القادر حشاني فرض نفسه بهذه المناسبة، وهو ما لا يخدم مصالح الجنرالات وقد أخلطت كل أوراقهم وشوشت على توقعاتهم، ذلك أن أقطاب الجزأرة أقل "قابلية" للاستخدام والاستغلال من المتطرفين السلفيين، وأكثر منهم حنكة واستعصاء على الترويض والإيقاع في الشراك.
وكهجوم مضاد على هذه النتيجة غير المتوقعة قام الجنرالات بتكليف رئيس الحكومة بشق الـ(ج.إ.إ/FIS)، وعلى هذا الأساس بدأ تنظيم ندوة وطنية في قصر الصنوبر (وهو مركب إقامة فخم مخصص للطبقة الحاكمة، يقع على شاطئ البحر من الناحية الغربية ويبعد بحوالي 20 كلم عن العاصمة) لتحضير الانتخابات، فجمع كل الأحزاب السياسية، وقد حرص على عدم دعوة (ج.إ.إ/FIS).
ثم قام رئيس الحكومة "الموجه" دائما من (ق.إ.أ/DRS) بإطلاق عمليتين متوازيتين تجاه الإسلاميين، واحدة علنية وأخرى سرية. فبعد توقيف عباسي وبن حاج، كلف أحمد مراني وسعيد قشي (القائدين السابقين المنشقين عن قادة (ج.إ.إ/FIS)، والمطرودين من الحزب أثناء مؤتمر باتنة) بالعمل طوال خريف 1991 على "استرجاع" المسؤولين والمناضلين الإسلاميين المناهضين لأطروحة الشيوخ كي يقوموا بحملة لصالح الدعوة إلى مشاركة جبهة ضعيفة في انتخابات 26 ديسمبر.
وفي سبتمبر قام الوزير الأول توازيا مع ذلك بإرسال مبعوثين مقترحين من إدارة المخابرات ألا وهما الهاشمي سحنوني وزبدة بن عزوز (المكنيين "بالشيخين الأعميين" لأنهما كانا ضريرين) والاثنان كانا من "عيوننا" داخل قيادة (ج.إ.إ/FIS) فأرسلا للقاء سعيد مخلوفي، وقد كان هذا الأخير ضابطا سابقا برتبة ملازم أوّل، يعمل في المحافظة السياسية للـ(ج.و.ش/ANP)، وهو كما سبق أن قلت، من مؤسسي (ج.إ.إ/FIS) وكان على خلاف مع عباسي مدني وعلي بن حاج، وقد اقترب من البويعليين القدامى لإعادة بعث (ح.إ.م/2MIA) في الخفاء من جديد، وكان بدون شك يجهل أن هذه الأخيرة مستخدمة من (ق.إ.أ/DRS).
فقد تم اللقاء في الشريعة على مرتفعات البليدة، بين مبعوثي سيد احمد غزالي وسعيد مخلوفي، ورغم أنه كان مطلوب القبض عليه من مصالح الأمن بصفة رسمية منذ شهر ماي، بسبب كتيبه "التخريبي " الذي دعا فيه الإسلاميين إلى العصيان المدني، فقد قدما له عرض سيد احمد غزالي بجعله رئيـسا للـ (ج.إ.إ/FIS) -طبعة جديدة- مطمئنين إياه، وضامنين له وضع كل الوسائل اللازمة تحت تصرفه، لتمويل هذا المشروع، وإخراجه إلى الوجود في أقرب الآجال الممكنة.
لقد كان تحت يد غزالي، حتى ذلك الحين، سبعة عشر عضوا "متمردا" في المجلس الشوري للـ(ج.إ.إ/FIS) حولتهم مصالح المخابرات إلى العمل في الاتجاه المعاكس، ووضعوهم رهن إشارته للانضمام إلى جبهة "طايوان" الجديدة (أي جبهة إسلامية مزورة على غرار صناعة طايوان المغشوشة المقلدة للصناعة الحقيقية، في البلدان المتقدمة في العالم) وتمكينها من المشاركة في الانتخابات "النظيفة والنزيهة" غير أن هذا الضابط المتمرس المتفرس مخلوفي يرفض العرض، بصراحة وصرامة وإباء وجفاء، وصل إلى حد الإعلان بأنه لولا خشية الله، لأمر رجاله بذبح ذينك المبعوثين الخاصين، زبدة، وسحنوني (هذه الأقوال التي لم يبلغ إلى علمي أنها أعلنت للعامة حتى هذه اللحظة، قد قيلت أمام أحد رجالي الحاضر في المحادثات) ثم بعد ذلك حـرر مخلوفي بيانا يدين فيه مناورات النظام، لاستهداف إفشال المشروع الإسلامي، وقد أرسله في نفس اليوم إلى اليومية العربية " المساء" التي نشرته في اليوم التالي. وكتعبير عن هذه الغصة الخانقة لرئيس الحكومة الذي لم يهضم هذا الفشل الذريع فصب جام غضبه على هذه اليومية التي أمر بمنعها من الصدور لمدة أسبوع كامل.!
إن رئيس الحكومة لم يدرك بأن الشعب يرفض هؤلاء القادة "الطايوانيين" المفروضين عليه بالتحايل والنفاق، وأنه مهما تكن طريقة الانتخاب سواء تحريف التقسيم الإداري للدوائر الانتخابية أو أي شكل آخر من أشكال التزوير والتلفيق، فإن الانتخاب إذا كان حرا فلا تكون نتائجه إلا في صالح الإسلاميين الصادقين في نظر الشعب! ويجب القول بأنه أثناء ذلك الخريف من سنة 1991، قد بلغت الحملة ضد (ج.إ.إ/FIS) أوجها، ففي سبتمبر قام الثنائي (العربي بلخير- إسماعيل العماري) بتنظيم جمعية لرؤساء الزوايا 54 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftn54) في نادي الصنوبر بهدف "كسر" شوكة (ج.إ.إ/FIS) وإضعاف مكانتها في قلوب الجماهير، والتقليل من سيطرتها عليهم، ورغم محاولاتي أنا والنقيب دحمان بن دحمان (مسؤول "متابعة" الصحافة الصادرة بالعربية في "م.ب.ت/SRA") لإخطار القيادة بعدم جدوى تلك المبادرة (وهي أشبه ما تكون بمن يحاول أن يعالج السرطان بقرص من الأسبيرين) إلا أن كل تلك المحاولات لم تجد آذانا صاغية لدى المسؤولين المعنيين، وكلفت النقيب حسين إذن بالاتصال بمدير الوكالة الوطنية الجزائرية للسياحة (لإعطاء) تذاكر عمرة مع الإقامة لمسؤولي الزوايا المؤثرين، قصد المساهمة في إنجاح مخطط النظام لحث مريديهم " والمسلمين" الآخرين على التصويت ضد (ج.إ.إ/FIS).
أمير سعودي في الجزائر بدعوة من (ق.إ.أ/drs)
إن مهزلة الزوايا هذه التي كانت محل تعاليق ضافية من الصحافة قد أتبعت لاحقا بأخرى أكثر غرابة وخيالية. ففي أكتوبر وجهت دعوة إلى الأمير محمد تركي الفيصل آل سعود أخي الملك فهد، عاهل المملكة العربية السعودية، ورئيس المصالح السرية للمملكة الوهابية، لإلقاء محاضرة في نادي الصنوبر؛ لقد حضرت هذا الحدث الذي كنت، بطلب من رؤسائي، منظمه الأساسي (وقد كان العديد من عناصر مصلحتي مبثوثين في كل أرجاء القاعة) إنه حدث مدهش بالقدر نفسه الذي يدهشنا أن نعلم بعد اثنتي عشرة سنة، من ذلك التاريخ بأن الأمير تركي ذاته سيتهم من مصالح أمريكية بأنه أحد ممولي تنظيم القاعدة !
لقد كان الأمير مدعوا بصفة رسمية من طرف الجمعية الشعبية للوحدة والعمل، وهي حزب سياسي مصنوع بأمرنا، وتحت رعايتنا، لتزيين الواجهة الديمقراطية، لكنها في الحقيقة كانت دعوة من المصالح بمبادرة من الجنرال العربي.
والقصة تعود إلى ما قبل ذلك ببضعة أشهر حيث كان الجنرال خالد نزار قد قام بزيارة إلى المملكة العربية السعودية، وأثناء مقابلة الملك فهد، لعب الجنرال على وتر تجاذب التأثير الدائر بين الإيرانيين والسعوديين، فشرح للملك السعودي الأخطار التي يمثلها التطرف الإسلامي، مؤكدا له بصفة خاصة انحياز (ج.إ.إ/fis) إلى صف العراق في حرب الخليج يناير 1991 (وهو ما يعني بالضرورة أنها ضد السعودية حليفة أمريكا التي وقفت إلى جانب الجارة الشقيقة الكويت).
وهكذا حصل نزار على الضمان من السعودية بتوقيف مساعداتها المالية للـ(ج.إ.إ/fis) ونقل هذه المساعدات لحساب حزب محفوظ نحناح (الذي أصبح يؤخذ بعد ذلك دائما على نفقة جمعيات البر والإحسان السعودية أثناء كل الزيارات التي كان يقوم بها إلى الخارج).
هذا هو الإطار -إذن- الذي تمت فيه دعوة الأمير السعودي من طرف (ق.إ.أ/drs) ليس – طبعا – بصفته رئيس المصالح الخاصة السعودية، ولكن بصفته الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، وهي مؤسسة تعمل على نشر الإسلام في العالم. واغتناما لفرصة وجوده في الجزائر، فقد دعاه الجنرال بلخير إلى الرئاسة وأقام له مأدبة عشاء على شرفه، وكل شيء كان منسقا ومنظما على أحسن ما يرام من طرف المصالح الجزائرية، فقد استغلت كما ينبغي تلك الفرصة التي تزامنت مع تدهور العلاقات بين السعوديين وقادة (ج.إ.إ/fis) الذين كانوا قد أدانوا تدنيس الجنود الأمريكيين للأراضي الإسلامية المقدسة، ووقفوا إلى جانب صدام حسين (ففي يناير 1991 ذهب علي بن حاج إلى العراق في حين قام عباسي مدني برحلة إلى إيران)
أثناء هذه المحاضرة كان الحضور مكونا بنسبة 95 % من إطارات (ق.إ.أ/drs) وقد صرح الأمير تركي بهذه المناسبة أن المملكة العربية السعودية قد أعطت سنة 1990 مليون دولار لحزب عباسي مدني عن طريق رابطة العالم الإسلامي. وفي اليوم التالي كان هذا "الإفشاء" على الصفحات الأولى للجرائد الجزائرية، وأخذت الأحزاب "الديمقراطية" والصحافة المناهضة للـ(ج.إ.إ/fis) تفرك أيديها فرحا وتشفيا : إنه الدليل على التمويل الخارجي الذي يعتبر بطبيعة الحال مخالفا للقانون! وكأن هذا كله لا يكفي حتى تقوم المصالح بإخراج مهزلة أخرى أكثر فضاحة، وهو قيام إحدى اليوميات الجزائرية الفرنكفونية بنشر نسخة لصك بقيمة مليون دولار أمريكي، زعماً بأنه هو الوسيلة التي تم تحويل المبلغ بواسطتها من السعوديين (وهو الأمر المختلق تماما والخيالي الذي لا يصدق على الإطلاق، زيادة عن أن هذه الصحيفة لم توفد أي صحفي عنها لتغطية المحاضرة، كما أن الأغرب من كل هذا وذاك، هو أن المحاضر لم يظهر أي صك للحاضرين في القاعة، وكلهم كانوا شهوداً على ذلك).!
فطبعا في عهد سيد احمد غزالي تقلصت مساحة هذه الصحافة الجديدة المدعاة "مستقلة" بعد أن كانت حرة نسبيا في عهد مولود حمروش:
فمنذ صيف 1991 أصبح الصحفيون محل تحرش رهيب وعجيب من طرف مصالح (ق.إ.أ/drs) التي كانت ترغمهم إما على التعاون معها، وإما التعرض لعقوبات قضائية أو إدارية، كتعليق الصدور، والتهديدات المختلفة، وهكذا ظهرت إلى الوجود فئة من "مرتزقة القلم" الذين افقدوا المصداقية لهذه النقابة، التي بقيت، مع ذلك تضم نساء ورجالا محترمين بصرامتهم، وجدهم، ونزاهتهم.
لقد تكفلت خلية على مستوى (م.ج.م/dce) بقيادة النقيب عز الدين عويس، ملحقة مباشرة بديوان العقيد إسماعيل العماري بإعداد التهديدات الكاذبة، لإجبار الصحفيين على التجند وراء النظام، بالتخويف وطرق التحرش المختلفة التي بدأوا يقعون ضحيتها، وقد كانت تلك التحرشات غاية في الانحراف: فمن ذلك مثلا توجيه رسائل تهديد "إسلامية" من صنع (ق.إ.أ/drs) أو مكالمات هاتفية مجهولة، بل حتى إرسال أكفان، وقطع من الصابون لتخويفهم بأن موتهم قد أصبح مبرمج من قبل الأصوليين. ولتأكيد هذه الدعاية يقوم (ق.إ.أ/drs) بترويج الشائعات، بأن "القائمة السوداء" التي تضم هؤلاء الأشخاص المقرر قتلهم، قد عثر عليها أثناء تفتيش مقر (ج.إ.إ/fis) بعد إلقاء القبض على عباسي مدني يوم 30 جوان!
وهذه الطرق طبقت كذلك مع رجال الشرطة، ورجال القضاء، والمثقفين، وحتى العسكر، بهدف تكوين "جبهة" معادية لـ (ج.إ.إ/fis) لأن من بين جميع الأحزاب السياسية الإسلامية كان هذا الأخير هو الوحيد الذي يحظى باهتمام خاص من الجنرالات ومصالح (ق.إ.أ/drs)، ويمثل هاجسهم الدائم وشغلهم الشاغل!
في الوقت الذي كانت "حمس/msp" (للشيخ محفوظ نحناح) و"النهضة" (للشيخ عبد الله جاب الله) في منجى من ذلك الاستهداف، وهذا التصرف المفضوح من أصحاب القرار تجاه هؤلاء الشيوخ "الضرار" ليس من أجل سواد عيونهم، أو حبا في " اعتدال " أو "رزانة " هذا الإسلامي دون ذاك (لأن كل الإسلاميين ملة واحدة في قرارة أنفس الأعداء) ولكن هذا الترجيح والتفضيل المؤقت، حتمته الضرورة المرحلية والمنهجية، لتفتيت وتشتيت صفوف الناخبين، وتوزيع أصواتهم اقتناعا من (أصحاب القرار) بأن في إضعاف الأقوياء والكبار، قوة للضعفاء والصغار!
تجهيزات لا سلكية للمقاومة الإسلامية
فيما كانت تتواصل مساومات سيد احمد غزالي مع (ج.إ.إ/fis) بقيادة احمد مراني وسعيد قشي على المستوى القانوني الظاهر وعلى المستوى الخفي بقيادة الشيخين الضريرين (بن عزوز زبدة وهاشمي سحنوني) كان العقيدان إسماعيل العماري وكمال عبد الرحمان مستمرين في وضع الأساس لإنشاء مقاومة إسلامية مسلحة في الجبال (توقعا لأي طارئ!) وتشهد على ذلك عملية في غاية الغرابة وقعت في سبتمبر 1991، وكنت على علاقة مباشرة بها، فقبل رفع حالة الحصار، تلقينا معلومات من أحد مصادرنا العاملة في بلدية القبة التابعة للـ(ج.إ.إ/fis) تفيد بأن حاوية مملوءة براديوات لا سلكية من نوع طالكي والكي وعتاد آخر مختلف، مودعة في أحد المخازن التابعة للبلدية المذكورة والموجودة في جسر قسنطينة (وهو حي في ضواحي العاصمة).
وبعد التأكد من صحة هذه المعلومات، وكنت مازلت وقتها بعين النعجة في إطار إدارة حالة الحصار، تم إعداد خطة تدخل بفصيل من رجال المغاوير، لحجز هذه التجهيزات والمعدات.
ولكن في الوقت الذي كنا قد بدأنا التحضيرات لإنجاز العملية، إذا بالعقيد إسماعيل العماري يطلب مني ألا أرسل لهذه العملية إلا عناصر من (م.ت.خ/gis) وبعض الضباط من (م.ب.ت/sra) الذي أشرف عليه، وقد بدا جليا أنه كان يريد أن يبقي الإشراف عن هذه العملية محصورا في(ق.إ.أ/drs).
يومان أو ثلاثة قبل رفع حالة الحصار (وقع يوم 24 سبتمبر) وحوالي الساعة الثامنة مساء كانت كل الاستعدادات قد تمت. المستودع كان عبارة عن حظيرة واسعة مستعملة لوضع العتاد وأدوات مصلحة الطرق التابعة لبلدية القبة، (اقتحم المكان بحوالي عشرين عنصرا من(م.ت.خ/gis) وحوالي عشرة ضباط من (م.ب.ت/sra) موزعين بين المراقبة والتفتيش، ولم يكن يوجد في المكان أحد، وبعد بضعة دقائق من التفتيش تم العثور على التجهيزات المخبر عنها وتتمثل في أجهزة إرسال واستقبال، وعتاد اتصالات، وطالكي والكي... تطلبت العملية حوالي نصف ساعة، حمل كل ذلك العتاد على شاحنة عسكرية،
وفي نهاية العملية التي أشرفت عليها شخصيا رفقة الرائدين: عمار ڤطوشي، وحمو بلويزة، تعجبت عندما لاحظت أن الشاحنة المحملة بالعتاد المحجوز، لم تتجه نحو عين النعجة، وإنما اتخذت طريقها نحو (م.ر.ع/cpo) ببن عكنون! وفي طريق عودتي إلى مقر (ق.ق.بر/cft) بعين النعجة، شرح لي الرائدان عمار وحمو اللذان رافقاني إلى هناك، بأن إسماعيل في انتظار الحمولة، ولكني كنت اجهل الاتجاه النهائي للشاحنة، إلا أن سائقي الذي كان حاضرا في عين المكان اخبرني بأن الشاحنة اتجهت بكل حمولتها بعد مرحلة بن عكنون إلى البليدة.
لحظتها ظننت أنها ذهبت إلى إدارة الإمداد، أو إدارة الاتصالات التابعة للناحية العسكرية الأولى، لكنني اليوم أستطيع أن أجزم بدون أن يساورني أي شك في ذلك، بأن كل تلك التجهيزات والمعدات قد أرسلت إلى المناطق المعدة لاستقبال المقاومة الإسلامية المسلحة، لتستعمل، كوسائل اتصالات، من طرف "إرهابيي" المستقبل! والدليل على ذلك أنه لم يؤمر بإجراء أي تحقيق مع مسؤولي (ج.إ.إ/fis) الذين قيل بأنهم قد استوردوا هذه التجهيزات، وهو أمر غير طبيعي (من المحتمل أن يكون الذين قاموا بهذا الاستيراد هم من رجال إسماعيل) ومن جهة أخرى فإن الصحافة لم تنبسببنت شفة حول هذا الموضوع، علما بأنه لو كانت القضية بالفعل من صنع إسلاميين حقيقيين فان "اكتشافا" من هذا النوع، وبهذا الحجم، كان سيتصدر جميع الأخبار والصفحات الأولى في الجرائد، خاصة وأن الصحافة "المستقلة" حينها كانت تترصد أي خبر أو حدث، مهما يكن صغيرا، إذا كان يتعلق بالإسلاميين ويتهمهم أو يسيء إليهم، لتبادر إلى الإعلان عنه والتشهير به في كل مكان، كما شاهدنا ذلك في عدة حالات مما سبق ذكره!
فمن الواضح – إذن – أن هذه العملية تدخل في إطار التحضير لتنظيم مقاومة مسلحة من صنع (ق.إ.أ/drs)، وهكذا وضمن هذا الإطار أيضا تم ترتيب عملية فرار مصطنعة لخمسة أو ستة ضباط صف عاملين في (م.ب.تق/cri) بالبليدة وفي (م.ع.ر.ب/cpmi) بالجزائر،(منهم محفوظ توات المدعو جمال، وفريد عشي اللذين سيصبحان نائبين لجمال زيتوني، سنة 1994، أنظر الفصل الثامن) للالتحاق بالمقاومة المسلحة المزورة للـ(ح.إ.م/2mia) التي كان يعدها الـ(م.ر.ع/cpo).وكانت المهمة المعهودة إليهم تتمثل في تشكيل خلايا كامنة، وتنظيم شبكات دعم واستخبارات تتكفل بالتموين، التسليح، الذخائر، العتاد اللاسلكي والاتصالات... كانت تتم بواسطة ضباط من (م.ر.ع/cpo) الذين كانوا يتكفلون بتعيين الأهداف، والإمداد "بالمجاهدين" الذين كانوا إما عملاء وإما إسلاميين حقيقيين متلاعب بهم لدفعهم إلى "الاستشهاد". (بعد الانقلاب العسكري في يناير 1992 تم تنظيم عمليات أخرى من الفرار "تحت الطلب" وإرسال أمواج جديدة من "الفارين" ما بين شهري يناير ومارس، وسأعود إلى هذه المسألة في الفصل السادس عند الحديث عن الطرق التي تستعملها هذه المجموعات المصنوعة من قبل "ق.إ.أ/drs")
قضية ڤـمـار
وبعد ذلك بقليل حدثت عملية أخرى أكثر خطورة، وهذه المرة تمت علانية، وعلى رؤوس الأشهاد، ففي آخر نوفمبر نشرت الصحافة أن يوم 29 قامت فرقة "كوماندوس" من الإسلاميين بمهاجمة ثكنة قمار، وهو مركز حراسة حدودي يقع في الجنوب الشرقي من البلاد، أسفر الهجوم عن قتل سبعة عسكريين من شبان الخدمة الوطنية. في الحين ألصقت العملية بـ(ج.إ.إ/fis) وأدينت بالإجماع من الصحافة ومن الأحزاب السياسية، ومن (ج.إ.إ/fis) نفسها التي قد تحدى رئيسها عبد القادر حشاني يومها في حديث متلفز الجنرال نزار أن يأتي بأي دليل يثبت تورط حزبه في هذه القضية!
وبالفعل لم يقدم أي دليل، ولن يقدم على الإطلاق وذلك لسبب بسيط يعود لأن هذه العملية كانت مخططة من طرف (ق.إ.أ/drs) التي استخدمت الإسلاميين المخترقين والموجهين الخاضعين لمقتضيات تطبيق "خطة نزار" التي وضعها في ديسمبر 1990، والتي كانت تستهدف بهذه العملية توريط الـ(ج.إ.إ/fis) بصفتها حزبا سياسيا! والذي عرفته حول هذه القضية فيما بعد من طرف أحد الضباط في يوليو 1995، هو أن المؤامرة برمتها رتبت أو دبرت بـ(م.ع.ب/cmi) بورڤلة (التابع للـ"م.م.أ.ج/dcsa" لكمال عبد الرحمان). وفي الحقيقة كان مقررا لهذه العملية أن تتم في نهاية ديسمبر ما بين دورتي الانتخابات، في حالة ما لو كانت (ج.إ.إ/fis) على وشك أن تحصل على الأغلبية في البرلمان، وهو ما كان سيمثل مبررا كافيا لتدخل الجيش حينئذ لتوقيف المسار الانتخابي.
غير أن الخطة الأولى كانت قد تغيرت كلية بفعل نفاد صبر مناضل الـ(ج.إ.إ/fis) المنقلب الذي عهدت إليه (ق.إ.أ/drs) القيام بهذا العمل الاستفزازي وهو عمار لزهر، أحد منتخبي (ج.إ.إ/fis) في (م.ش.ب/apc) للوادي. فبدون أن يتلقى أية تعليمة من ضابط الاستخبارات المشرف على توجيهه، وبعد أن لاحظ تردد عبد القادر حشاني زعيم (ج.إ.إ/fis) في إعلان مشاركة حزبه في الانتخابات التشريعية اتخذ عمار لزهر المبادرة بمشاركة مجموعة "أفغان" بقيادة عيسى مسعودي (المدعو الطيب الأفغاني) ومحمد دهان للقيام بتنفيذ العملية يوم 29 نوفمبر. ففي تلك الليلة قام حوالي عشرين من "الأفغان" من ضمنهم رئيس بلدية ڤمار ذاته، ورئيس المكتب المحلي للـ(ج.إ.إ/fis) عبد الحميد بغلي، بمهاجمة المركز الحدودي لقمار، وأخذ كمية معتبرة من الأسلحة والذخائر، دون أية صعوبة تذكر.
ولقد أكد لي حقيقة هذه العملية في خطوطها العريضة سنة 2001، ضابط منشق موجود حاليا في المنفى وهو النقيب أحمد شوشان (أنظر الفصل التالي) فحسب روايته كان توقيت هذه العملية مختلفا عن الموعد المحدد له من قبل، وقال بأنه علم وقتها بأن عملية ڤمار تندرج ضمن خطة تنفذ فيها خمس أو ست عمليات مماثلة كانت قد خططت لها (م.م.أ.ج/dcsa) لآخر نوفمبر، في حالة ما إذا أكدت (ج.إ.إ/fis) مشاركتها في الانتخابات وذلك بغرض تبرير إلغاء هذه الانتخابات أصلا قبل أن تحصل أساسا، إلا أن عبد القادر حشاني أفسد هذه الخطة بتضليله العسكر، وإيهامهم في نوفمبر بأن (ج.إ.إ/fis) لن تدخل الانتخابات، ومن ثمة ألغيت العمليات المقررة، ماعدا عملية ڤمار هذه، التي اتخذ المسؤول المحلي المبادرة من تلقاء نفسه بتنفيذها بسبب عدم تلقيه تعليمات واضحة من ضابط المخابرات المشرف على توجيهه!
ثم بعد ذلك فاجأ عبد القادر حشاني كل الناس بإعلانه يوم 14 نوفمبر مشاركة (ج.إ.إ/fis) في الانتخابات التي لم يكن يفصل إجراء الدور الأول منها سوى 12 يوما فقط!!
وعلى أي حال فإن قضية قمار قد استخدمها النظام كذريعة لتحميل (ج.إ.إ/fis) مسؤولية العملية، بحكم أن المسؤول عن العملية شخص منتخب ينتمي للحزب. كما استخدمها كذلك لإعطاء الإشارة إلى فرق المغاوير المظليين، للناحية العسكرية (بقيادة الجنرال عبد الحميد جوادي) ليهيء لتصفية الإسلاميين حيث أن كل المفترضين منفذين لهجوم ڤمار (وأيضا الكثير من الأبرياء) طوردوا وقتلوا (خلال حملة صيد حقيقية "للإسلاميين" دامت عدة أسابيع، قادتها وحدات المغاوير في ناحية الوادي.
استفزازات
في ليلة 23 أو 24 ديسمبر 1991 أي قبل يومين فقط من إجراء الدور الأول للانتخابات، غادرت سيارتان مدنيتان عاديتان من (م.ر.ع/cpo) بمركز عنتر ببن عكنون وعلى متن كل واحدة منهما، أربعة ضباط صف حوالي الساعة العاشرة ليلا للقيام "بدورية" في مناطق خطرة : برج الكيفان، الكاليتوس، العاشور... هذه الأحياء كانت معروفة بصفتها معاقل الإسلاميين الخطرين، إلا أن ذلك لم يمنع القيادة من إرسال هؤلاء العساكر الشبان إلى هذه المهالك بدون سلاح. وحوالي الساعة الواحدة صباحا في نواحي برج الكيفان، اقتربت سيارة مشبوهة تسير ببطء من السيارتين، وقبل أن يتمكن الشبان ضباط الصف من تفحص وجوه أصحاب السيارة المقتربة منهم، باغتهم أحد ركابها بإطلاق عيارين ناريين عليهم عن قرب. فأصاب أحد العساكر برصاصتين في الرأس، وقد كان من مصلحة التقصي للنقيب حسين، فتوفي بعد ذلك بقليل.(وما أذكره هو أنه من غيليزان ولكني نسيت اسمه)، فمثلما حدث في ڤمار، وحدث في بني مراد أياما قليلة قبل ذلك، عندما هوجمت ثكنة للدرك الوطني، فقد كان من بين أولى ضحايا القائمة الطويلة القاتمة للأموات الذين لفظوا أنفاسهم أثناء آداء مهامهم!
في اليوم التالي جمع العقيد إسماعيل العماري كل إطارات (م.ج.م/dce)و (م.ت.خ/gis) في مطعم مركز عنتر، من أجل تحسيسهم بخطر الأصولية الإسلامية التي لن يتردد أنصارها عن قتل العسكريين، بكل برودة دم كما قال، ولقد كان الهدف الواضح من ذلك الخطاب هو "تأليبنا" على الإسلاميين، وتحضيرنا للمواجهة في وقت لاحق. لقد كان الشعور الغالب حينئذ لدى الحاضرين هو السخط على رئيس الـ(م.ج.م/dce) الذي أرسل ضباط صف شبانا إلى الموت، في أحياء معروفة بالخطر الداهم، ولكن لم أكن وقتها قد تحققت بعد من استهتار رؤساء (ق.إ.أ/drs) بالأرواح البشرية التي ليس لها عندهم أية قيمة أمام الشيء الوحيد الذي يولونه اهتمامهم وهو " الأمر " الذي يريدون أن يفرضوه.
وعلى كل حال فابتداء من هذا الاجتماع غرس في أذهان العديد من الإطارات، مفهوم " تَقتُل أو تُقتَل " وهو الشعار المرفوع من قيادة (ق.إ.أ/drs) منذ ذلك الوقت، وما يزال قائما حتى هذه اللحظة!
23 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftnref23)) بغض النظر عن رفضهم، دخل المخطط بعد ذلك بحزم وعزم حيز التنفيذ من طرف نزار ورفقائه، وسنوات بعد ذلك، تبنى وبكل فخر الجنرال نزار هذا الفعل المشين بالعصيان وعدم الالتزام بالأوامر في مذكراته (منشورات الشهاب، الجزائر 1999)، إن كتابه المعنون أصلا بـ(Mémoire sur la situation dans le pays et point de vue de l Armée national) والذي يصفه بـ(démarche politique de type état-major) أعاد نشره من جديد في فرنسا وفي صورة مطابقة للأصل في جوان 2002 ، مدعوما بقضية القذف التي رفعها ضد الملازم السابق حبيب سوايدية:
( Ali HAROUN et alii, Algérie, arrêt du processus électoral , enjeux et démocratie, paris,2002,pp.131-149)
24 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftnref24))بعدها، وبتفحص أرشيف (ق.إ.أ/DRS) من 1991 إلى 1992، اكتشفت أن الرائد عبد الرحمان بن مرزوڤة كان مكلفا بالتحرير في مجلة تصدر لحساب حماس، وكان يتردد على مقرات هذا الحزب بالمدنية، وقد كان إلى حد ما بمثابة المستشار الخفي للشيخ محفوظ نحناح.
25 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftnref25) ) ويا للأسف، هو كذلك قد تم اغتياله في يناير 1994، بعد عملية اختطاف تبنتها كل من الـ (ج.إ.م/GIA) و(منظمة الشباب الجزائري الحر "م.ش.ج.ح/OJAL") وهي سرية موت كونها (ق.إ.أ/DRS) (أنظر الفصل السابع).
26 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftnref26)) هذا الأخير، عميل للجنرال توفيق، كان مدسوسا في داخل مجلس الشورى، هيئة قيادة (ج.إ.إ/FIS) كما كان يتوقعه المخطط التنفيذي للجنرال خالد نزار، ومقابل الخدمات المقدمة، قد استفاد أحمد مراني بفيلا في عين البنيان، على الشاطئ الغربي للجزائر العاصمة، وسيارة خدمة؛ وقد ظهر في جوان 1991، على شاشة التلفزيون مع بشير لفقيه والهاشمي سحنوني، لاستنكار ممارسات عباسي مدني وعلي بن حاج واتهامهما بإثارة الفتنة، وهي التصريحات التي اتخذها الجنرالات ذريعة لإلقاء القبض على زعماء (ج.إ.إFIS)؛ ثم عين أحمد مراني بعدها بشهر، مستشارا لدى رئيس الحكومة الجديدة سيد أحمد غزالي، وفي يناير 1996، كوفئ بحقيبة وزارة الشؤون الدينية في حكومة أحمد أويحي.
27 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftnref27))تسمية (طايوان) في العامية الجزائرية، تشير إلى كل المنتجات المزيفة أو المزورة، (سيارات طايوان)، هي في أغلب الأحيان سيارات مسروقة في أروبا، تموه ويتم إدخالها إلى الجزائر بأوراق مزورة، وتنشط هذه الشبكات بفضل الرشوة التي تنخر الجمارك الجزائرية والإدارة.
28 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftnref28) ) أعيد اعتماد "الحركة الإسلامية الجزائرية المسلحة" (ح.إ.ج/1MIA) في 1986
29 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftnref29) ) لقد شغل هؤلاء الضباط الثلاثة عدة مناصب هامة تحت أوامر بتشين: الرائد عبد الرحمان بن مرزوڤة عوض في مارس 1988 الرائد شفيق في منصب رئيس نيابة مديرية الأمن الداخلي، والرائد عبد القادر حداد شغل منصب رئيس (ق.م.ت/DCI)، وكان عمليا مساعدا لبتشين، والرائد محمود سوامي كان رئيسا لمصالح البحث.
30 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftnref30) ) تأكدت فعليا من وجود تلك الاتصالات سنة 1991 عن طريق الرائد عمار ڤطوشي (وكذلك من طرف عدة ضباط من مصلحة البحث الموضوعين تحت إمرتي والذين كانوا تابعين للرائد سوامي منذ سنة 1988-1989، قبل أن يلتحق بمنصب في روما، وكما ذكرت إذن فمنذ مارس 1991، استقرت (م.ب.ت/SRA) في مركز عنتر، حيث كان يوجد أصلا مقر (م.ر.ع/CPO) ومصلحة الشرطة القضائية؛ ولكون مكتبي محاذيا لمكتب الرائد عمار، وحتى وإن كانت تفصل بيننا حواجز مفروضة، فكانت لي عدة تبادلات مع هذا الأخير، بسبب المهام التكميلية التي كنا نقوم بها؛ حيث كانت (م.ب.ت/SRA) تتحكم في مصادر جمع المعلومات، في حين أن (م.ر.ع/CPO) يعمل بمقتضى أوامر (ق.إ.أ/DRS)؛ كما أكد هذه الاتصالات أيضا أحمد مراح، وهو ملازم سابق لبويعلي في كتابه "قضية بويعلي" نشر في الجزائر "لحساب المؤلف" في أفريل 2000
31 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftnref31)) وللمزيد من التوضيحات حول هذه الأحداث الأليمة، أدعو القارئ إلى الرجوع إلى "الدفتر الأسود"، لأكتوبر 1988 منشور من طرف الهيئة الوطنية المناهضة للتعذيب،(الهيئة الوطنية المناهضة للتعذيب، الدفتر الأسود لأكتوبر، موفم للنشر، الجزائر 1989)
32 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftnref32)) في بداية 1991، كان (م.ر.ع/CPO) ما يزال يفكر في اختيار تسمية (ح.إ.ج) الحركة الإسلامـية الجزائرية والتي يقابلها بالفرنسية (MIA) ومنه أدخلت تعديلات على تنظيم بويعلي في مخابر (ق.إ.أ/DRS) ليحول من (ح.إ.ج) (MIA) إلى (ح.إ.ج.م) الحركة الإسلامية الجزائرية المسلحة (MIAA)، كي يصبح في النهاية (MIA)، كذلك (ح.إ.م) الحركة الإسلامية المسلحة، حيث حول حرف A الفرنسي مما كان يرمز له في الأول وهو "الجزائر" إلى "المسلح" أي من(ح.إ.ج) إلى (ح.إ.م)، ولقد كَلف في حينها رئيس (ق.إ.أ/DRS)؛ أحمد مراح ونقيب من (ق.إ.أ/DRS) "طارق"، بنشر مقالات أسبوعية في جريدة "ألجيري أكتواليتي" لسان حال أصحاب القرار، تعيد ذكر مسار (ح.إ.ج) "لتحسيس" المواطنين "بالخطر الإسلامي" الذي كان يرتسم في الأفق، مصرين على وجود جناح جذري لهذه الحركة، بحجة زعمهم أنه جاهز للجوء إلى العمل المسلح في حالة فشل استراتيجية الوصول إلى السلطة عن طريق صناديق الاقتراع.
33 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftnref33)) ولهذا السبب فقد كنت منذ ذلك الوقت اعتبر أن عبد القادر شبوطي كان يعمل لحساب (ق.إ.أ/DRS)، وحتى وإن لم تكن لي علاقة مباشرة به، فإن ضباطا منشقين، من أمثال أحمد شوشان، (الذي لا يمكن لأحد أن يشك في مصداقيته)، أكدوا لي فيما بعد (2001-2002) بأن شبوطي ذاته لم "يعمل" أبدا لحساب المصالح عن قصد؛ وبما أنني كنت معنيا بمنح السيارات والبطاقات الرمادية لمسؤولي (ح.إ.ج/1MIA)، وكانت تحت يدي تقارير حول "المهام" الموكولة إلى (ح.إ.ج/1MIA)، والتي أعيدت هيكلتها فيما بعد لتصبح (ح.إ.م/2MIA)؛ لا أستطيع أن أجد إلا افتراضيين: إما أن عبد القادر شبوطي الذي لم ينتم قط إلى (ج.إ.إ/FIS) كحزب سياسي، كان يعرف جيدا كيف يخفي أوراقه ويتعاون في نفس الوقت بمحض إرادته "كأحمد مراح"، وإما أنه كان موجها من طرف الأمن العسكري من غير أن يدرك ذلك ظنا منه أنه يعمل من أجل القضية الإسلامية في حين أنه كان في حقيقة الأمر ينفذ تعليمات إسماعيل العماري.
34 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftnref34)) لقد أكد أحمد مراح إحدى عشرة سنة فيما بعد كيف تم توجيه وتحويل البويعليين من طرف (ق.إ.أ/DRS)، مباشرة بعد الحديث المتلفز الذي أجريته يوم 1 أوت 2001 في حصة "بلا حدود" للقناة العربية "الجزيرة"، حيث صرحت عن بعض المعلومات السابقة، قام مراح بدوره بإجراء حوار مع "كوتيديان دورون" في "20 أوت 2001" أين أكد أهم النقاط التي وردت في أقوالي، مع إعطاء تفاصيل لم يكن باستطاعتي تقديمها بسبب قصر وقت البرنامج، حيث قال:" لقد قام الـ(أ.ع/SM) فعلا بالتخطيط للإرهاب ولكن باستعمال الإسلاميين، بمن فيهم أنا نفسي منذ 1989 ، وذلك بهدف إعادة النظر في المسار الديمقراطي، وأذكر كدليل على ذلك عملية ڤمار في نوفمبر 1991 وبرمجة إطلاق سراح شبوطي، منصوري، ملياني وآخرين في 29 جويلية 1990، غداة الفوز الساحق الذي حققته (ج.إ.إ/FIS) في الانتخابات البلدية في 12 جوان 1990"وأضاف قائلا:" لقد كان سمراوي بحكم عمله بالولاية على علم، نتيجة حادث كان قد وقع لي مع رجال الشرطة أثناء قيامي بمهمة سنة 1991، حينما كنت منتدبا لدى الرائد عمار ڤطوشي؛ بأن رجلا من البويعليين خُص بسيارة من نوع رونو 9 رمادية تحمل رقم 06844-188-16 ، ثم بثانية مثيلتها تحمل رقم 04691-188-16، قبل أن يخص بواحدة أخرى مماثلة مسجلة في تيزي وزو باسمه الشخصي، بتاريخ 13 أكتوبر 1990 تحمل رقم 05637-184-15، وأدقق بأنه من أجل أن يتنازل لي عن السيارة مع بطاقتها التي تحمل اسمي تم استخدام مدينة تيزي وزو وذلك لعدم وجود الـ(ج.إ.إ/FIS) في مكاتب هذه الولاية التي كان أغلبيتها من (ت.م.ث.د/RCD) ومنه تتجنب كل مخاطرة لاكتشاف الأمر"؛ وعلما مني بطرق عمل (ق.إ.أ/DRS)، أستطيع أن أؤكد بأن الجنرالين توفيق وإسماعيل لم يكن بإمكانهما المخاطرة بالرد المباشر على تصريحاتي في قناة الجزيرة، فكلفا ناطقا باسمهما للقيام بذلك نيابة عنهما من أجل نزع مصداقيتي، أدى مراح ما عليه حسب طبخة (ق.إ.أ/DRS) المجربة، و المكونة من مزج للحقيقة (الاعتراف في خطوطه العريضة بالتوجيه والتحكم الذي كان يلعبه "ق.إ.أ/DRS") بالكذب ( خاصة فيما يتعلق بكوني قد خرجت من الجيش بسبب استدعائي للدخول إلى الجزائر وأن وشايتي بالجنرالات ما هي إلا نتيجة " حزني وخيبة أملي " حسبما يزعمون).
35 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftnref35)) لقد كان محفوظ نحناح (الذي أصبح زعيما لحزب إسلامي "معتدل" "حمس/MSP") عضوا فيها ؛ فالكل يعلم اليوم بأن محفوظ نحناح كان ممثل هذه الحركة في الجزائر، وقد استقبل على الأقل خمس أو ست مرات من طرف المسؤولين المحليين لهذه الحركة في ألمانيا (أثناء وجودي بها لمدة ثلاث سنوات)، والذين كانوا يتكفلون بإيوائه وتنظيم كل اجتماعاته وملتقياته.
36 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftnref36)) في جوان 1992، حينما كنت في مهمة ببشاور، أعلمني مسؤولو (جهاز الاستخبارات الباكستاني/ISI) أنهم يقيّمون عدد الجزائريين الذين مازالوا متواجدين في باكستان وأفغانستان بحوالي 2000 شخص.
3 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftnref37)7) حيث بإمكانهم التنقل إلى المملكة العربية السعودية في أي وقت من السنة بداعي أداء العمرة، عكس ما هو عليه بالنسبة للحج الذي تتطلب التحضيرات له جهدا أكبر كون فترة آدائه محدودة زمنيا كما يحتاج إلى جواز سفر خاص به.
38 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftnref38)) بالفعل، فبما أن الضابط الذي اختير كان ملزما بالتظاهر بأنه قد عزل من الجيش، فلم يكن بإمكانه ارتداء البزة العسكرية بالمرة، لكي لا يكشف أمره، وعند انتهاء مهمته يتم توظيفه في منصب مدني (مدير شركة عمومية، قنصل، والي ولاية ...) أين سيواصل تعامله بسرية مع المديرية العامة للاستخبارات.
39 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftnref39)) هذا على الأقل على مستوى (م.ج.م/DCE) ؛ ولكن الأمور ستسير بسرعة لتصبح هذه هي السياسة المتبعة كذلك من طرف الـ(م.م.أ.ج/DCSA).
40 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftnref40) ) في 1993، غير الحزب الشيوعي اسمه ليصبح "التحدي" والذي سيتحول مرة أخرى في سنة 1998 إلى الحركة الديمقراطية والاجتماعية.
40 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftnref40) ) في 1993، غير الحزب الشيوعي اسمه ليصبح "التحدي" والذي سيتحول مرة أخرى في سنة 1998 إلى الحركة الديمقراطية والاجتماعية.
41 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftnref41) ) منذ خريف 1990، كل صلاحيات البلديات (بالخصوص تلك التي تتعلق بالميزانيات الخاصة لمخطط الإنعاش والتطوير) تم سحبها منها وأعيدت إلى رؤساء الدوائر، الذين لم يكونوا منتخبين، بل معينين من طرف الإدارة. بعد ذلك في شهري فبراير ومارس 1991 بدأت تحريضات للقيام بإضرابات على مستوى مصالح البلديات والطرقات، ثم تبعه الاستفزاز وإثارة الجدال فيما يخص اللافتات المعلقة على واجهات البلديات، وطرد الإسلاميين من بعض المؤسسات، والقيام بتوقيفات تعسفية.
42 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftnref42) ) في ليلة 26 إلى 27 يناير 1980، حاولت فرقة مكونة من 50 رجلا مسلحا ومدربا من طرف الـ(أ.ع/SM) الاستيلاء على مدينة ڤفصة الواقعة في الجنوب الغربي التونسي ولكن المحاولة بائت بالفشل. وقد اتهمت تونس ليبيا بأنها كانت وراء تدبير هذا الهجوم، وعندما كشف أمر هذه العملية، اضطر الـ(أ.ع/SM) إلى التضحية ببعض مرؤوسيه من أجل الإيهام بأن العملية برمتها كانت عملا منعزلا ومن تدبير بعض ضباط الصف، كان من بينهم عبد الله قاسي المدعو "شكيب" وسمون بوعلام، وقد استفاد جميعهم من إحالة ذهبية على التقاعد (حيث حاز هذا الأخير على ملكية فندق الكتاني)، أما عبد الله قاسي فقد تحول إلى عالم الصفقات وسيلعب –وسأعود لهذا الموضوع- دور الوسيط والساعي التجاري لصالح إسماعيل العماري (أنظر الفصل السادس).
43 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftnref43) ) منذ أن بدأت حكومة حمروش بتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية في 1989، أصبحت الغرف التجارية من جديد محل اهتمام وموضع طمع لأنها كانت تمنح (الاعتمادات) التي لا يمكن بدونها القيام بأي مشروع اقتصادي وبالتالي الاستفادة من القروض البنكية.
44 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftnref44) ) حتى أن الجنرال توفيق قد صرح لقادة (ج.إ.إ/FIS) في حديثه معهم في أفريل سنة 1991، شرح بأنه يعول على نجاح الإسلاميين لمساعدته في التخلص من (ضباط صف "ف.ج.ف/DAF") ويمكن التأكد من صحة هذه الأقوال لدى عباسي مدني الذي ما يزال على قيد الحياة في الوقت الذي أكتب فيه هذه السطور.
45 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftnref45) ) إن هذه الهيئة (ق.إ.أ/DRS)، الملحقة بـ(م.م.أ.ج/DCSA) ستلعب دورا أساسيا في قمع واضطهاد الإسلاميين منذ يناير 1992 (أنظر الفصل السابع)
46 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftnref46) ) في 1994، روى لي ضابط من (م.م.أ.ج/DCSA) كيف أن هذا "الفرار" كان مرتبا من طرف (ق.إ.أ/DRS) بالتواطؤ مع صف-ضباط يعمل بمحكمة البليدة. وما لا أعلمه هو ما إذا كان الهدف من هذه العملية هو إستكمال التحقيق بتتبع الفارين، من أجل التعرف على المكان الذي يأوي المتفجرات التي تمت سرقتها من جيجل أم من أجل خدمة أغراض الجنرالات، وذلك باتخاذ قرار "إطلاق العنان" لمجموعة من الإرهابيين الخطرين، لجلب إسلاميين إلى داخل دوامة العنف التي ستتخذ فيما بعد ذريعة بأثر رجعي لتوقيف المسار الانتخابي؛ ولقد برهن لي سير الأحداث فيما بعد -خصوصا ما آل إليه نور الدين صديقي (أنظر الفصل السادس) بأن الأطروحة الثانية هي الأرجح.
47 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftnref47) ) اسم أطلق على تحالف لم يعمر جمع سبعة أحزاب سياسية صغيرة: (ح.د.ج/MDA) لأحمد بن بلة، (ت.م.ث.د/RCD) لسعيد سعدي، (ح.إ.د/PSD) لحميد خوجة، (ح.ت.ج/PRA) لنور الدين بوكروح، (النهضة) لعبد الله جاب الله، (ح.ع/PT) للويزة حنون، (إ.ق.ش/UFP) لرشيد بوعبدالله، والتحق بهم فيما بعد (ح.ج.ع.ت/MAJD) لقاصدي مرباح ومن ثمة كان اسم 7+1
48 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftnref48) ) لقد تم توزيع مجموعة صغيرة من النسخ، وبصفة خاصة فإن رأي الأغلبية هو الذي صنع الصدى عن نشر هذا الكتيب، لدرجة أنني شخصيا كنت استبعد فكرة وجوده، إلى حد الوقت الذي قدمت إلي نسخة من طرف خالد بوشمال رئيس بلدية رايس حميدو التابعة (ج.إ.إ/FIS) وكان ذلك في أفريل 1991. إن فكرة "العصيان المدني" تم الحديث عنها أول مرة في فبراير 1991 من طرف بعض الإسلاميين ولم يتحمس لها عباسي مدني. بل وأنه سيرفض صراحة نص مخلوفي.
49 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftnref49) ) كما كلن يقال كذلك تلميحا لإقامة دولة إسلامية "لا إله إلا الله، عليها نحيا، وعليها نموت، وفي سبيلها نجاهد، وعليها نلقى الله"
50 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftnref50) ) مسمار جحا: حسب الرواية الشعبية فإن جحا – وهو رجل يمتاز بالذكاء والخبث – باع ذات مرة منزله وقبل ذلك وضع مسمارا في وسط الدار، وحسب عقد البيع فإن المسمار يبقى ملكا له وهذا كان يعطيه الحق في الدخول إلى البيت متى شاء، والعبرة هي أنه حتى وإن اشترى المالك الجديد كل البيت فإنه لا يستطيع التمتع به كليا. و في السياق السياسي لسنة 1991 كان الرئيس الشاذلي بن جديد مستعدا لترك السلطة للإسلاميين شريطة أن يبقى رئيسا للجمهورية، ومنه أتى "تشدد" الإسلاميين الذي كان يدل صراحة على اشتراط رحيل الشاذلي للتمتع بكامل الحرية في التصرف في الحكم.
51 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftnref51) ) سيحل محل الرائد محمد بن عبد الله الذي سافر في مهمة إلى كامبوديا على رأس أول وحدة جزائرية للقبعات الزرق.
52 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftnref52) ) في 15 يوليو 1992، صدر حكم ضدهما من المحكمة العسكرية بالبليدة يقضي بـ 12 سنة سجن نافذة لكل واحد منهما بتهمة "ارتكاب جرائم ضد أمن الدولة" و"المساس بالاقتصاد الوطني" (حيث اتهما بالتحريض على الإضراب وقيادته وهو ما نعت "بالعصيان المدني"). سيتم إطلاق سراح عباسي مدني يوم 15 يوليو 1997 ليوضع مباشرة تحت الإقامة الجبرية؛ أما علي بن حاج فسيبقى في السجن حتى نفاذ الحكم. وسيتم الإفراج عنهما نهائيا يوم 03 يوليو 2003.
53 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftnref53)) فيما يخصني، فإني لم أكن موافقا على هذا التحليل ولهذا السبب كنت ضد إقامة الانتخابات التشريعية: وقد قمت في الشهور الموالية بإعداد العديد من التقارير في هذا الاتجاه، محذرا القيادة العسكرية –سواء (ق.إ.أ/DRS) أو قيادة أركان (ج.و.ش/ANP) – من احتمال حصول اللإسلاميين على فوز كاسح.
54 (http://www.anp.org/cds/chronique2.htm#_ftnref54) إبان فترة الاحتلال شجعت فرنسا إقامة هذا المجلس من رجال الزوايا لمزاحمة جمعية العلماء المسلمين، التي وجدها المستعمر قريبة جدا من الأطروحات الوطنية. وبعدما استنكرت (ج.ت.و/FLN) الزوايا أثناء الثورة، فقد تغاضى عنها النظام بعد الاستقلال.
يتبع:811:
"الجماعات الإسلامية للجيش"
والعشرية الحمراء
1992 الينايريون يطلقون العنف الإسلامي
في ليلة 27 ديسمبر 1991 ظهر الجنرال العربي بلخير وزير الداخلية 55 (http://www.bilahoudoud.net/#_ftn55) شاحب الوجه خائر القوى، وهو يعلن نتائج الدور الأول للانتخابات التشريعية. لقد عم الانشداه والذهول الأوساط العليا ذلك أنه وللمرة الثانية يفشل مخطط (ق.إ.أ/DRS) كونه صمّم وراء مكتب دون مراعات للظروف الحقيقية التي يعيشها أفراد الشعب الجزائري.
فحتى لو انخفضت نتائج الانتخابات هذه المرة بشكل محسوس مقارنة بالانتخابات المحلية لسنة 1990 فإن (ج.إ.إ/FIS) خرجت منتصرة من الدور الأول، الذي سجلت خلاله نسبة عدم مشاركة عالية (41 % من المسجلين) 56 (http://www.bilahoudoud.net/#_ftn56)، ورغم وجود قانون انتخابات وتقسيم إداري للدوائر الانتخابية موضوع على المقاس، فإن (ج.ت.و/FLN) قد تراجعت وتفوقت عليها حتى (ج.ق.إ/FFS) لحسين آيت أحمد (وهذا بسبب غرابة ذلك التقسيم الشاذ للدوائر الانتخابية، فبالرغم من حصول (ج.ت.و/FLN) على ثلاثة أضعاف ما تحصلت عليه (ج.ق.إ/FFS) من أصوات فإنها حصلت على مقاعد أقل منه في البرلمان)، لقد كانت استقراءاتنا على أساس هذه النتائج، وكذا فوز نسبة من المترشحين الباقين في الحلبة للدور الثاني، تؤشر إلى أننا كنا نتوجه نحو تكوين برلمان ذي أغلبية مسيطرة للـ(ج.إ.إ/FIS) بنسبة 75 %.
إنها فرضية قرر الجنرالات استحالة حدوثها أبدا، مع أنهم يعلمون أن رئيس الجمهورية يملك الصلاحيات الدستورية لحل البرلمان، وطلب استشارات جديدة ولكنهم رفضوا بعناد، أن يدفعوا ثمن المرحلة الانتقالية ولم يريدوا أن يكرروا التجربة ثانية، لأن الرئيس الشاذلي بن جديد قد أثبت أنه داهية وخاصة أنه أدرك أخيرا أن قسما معتبرا من الشعب اختار (ج.إ.إ/FIS) ولا يستطيع "تغيير الشعب". 57 (http://www.bilahoudoud.net/#_ftn57)
أنـقـذوا الديـمقـراطيـة "
لقد كلفني العقيد إسماعيل العماري ابتداء من 28 ديسمبر أن أقوم بدورة على الأحزاب "الصديقة" وكذلك السلطات الإدارية والقضائية بغاية تقويم الوضعية، وإمكانيات احتمال إلغاء الاقتراع، وأمرني بعدم المشاركة في "لجنة الانتخابات" 58 (http://www.bilahoudoud.net/#_ftn58) التي كنت عضوا فيها بصفتي ممثلا عن الجيش، والتي تحضر للدور الثاني للانتخاب، وهو ما يتضمن بداهة أن ذلك لن يتم !
لقد بين لنا رئيس (م.ج.م/DCE) بأن الجنرال توفيق شخصيا، وكذلك وزير الدفاع الوطني خالد نزار كانا يشاركان في إجراء الاتصال بـ "المجتمع المدني" وأنهما كانا يعتزمان تكليف ضباط آخرين من (ق.إ.أ/DRS) بربط الاتصال مع عبد الحق بن حمودة رئيس (إ.ع.ع.ج/UGTA) (النقابة القوية التابعة لـ"ج.ت.و/FLN " والتي تخدم مصالح النظام) ومع ممثلي مختلف الجمعيات، والصحافة وكذلك أحزاب سياسية أخرى، وذلك بغاية الاطلاع على الآراء لمعرفة كيفية التعاطي مع الوضع الجديد. إن تعبئة وتجنيد "المجتمع المدني" أصبح ضرورة مطلقة، الخلل الوحيد في هذا المشهد الذي يتكون حصريا من الشخصيات والمنظمات التي كنا نعلم أن أصحابها من المتشيعين نسبيا لأصحاب القرار! هو موقف زعيم (ج.ق.إ/FFS) حسين آيت احمد الذي كان يناصر صراحة مواصلة المسيرة الانتخابية ويرفض كل مساومة، كما أن (ج.ت.و/FLN) كذلك كان منقسما وأن جناح الأمين العام عبد الحميد مهري (وهو صهر الرئيس الشاذلي بن جديد) كان بعيدا عن أن يدين بالولاء للجنرالات، كما لم يكن مستعدا أيضا لمسايرتهم في "تمحلهم".
لقد قمت برفقة الرائد عمار ڤطوشي بزيارة عبد الرحمان مزيان الشريف والي ولاية الجزائر، وكذلك الأمين العام لوزارة العدل، ومسؤولي الأحزاب كالشيخ محفوظ نحناح (حمس/MSP) ومحمد عباس علالو (ج.ش.و.ع/APUA) وعبد القادر بلهاي (ت.و.ج/RNA)، ومن التناقض حقا أن نجد رؤساء الأحزاب هؤلاء أكثر إلحاحا وتحمسا لإلغاء الانتخابات من "الرسميين"، في حين أن التزوير والتخويف لم يؤثر إلا بشكل ضئيل جدا، في نتائج الدور الأول 59 (http://www.bilahoudoud.net/#_ftn59) (وموقعنا حينئذ كان يسمح لنا بمعرفة ذلك أكثر من غيرنا).
في 27 ديسمبر استقبل الرئيس الشاذلي بن جديد عبد القادر حشاني في مقر رئاسة الجمهورية ليثبت له رغبته في احترام الاختيار الشعبي، مؤكدا له من جديد قبوله " التعايش " مع الحكومة التي سيسفر عنها الصندوق وتُجسد الإرادة الشعبية، فكان رد فعل الجنرالات خالد نزار، العربي بلخير، محمد العماري، هو عقد اجتماعين سريين لقيادة الجيش في يومي 28 و30 في مقر (ق.ق.بر/CFT) في عين النعجة، حيث حضرهما كل الضباط السامين للـ(ج.و.ش/ANP)، (و.د.و/MDN)، وقيادة الأركان العامة، وهو ما يقارب الخمسين فردا، وقد دعا رؤساء الجيش، هؤلاء المشاركين بإلحاح في الاجتماع إلى التوقيع (والتوقيع من قبل معاونيهم) على نص يطالبون فيه "خلع رئيس الجمهورية الذي يحاول بسياسته المورطة أن يبعث بضباط (ج.و.ش/ANP) إلى المشنقة ".
وقد احطت علما بهذه "العريضة" الغريبة من العقيد صادق وفضيل الشريف يوم 4 يناير وقد كانت مؤرخة في 29 ديسمبر، وتتضمن ما خلاصته أن "(ج.و.ش/ANP) الوفي لواجبه و لرسالته، يلتزم بالحفاظ والدفاع على الطابع الجمهوري للدولة الجزائرية طبقا للدستور، و مواجهتا لإنحراف رئيس الجمهورية، يلتزم الاضطلاع بكل مسؤولياته، وسيعارض بكل الوسائل إقامة "دولة إسلامية" لقد علمت أن العريضة قدمت لكل الضباط "الموثوق فيهم" وأغلبيتهم من الفرنكفونيين (المتعلمين باللغة الفرنسية والمدافعين عنها) حتى أن هذه العريضة قد حررت باللغة الفرنسية وحدها،وقد كان قادة الجيوش – إمعانا في الاحتياط –يختلون بمرؤوسيهم من الضباط السامينويشرحون لهم الوضعية، ويسجلون ردود فعلهم وعندما يحسون بتقبلهم الفكرة يطلبون منهم حينها التوقيع على العريضة.!
ولقد كان وزير الداخلية الجنرال العربي بلخير هو قائد كل هذه المناورة والمؤامرة، ولكنه لم يكن يستطيع أن يتراجع عن حكمه ويناقض نفسه، وهو الذي كان قد صرح علانية بأن الانتخابات قد جرت في الشفافية والنزاهة، كما أنه لا يستطيع أن يلغي نتائجها بسبب احتجاجات الأحزاب الأخرى التي كانت في انتظار الدور الثاني، ولذلك لم يكن أمامه بد من أن يوجد ذريعة أخرى لإلغاء المسار الانتخابي!
وفي هذه الظروف بدأ العمل على قدم وساق، وانطلقت حملة تسميم لم يسبق لها مثيل، فبأمر من الجنرال توفيق كلف ضباط (ق.إ.أ/DRS) بمن فيهم ضباط مصلحتي (م.ب.ت/SRA) وعملاءهم، بالقيام بنشر وترويج سلسلة من الإشاعات، تدور كلها حول موضوع واحد، وهو أن حزب الـ(ج.إ.إ/FIS) سوف يستخدم الديمقراطية للوصول إلى السلطة من أجل إقامة دولة إسلامية، وفرض تطبيق الشريعة الإسلامية! ودعاية أبواقهم الإعلامية كانت تساعد على نشر هذه الإشاعات وسارت بها صُعدا حتى وصلت إلى أن تنسب إلى (ج.إ.إ/FIS) عزمه على إقامة دولة مماثلة لنظام الملالي "الديكتاتوري" في إيران حيث لا توجد للمرأة أية حقوق(...)
وقامت الصحافة الفرنكوفونية بتشويه متعمد لأقوال قادة (ج.إ.إ/FIS) وخاصة تصريحات كل من عبد القادر حشاني، رابح كبير، ومحمد السعيد، وذلك بهدف إقلاق وتخويف الرأي العام، وإنذاره بالخطر، مدعية أن الإسلاميين عازمون على "طرد النخب المتعلمة بالفرنسية، وتعويضهم بالسودانيين والإيرانيين" كما شوهوا كذلك، وعن قصد، أقوال محمد السعيد، وقولوه ما لم يقل أبدا، وهو "وجوب تهيئ الجزائريين لتغيير طريقة معيشتهم، وتبديل التقاليد المتعلقة بلباسهم وغذائهم..."
وتواصلت حملة أخرى من الدعاية في اتجاه الحكومة الفرنسية (وقد كانت بدأت منذ سنة تقريبا مع صدور قانون اللغة العربية في يناير 1991) لإشعارها بخطر نزوح مزعوم واسع النطاق للجزائريين إلى فرنسا هروبا من الديكتاتورية الأصولية في حالة قيام نظام إسلامي مناهض للمصالح الثقافية (وخاصة اللغوية) الفرنسية في الجزائر، والذي سيكون له انعكاس وتأثير مباشر في نقل العدوى إلى البلدان المغاربية الأخرى كتونس والمغرب، وسيزعزع الاستقرار فيهما كما ستغرق هي الأخرى في الأصولية، وهو ما يهدد المصالح الاستراتيجية الغربية (والفرنسية تخصيصا) بخطر الزوال من المنطقة!
وقد استمرت التعبئة ضد (ج.إ.إ/FIS) على جبهات أخرى كذلك في هذه الأيام الحاسمة، ففي 28 ديسمبر أمر (ق.إ.أ/DRS) عبد الحق بن حمودة بتجنيد (إ.ع.ع.ج/UGTA)، للعمل على سد الطريق أمام الإسلاميين، 60 (http://www.bilahoudoud.net/#_ftn60) وفي 29 عقد هذا الأخير اجتماعا في مقر النقابة مع ممثلي مختلف الجمعيات، انتهى الاجتماع بتعيين عبد الحفيظ سنحدري، الذي كان يمثل إطارات الإدارة العمومية "كمنسق" لما سيعرف لاحقا بـ "اللجنة الوطنية لإنقاذ الجزائر(ل.و.إ.ج/CNSA)" التي أسست رسميا في اليوم التالي، أي في 30 ديسمبر، وستلتحق به مجموعة من الجمعيات والشخصيات من "المجتمع المدني " من بينهم المناضلة النسوية خليدة مسعودي.
لقد كونت هذه الجبهة "المناهضة للأصولية " من طرف السلطة بسرعة لم يسبق لها مثيل، وفي اليوم ذاته أي في 30 ديسمبر وجهت اللجنة الوطنية لإنقاذ الجزائر (ل.و.إ.ج/CNSA) نداء "أنقذوا الديمقراطية " وسدوا الطريق أمام (ج.إ.إ/FIS) بمنع إجراء إلى الدور الثاني" وبدون خشية الوقوع في التناقض، نادوا كذلك بالمشاركة في المظاهرات التي قررت (ج.ق.إ/FFS) القيام بها في العاصمة يوم الخميس 2 يناير 1992 (في حين أن الهدف المعلن بجلاء لهذه المظاهرات كان تحسيس وتعبئة الديمقراطيين الحقيقيين كي يدعموا مبدأ الذهاب إلى الدور الثاني، وفي الوقت ذاته يستنهضون همم الممتنعين عن الانتخاب في الدور الأول كي يشاركوا بكثافة في الدور الثاني للتصويت ضد (ج.إ.إ/FIS). 61 (http://www.bilahoudoud.net/#_ftn61)
وفي الأول من يناير قام عبد الحق بن حمودة وسنحدري بتقديم عرض حال للجنرال توفيق عن مساعيهما، وبنصيحة من هذا الأخير وتوجيه منه تم استقبالهما في (و.د.و/MDN) من طرف الجنرالين خالد نزار وبن عباس غزيل، اللذين كلفهما بالتحدث إلى مسؤولي (ج.ت.و/FLN) و(ج.ق.إ/FFS) لسبر نواياهم ومحاولة ثنيهم عن موقف المطالبة بالمرور إلى الدور الثاني، وفي الوقت ذاته التقى خالد نزار بحسين آيت احمد رئيس (ج.ق.إ/FFS) وأعطاه ضمانا لمواصلة المسار الانتخابي على أساس أن الجيش لن يتدخل.
وكل هذا لم يكن في الواقع إلا "تمويها" وتضليلا، وإلهاء... ذلك أن الحقيقة هي أنه في ثاني يوم من إتمام الدور الأول كان الأمر بإلغاء الدور الثاني قد اتخذ، ومبادرتهم في الإسراع إلى تأسيس (ل.و.إ.ج/CNSA) كان بهدف استخدامها كذريعة لوضع هذا القرار حيز التنفيذ بحجة ضرورة "الاستجابة لنداء المجتمع المدني قصد الحفاظ على الأسس الجمهورية للدولة المهددة من قبل الإسلاميين"!!
إجـراءات تمهـيـديـة
يوم الأربعاء أول يناير 1992 على الساعة الثانية بعد الظهر ناداني العقيد إسماعيل العماري ليطلب مني أن أذهب في الحين إلى الجنرال محمد العماري، وأضع نفسي تحت تصرفه على غرار ما حصل قبل ذلك في جوان 1991. وقد أخبرني، ولأول مرة بأن حلا "على الطريقة التركية" يجري تحضيره (مؤكدا ما ملخصه أن الجيش سيتكفل مباشرة بمشاكل الوطن ليضع حدا للفوضى الناجمة عن الديمقراطية) وريثما عرجت على البيت لارتداء البزة العسكرية ووصلت إلى (و.د.و/MDN) على الساعة الثانية، كان الاجتماع على وشك الانفضاض، ودخلت بالضبط في اللحظة التي كان الجنرال العماري يحيي فيها الجنرال عبد المالك ڤنايزية رئيس الأركان العامة للجيش الذي غادر الاجتماع.
الجنرال محمد العماري الذي كان في حالة استرخاء ومبتسما قد طلب مني أن أتصل بالعقيد إبراهيم فضيل الشريف بمقر (ق.ق.بر/CFT) بعين النعجة، مضيفا قوله بنبرة فاكهة "اغتنم عطلة نهاية الأسبوع مع العائلة، واحرص على أن لا ينقصها أي شيء، لأنه ابتداء من يوم السبت ستستأنف "الأعمال" إنها مهمة في غاية السرية، واحضر معك كل ملفاتك، وحوالي خمسة عشر ضابطا ممن عندك فيهم ثقة تامة للقيام بهذه المهمة التي يتوقف عليها مستقبل الوطن".
لقد استنتجت في الحين أن الأمر يتعلق بتحضير انقلاب عسكري ضد الرئيس الشاذلي بن جديد، وهو بالضبط ما كنت قد استشعرته بيومين من قبل، وفي الوقت الذي أخذت المعلومات تتأكد لدي بعزل الرئيس الشاذلي، اتخذت المبادرة (وكذلك المخاطرة) بالذهاب إلى البليدة لإخطار العقيد مالك بن جديد أخي الرئيس، ونائب قائد الناحية العسكرية الأولى، بالمؤامرة التي تحاك في الخفاء!
فقد استقبلني كعادته مغتبطا ومازحا متظاهرا بتجاهله التام لما كان يدبر يومها قائلا لي :" ما رأيك في الانتخابات؟ ما هي وجهة نظرك حول التعايش السياسي بين الرئيس وحكومة الأغلبية الجديدة ؟" فأجبته بصوت خفيض:" إن الأهم في الساعة الراهنة ليس الانتخابات ولا التعايش فنحن العسكريين نحترم الدستور، ونضع أنفسنا في خدمة الجزائر مهما يكن الرئيس، أو الحزب الموجود في السلطة، أنا موجود هنا بصفتي مخلصا ومواليا، وكذلك بصفتي شَرْعَويا، أكثر مما أنا صديق: يوجد تآمر ضد رئيس الجمهورية، وقد أتيت للقيام بواجبي لأحذرك من المؤامرة التي بدأت ترتسم معالمها في الأفق، لأنك أخو الرئيس، وبعد دقيقة كاملة من الوجوم بدالي فيها أنه فوجئ بالخبر قال لي:" كيف علمت بكل هذا؟" قلت:" الجنرالات الذين يحرضون الجيش على التمرد، اجتماعان مغلقان مخصصان "للسياسة" عقدا في عين النعجة، تمرير عريضة على الضباط السامين تطالب الرئيس بالتنحي.. ألا يكفيك هذا كله!؟" ثم أضفت: " أنا ضابط في الـ(أ.ع/SM) وعملي هو جمع المعلومات الهامة، وزيادة على ذلك فبصفتي عضوا في اللجنة المكلفة بتحضير الدور الثاني للانتخابات، تلقيت الأمر بعدم المشاركة!
فإذا لم يشارك ممثل (ج.و.ش/ANP)، ألا يعني هذا بالضرورة أن الدور الثاني لن يتم!! أحذر إذن!! إن الجنرالات هم الآن بصدد تدبير انقلاب خفي، وها أنا قد أعلمتك بذلك"
ولما أقنعته أسر لي قائلا:" الآن عرفت لماذا لم يعد الجنرال توفيق يرد على مكالماتي الهاتفية! ولا يكلف نفسه حتى الاتصال بي، وهو الذي كان يسارع إلى ذلك من قبل!" ثم أضاف قوله:" على كل حال الرئيس اتخذ قرارا بعزل الجنرالين محمد مدين "توفيق" وخالد نزار في الأيام القليلة القادمة، وسيعوضان على التوالي بـ كمال لحرش (وهو ضابط قديم في المصالح، مدير سابق في الـ(مديرية العلاقات الخارجية) (م.ع.خ/DRE) ومدير سابق في (م.ع.أ.و/DGSN)، (والذي كان حينها بدون وظيفة) والذيب مخلوف (الجنرال الذي كان يقود الحرس الجمهوري). إن نتيجة الأحداث ستبين إلى أي درجة كان الرئيس يوهم نفسه بسلطته "السرابية" التي كان يحسبها ماءا قبل أن تصدمه الحقيقة عند ورودها بعد أيام قلائل فقط!!
لقد تمتعت – إذن– بيومي "راحة" منذ يوليو1990 وهما يوما 2 و3 يناير، فاغتنمتهما للذهاب إلى وهران برفقة مروان ثابتي الأمين العام للاتحادية الجزائرية للعب الشطرنج لحضور تسليم الجائزة للبطل الجزائري الهواري مسلم 62 (http://www.bilahoudoud.net/#_ftn62)، إن الكثير من الناس في مصلحتي لم يفهموا كيف يستفيد مسؤولوهم من "فترة راحة" بينما هم في حالة تأهب قصوى، وبالضبط في ذلك اليوم كان حزب (ج.ق.إ/FFS) لحسين آيت احمد يقوم بمظاهرة كبرى في العاصمة جند لها ما يناهز 800000 شخصا رافعين شعارا واحدا هو "لا دولة أصولية ولا دولة بوليسية"!!
يوم السبت 4 يناير تبدأ أيام "العزلة" بالنسبة إلينا، لقد كنت في (ق.ق.بر/CFT) بعين النعجة بصفتي مسؤولا عن خلية الاستخبارات بـ (م.ق.ع/PCO) مكلفا بجمع المعلومات الواردة من ثلاث مصالح للأمن : (ق.إ.أ/DRS) و(م.ع.أ.و/DGSN) والدرك الوطني، وعندما ضبطت كل المسائل يوم 5 يناير تلقيت الأمر من العقيد إسماعيل العماري أن أبلغ نسخة من تقاريري إلى خلية التحليل والتوثيق (خ.ت.ت/CAD) الموجودة في مقر (ق.إ.أ/DRS) بدالي إبراهيم، هذه المؤسسة الجديدة الموضوعة تحت سلطة الرائد بلعيد بن علي المدعو عليلي(مسؤول مكتب التقويم والتلخيص، وهو البطاقية المركزية لـ" ق.إ.أ/DRS") التي كانت قد أنشئت لتوها، للاشراف على إدارة حالة الطوارئ التي كانت ستعلن بعد شهر من ذلك التاريخ، ولكن كذلك لحماية المصادر الهامة لـ (ق.إ.أ/DRS) والقيام بعمليات من وراء علم وحدات (ج.و.ش/ANP) ثم بعد ذلك تلقيت شخصيا أوامر بألا أحول إلى قيادة الأركان التقارير التي يكون عناصرنا متورطين فيها(إسلاميون منقلبون، أو ضباط صف " ق.إ.أ/DRS " التحقوا بالجبال متظاهرين بالهروب من الجيش...)
وكانت الأسباب المقدمة حينئذ هي : حماية المصادر، الفصل بين المصالح، ولكن أيضا، قلة ثقة رؤسائنا تجاه بعض العسكريين الذين يشاركون في عملية مكافحة الأصولية!
وزيادة على خلية الاستخبارات، فقد كانت كل التحضيرات جارية، فالرائد رضوان صاري، رئيس مصلحة الإعلام الآلي للجيش قد ركّب حواسيبه ليسهل علينا تسيير واستغلال المعطيات والبطاقيات.
وفي نفس الوقت كانت هناك وحدات محمولة جوا قد حطت رحالها في عين النعجة، ووحدات مدرعات (بدعوى حماية العاصمة) أوتي بها من الناحية العسكرية الثالثة (جنوب غرب) وحدات النقل والإمداد المكلفة بالتموين، (اللباس، الذخائر، أقساط المعركة، السيارات...) كانت قد وضعت في البليدة وهي مدينة قريبة من العاصمة، بها مجموعة كبيرة من الثكنات.
يجب علي أن أقول بأن أغلبية ضباط (ج.و.ش/ANP) من جيلي (الذين يوجد من بينهم الكثير ممن لم يكونوا يدركون المراهنات جيدا) كانوا مع وقف المسار الانتخابي، هؤلاء الضباط كانوا يتمنون عزل الشاذلي، ويعارضون بشدة قيام نظام "ملالي" أما بالنسبة إلي فقد رفضت بعزم وإصرار أي توجه نحو قيام جمهورية إسلامية، لأني كنت اعتبر أن الدين أو التدين هي مسألة شخصية، واعتقدت مخلصا بأن أسس الجمهورية كانت مهددة، لكن كنت من أنصار مواصلة الانتخابات، حتى ولو تطلب الأمر أن يتدخل رئيس الجمهورية فيما بعد لحل البرلمان المنتخب، وهو ما كان يدخل ضمن صلاحياته الدستورية.
وعلى أي حال فمن من المؤكد أن الكثيرين كانوا يعتقدون أن انتصار (ج.إ.إ/FIS) سيكون كارثة على الجزائر، وأن أرواحنا كانت مهددة، وسيحدث لنا مثلما حدث في إيران أو السودان، فرد الفعل هذا أو التلقين الإيديولوجي المعتنى به جيدا من طرف قيادتنا، وكذلك تعلقنا الشديد بالطابع الجمهوري للجزائر، والذي أفقدنا موضوعيتنا خلال هذه الفترة الحرجة، حيث صرنا نعتبر، وفي قناعة تامة بأن (ج.إ.إ/FIS) يمثل تهديدا جديا، وأنه ليس مجرد حزب سياسي مثل سائر الأحزاب الأخرى التي تنشط في الساحة! فبهذا التأييد والمساندة وتحت ذريعة أو خدعة "أنقذوا الجزائر" وحافظوا على الطابع الجمهوري لمؤسسات الدولة الجزائرية، قرر الجنرالات "احتلال" الجزائر!
الانــقـلاب
ابتداء من 4 يناير دخلت آلة الحرب المستلهمة من "خطة العمل الشامل" التي وضعها الجنرالان العربي بلخير وخالد نزار في ديسمبر1990، في مرحلتها النهائية، وهي القضاء النهائي على الـ(ج.إ.إ/FIS)، وقد أوكلت المهمة إلى الجنرال محمد العماري وإلى رئيس أركانه في (ق.ق.بر/CFT) العقيد إبراهيم فضيل الشريف.
ولكن كان يجب قبل كل شيء التخلص من الرئيس الشاذلي بن جديد. فالأسبوع من 4 إلى 10 يناير قد استغله الجنرالات الانقلابيون (الذين سيسمون فيما بعد "الينايريين") لتحضير النصوص، ووضع الخطط، واختيار الشخصيات التي يحتمل أن "تسير" معهم، والشروع في المحادثات مع محمد بوضياف، وهو اسم تاريخي بارز في الثورة الجزائرية كان فد أكره على اللجوء إلى المغرب سنة 1963 63 (http://www.bilahoudoud.net/#_ftn63).
غير أنه قبل أن يقع اختيارهم على محمد بوضياف لخلافة الشاذلي بن جديد شعر الانقلابيون بضرورة التخفي وراء واجهة مدنية فكانوا قد فكروا في إمكانية أو احتمالات أخرى، وقد ذكرت أسماء شخصيات كاريزماتية وهم على التوالي: أحمد بن بلة، حسين آيت احمد، و حتى الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، ولكنهم استبعدوا جميعا فبن بلة اعتبر " انتقاميا " ويحتمل أن يطلب حسابات وآيت احمد الديمقراطي الأصيل قد تجنب "هديتهم المسمومة" أما طالب الإبراهيمي فقد طعن فيه من بعضهم بوصفه "إمام أنيق ببدلة، ورابطة عنق" ولم تبق بين أيديهم إذن سوى "ورقة بوضياف" رغم تصريحه في 5 يناير لأسبوعية "جون أفريك" بقوله:" يجب على الجيش أن يحترم اختيار الشعب".
إن هذه "الورقة" كانت موضوعة في حساب الجنرالات منذ زمن طويل، مما يدل على أن تصفية (ج.إ.إ/FIS) كانت تحت الدراسة منذ مدة، حيث كان قد أرسل علي هارون في ديسمبر 1990 إلى المغرب للقيام "بزيارة ودية " للمعارض القديم، وفي سنة 1991 كلفت أنا شخصيا من طرف رئيس (م.ج.م/DCE) بإرسال صحفيين له أحدهما معرب (هو عز الدين بوكردوس الذي أصبح فيما بعد مديرا ليومية "الشعب" التابعة للدولة) وآخر مفرنس (هو عمر أومالو المدير السابق لمطبعة ڤالمة) وقد كان الهدف من ذلك هو استطلاع نية بوضياف، لاحتمال إخراجه من عالم النسيان (ولكنني كنت أجهل طبعا المرمى البعيد لهذا المسعى). لقد كان الانطباع الذي أتى به الصحفيان هو أنه شخص تجاوزته الأحداث، وقد كان مقطوعا تماما عن واقع الوطن، وظل نسيانه قائما حتى ذلك اليوم الشهير التاسع من يناير 1992، وهو التاريخ الذي استعان فيه علي هارون بالابن ناصر بوضياف لإعادة الاتصال بـ "أبي الثورة". وقد لفت انتباهنا في ذلك اليوم الخميس 9 يناير، حركة ذهاب وإياب غير عادية في قيادة أركان حرب القوات البرية بعين النعجة، حيث كان يسير نخبة الضباط السامين، بمن فيهم نزار، وبلخير باستثناء الجنرال توفيق (لكن هذا الأخير كان على اتصال مستمر معهم، وقد كان ممثلا بما فيه الكفاية بكل من إسماعيل العماري وكمال عبد الرحمان والصادق آيت مصباح، وكذلك العقيد سعيد المدعو "دوغول" وحمزاوي من (م.م.أ.ج/DCSA).
إن الاجتماعات والمناقشات (مع قواد النواحي العسكرية، أعضاء قيادة الأركان، ثم رؤساء الجيوش) تتابع بسرعة جهنمية، فالمشكل كان يتمثل في إيجاد إخراج أو تعليب مقبول للانقلاب، أنا فيما يخصني كنت على علم بالتحضير للانقلاب، ولكني كنت أجهل تماما الكيفية التي سيتم بها، عدا استغلال المعلومات، وتنسيق العلاقات مع الإدارة، لم أُستشر إلا حول جانب واحد، هو المتعلق بحماية النقاط الحساسة بفرق من (ج.و.ش/ANP) (مقر الإذاعة والتلفزيون، البنك المركزي، المطار، قصر الحكومة...) وقد كان ذلك كافيا للتكهن بما تخبئ وراءها تلك الاستعدادات.
حتى أني رأيت في بداية أمسية ذلك الخميس شخصية مدنية في مقر (ق.ق.بر/CFT)، ويتعلق الأمر بوزير الاتصالات أبو بكر بلقايد، المقرب من دائرة "أصحاب القرار" وقد أتى لتلقي التعليمات التي سيبلغها للصحافة وأجهزة الإعلام، وعندها رأيناه ونحن نغادر نادي الضباط، وكان العقيدان صادق آيت مصباح وكمال عبد الرحمان يمزحان بعد الملحة التي رمى بها هذا الأخير:" لا أدري إذا كان هناك مشوي هذا المساء..." (وتقليدا كان المشوي يعد بمناسبة إحياء ذكرى حدث هام، أو أثناء قيام وزير أو شخصية مدنية سامية بزيارة إلى الجيش).
يوم 10 يناير ذهب علي هارون بأمر من الجنرالات إلى المغرب لمقابلة بوضياف، ومحاولة إقناعه بالعودة إلى الوطن، وبعد تردد قبل الرئيس السابق لحزب الثورة الاشتراكية بأن يقوم بزيارة خاطفة إلى الجزائر لمدة 24 ساعة ليتمكن من الاطلاع والحكم على الأمور في عين المكان.
وفي يوم 11 يناير حوالي منتصف النهار أشار علي العقيد صادق ألا أفوت سماع نشرة أخبار الثامنة مساء قائلا لي "سيكون هناك جديد" دون أن يعطيني أية تفاصيل أخرى! وفي حدود الساعة الخامسة انتهى إلى أن يبوح لي بالسر: "لقد قبل الرئيس الشاذلي بن جديد أن يتنحى بطريقة سلمية "وبدون إراقة دماء"" وفعلا في المساء ذاته، وبتأخر ساعة عن الموعد المعتاد لنشرة الأخبار 64 (http://www.bilahoudoud.net/#_ftn64) استهلت هذه الأخيرة بما سيكون آخر حديث للرئيس، والذي أعلن فيه "استقالته" للشعب، وقد بدت على ملامحه شدة الصدمة.
وهكذا فالدور الثاني للانتخابات التشريعية الذي كان مقررا إجراؤه يوم 16 يناير لن يجرى، وتم إلغاء المسار الانتخابي، ووضعت التجربة الانتخابية في الخزانة، و(ج.إ.إ/FIS) المنتصر الأكبر في الاستشارة الشعبية قد خدعت وغشت، وأصبح مصيرها على كف عفريت كبير من عصابة بلخير!! إنه سطو حقيقي في وضح النهار على إرادة الشعب الجزائري، مما جعل الكثير من الإسلاميين لا يصدقون ما يشاهدون ولا يهضمون ما يسمعون!
ومن هنا بدأت حرب الجزائر الثانية.
إن الإخراج المسرحي الذي يرمي إلى إعطاء غطاء شرعي لانقلاب "عصابة يناير " كان ملتويا ومعوجا بصفة خاصة. فبعد أن تحصلوا على موافقة الشاذلي على ترك الحكم دفعوه يوم 10 يناير للتوقيع على مرسوم حل (م.ش.و/ANP) (البرلمان) بأثر رجعي، أي بتاريخ اليوم الرابع من نفس الشهر، وهو ما خلق وضعية غير منصوص عليها في الدستور، إذ أن هذا الأخير ينص على أنه في حالة استقالة أو وفات أو عجز رئيس الجمهورية عن القيام بوظائفه يخلفه رئيس (م.ش.و/APN)، في الوقت الذي كان هذا الأخير (عبد العزيز بلخادم) محسوبا على الاتجاه الإسلامي ويرفضه الجنرالات (أتراك الجزائر)، ومن هنا كانت الحيلة الماكرة والجائرة بحل البرلمان بأثر رجعي وهو توقيع المرسوم في اليوم العاشر بتاريخ الرابع من يناير، ولقد حاولوا كثيرا إقناع رئيس المجلس الدستوري عبد المالك بلحبيلس ليستخدموه كدمية على رأس الدولة، إلا أنه رفض رفضا قاطعا. وهنا خطرت على بال الانقلابيين خدعة منافية تماما للدستور، لكنها ناجعة. ففي يوم 12 يناير "أثبت" المجلس الأعلى للأمن (م.أ.أ/HCS) وهو مؤسسة استشارية محضة (لكنها تحت سيطرتهم)65 (http://www.bilahoudoud.net/#_ftn65) استحالة مواصلة المسار الانتخابي، ويومان بعد ذلك يقرر (م.أ.أ/HCS) أن إدارة الدولة توكل من الآن، ولمدة سنتين إلى كيان جديد هو المجلس الأعلى للدولة (م.أ.د/HCE)، وهي هيأة سياسية صورية صنعت على المقاس بالمناسبة وقد عهد برئاستها إلى محمد بوضياف. فقام هذا الأخير بعودته الرسمية إلى الجزائر يوم 16 يناير بعد 28 سنة قضاها منفيا في فرنسا ثم في المغرب، وأثناء زيارته "السرية" إلى الجزائر قبل ذلك بأيام قليلة كما سبقت الإشارة، أكد له الجنرال نزار، بنفاقه وخداعه المعهود، أنه سيضع الجيش تحت تصرفه! وزيادة عن بوضياف الذي يضمن الشرعية التاريخية، فإن (م.أ.د/HCE) كان مشكلا من رجال "مؤتمنين" هم: الجنرال خالد نزار ذاته، التيجاني هدام (طبيب، وسفير سابق للجزائر في المملكة العربية السعودية، وعميد مسجد باريس، وهذا لإرضاء البلدان الإسلامية كذلك الإسلاميين المعتدلين) علي كافي (عقيد سابق في الولاية الثانية التاريخية خلال الثورة (1954-1962) وسفير سابق، ورئيس المنظمة الوطنية للمجاهدين، الذي سيضمن كذلك بدوره كفالة المحاربين القدامى لما يمثلون من ثقل) علي هارون(محام، ومسؤول سابق في اتحادية فرنسا لـ(ج.ت.و/FLN) أثناء حرب التحرير، ووزير حقوق الإنسان وذلك لمخادعة الديمقراطيين وأصحاب النزعة البربرية) إنها تشكيلة متنوعة المشارب روعي فيها العديد من الجوانب بما فيها التوازن الجهوي!
إن هذه المؤسسة التي اصطنعها الجنرالات وفصلوها على مقاساتهم وأهوائهم، تمثل خدعة جديدة، للتمكن من ربح الوقت، وانتزاع تأييد دولي، لتفادي الانتقادات التي سيحدثها الانقلاب العسكري، كما قد يعرضهم أيضا إلى عقوبات محتملة من المجموعة الدولية...
قـمع في كل الاتـجاهـات
وفي الوقت الذي أخذت هذه الواجهة المدنية تتثبت في مكانها، كانت "عصابة يناير " تعد العدة لقمع الإسلاميين واضطهادهم، وهذا القمع سيكون عنيفا جدا، وسيتم كذلك بكيفية غريبة، وكأن تحقيق الأمن والاستقرار هو فعل كل شيء من أجل تشجيع العنف الإسلامي بدلا من العمل على إخماده!!
ففي الرابع من يناير (كما سبق أن ذكرت) وصلت إذن إلى الـ (ق.ق.بر/cft) في عين النعجة برجالي وملفات الأشخاص المشبوهين لضمان "المهمة التي سترهن مستقبل الوطن" التي كلفني بها الجنرال محمد العماري. وأثناء إحدى جلسات العمل التي ترأسها العقيد صادق آيت مصباح، تقرر الاعتقال الفوري لكل الإسلاميين المعتبرين خطرين، وقد كانت قائمة الأشخاص المطلوب توقيفهم تتضمن أعضاء مجلس الشورى لـ(ج.إ.إ/fis) ورؤساء المجالس الشعبية البلدية (م.ش.ب/apc) والمجالس الشعبية الولائية (م.ش.و/apw) ومترشحي (ج.إ.إ/fis) للتشريعيات (بمن فيهم أولئك الفائزين لتوهم في الدور الأول) ومسؤولي المكاتب البلدية، الطلبة والنقابيين (بمن فيهم أعضاء الـ "ن.إ.ع/sit") المسجلين على لائحة المتعاطفين مع (ج.إ.إ/fis) وخاصة المتطرفين الذين يحتمل أن يدعوا إلى الجهاد، وهم الأئمة المعروفون بخطبهم النارية، والمتطوعون القدامى في حرب الأفغان ضد الروس، وأعضاء الـ(ح.إ.م/2mia)، وجماعات التكفير والهجرة، وجماعات الدعوة والتبليغ، لقد كان العدد الإجمالي لهؤلاء المطلوبين يتراوح ما بين 1100إلى 1200 شخصا في الجزائر ونواحيها (البليدة، الأربعاء، بومرداس، المدية، الشلف..) إلا أن العملية لم تتم كما كان مقررا لها، حيث تلقينا أمرا بإلغاء العملية في ساعة متأخرة من ذلك المساء من طرف الجنرال إسماعيل العماري. وسيعاد لاحقا النظر في هذا الرقم نحو الزيادة حيث كان العربي بلخير وزير الداخلية أنذاك يريد المزيد من الاعتقالات، فابتداء من يومي11و12 يناير شرع في توقيف المئات من الأشخاص، لكن آخر الشهر خاصة هو الذي سيشهد توقيف الآلاف من مناضلي (ج.إ.إ/fis)، والمتعاطفين معها، ولم يكن يستثني من تلك التوقيفات (بشكل يثير الاستغراب ويبعث على الريبة) إلا أولئك المتطرفون الخطيرون المسجلون في قوائمنا الأولى المأخوذة من البطاقية! فقد شنت فعلا حملة توقيف على غير هدى، وكأني بهم يريدون أن يثّوروا هؤلاء الشبان عن قصد، ويدفعوهم إلى بغض الدولة والحقد عليها، وكره كل مَن وما يمتّ إليها بصلة!
رغم أن الوضعية قد هدأت بشكل ملحوظ، بعيد إكراه الشاذلي على تقديم استقالته حيث كانت معلوماتنا الميدانية تبين أن الإسلاميين كانوا في غالبيتهم غير راغبين في الانتقال إلى العمل المسلح بل كانوا يفضلون مقاومة هذا "الانقلاب العسكري" ضدهم لمصادرة انتصارهم المشروع في انتخاب 26 ديسمبر، رغم ذلك كله فقد تلقت الشرطة تعليمات بمراقبة محيط المساجد، والقيام، خفية، بتصوير كل مناضلي (ج.إ.إ/fis) الذين يدعون إلى الاحتجاج أو التظاهر! كما أعطيت الأوامر لمصالح الـ(أ.ع/sm) المندسين في صفوف الإسلاميين، بحضور كل الاجتماعات التي يعقدها مسؤولو (ج.إ.إ/fis).
وقد كانت الوضعية تبدو إذن تحت السيطرة عندما أصدر (م.أ.د/hce) قانونا في 20 يناير يمنع التجمعات في ضواحي المساجد، وهو ما كان معتادا منذ سنوات، أثناء صلاة الجمعة في كل أسبوع، ولقد كان هذا القانون الجائر يمثل استفزازا مثيرا، لاسيما أن عبد القادر حشاني كان قد أوقف في 22 يناير (في باش جراح من طرف الرائدين عمار ڤطوشي وحمو بلويزة) بأمر من الجنرال توفيق، بسبب مطالبته في بيان(نشر في جريدة الخبر) الجيش، والشرطة، بعصيان أوامر رؤسائهم، إذا كانت تبدو هذه الأوامر "ضد اختيار الشعب" (ومن المؤكد أن مسؤولي "ج.و.ش/anp" كانوا يخشون، رؤية قسم من وحدات الجيش أو قوات الأمن تنقلب ضدهم)
وهكذا ستغرق هذه القرارات البلاد كلها في فوضى عارمة، حيث أصبحت تجمعات يوم الجمعة في كل مساجد الوطن، تقمع بوحشية من طرف الجيش في الشهور اللاحقة، وهو ما أطلق دورة أو حلقة من الاحتجاج والقمع (أوالفعل ورد الفعل) التي ستسفر عن عشرات القتلى، ومئات الجرحى، وآلاف الموقوفين.
عندما بدأت عمليات التوقيف هذه كنا على مستوانا بعيدين عن تصور القيام باعتقالات كثيفة، وعلى نطاق واسع! كالذي حصل، إذا كان الأمر بالنسبة لنا على الخصوص يتعلق باستباق الانفلاتات، والاكتفاء فقط بتحييد الأفراد الخطيرين الذين يحتمل أن يؤدي بقاؤهم خارج السيطرة إلى الإخلال بالأمن العام.
وحتى إذا أخذنا في اعتبارنا المدن الأخرى مثل قسنطينة، سيدي بلعباس، عنابة، وهران، جيجل، فإن عدد المعتقلين لم يكن يتجاوز أبدا 2000، ولكن في آخر يناير اعطى الجنرال بلخير بصفته وزيرا للداخلية أوامر للولاة بحجز كل قوات الأمن "لحبس" أكبر عدد ممكن من الإسلاميين. وبحماسة زائدة عن اللزوم، أو لسبب فقدان الوعي والادراك شن رجال الشرطة حملة عشواء على كل شخص ملتحي أو يرتدي "قميص عبادة"، وعلى كل فرد "مشبوه" يوجد بالقرب من مسجد.
فبذكر قيادة الجيش لمحمد بوضياف هذه الاضطرابات الناجمة عن الاستفزاز والقمع الوحشي نجحت في إقناعه بضرورة سجن الإسلاميين "الخطرين" كما وصفوهم له! وهكذا وقع رئيس(م.أ.د/hce) يوم9 فبراير، المرسوم القاضي بإقامة حالة الطوارئ الذي ينص على الخصوص (في المادة رقم 5) على أن "لوزير الداخلية الحق في الأمر بحبس كل شخص يتبين أن له نشاطا خطيرا على النظام والأمن العام، وسير المصالح العمومية، في مراكز أمنية ستقام في أماكن محددة، وهذه المراكز ستنشأ بمرسوم من وزارة الداخلية". وبتوقيعه لهذا المرسوم الخطير المقيد للحريات فقد تحمل رئيس (م.أ.د/hce) على عاتقه مسؤولية ثقيلة، في حين أن فكرة "المراكز الأمنية " هذه المستلهمة أصلا من ممارسات الاحتلال الفرنسي، هي في الحقيقة من بنات أفكار "التلميذ النجيب" العربي!
إن حالة الطوارئ تهدف إلى دعم سلطة مصالح الأمن، إذ أنها ابتداء من الآن سَتُشَرْعِن استجوابات وتوقيفات "المشبوهين" وكذلك مد فترة التوقيف تحت التحقيق لثمانية أيام بدلا من ثماني وأربعين ساعة، وكذلك اقتحام المساكن، والتنصت على المكالمات بدون إذن مسبق من العدالة...الخ. وباختصار فإن كل التجاوزات والخروقات كان مسموحا بها، والقائم بها معفى تماما من أي عقاب!
إن كل معارض جدي يعد مشبوها، وبالتالي يمكن أن يتعرض إلى الحبس، فهذه الطرق التي عرف بها ديكتاتورات أمريكا اللاتينية، لم تترك أمام الناس إلا خيارا واحدا، هو تقديم الولاء للجنرالات.
هناك مركز "استقبال" وفرز الإسلاميين الموقوفين عهد به إلى الرائد محمد بن عبد الله، نصب في ثكنة الحرس الجمهوري "بالليدو" (بلدية المحمدية) شرق العاصمة، وقد وضع تحت تصرفه رجال الدرك للقيام بعملية استجواب الموقوفين واستنطاقهم، وقد وضعت القاعدة الجوية ببوفاريك في حالة استنفار لتمكين طائرات الجيش من ضمان الاتصال ونقل الأشخاص الموقوفين نحو المراكز المقامة في الجنوب، ابتداء من منتصف فبراير (عين مجل، برج عمر دريس، رڤان، تامنغست، وادي الناموس...) ففي أقل من شهرين بلغ عدد الموقوفين المفترضين "متطرفين" ما يناهز 13000 معتقلا، العديد منهم لم تكن لديهم أية علاقة بالتطرف أو الأصولية، بل ولا حتى بالـ(ج.إ.إ/fis)، ذلك أن بعضهم قد ذهب ضحية رجال الشرطة المتحمسين أكثر من اللازم، أو نتيجة وشايات كاذبة تدخل في إطار تصفية حسابات شخصية، أو ثارات جوارية أوعائلية وما شبه ذلك!
ونظرا لظروف الاعتقال (الحرارة، الاختلاط، الإذلال...) والشعور بالظلم تجاه هذا الإجراء التعسفي، فلم يكن أفضل من ذلك لتنمية الشعور بالعداء للنظام، والدفع إلى الثورة، وزيادة على ذلك فإن هذه التوقيفات مكنت المناضلين الإسلاميين القادمين من مختلف جهات الوطن من التعارف (وهو ما سيسمح فيما بعد بتكوين هياكل فعالة للتأييد والدعم للذين سيلتحقون بالكفاح المسلح بعد إطلاق سراحهم، وهكذا فإن إسلاميا من جيجل يستطيع أن ينشط في المسيلة، والذي هو من دلس يستطيع أن يقوم بعمليات مسلحة في الجلفة...).
وبما أننا قد سربنا بعض العناصر إلى داخل هذه المراكز بهدف إمدادنا بالمعلومات حول الحالة النفسية والمعنوية للإسلاميين المعتقلين، من ناحية مشاريعهم المستقبلية، وسائل الاتصال والعلاقات التي يفكرون في تطويرها...الخ سيكون من السهل جدا تبعا لذلك بالنسبة لبعض مصالح (ق.إ.أ/drs) استغلال هذا الشعور والإحساس بالظلم المعبر عنه بالعامية "بالحڤرة" (ويعني مزيجا من الظلم والاحتقار والإذلال) الذي راح ضحيته الكثير من الشبان لحضهم على الثورة ودفعهم إلى الالتحاق بالمقاومة المسلحة في الجبال واستغلالهم ضد أهداف محددة بعينها.
ولكن استغلال العنف الإسلامي من طرف عصابة الجنرالات كان في الحقيقة قد بدأ بالفعل.
عمليات شارع بوزرينة والأميرالية
يوم السبت الثامن من فبراير دق الهاتف عندي، وكنت قد وضعت السماعة لتوي بعد تهنئة والدتي التي احتفلت بعيد ميلادها في ذلك اليوم، وقد اعتذرت لها عن عدم الحضور إلى عنابة حيث كانت تقيم منذ ولادتها... لقد كان مخاطبي هو العقيد إسماعيل:" الحبيب تعال من فضلك" فكرت لحظتها أنه ناداني كي يخبرني بحالة الطوارئ التي كانت ستعلن في اليوم التالي (وقد كنت على علم بهذا الترتيب منذ ثلاثة أو أربعة أيام) وإلا فلإجراء تقويم للأحداث الدامية التي وقعت أثناء صلاة الجمعة في مدينة باتنة التي تبعد حوالي 400 كلم عن العاصمة، حيث قام الجيش بعملية قمع لمظاهرات أسفرت عن مقتل حوالي 50 شخصا.
وعندما وصلت إلى غرمول (مقر "م.ج.م/DCE") لاحظت أول شيء غير معتاد وهو حضور النقيب سعيد لوراري المدعو "سعود" (سيُعين لاحقا في مدينة ليل الفرنسية كنائب قنصل سنة 1993) الذي حضرهذا الاجتماع بدلا من رئيسه الرائد بوقشابية نائب مدير في (م.ج.م/DCE)، والرئيس عندنا لا يخلفه نائبه إلا في حالات غيابه، وهو ما لم يكن كذلك يومها بالنسبة للرائد بوقشابية (الذي كان موجودا ولكن إسماعيل استبعده من المشاركة في هذا الفعل الخسيس – كما علمت فيما بعد – نظرا لما كان يعرف عنه بالتزامه الشديد بالعمل في إطار الشرعية القانونية).
كان الاجتماع حول تقويم وضعية "التمرد الإسلامي" في تلك الآونة، ويتعلق بضبط الأمور فيما يخص قادة (ج.إ.إ/FIS) الذين بقوا خارج القضبان، وكذلك التفكير في إشراك، وبالأحرى توريط قوات الشرطة و(ج.و.ش/ANP) في الحرب الشاملة ضد الإسلاميين، والعقيد إسماعيل الذي كان شبه مقيم في وزارة الداخلية كان غير راض على تراخي رجال الشرطة الذين يتسكعون في أزقة ومقاهي العاصمة دون أن يثبتوا في نظره بوجودهم المادي فرض احترامهم على الإسلاميين، لم يكن يخفي بعض تخوفه من أن يراهم يتعاطفون مع خطاب حزب الـ(ج.إ.إ/FIS) الذي ظلم بحرمانه من انتصاره في الانتخابات، والمحتج ضد التوقيف التعسفي لمناضليه.
ففي تدخله الممزوج بالغضب والاستهتار طلب معرفة ما إذا كانت لوائحنا وبطاقاتنا تتضمن رجال شرطة من الـ(م.ع.أ.و/DGSN) معروفين بتعاطفهم مع (ج.إ.إ/FIS) لأنه ابتداء من الآن "سنفعل مثل تونس: "لن نتسامح أبدا بوجود أفراد ذوي ميول إسلامية في أسلاك الأمن ولا في ضفوف الـ(ج.و.ش/ANP)، العقيد كمال عبد الرحمان رئيس (م.م.أ.ج/DCSA) سيتكفل بعملية التطهير داخل الجيش، وإسماعيل سيتولى أمر "المدنيين" هاهي ذي المهام كيف وزعت 66 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftn66)، فلو تحدث عن رجال الشرطة "المرتشين" لأعطيته (دون أن أكون مغاليا) قائمة تحمل على الأقل مائة اسم، لكن التحدث عن ذوي الميول الإسلامي في صفوف الشرطة هذا بدالي شيئا غير معقول تماما! خاصة وأن دستور 1989، يعترف بوجود الأحزاب السياسية و(ج.إ.إ/FIS) حتى الآن حزب معترف به قانونا، ويعمل في إطار الشرعية تماما كباقي الأحزاب العاملة في الساحة دون أي تمييز!
ولكي ألطف الجو بعض الشيء قلت له:" أنا لا أعرف إلا واحدا هو "عمي احمد" (المحافظ أحمد بوصوف المكلف بحفظ النظام في العاصمة والمعروف حتى في التلفزيون، نظرا لحضوره أسبوعيا في الملاعب بمناسبة إجراء المقابلات الرياضية، أو التظاهرات الثقافية) وهو موجود معنا في (ق.ق.بر/CFT) بعين النعجة"، لكن هذه المزحة سقطت باردة، فالأمر في غاية الجد حيث أجاب رئيس (م.ج.م/DCE) قائلا "إننا لسنا في وقت مزاح، فالبلد مهدد، وإذا لم نتحرك لفعل شيء فوداعا يا جزائر!!"، ثم قال لي بصوت خفيض:"هل الشرطة على مستواكم كذلك تتدخل مباشرة؟" يريد أن يعرف ما إذا كان رجال الشرطة يتدخلون بفعالية في عمليات التوقيف، وإذا ما كانوا ينفذون توجيهات القيادة العسكرية دون طرح تساؤلات؟ فأجبت بالإيجاب، موضحا بأن مجال تدخلها يتحدد في نطاق المدينة أو المجموعة السكانية، وأن خارج ذلك يدخل في دائرة اختصاص الدرك الوطني (في ذلك الوقت كان توزيع المهام بالنسبة لتوقيف الإسلاميين ما يزال يتم بحسب التقسيم القديم، حيث كانت تعمل كل مصلحة في مجالها المحدد: فالشرطة تعمل في المراكز الحضرية الكبرى، والدرك خارج المدن، والقوات الخاصة للـ(ج.و.ش/ANP) تنصب الحواجز كذلك لمراقبة السيارات وهويات المسافرين). وسأدرك جيدا فيما بعد المغزى من إلحاح إسماعيل، ذلك أن الأسابيع اللاحقة عرفت سقوط العديد من أقارب إطارات (م.ج.م/DCE) برصاص جماعات إسلامية بكيفية غريبة ومريبة، وهو ما كان بمثابة إعطاء بطاقات بيضاء من إسماعيل لتشجيع هؤلاء الإطارات على إشفاء غليلهم في الانتقام والثأر، وهذه الطريقة بالذات مكنته من صنع وحوش ضارية أو "آلات قتل بالجملة".
وبعد هذا الاجتماع في ليلة 9 أو 10 فبراير وهو اليوم نفسه الذي دخلت فيه حالة الطوارئ حيز التنفيذ، هاتفت امرأة (م.ق.ع/PCO) لإخطارهم بوجود شخصين بصدد السطو على منزل بشارع بوزرينة في القصبة بالعاصمة وبمجرد أن تلقيت المكالمة حولتها إلى المحافظ بوصوف "عمي أحمد" الذي كان مداوما يومها في (ق.ق.بر/CFT) وفي أقل من خمس دقائق كانت سيارتان مع 7 من رجال الشرطة تتجهان إلى عين المكان من أقرب محافظة شرطة (وكانت محافظة باب جديد فيما أذكر) فقد كان شركا منصوبا لرجال الشرطة الستة، نصر الدين حمدوش، سامي لعواني، مراد ميهوب، عمر مولاي، محمد عكاش، ويوسف بخدة، حيث نخلوا كلهم بالرصاص وجردوا من أسلحتهم ومن أجهزة الراديو التي كانت معهم، ولم ينج من هذه المذبحة إلا شرطي واحد تظاهر بأنه ميت، حسب الرواية التي وصلتنا بعد الفاجعة، وكان الأمر يتعلق بأوائل الشرطة من ضحايا "الحرب القذرة" الأولين في قائمة طويلة جدا!!
وطبعا فالصحافة الجزائرية ألصقت هذه الجريمة مباشرة بالإسلاميين وبالتالي المجموعة المسلحة التي كان يقودها شخص يدعى "موح ليفيي" الذي سأعود إلى الحديث عنه (أنظر الفصل اللاحق)، وفي اليوم التالي أثناء عملية ليلية، وبدعوى البحث عن الجماعة المسلحة، قامت مجموعة من المغاوير المظليين، باغتيال شهود عيان محرجين في المكان نفسه تقريبا الذي وقعت فيه المذبحة.
وثلاثة أيام بعد عملية شارع بوزرينة وببضع مئات من الأمتار من القصبة هوجمت الوحدة العسكرية لتصليح البواخر الحربية الواقعة بالمكان المسمى "الأميرالية" 67 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftn67) بميناء الجزائر من طرف جماعة مسلحة، وكانت الحصيلة 10 قتلى من بينهم 7 عسكريين، وشرطي واحد، وقد صرحت الصحافة حينئذ كذلك بأن هذا الهجوم قامت به مجموعة "موح ليفيي" بتواطؤ عسكريين مناصرين للإسلاميين من داخل الثكنة، فكان الأمر يتعلق فعلا بأحد الأفاعيل القذرة الجديدة التي تقوم بها المصالح، كما كشفها الملازم حبيب سوايدية في كتابه وقد عرف تفاصيل العملية من أحد المشاركين فيها مباشرة وهو عسكري سابق تعرف عليه في السجن 68 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftn68) وهي التفاصيل التي مكنتني مصادري الخاصة فيما بعد من التأكد منها، هذه العملية المرموز لها باسم "عملية البطيخ" كانت قد دبرت بالكامل من (م.م.أ.ج/DCSA) بضمان ومباركة أعلى المسؤولين في الجيش! وفي شهر نوفمبر 1991 ألقي القبض على ستة عسكريين (من بينهم ضابطان وأربعة طلاب ضباط) من المدرسة الحربية بتهمة التعاطف مع الإسلاميين، وبعد عدة أيام من الاستنطاقات في مقرات (م.ع.ر.ب/CPMI) في بن عكنون التي يقودها بشير طرطاڤ، قد أطلق سراحهم في يناير 1992 وأعيد إدماجهم ثانية في وحداتهم، وهو ما كان مخالفا تماما للمعهود، وخاصة في وضع متفجر مثل ذلك، بالنظر إلى الأسباب التي أوقفوا من أجلها (فقد كان من المفروض، وفي أحسن الأحوال أن يتم نقلهم إلى أماكن أخرى كما تنص على ذلك القوانين العسكرية)، لقد أطلقت سراحهم الـ (م.م.أ.ج/DCSA) وهم يعلمون أنهم سينظمون هذه العملية مع جماعة "موح ليفيي".
وبعد أيام قليلة من هاتين العمليتين يتلقى المقدم صادق آيت مصباح في عين النعجة مكالمة هاتفية من المرأة التي بلغت هاتفيا ليلة 9 و10 بشأن شارع بوزرينة وبما أنني كنت حاضرا في مكتبه فلم يفتني أي شيء من حديثهما، فلقد عرفت هكذا أن هذه المرأة هي عميلة للـ(أ.ع/SM)، وكانت منشغلة عن مصير ابنها البالغ من العمر ثماني عشرة سنة، كان من ضمن جماعة "موح ليفيي" أحد الفاعلين المحتملين لمذبحة شارع بوزرينة والأميرالية.
وبعد هذه المكالمة الهاتفية من والدة "الإرهابي" تساءلت عن المدبرين الحقيقيين لهذه العمليات، ولكنني لم أكن أتصور على الإطلاق أن تبلغ الوحشية بمسؤولي (ق.إ.أ/DRS) أن يكونوا هم أصل هذه الأعمال الفظيعة، ثم سرعان ما أنستني أهوال الأحداث هذه الواقعة، وخرجت من ذاكرتي تماما!.
وبعد سنوات من ذلك اطلعت على تصريحات ضابط شرطة يعيش في المنفى، هو كمال ب، والذي كان قد حقق وقتها في هذه القضية، ففي حديث مع "ألجيريا واتش" في سنة 1999 69 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftn69) بين أن تحقيق الشرطة توصل إلى اكتشاف أن من بين منفذي عملية اغتيال الشرطة في شارع بوزرينة يوجد عناصر من الأميرالية الذين اعترفوا أنهم تلقوا الأمر من مصالح الاستخبارات بالقيام بهذه العملية. قد أضاف هذا الضابط بأن الفاعلين المحتملين لهذه الاغتيالات والذين عرضوا على شاشة التلفزيون بصفتهم متعاطفين مع (ج.إ.إ/FIS)، قد أصدرت المحكمة العسكرية في حقهم أحكاما بالإعدام ولكن الأمر برمته لم يكن إلا مهزلة، حيث شوهد ضابط الصف الذي قاد عملية الاغتيال بعد ذلك بأيام من طرف أحد زملائه وهو يتفسح بكل حرية في ساحة الشهداء بالعاصمة!!
إن تصريح هذا الشرطي قد مكن من تكملة القطعة الناقصة من الصورة وأكد يقيني بأن عمليتي بوزرينة والأميرالية المورطة لعناصر "موح ليفيي" وعساكر المدرسة البحرية (الذين كان بعضهم عملاء مخابرات والبعض الآخر إسلاميين مستعملين دون علمهم) كانتا بالفعل من تدبير مسؤولي (ق.إ.أ/DRS) الذين كانوا يستهدفون تحقيق غايتين في آن واحد، إرهاب رجال الشرطة لدفعهم حتما للتورط في أعمال القمع والاضطهاد الممارس ضد الإسلاميين، وتخويف الرأي العام لدفعه إلى التجند أكثر وراء (ل.و.إ.ج/CNSA) المناهضة للإسلاميين!
دوامـة الحـقـد
إن قضية شارع بوزرينة كانت الأولى من نوعها، ولكن مع الأسف قد أتبعت بأخريات كثيرات "لتحسيس" رجال الشرطة بالخطر الإسلامي، وتلقينهم شعار "تَقتُل أو تُقتَل" الذي دشن انطلاق سلسلة الحقد والضغينة (مذابح، اضطهادات، مذابح) التي أدمت وطني لسنوات عديدة، إن القمع والاضطهاد بات يضرب خبط عشواء في كل الاتجاهات، حيث اعتقل الكثير من الأئمة. ففي يوم الجمعة 14 فبراير نجى قائد (ج.إ.إ/fis) محمد السعيد في آخر لحظة من القبض عليه في مسجد العناصر حيث ألقى آخر خطبة جمعة له، ثم انتقل بعد ذلك التاريخ إلى السرية لقيادة "خلية الأزمة" للحزب الإسلامي التي تأسست في يناير لمحاولة تنظيم رد الفعل على الصدمة العنيفة التي تلقوها من الجيش ومصالح الأمن.
لكن قادة (ج.إ.إ/fis) الذين بقوا إلى ذلك الحين خارج القضبان (ومن بينهم محمد السعيد، وعبد الرزاق رجام) لم يعد بإمكانهم السيطرة على أي شيء تقريبا، ففي بيان نشر يوم 22 فبراير طلبوا "العودة إلى الحوار السياسي الجدي قبل أن يصبح العنف هو البديل لدى الأطراف التي يريد النظام أن يقصيها أو يتجاهلها..." لكن الوقت كان قد فات مع الأسف! فبعد توقيف الآلاف من الإطارات والمتعاطفين لم يبق أمام أولئك الذين يريدون أن ينجوا من القمع والاضطهاد إلا السرية، فقد اختار بعضهم الانتقال إلى العمل المسلح ولكن بطريقة فوضوية تماما، وذلك لأن (ج.إ.إ/fis) لم يكن مهيئا لتوخي هذا المخرج على الإطلاق، وقد كنا في موقع يسمح لنا بمعرفة ذلك جيدا فالذين كانوا موجودين آنذاك في الساحة هم فقط الجماعات التي كانت مصالحنا قد اخترقتها (كجماعة التكفير والهجرة، الـ(ح.إ.م/2mia) "طبعة 1990" أو شبكات "الأفغان") وأكرر مرة أخرى أن هذه الجماعات لم تكن لها أية صلة بـ(ج.إ.إ/fis) على الإطلاق!.
وقد التحق الشبان الثائرون بهذه الجماعات على عدة مستويات وبطبيعة الحال لم يكونوا يشكون في أنهم كانوا في الحقيقة مسيرين. وشرع آخرون في تكوين خلايا مجموعات مستقلة حول أشخاص نصبوا أنفسهم "أمراء" محليين (وسأعود إلى هذا الموضوع في الفصل التالي).
وطوال شهر فبراير 1992 قام هؤلاء وأولئك بمهاجمة رجال الدرك والشرطة المكلفين بحفظ النظام في مختلف أحياء العاصمة (الحراش، بلوزداد، القصبة، باب الوادي، باش جراح، بن عمر، برج الكيفان...).
وكما شرح لنا فللتصدي لهذا التهديد كلفت الشبكات الإسلامية المستعملة من (م.ج.م/dce) و(م.م.أ.ج/dcsa) بضم هذه المجموعات المتناثرة وتوحيد قيادتها، ولكن هذه الخطة باءت بالفشل، لأن كل المحاولات قد أخفقت وذلك على الأقل قبل شهر يوليو 1992.
ولم أعلم إلا فيما بعد بأن رؤساء (م.ج.م/dce) و(م.م.أ.ج/dcsa) كانوا يقومون حينذاك بلعبة مزدوجة (وهو ما يتماشى منطقيا مع "خطة نزار" التي انطلقت منذ 1990. وكما قيل لأغلب إطارات المخابرات وأنا منهم فإن اختراق المجموعات الإسلامية كان يهدف إلى معرفتها جيدا للتمكن من القضاء عليها، وكما بدا لنا فهو خيار تقليدي في إطار شن حرب ضد التخريب، ولكن في الحقيقة بالتواطؤ النشيط والسري لعدد قليل جدا من إطارات (ق.إ.أ/drs) كانوا قد انتقوا بعناية لهذه المهمة حتى قبل الانقلاب (ومن بينهم الرواد: عمار ڤطوشي عن "ق.إ.أ/drs" وبشير طرطاڤ عن "م.م.أ.ج/dcsa") كان هذا الاختراق في البداية يهدف إلى إذكاء العنف "الطبيعي" لهذه الجماعات بدفعهم إلى مضاعفة العمليات ضد قوات الأمن بكيفية تجعلنا كلنا نميل إلى صف "عصابة يناير".
ولقد كان هاجس هذه الأخيرة وعلى رأسها العربي بلخير وخالد نزار، هو أن قسما من الجيش أو الشرطة كان يرفض إتباعهم ومسايرتهم في سياستهم "لاستئصال" الإسلاميين، بل كان هؤلاء الانقلابيون يخشون حتى التمرد ضدهم! ومن المرجح جدا أن حساباتهم كانت مبنية على أساس أنه عندما يبعد الخطر، ويتم انضمام الجميع (وهي مسألة شهور على أكثر تقدير) فيكفي حينئذ التخلص من الجماعات الإسلامية المستعملة (بعد استخدامها للتخلص من الجماعات التي لم تكن كذلك) لتعود كل الأمور إلى نصابها، ولكن هذا الحساب الإجرامي "سينحرف" ليحدث دوامة من الفظاعات، لن يتمكنوا من التحكم فيها، وبدون شك لم يتوقع هؤلاء المحرضون على العنف أن الحقد الذي ولدوه هكذا في نفوس إطارات (ق.إ.أ/drs) والشرطة، والقوات الخاصة للـ(ج.و.ش/anp) ضد الشعب، سيؤدي إلى أعمال عنف وجرائم بلغت من الجسامة والشناعة درجة أصبح "تسييرها" يتطلب نوعا من الهروب إلى الأمام بارتكاب المزيد من الفظائع والاختراقات والتلاعبات كلفت عشرات الآلاف من القتلى والمفقودين!!
ومن حسن الحظ أن مصلحتي لم تكن متورطة مباشرة في هذه المناورة الفظيعة، فبالنسبة لنا كنا نعمل بصفة خاصة على مشروع تكوين برلمان "إمّعة" يكون أعضاؤه معينين من الـ (م.أ.د/hce) (وهو ما سيعرف "بالمجلس الاستشاري الوطني" المؤسس في 22 جوان 1992، برئاسة رضا مالك (مدير سابق للمجاهد "صحيفة "ج.ت.و/fln" - أثناء حرب التحرير"، وهو من أعيان النظام ومن غلاة "الاستئصاليين").
وبمساعدة الحملة الإعلامية كان كل شيئ مهيئا لتبرير حل الـ(ج.إ.إ/fis) وهكذا سيعلن قرار الحل بأمر من الـ(م.أ.د/hce) عن طريق العدالة يوم 4 مارس، أي أقل من شهر من إعلان حالة الطوارئ، وفي هذه الدعسة تم تبديل المنتخبين المحليين للـ(ج.إ.إ/fis) (الذين كان معظمهم موقوفين أصلا) بـ"مندوبين تنفيذيين للبلديات" مختارين من الإدارة والمخابرات العسكرية لضمان تسيير البلديات، وبالذات في هذا الوقت تم اكتشاف "مؤامرة إسلامية" داخل الجيش، ولكن الغريب أن وسائل الإعلام لم تذع عنها أي خبر!
"مؤامرة إسلامية" جـد غريبة!
منذ ينـاير 1992 أخبرنا أحـد عناصـرنا المدسوسين في صفوف (ح.إ.م/2MIA) وهي الجماعة التي كونها عبد القادر شبوطي، سعيد مخلوفي، ملياني منصوري عز الدين بعة، (التي سبق أن تحدثت عن تكوينها في الفصل الثالث) بأن هؤلاء الأشخاص كانوا على اتصال مع أحد الضباط في الـ(ج.و.ش/ANP) "برتبة ملازم".
ولكون سعيد مخلوفي ضابطا سابقا في المحافظة السياسية للـ(ج.و.ش/ANP) فقد مرر زملاء دفعته في الغربال، اتصلنا في البداية بقمر الدين خربان وهو أحد قادة (ج.إ.إ/FIS) ملازم سابق في القوات الجوية ولكن بدون جدوى، وأوصاف هذا الملازم "الإسلامي" هي (1.70م، 70كلغ شعر أسود، أسمر، بدون علامات خصوصية)، تتطابق مع أي كان، ولا تمكننا من التقدم في تحرياتنا خاصة وأن الاتصالات تجري كل مرة في مكان مغاير، مما صعب عمل الفريق التقني!
وفي الوقت الذي كان التحقيق يراوح مكانه، وكنت على وشك أن أتخلى عن هذه القضية لحساب (م.م.أ.ج/DCSA) أخبرني أحد رجالي وهو الملازم إيذير (ضابط بحث) في منتصف يناير 1991 أنه كان باستطاعة عميله خالد بوشمال الاتصال بعبد القادر شبوطي.
وبعد ثلاثة أشهر من ذلك التاريخ علمت أن هذا العميل كان قد سجل بآلة تسجيل صغيرة عدة محادثات مع عبد القادر شبوطي وهكذا أثبت يقينا بأن (ح.إ.م/2MIA) لم تكن مستعدة لشن العدوان وأن "الملازم أحمد" بالرغم من قناعاته الدينية قام بكل ما يستطيع لثني الإسلاميين عن التحول إلى العمل المسلح.
وبفضل بطاقية (م.م.أ.ج/DCSA) ومقارنة المعلومات عرفت هوية الملازم أحمد في يناير 1992 بأنه هو النقيب أحمد شوشان (فقد كان قد رقي إلى هذه الرتبة في نوفمبر 1991) فهو مدرب في الأكاديمية العسكرية لمختلف الأسلحة بشرشال.
وكما قلت فإن القيادة العسكرية قد أعجبت بطريقة بن علي في تونس فتوختها في البحث عن التعلات لإقصاء كل ضباط (ج.و.ش/ANP) الذين تظهر عليهم أعراض "إسلامي " أو تبدو لديهم بعض علامات التعاطف مع الإسلاميين، وقد شرع في هذه العملية ابتداء من يناير 1992 بغلق المصليات ومنع إنشائها في وحدات الجيش، وقد كلف ضابط الأمن بإعداد قوائم العسكريين "المشبوهين" ولتبرير توقيف الضباط "الإسلاميين " كان لابد من إيجاد أدلة وهو ما انكب على اختلاقها كل من الـ(م.م.أ.ج/DCSA) والـ(م.ع.ب/CMI)!
وفي فترة حالة الطوارئ هذه كانت كل الوسائل صالحة لنزع المصداقية عن الإسلاميين، وإلصاق كل بواكير العنف بهم!
وهكذا تم اتهام مجموعة من العسكريين بمحاولة سرقة أسلحة، وأخرى بمحاولة وضع قنبلة في المدرسة الوطنية للمهندسين والتقنيين إلا أن الاكتشاف أو الغنيمة "الكبرى" كان تفكيك جماعة من الضباط وضباط الصف الإسلاميين الذين حاولوا تدبير "انقلاب عسكري" ففي 03 مارس تم توقيف هذه المجموعة المكونة من 57 عسكريا 70 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftn70) بتهمة "التآمر المسلح" وكانت تتكون من ثلاثة عشر نقيبا (من ضمنهم أحمد شوشان) ثمانية عشر ملازما، وستة وأربعين ضباط صف كلهم سيحاكمون فيما بعد وسيدانون بعقوبات تتراوح ما بين ثلاث وأربع سنوات سجن.
وفي 29 مارس عرض الجنرال محمد العماري "قائد القوات البرية" القضية على الرئيس محمد بوضياف، وقد بين له أنها محاولة انقلاب تم إحباطها من طرف مصالح الأمن، وحينها استشاط بوضياف غضبا، وما أسخطه هو أن يتجرأوا على أن "يسوقوا" له فكرة "انقلاب عسكري " قاده....نقيب!
ومن جهتي، فبعد أن اطلعت على التقرير الذي وصلني من (م.م.أ.ج/DCSA) حول هذه القضية، لم أتردد في إعلام العقيد صادق آيت مصباح بارتيابي في الموضوع، ذلك أن أطروحة التآمر لتدبير انقلاب عسكري بدت لي أمرا مبالغا فيه تماما، لأنه نظرا للمعلومات المتجمعة لدينا فإن العملية (هذا إن وجدت أصلا) كانت ستؤول حتما إلى الفشل الذريع وذلك لأن "المتمردين" المفترضين لم يجروا أي اتصال مع النواحي العسكرية الأخرى، ولا مع وحدات القتال (المدرعات، الطيران، الفرق...) ولا مع مصالح الاتصال ولم يكن يتوفر أي مؤشر يثبت وجود مخطط للسيطرة على الإذاعة والتلفزيون. أن الجزائر ليست إحدى الدول الإفريقية التي يمكن لعريف أو رقيب أن يقلب رئيسا! فانقلاب عسكري فيها يتطلب تحضيرا آخر!. وقد كان التبرير الوحيد المقدم في التقرير كدليل إثبات التهمة هو أن الإسلاميين "مجانين" وأنهم قادرون على كل التضحيات بأي شيء من أجل إقامة جمهورية إسلامية في الجزائر، وأنهم يريدون بث الفوضى العارمة... حقيقة أنني لم أكن مقتنعا، ولكن بصفتي عسكريا لم يكن من حقي أن أحتج أو أناقش رواية المسؤولين السامين. فالقاعدة المطبقة في الجيش هي أن الرئيس أو القائد دائما على حق حتى ولو كان مخطئا!
على أي حال، فإن الرئيس محمد بوضياف اعتقد أنهم يستهزؤون به فأصدر قرارا في الحين بعزل الجنرال محمد العماري من وظائفه وتعويضه بالجنرال رحيم خليفة الذي كان وقتها قائدا للناحية العسكرية الثانية بوهران، وتم تحويل الوحدات المقحمة في الحرب ضد الإرهاب التي كانت تحت قيادة محمد العماري في عين النعجة إلى الـ(و.و.ق.ل/ONRB) بشاطوناف، وهي هيكلة جديدة كانت قد استحدثت في تلك الآونة بالذات في دالي براهيم (وسأعود إلى هذا الموضوع في الفصل السابع عند الحديث عن تنظيم مختلف مراكز قوات الأمن في سنة 1992).
في ربيع 2001 التقيت في لندن بالنقيب أحمد شوشان، الذي لم أكن أعرفه حتى ذلك اليوم إلا بالاسم، وأثناء هذا اللقاء كشف لي هذا الضابط النزيه والمخلص طبيعة هذه "المؤامرة" المزعومة، فبصفته مدربا في الأكاديمية العسكرية بشرشال منذ سنوات عديدة، كان يعرف شخصيا معظم ضباط الـ(ج.و.ش/ANP) الشبان الذين مروا على "سان سير الجزائر" هذا وأن الكثير منهم كانوا معجبين به، وبعد انقلاب يناير 1992، اتصل به الكثير من هؤلاء الشبان الذين كانوا ضمن المحيط المباشر للقادة الرئيسيين للجيش، والذين أحنقهم ما كان يحدث من تجاوز وظلم في حق الوطن فطلبوا منه الضوء الأخضر لقتل أولئك المدبرين للانقلاب، وهو ما كان في مقدورهم أن يفعلوه.
ولكن شوشان أثناهم عن ذلك، مثلما بين علانية في شهر أوت 2002 "الأسباب الحقيقية لإيقافي هو اقتناع القيادة بأن وجودي يهدد مشروعهم الرامي إلى تحقيق المواجهة المسلحة ضد غالبية أفراد الشعب الجزائري، وهو المشروع الذي عارضته علانية، وبصوت مرتفع، ولكن السبب المباشر هو أن الكثير من الضباط وصف الضباط كانوا ساخطين جدا على قرارات القيادة وعلى نتائجها، وأعني قمع واضطهاد أغلبية الشعب إلى درجة أن هؤلاء العسكريين أرادوا اغتيال القادة لرفع الظلم الواقع على البلاد والعباد.
وفعلا، وبسبب سمعتي الطيبة داخل الجيش، والثقة التي كنت أحظى بها من طرف الضباط وضباط الصف، وخاصة في داخل القوات الخاصة، فقد كشف لي عشرات الضباط عن نياتهم وطلبوا رأيي حول الموضوع، ورغم اقتناعي الكلي بمشروعية ما كانوا ينوون الإقدام عليه، لم أكن أرى أن اغتيال القادة سيحل المشكلة، ونصحتهم حينها بعدم العودة إلى التفكير في هذا الموضوع بتاتا. وكذلك، لم يحاول أي عسكري ممن كنت أعرفهم أن يقوم بأي شيء على الإطلاق" 71 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftn71).
لكن الجنرالات كانوا يجهلون كل هذا! لقد كان شوشان في نظرهم،(بفعل نفوذه، وتأثيره على الضباط في القوات الخاصة) يشكل عائقا كبيرا في طريق تنفيذ مخططهم الجهنمي، وأخشى ما كان يؤرقهم هو أن يقنع هؤلاء الشبان برفض الامتثال لأوامرهم وهم الذين كانوا يراهنون عليهم في القيام بالأعمال القذرة! ولهذا السبب تم توقيفه، ومعه كل أولئك الضباط الحازمين الذين تربوا على يديه في مدرسة "الأخلاق " الوطنية بشرشال،(وطبعا فإن عملية التطهير "الوطني" هذه ظلت سرا مكنونا لم يبح به أحد منهم حتى الآن!).
وكما قال لي شوشان ذاته أيضا بأن هذه الحقائق كانت السبب الذي جعل رئيس أركان الجيش الجنرال عبد المالك ڤنايزية يزوره شخصيا في سجن بشار العسكري يوم 26 ماي 1992 أي بثلاثة أشهر فقط من توقيفه وذلك لمساومته في شأنه، وشأن الموقوفين معه في نفس الوقت، بإجراء "تسوية" بالتراضي معهم(على أساس إطلاق سراحهم مقابل تقديم الولاء لهم)، إلا أن محاولة الجنرال تحطمت على صخرة نوفمبرية صلبة، وباء بالخسران المبين هو ومن معه من الطغاة المجرمين إلى يوم الدين!.
بوضياف ضـد الجـنرالات
لقد أورد شوشان كذلك أن رئيس أركان (ج.و.ش/ANP) قال له بكل رعونة "أن بوضياف يعترض طريق مخططنا، وسيرى قريبا لمن ستكون الكلمة الأخيرة.. له أم لنا" ذلك هو السبب الذي يجعلني أجزم، وبدون مثقال ذرة من شك بضلوع الجنرالات في عملية اغتيال الرئيس بوضياف بشهر فقط بعد ذلك!
لقد بدأ رئيس (م.أ.د/HCE) يصطدم بجد مع الجنرالات حول العديد من الملفات وبصفة خاصة مع الجنرال توفيق، ولكن تحديدا لأنه قرر الهجوم مباشرة على قاعدة النظام وقلبه وعصبه الحساس، ألا وهي شبكات الفسادوالرشوة (خاصةأخذالعمولات الطائلةعنصفقاتالاستيراد)التيكانت تحت سيطرة"عصابة يناير" (هذه الشبكات كما عرفت فيما بعد كانت هي السبب الرئيس في إصرارهم الشديد وتصميمهم العنيد على إزالة "ج.إ.إ/FIS" من الطريق لأنها كانت ستحرمهم من هذه الرشاوى حتما لو وصلت إلى سدة الحكم!)
لقد صرح بوضياف في خطاب ألقاه يوم 23 أفريل بقوله:" لقد وعدنا بفتح ملف الرشوة، وسنفي بوعودنا" وفعلا فقد عجل بإجراء التحقيق حول صفقات التحويل وسرقة أموال الدولة، وقد عهد مباشرة بهذه المهمة إلى اثنين من ألمع ضباط (ق.إ.أ/DRS) 72 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftn72) اللذين كنت أعرفهما شخصيا وهما: النقيب عبد الحق الذي اشتغل تحت رئاستي في (م.ب.ت/SRA)، فهو ذو كفاءة عالية في ميدان التحقيقات الاقتصادية (ففي سنة 1990 قاد على الخصوص التحقيق في قضية "فيلا" الصنوبر البحري، الواقعة داخل معرض الجزائر والتي استحوذ عليها العقيد إسماعيل العماري)، والثاني هو الرائد مراد مباركي محرك قضية حاج بتو.
هذه القضية التي صارت أحدوثة الشارع في ذلك الوقت. ففي يوم 4 جوان 1992 تم القبض على المدعو محمد بوحوس وهو معروف اكثر باسمه المستعار حاج بتو، وقدم على أنه من أباطرة التهريب وكان ذلك نتيجة تقرير مقدم من الرائد محمد مسيرف المدعو عبد الرزاق رئيس (م.ب.تق/CRI) في الناحية العسكرية السادسة. وقد مكن التحقيق والتفتيش الذي تم من اكتشاف سلع مختلفة في مخازن حاج بتو في تامنغست تقدر قيمتها بحوالي 20 مليون فرنك فرنسي في ذلك الوقت (مواد غذائية، سجاير، أدوات كهرومنزلية، وحتى أسلحة) والكشف عن شبكة تهريب واسعة ما بين الدول (الجزائر، ليبيا، نيجر، مالي).
ألقي القبض على حاج بتو بأمر من محمد بوضياف، وكانت محاكمته تنذر بكثير من الإثارة لأن التحقيقات كانت ستصل حتما إلى رأس (العصابة السياسية المالية) التي تنخر اقتصاد الوطن (حسب تعبير الرئيس بوضياف ذاته).
لكن في منتصف جوان يقتل الرائد مسيرف بصدفة غريبة في وهران حيث كان يقضي عطلة هناك، وقد قتله "خطأ" أحد رجال الشرطة في حانة بدعوى أنه كان يظنه "إرهابيا مسلحا" وكأن الحانات هي من الأماكن التي يرتادها الإسلاميون، ولا أحد يعرف ما إذا عوقب هذا الشرطي القاتل، أو حتى ما إذا سلم إلى سلطة قضائية).
وفي نفس الفترة قتل كلا الضابطين اللذين كلفهما الرئيس بوضياف بالتحقيق وهما: الرائد مراد، والنقيب عبد الحق، وقد قتل الاثنان من طرف "إسلاميين" حسب ما قيل لنا!
فالرائد مراد قتل في الوقت الذي كان ذاهبا إلى منزل أصهاره في باش جراح، حيث كان ينتظره القاتل في بئر السلم عند المدخل وقد أطلق عليه النار من مسافة قريبة، وبالنسبة للنقيب عبد الحق فقد قتل هو الآخر كذلك بإطلاق الرصاص عليه عن قرب وهو يقود سيارته في البليدة، وقد لوحظ أن كلا العمليتين قام بهما فاعلون على درجة عالية من الاحتراف، فلم يتم العثور عليهم إلى الآن، كما أنه لم تتبن أي جهة هذه العمليات الإجرامية! 73 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftn73) ويبدو لي بديهيا أن كلتا العمليتين نفذتا بأمر من رؤساء (ق.إ.أ/DRS)، الذين لا يستطيعون أن يقبلوا أن تتجاوز التحقيقات المالية الحاج بتو لتصل إلى أعلى المسؤولين في رأس "العصابة الحاكمة".
فبمجرد عزل الجنرال محمد العماري، وانطلاق هذه التحقيقات شنت حملة شعواء من القدح والاغتياب في الرئيس بوضياف منسوبة إلى الإسلاميين طبعا، تتهمه على الخصوص بالماسونية وفي الحقيقة لم يفعل الإسلاميون سوى نقل ونشر الدعاية الخارجة من مكاتب (ق.إ.أ/DRS) التي آخذ رؤساؤها، ورؤساء (ج.و.ش/ANP) على بوضياف مبادرته وتصرفاته "المستقلة" حيث قام بزيارة في السر إلى المغرب (لحضور حفل زفاف أحد أبنائه، في آخر ماي) وذلك بدون استشارة الجنرالات، وكذلك نيته غلق المراكز الأمنية في الجنوب، بعد أن أدرك النية السيئة لأصحاب القرار والعمل المنحرف والخطير الذي يقومون به في هذه المسألة (وهو إقامة معامل لإنتاج "الإرهابيين" في هذه المراكز) واتصالاته السرية أيضا بقاصدي مرباح، ومصطفى شلوفي (القائد السابق للدرك الوطني والأمين العام السابق أيضا لـ(و.د.و/MDN) الذي طلب منه مساعدته في تسليط الضوء على قضايا الرشوة في الصفقات المبرمة مع الـ "ج.و.ش/ANP") وكذلك محاولته تأسيس حزب سياسي (التجمع الوطني الشعبي) الذي كان سيمكنه من امتلاك قاعدة شعبية، وكذلك رغبته الملحة في تسوية النزاع القائم مع المغرب حول الصحراء الغربية و"الأخطر" من ذلك كله في نظر الجنرالات هو اعتزامه إجراء تغييرات هامة في التراتبية العسكرية، وفي الحكومة كذلك، (فقد كان ينوي على الخصوص أن ينهي مهام الجنرال توفيق) وهكذا وقع على الحكم عليه بالموت، دون أن يعلم (وسأعود إلى هذا الموضوع في الفصل العاشر عند الحديث عن ظروف اغتياله).
اغتيال الرائد جابر بن يمـينـة
في ربيع 1992 كانت مطاردة الضباط المشبوهين قد بلغت أوجها: العزل، التوقيف، وكذلك التصفية الجسدية، وفي هذا الصدد أريد أن أتطرق إلى حالة الرائد جابر المغتال في أواخر مارس بالتقريب.
إن هذا الضابط المولود في غيليزان ينتمي إلى ذلك الطراز من الضباط الذين يعتبرون العمل في (ج.و.ش/anp) مهمة مقدسة، لقد دخل في سن مبكرة، وأمضى كل حياته في المصالح، تعارفنا في بداية الثمانينات وتصادقنا بسرعة عندما خلف النقيب عثمان طرطاڤ المدعو "بشير" في مهام رئيس مكتب أمن القطاع (م.أ.ق/bss) في ولاية أم البواقي، وهي مدينة تبعد حوالي 150 كلم جنوب قسنطينة.
لقد كنت معجبا بصرامته، وكذلك حبه للتواصل والاستمرارية، وبخلاف ما هو سائد في الواقع، فقد كان من الإطارات النادرة جدا الذين لم ينتقدوا أعمال سابقيهم عندما استلم وظيفته الجديدة. وبعد أن قضى ثلاث سنوات في أم البواقي حيث تعارف على الفتاة التي تزوجها وأقام معها هناك، تم نقله إلى المدية، وهي المدينة التي كان يحبها كثيرا إلى درجة أنه قرر أن يقيم فيها بصفة نهائية...
لقد أقمنا علاقات ودية وكنا نلتقي بانتظام أثناء اجتماعات "المركزية" (اجتماعات تضم رؤساء "م.أ.ق/bss" مع مدير الـ"أ.ع/sm" ونوابه الرئيسيين) أو أثناء مختلف المؤتمرات والمنتديات واجتماعات الإطارات...،التي تنعقد في قصر الأمم بالجزائر العاصمة. وأثناء مؤتمر (ج.ت.و/fln) (المنعقد في نوفمبر 1988، كنا نتقاسم نفس الغرفة في فندق سيدي فرج، ولم يكن يخفي عليا انتقاداته لجنرالات (ج.و.ش/anp) المسؤولين في رأيه عن إطلاق الرصاص على المدنيين أثناء أعمال الشغب في أكتوبر، ولقد جعلني متأثرا جدا كذلك عندما أسر إلي بمكنوناته، وأقواله التنبئية المثيرة حقا حيث قال لي رحمه الله "لا أريد أن يفكر أبنائي في المستقبل بأن أباهم تصرف كحركي للدفاع عن النظام، إن التاريخ سيحتفظ بكل شيء في سجله الذي لا يترك أحدا!!"
وفي يوليو 1990 نقل الرائد جابر الذي كان إلى ذلك الحين رئيس (م.ب.تق/cri) للمدية ويشمل عمله الجلفة والمسيلة، إلى مصلحة البحث التابعة لي في العاصمة، وقد اقترحت عليه أن يختار بين أن يأخذ مكتب التقصي أو يعين ملحـقا لدى شريف حاج سليمان الوزير المنتدب المكلف بالبحث العلمي الذي يوجد مقر وزارته في "فيلا سوزيني" (التي كانت مركزا شهيرا للتعذيب أثناء حرب التحرير) وهي تقع على خطوات من ريـاض الفتح، وهي حقا فيلا رائعة بمنظر خارق للعادة يطل على البحر، فلم يتردد في قبول هذا المنصب.
وبعد حل (م.ع.و.أ/dgps) واستقالة الجنرال محمد بتشين في سبتمبر 1990، وعودة المقدم إسماعيل العماري كان أول ما بدأ عمله هو التخلص من كل الضباط المقربين، من الرئيس السابق للمخابرات ومنهم الرائد جابر،(فقد دعوا جميعا إلى طلب حقوقهم للإحالة على التقاعد أو وضعوا على الهامش بدون أية وظيفة محددة) مع أن الرائد جابر في الحقيقة لم يكن ينتمي في يوم من الأيام إلى أية زمرة من الزمر المتناحرة، كما لم يكن يدين بالفضل (في المنصب الذي كان يشغله) إلا لكفاءته وتفانيه في خدمة الوطن وإخلاصه للمبادئ التي كان يؤمن بها إيمانا راسخا!
ففي مارس 1991 وقبل إضراب (ج.إ.إ/fis) بكثير، كان صهره (أخو زوجته الذي كان يعيش عنده في المدية) قد عاد من أفغانستان بعد إقامة هناك دامت ستة أشهر، فاستقبل في مطار هواري بومدين كالمعتاد وبعد 48 ساعة من المرور الإجباري على مقرات الشرطة بالعاصمة حول إلى مركز عنتر ببن عكنون، فطلب مني الرائد جابر حينها أن أتدخل لدى إسماعيل حتى لا يتعرض صهره إلى التنكيل والتعذيب المعهود، مؤكدا لي في نفس الوقت أنه سيحرص شخصيا على "حسن سلوك" صهره في المستقبل وبعد 5 أيام من البحث والتحقيق أطلق سراح الشاب "الأفغاني" ليعود إلى العيش معه في المدية، ولكن إسماعيل العماري المهووس بحقده المفرط على الإسلاميين، لم يستطع أن يتصور أو يهضم أن توجد لضابط سام في الـ(أ.ع/sm) علاقة قرابة مع شخص سبقت له الإقامة في أفغانستان وزيادة على ذلك فإن الرائد جابر الذي كان رجلا متدينا جدا وتقيا، يعتبر "مشبوها" ويحذر جانبه، حتى إن إسماعيل طلب مني أن أضعه نصب عيني، ولكي يتمكن من مراقبته بكيفية جيدة وعن قرب، قام بتعيينه في المستشفى العسكري بعين النعجة كمسؤول عن الأمن حيث سيكون تابعا للمقدم كمال عبد الرحمان.
وفي بداية شهر رمضان (مارس 1992) وقعت عملية اغتيال في عين النعجة وقت الإفطار كان ضحيتها رجلا الدرك الوطني القائمان بحراسة بوابة المستشفى، وقد أخذ المهاجمون سلاحهما، وظل التحقيق يراوح مكانه، وأنظار الـ(م.ج.م/dce) أخذت تتجه صوب الرائد جابر، فطلب مني إسماعيل أن أتحقق من أعماله ساعة وقوع الفاجعة، فتبين أن المشكوك فيه كان موجودا لحظتها في منزله الوظيفي الواقع داخل المستشفى ذاته، وقد علم بالخبر مثل كل الناس، من دوي الرصاص أولا ثم من خلال الضجيج الذي يعقب عادة مثل هذا النوع من الأعمال.
ولكن بعد أسبوع من هذه الحادثة الأليمة، عين جابر في مركز غرمول الذي كان في الوقت ذاته مقر (م.ج.م/dce) لإسماعيل العماري، لكن بدون منصب، ولا وظيفة، أي عبارة عن عزل بدون إعلان!
وعندما شعر أن بقاءه لم يعد مفيدا، قدم طلبا لشطب اسمه من صفوف العاملين بالـ(ج.و.ش/anp) وريثما يتلقى الرد الرسمي على طلبه، ظل يخاطر بالذهاب كل مساء إلى المدية لمشاركة أفراد عائلته طعام العشاء، مع التزامه بمواعيد العمل يوميا على الثامنة صباحا، في غرمول، وفي أحد الأيام لم يحضر جابر، ولم يلفت ذلك انتباه أحد، لأننا كنا في رمضان وقد يعود ذلك إلى أي سبب من الأسباب، كمرض أحد أفراد عائلته، أو أي مانع آخر، ولكن علمت فيما بعد أن هذا اليوم وبعد أن أدى صلاة الفجر على الساعة السادسة صباحا، وهو خارج من بيته في قلب مدينة المدية يتأهب لامتطاء سيارته "الڤولف" الرمادية المتوقفة أمام المنزل، اقترب منه مجموعة من الأفراد وأخذوه بالقوة إلى مكان مجهول (أصوليون حسب الرواية الرسمية) وبعد أيام قلائل من اختطافه، قام المجرمون بذبحه، وإلقاء رأسه "كشعار للغلبة"، في مدخل المدينة، لتصبيح سكانها مروعين ومذعورين وحائرين!!
لقد أثر هذا الاغتيال في جميع سكان مدينة المدية، لأن الرائد جابر كان معروفا ومحبوبا فيها من الصغير والكبير، فلماذا ارتكب مختطفوه هذه الجريمة النكراء في حق هذا الرجل الوديع؟ فمن الناحية الرسمية كان الرائد جابر من أوائل ضحايا الإرهاب الأصولي ضد رموز "الطاغوت"، وكادت هذه الرواية أن تكون مقبولة لدى البعض في تلك الظروف، غير أنه وأثناء لقاء جمعني بمدينة بون في ألمانيا مع الجنرال إسماعيل العماري سنة 1995 باح لي بكلام لا يترك أي مجال للشك حول هوية المدبرين الحقيقيين لهذا الاغتيال الشنيع الذي يدخل في صميم "مخطط نزار" وكان هذا اللقاء بحضور المقدم عطافي(اسمه الحقيقي رشيد لوراري وهو اليوم جنرال ورئيس "م.ت.أ.خ/ddse") فقد تطرقنا خلال الحديث لسيرة إطارات (ق.إ.أ/drs) ودورهم السابق في إعداد المناخ الأكثر ملاءمة لمتطلبات التطبيق الديمقراطي، فاعترف لي الجنرال إسماعيل بأنه أخطأ في حق الرائد جابر موضحا:" إنه رجل أثبت شجاعة مثالية فقد واجه الموت بكرامة وشرف، حتى إنه وهو أمام جلاديه الذين كانوا يهمّون بذبحه وقف لهم بالمرصاد واصفا إياهم بالإرهابيين".
كان جوابي بكل تلقائية: "كيف عرفت ذلك!؟"
فأجابني الجنرال إسماعيل مندهشا من تلك الجرأة وبعد برهة من التردد والوجوم "لقد أتوني بالشريط الذي سجل فيه الاستنـطاق! فقبل أن يذبح إسلاميو الـ(ج.إ.م/gia) أي فرد يجرون له محاكمة مثل المحكمة تماما"
ولاشك لحظتها أن الجنرال إسماعيل قد لاحظ علامات الارتياب مرتسمة على ملامح وجهي بكيفية لا تخطئها أي عين بصيرة!
وبالفعل فالـ(ج.إ.م/gia) لم تكن قد وجدت بعد في ذلك الوقت، ومن جهة أخرى أعرف جيدا أن حكايات "المحاكمة الإسلامية" هذه لم تكن إلا محض اختراع واختلاق من المخابرات لإرهاب المواطنين! ففي 1992 – 1993 كان الإسلاميون الحقيقيون الذين يدعون إلى الجهاد، يقومون بعمليات ضد الشرطة والعسكريين، ولكنهم لم يكونوا منظمين إلى درجة أنهم يحاكمون ضحاياهم ويسجلون تصريحاتهم على أشرطة في الأدغال لتذهب أو تطير ثم تنزل هكذا "من السماء" على مكتب الجنرال إسماعيل فلنكن جديين! إن هذه الطرق الإجرامـية كانت من أفعال وابتكار مؤسسي الـ(ج.إ.م/gia) أنفسهم الذين لم يكونوا (كما سنراه في الفصول اللاحقة) سوى الجنرال محمد مدين المدعو التوفيق، والعقيدان إسماعيل العماري، وكمال عبد الرحمان تحت غطاء وحماية "جنرالات فرنسا" الذين هم خالد نزار والعربي لخير ومحمد العماري ومحمد تواتي!
وبعد أيام من لقائنا في بون حاول الجنرال إسماعيل (كما يبدو في الظاهر) أن يبيض سمعته، فطلب مني أن أتدخل لدى السلطات الألمانية كي يمكنوا زوجة الرائد جابر من الحصول على رخصة إقامة في ألمانيا، حيث يوجد أخوها (الذي غادر الجزائر سنة 1992) وهو يقيم في برلين، وإسماعيل يعلم مع ذلك أنه لم يكن في استطاعتي أن أقوم بتلك الشفاعة لها، ولو أن رئيس (م.ج.م/dce) أراد فعلا أن يساعدها لكان بإمكانه أن يقوم بذلك من الجزائر وبكل سهولة! ولكن هذا الإخراج المسرحي الصبياني لم يكن إلا محاولة ساذجة وغبية لتحويل ش**** القاطعة فيه بكونه متورطا وضالعا في قتل صديق عزيز!
(ج.إ.م/gia) صنيعـة المخابـرات 100%
في هذا الخريف 1992، كنا في حالة إثارة شديدة، مكلفين بتسيير حالة الطوارئ نعيش في حالة انعزال، ومنشغلين بمهام كثيرة، وكان رؤساؤنا، إسماعيل بالطبع، وكذلك إبراهيم فضيل شريف، لا يفتآن يوميا خلال اجتماعاتنا في نادي الضباط يكرران نفس الكلام: يجب مواجهة "التهديد الإسلامي" الذي يعني حسب رأيهما نهاية (ج.و.ش/anp)، نهاية، الديمقراطية..، والجمهورية، والعودة إلى القرون الوسطى مثلما هو الحال في أفغانستان... وكانوا يشرحون لنا كذلك أن حسين آيت أحمد الزعيم التاريخي لـ(ج.ق.إ/ffs) أو المحامي علي يحي عبد النور (رئيس الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان) أو محمود خليلي (المجند للدفاع عن كل ضحايا الاضطهاد والقمع بمن فيهم الإسلاميين) فقد كان هؤلاء جميعا "أعداء" الجزائر الذين يحاولون أن ينتقموا من النظام، ويعملون "لحساب فرنسا".
لأخذ فكرة على الجو الهستيري الدموي الذي كنا نعيش فيه يكفي أن أذكر تصريحا للعقيد إسماعيل العماري، بلغ من الغرابة ما لا يمكن تصديقه، وقد ظل منقوشا في ذاكرتي منذ ذلك اليوم ولن أنساه ما حييت! ففي منتصف شهر ماي 1992 وأثناء اجتماع في شاطوناف بحضور العديد من ضباط(م.ج.م/dce) ومسؤولي (و.و.ق.ل/onrb)، أكد لنا قوله حرفيا :" إني مستعد لقتل ثلاثة ملايين جزائري، إذا لزم الأمر للمحافظة على النظام الذي يهدده الإسلاميون" وأنا أقر هنا وأشهد أنه كان صادقا بالفعل فيما توعد به...!
ففي هذه الظروف بالذات كان من الصعب جدا علينا أن نكون متبصرين ومدركين لمدى الانحراف الذي بلغه جهاز العنف المنظم الذي أخذ يظهر في الميدان خاصة وأن رؤساء (ق.إ.أ/drs) قد أولوا عناية فائقة في تضليلنا ووضع الحواجز أمامنا، كما سبق أن قلت. وهو ما يفسر (فيما يخصني) أنني وإن كنت قد انفصلت وابتعدت تدريجيا عن طرق القمع الوحشي التي فرضوها علينا (سأعود إلى ذلك في الفصل التالي) فإنني لم أدرك إلا فيما بعد ضخامة المسؤولية المباشرة للـ (ف.ج.ف/daf) وضباط (ق.إ.أ/drs) في خلق (ج.إ.م/gia) أداة الجرائم الأكثر فظاعة وشناعة في السنوات اللاحقة، ففي هذا الإطار لم تكن الشهور الأولى لسنة 1992 إلا التكملة المنطقية "لاستراتيجية التوتر" على الطريقة الجزائرية، التي دشنها الجنرالات مع وضع "خطة نزار" حيز التنفيذ منذ ديسمبر 1990، كما رويتها حتى الآن، وهو ما سأحاول أن أشرحه في هذا الفصل ولو أدى بي الأمر إلى العودة قليلا إلى الوراء.
موح ليفيي أول "أمير" لـ(ق.إ.أ/drs)
ابتداء من فبراير 1992 كانت الصحافة الجزائرية تذكر دائما اسم موح ليفيي وتقدمه بصفته أحد الإرهابيين الإسلاميين الأكثر خطورة: والذي نسبت لجماعته خصوصا مذبحة بوزرينة كما سبق الذكر.
لقد عرفت شخصيا هذا الرجل المشبوه للغاية، والمرتبط بالـ(أ.ع/sm) ارتباطا قويا، فعندما استلمت وظيفتي على رأس (م.ب.ت/sra) في مارس 1990، كان من بين المشاكل اليومية التي اعترضتني هي تعطل السيارات، فمن بين العشرين سيارة التي تتوفر عليها المصلحة كانت عشرٌ منها على الأقل معطلة باستمرار نتيجة فقدان قطع الغيار. وبما أنني لم أكن أتوفر لا على ورشة للتصليح ولا على الأموال اللازمة للقيام بذلك، فطلبت من سائقي خالد أن يجد لنا ميكانيكيا من معارفه لحل هذا المشكل بصفة نهائية، ولو تحتم الأمر أن ندفع له المقابل بسندات البنزين.
وسألته أيضا عن ماذا كان يفعل من قبل لحل هذا المشكل، فكشف لي المساعد خالد أنه كان متعودا على تصليح سيارته لدى أحد الميكانيكيين في حسين داي، ولكن هذا الأخير يرفض التعامل معنا من الآن فصاعدا، لأنه لم يستلم مستحقاته من الرائد الحاج لرباع الذي استخلفته في المنصب، وتحت تأثير الغضب طلبت من النقيب فاروق شطيبي الذي كان على علاقة بهذا الميكانيكي أن يحضره لي لكي أتحدث معه.
تقدم لي شخص (في هذا الشهر الحار من الصيف) اسمه محمد علال في الثلاثين من العمر له جسم رياضي يوحي بأنه يمارس ألعاب القوى، ذو لحية ناشئة، وبين لي بأدب أنه لا يرغب في تصليح سياراتنا، لأننا سيئو الدفع..!! مضيفا قوله أنه يقبل أن يصلح لنا سياراتنا الخاصة بكل سرور ولكن لا يصلح سيارات المصلحة مادامت مستحـقاته عليـنا لم تسدد بعد وتبلغ 8000 دينار! وقد كان كلامه يوحي بأنه يعرف الكثير من ضـباط الـ(أ.ع/sm) وبما أنني لم أجد وسيلة للتوصل إلى الحل معه صرفت نظري عن الموضوع نهائيا.
في خريف 1991، علمت أن محمد علال المعروف في حسين داي تحت اسم، أو كنية موح ليفيي، (وليفيي هي الاسم القديم للمقرية، وهو الحي الأصلي الذي أتى منه) قد تحول إلى اللصوصية "الإسلامية" ماسحا المنطقة الممتدة من واد أوشايح إلى الدار البيضاء، وكان يجتمع مع الإسلاميين عند أحد المتواطئين من بوروبة وكان يقوم بالعمل الدعوي في مساجد برقي والكاليتوس والشراربة، وقد عرفنا من مصادرنا أن موح ليفيي هو منفذ عملية الهجوم على وكالة الرهان الرياضي الجزائري في الخروبة وكذلك السطو في وضح النهار على الصندوق الوطني للتوفير والاحتياط بالشراڤة، ولقد أنذرت هذه السرقات في نظرنا عن نوايا الجماعة المسلحة في الحصول على الأموال لتوفير المخابئ وشراء الأسلحة، غير أن شراء الشقق في العاصمة كان الشغل الشاغل لدى هذه الموجة الجديدة من "المجاهدين" الذين لا يتورعون عن السرقة أو القتل باسم الإسلام، فيكفي أن تصدر فتوى واحدة من إمام (في الغالب هو الذي يسمي نفسه كذلك) كي يصبح أي شيء حلالا طيبا ومشروعا في سبيل الله!
وكان ينظر إلى السهولة التي تتم بها هذه السرقات، وفرار مرتكبيها على دراجات نارية وقيامهم بتلك الأفعال دون أي تواطؤ من الداخل قد أدركت كدليل على عزم وتصميم هؤلاء "المجرمين" واقتناعهم بما يقومون به من أعمال، إذ أن مصالح الشرطة التي كانت عاجزة عن التأكيد بالقول عما إذا كانت هذه الأعمال من فعل جماعة إسلامية أم هي مجرد سرقات، قد عرفت هوية الفاعل دون أن تتمكن من العثور عليه، أو تحديد مكان وجوده.
ومنذ ذلك الوقت كشفت التحريات التي تقوم بها مصلحتي بأنه يختبئ في شقة بالقبة، وقد نقلنا هذه المعلومات المؤكدة إلى الشرطة والدرك كي يلقوا عليه القبض، ولكن شيئا لم يحدث!
ولقد ازدادت حيرتنا أكثر عندما علمنا في فبراير 1992، أن محمد علال بالرغم من معلوماته المحدودة جدا في مجال الدين قد نجح منذ خريف 1991، في أن يقبل داخل الحركة الإسلامية كـ "أمير" على منطقة حسين داي، حي الجبل، وواد أوشايح...
وفي زمن قياسي جدا أصبح لا يُعلى عليه داخل التيار الإسلامي المتطرف إلى درجة أنه شارك في اجتماع مسؤولي التيار الإسلامي المنعقد في 16 يناير 1992 في جبال زبربر (الواقعة على بعد حوالي60 كلم شرق الجزائر) وقد ضم هذا الاجتماع المتطرفين الذين كانوا يدعون إلى الكفاح المسلح كرد على توقيف المسار الانتخابي، وخاصة منهم قادة الـ(ح.إ.م/2mia) والسلفيين، وكالعادة فإن عملاء (ق.إ.أ/drs) كانوا حاضرين، وكما كان من المتوقع فلم يتوصلوا إلى أي إجماع، وقد علمنا أن سعيد مخلوفي المكلف بتنسيق الكفاح المسلح كان يرى أن القوات لم تكن مهيأة لمواجهة (ج.و.ش/anp)، ويفضل أن يقوم قبل ذلك بعملية تحسيس تجاه هذا الأخير، فلم يكن ينوي بداية العمل المسلح إلا بعد أن يتمرد الجيش ضد قادته، ويرفض الامتثال لأوامرهم. وقد عين عبد القادر شبوطي "أميرا وطنيا" ولكنه كان ما يزال مترددا، لأنه كان يريد القيام بعملية ضخمة تشمل كل الوطن، وليس مجرد أعمال متقطعة في العاصمة والبليدة، والمدية.
وأمام هذا التردد دشن موح ليفيي وهو قليل الشهرة وبوسائل مادية وبشرية بسيطة، بداية "الاعتداءات" في شهر فبراير بالعاصمة، وبالضبط في اليوم الذي دخلت فيه حالة الطوارئ حيز التطبيق! وتعتبر عملية شارع بوزرينة وبعدها عملية الأميرالية من الأفعال المنسوبة إليه... وكان أحسن مسانديه يوجدون في حي بلوزداد، وحسين داي، والقبة والقصبة... ومن الإسلاميين الذين يستطيع الاعتماد عليهم كذلك أولئك الذين فروا من المحكمة العسكرية بالبليدة (ولقد سبق لي أن تطرقت إلى هذه القضية).
من بين هؤلاء الهاربين يوجد على الخصوص نور الدين صديقي وهو شخص كان يعتبر من الخطيرين جدا، ينتمي إلى جماعة التكفير والهجرة، ينشط في حي بلوزداد، وقد ألقي عليه القبض مرة أخرى في شهر أفريل 1992 بالقرب من مسمكة الجزائر من طرف شرطي تعرف عليه، وقد أوتي به إلى شاطوناف لاستنطاقه ولكنه سينجح من جديد في الفرار وللمرة الثانية بعد أن غافل حراسه الطيبين! وهو ما يؤكد بما لا يترك مجالا للشك بأنه عميل (ق.إ.أ/drs).
فأنا لم أسمع خلال ثلاث وعشرين سنة من العمل في هذا الجهاز أن أحدا قال بأن كائنا من كان استطاع أن يفر من مركز اعتقال تابع للـ(أ.ع/sm).
إن كل هذه الوقائع التي أوردت ذكرها في ظروف عملية شارع بوزرينة، لا تترك مكانا لذرة من الشك بأن موح ليفيي كان عميلا للمخابرات "اصطنع" خصيصا للقيام ببعض العمليات المماثلة في شارع بوزرينة والأميرالية لكي يتخذوا منه فزاعة وبعبعا إسلاميا يرعبون به المواطنين الأبرياء، وسيقتل في النهاية من طرف قوات الأمن في تيمزڤيدة في 13 أوت 1992، ولم يكن إلا واحدا من الأمراء العديدين لـ(ق.إ.أ/drs) الذين وضعوا على رأس الـ(ج.إ.م/gia) والذين سيصفون دائما وبانتظام بمجرد أن تنتهي مهمتهم المحددة في الزمان والمكان.
في أصل الجماعات الإسلاميـة المسلحـة
لم يكن موح ليفيي حالة منعزلة، فاستخدامه كعميل إرهابي من طرف (ق.إ.أ/DRS) يدخل في إطار استراتيجية شاملة لاستعمال العنف الإسلامي من طرف رؤسائنا، هذه الاستراتيجية التي شرعت في إبراز خطوطها العامة في الفصل السابق، سأحاول أن أوضحها هنا بناء على المعلومات الميدانية التي كانت بحوزتي والتي استطعت أن أحصل عليها مذاك لدى زملائي القدامى.
لنعرف جيدا الوضعية الغالبة أو السائدة في فبراير 1992، يجب التذكير بأن العديد من الجماعات العاملة في الخفاء قد تكونت بطريقة عفوية في المساجد العاصمية (كمسجد كابول في حي بلوزداد، كتشاوة في باب الواد، المقرية في الحراش...) كرد فعل لمواجهة "القمع العشوائي" الذي أعقب الانقلاب، إنه إحساس بالتمرد قد تملك الشبان الذين واجهوا رجال الشرطة أو الدرك ورموا بزجاجات المولوطوف على المحافظات وسيارات الشرطة... بعض هذه الخلايا كانت تمثل إسلاميين حقيقيين لم يكونوا قد تم اختراقهم بعد (حتى ولو أن هؤلاء المناضلين الشبان في الغالب كانوا يحرضون على "حمل السلاح ضد الطاغوت" من طرف مسؤولي مكاتب الـ(ج.إ.إ/FIS) المجندين من (ق.إ.أ/DRS) والذين أوكلوا لهم هذه (المهمة) فهذا الجو المحموم (المتميز بالتعفين المتعمد والمدروس بعناية من طرف المسؤولين العسكريين) وهو الذي يجب التمعن والنظر من خلاله في تتابع الأحداث.
ففي ذلك الوقت لم تكن المسألة تتعلق بالـ(ج.إ.م/GIA) بعد، ولكن كانت تتعلق "بجماعات" (إسلامية أو مسلحة)، أو "حركات إسلامية " أو "حركات مسلحة" هذه التربة العضوية المخصبة هي التي أنجبت "الجماعة الإسلامية المسلحة" كما ستعرف بهذا الاسم ابتداء من خريف 1992 74 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftn74) فهي عبارة عن اتحاد عدد من الجماعات الموجودة التي انضمت تدريجيا إلى النواة الأولى (كما سأفصل ذلك لاحقا) المكونة بمبادرة من (ق.إ.أ/DRS) (ولهذا السبب نجد أنه ابتداء من 1993 بدأ الحديث شيئا فشيئا عن الجماعات الإسلامية المسلحة عادة وليس عن الجماعة الإسلامية المسلحة)، فالعديد من الجماعات لم تكن معروفة من مصالح الاستخبارات ولكن الكثير منها أيضا كان مخترقا أو تم احتواؤه والسيطرة عليه تماما من طرف (ق.إ.أ/DRS) وهذه الجماعات كانت تمثل الأغلبية، وسيتم احتواؤها كليا ابتداء من سنة 1995.
إنها بالفعل استراتيجية شاملة لتنمية العنف الإسلامي الذي وضع قطاره على السكة في بداية 1992من طرف مسؤولي (ق.إ.أ/DRS). من الآن فصاعدا لم يعد الأمر يتعلق باختراق الجماعات الإسلامية المتطرفة للتمكن من السيطرة عليها. كما ظلوا يشرحون ويؤكدون ويبررون لنا منذ شهور، ولكن العكس من ذلك تماما، هو عمل كل شيء من أجل أن تتضاعف أعدادها لكي تزداد أعمال العنف وتنتشر فيشمل الرعب كل مكان!. إن هذه الاستراتيجية (المتبعة والتي ستبلغ ذروتها في السنوات اللاحقة)، ترتكز على عدة ركائز وتتبع عدة أساليب وطرق تتمثل في الآتي:
-اختراق الجماعات الإسلامية المستقلة تماما بواسطة مناضلين إسلاميين منقلبين (في غالب الأحيان يكونون ممن ألقي عليهم القبض ثم تتم إعادتهم إلى مجال النشاط مرة أخرى، بعد أن يقبلوا التعاون مع المصالح سواء بالابتزاز أو بالتوريط) أو بفضل عملاء (ق.إ.أ/DRS) كالعساكر الذين يقدمون أنفسهم كفارين من الجيش بسلاحهم وعتادهم، ويلتحقون بالمقاومة المسلحة في الجبال كالشريعة أو الزبربر، تابلاط، بني بوعاتب، سيد علي بوناب، وبلاد القبائل... ويكون هؤلاء الفارون من المواضبين على ارتياد المساجد، فيتم قبولهم بدون خوف أو تحرز، مع أنهم في حقيقة الأمر مكلفون بمهمة لحساب (ق.إ.أ/DRS).
- استخدام المجموعات المحتواة أصلا، والتي انتقلت إلى العمل المسلح في الشهور الأولى من سنة 1992 (خاصة "ح.إ.م/2MIA" وجماعة التكفير والهجرة و"قدماء الأفغان") لجلب مجندين جدد.
- تشجيع تكوين جماعات من مناضلين مخلصين، لكنهم يكونون موجهين منذ البداية دون علمهم بذلك (كالحركة من أجل الدولة الإسلامية للسعيد مخلوفي المنشأة في خريف 1992)
- تسريب الإسلاميين المزيفين المنحرفين إلى صفوف المناضلين الإسلاميين الحقيقيين في المراكز الأمنية بالجنوب أو في السجون والمعتقلات والذين سيكونون بعد الإفراج عنهم ابتداء من سنة 1993، جماعات مسلحة تنشط في مناطق معروفة بمساندتها، ودعمها للـ(ج.إ.إ/FIS) 75 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftn75)
- اختلاق جماعات مسلحة بقيادة "أمراء" هم في الحقيقة ضباط في (ق.إ.أ/DRS).
لقد استخدمت كل هذه الطرق، وأحيانا استخدمت جميعها في نفس الوقت، كما سأورد أمثلة حية على ذلك فيما بعد.
إن الفكرة العامة التي كانت تراود رؤساءنا فيما أظن هي ضم وتوحيد كل هذه المجموعات لإحداث عنف مراقب يمكن التحكم فيه والسيطرة عليه، إن هذا العمل الدقيق هو الذي لم يسر كما ينبغي (فأدى إلى العكس تماما أي أحدث فوضى عارمة) لأنه عمل كان يتطلب سرية تامة، وتعيين ضباط موثوق فيهم، وتنسيقا كاملا بين مختلف مصالح (ق.إ.أ/DRS) المكلفة بمراقبة هذه الجماعات: فالـ(م.ر.ع/CPO) "بمركز عنتر" للرائد عمار ڤطوشي و(م.ب.تق/CRI) بالبليدة للرائد مهنة جبار و(م.ع.ر.ب/CPMI) للرائد عثمان طرطـاڤ المدعو "بشير" وطبعا رئيس (م.ج.م/DCE) إسماعيل العماري ورفيقه في (م.م.أ.ج/DCSA) كمال عبد الرحمان، هذه المصالح التي تشرف على كل هذه العمليات بالاتصال مع الجنرالات: توفيق، بلخير، نزار.
إن الشهور والأعوام التي أعقبت هذه الاحتواءات والاستخدامات في كل الاتجاهات أفضت بالفعل إلى تكوين "جماعات إسلامية مسلحة" تحت السيطرة الكاملة لـ(ق.إ.أ/DRS) ولكن سرعان ما انحرفت نتيجة فقدان التنسيق، واتسع العنف وأصبح مستعصيا على المراقبة والسيطرة الكاملة عليه وهذا ما يعلل ابتداء من خريف 1992 التدخل الكثيف للقوات الخاصة للـ(ج.و.ش/ANP) بقيادة الجنرال محمد العماري (وسأعود إلى هذا الموضوع) مكتفيا هنا فقط بالإشارة إلى أن هذه الحرب ستجري بضراوة، وشناعة تجاوزت كل التصورات (قًنبلة بالنابالم، استعمال المدافع الثقيلة، والطوافات الحربية، أوامر بعدم الأسر، أي قتل كل من يقع في قبضة الجيش، الاستعمال المكثف لكل أنواع التعذيب...)
تجنـيـد (ق.إ.أ/DRS) للإرهابيـيـن
في شهر فبراير 1992 لم أتصور على الإطلاق أنني كنت عبارة عن أداة في هذا المخطط الشيطاني. لقد كانت لدي نظرة جزئية فقط عما كان يجري من مخططات ومناورات جهنمية، كنت أعرف مثلا من خلال تقاريرنا أن من بين "رويئسات" الأصوليين في العاصمة يوجد "الأمير" محمد ڤطاف، عميل (م.م.أ.ج/DCSA) الذي بدأ يشتهر باختراق صفوف الإسلاميين (سيقتل في القصبة سنة 1993) فرسميا وفي الظاهر كان مطلوبا من مصالح الأمن إلا أن هذا العميل "المنقلب" سينجح في "تلغيم" العديد من الجماعات المسلحة الحقيقية حتى أنه توصل إلى الإتيان بأمراء محليين أحياء إلى (م.ع.ر.ب/CPMI) في بن عكنون لكي "يطبخوا" هناك، فيقتل الصامدون من الذين لا يرجى تحولهم ضد إخوانهم، ويطلق سراح الذين ينهارون "أمام التعذيب الجهنّمي" ليواصلوا قيادة رجالهم (الذين هم في الغالب شبان سذج يعتقدون أنهم يجاهدون الطاغوت)، وهم في واقع الأمر يعملون بمقتضى توجيهات بن عكنون!
وأستطيع أن أذكر أيضا حالة عميل آخر لعب دورا مهما، وهو عبد الكريم غرزولي المدعو قاري السعيد، ومساره أقل ما يقال عنه أنه غامض ومبهم، فهو حسب علمي لم يكن ضمن عملاء (ق.إ.أ/DRS) والدور الذي لعبه ما بين 1991-1994 جعلني أستنتج أنه في غالب الظن قد عمل لصالح لـ(م.م.أ.ج/DCSA) (إلا إذا كان قد استعمل في الأصل دون علمه عن طريق شخص ثالث قبل أن يتم تجنيده) لقد ظهر قاري السعيد في بداية 1991 كعنصر نشيط جدا في تأسيس وتنظيم (المقاومة الإسلامية المسلحة في منطقة العاصمة، حيث شارك في العديد من الاجتماعات السرية التي كنا على علم بها قبل انعقادها بوقت كاف، ولكن لم نتلق أبدا الأمر بالتدخل، وهو ما يعني في هذه الحالة بالضرورة أن من بين الحاضرين في هذه الاجتماعات يوجد جاسوس مهم ما يزال صالحا للاستعمال.
وزيادة على ذلك فإن قاري السعيد لم يشارك أبدا بصفة مباشرة في أية عملية من العمليات، في حين أن المنطق والتجربة تثبتان بصفة عامة أن الإسلامي الذي يتطوع ويلتزم طريق الجهاد عن قناعة وإيمانا صحيحين لا يهاب الموت، بل يرغب فيه ويذهب في طلبه، وهو ما لم يكن ينطبق على حالة قاري السعيد، إن هذا الجانب النفساني كان يمكننا من تمييز المجاهدين الحقيقيين من المجاهدين المزيفين. ففي ذلك الوقت كنا نعلم أن المقاومات المسلحة الناشئة في الجبال كانت تغص بعملاء (ق.إ.أ/DRS)، لكن فيما عدا الضباط المؤطرين من الموجهين والرؤساء الثلاثة (توفيق، إسماعيل وكمال) فلا توجد إلا القلة القليلة الذين يعرفون هؤلاء "المجاهدين المزيفين" إن كل هذه العناصر سمحت لي بالاستنتاج أن قاري السعيد كان حتما عميلا للـ(أ.ع/SM).76 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftn76)
إذا كان عملاء (م.م.أ.ج/DCSA) لكمال عبد الرحمان نشطاء، فإن عملاء (م.ج.م/DCE) إسماعيل لم يكونوا أقل منهم نشاطا، وبالفعل فإن هذا الأخير خاب أمله، وفشلت مساعيه الشريرة عندما لم يقرر منشطو الـ(ح.إ.م/2MIA) (عبد القادر شبوطي، وملياني منصوري، وسعيد مخلوفي، وعز الدين بعة) في اجتماعهم في الزبربر في يناير، الشروع دون تأخير في العمل المسلح، وهو ما كان سيستعمل كذريعة لتبرير حل (ج.إ.إ/FIS) في الحال! فحتى يوليو 1992 لم تقم (ح.إ.م/2MIA) إلا بالقليل من العمليات المسلحة، وأمام هذه الخيبة لجأ إسماعيل إلى طريقة أخرى وهي استخدام المعارضين والمنشقين عن (ج.إ.إ/FIS) كي يتجاوز "التاريخيين" ويستحوذ على "الثورة الإسلامية" لحساب (ق.إ.أ/DRS).
وهكذا أنشأت (م.ج.م/DCE) ابتداء من 1992 مجموعات مسلحة "مستقلة" في درڤانة، وحراڤة، في ضواحي العاصمة، وأوكلت مهمة الدعم اللوجيستيكي لضابط الصف السابق عبد الله قاسي المدعو "شكيب"، وكان هذا "المساعد" في المصالح العملياتية للـ(أ.ع/SM)، قد طرد من الجيش سنة 1980 إثر "قضية ڤفصة" الشهيرة 77 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftn77)، ثم أعيدت رسكلته في عالم المال والأعمال، ومنذ 1991 كان يقوم بدور الوسيط بين إسماعيل العماري و"المراسلين" الفرنسيين الموصى بهم من طرف (ج.م.ف/DST) وأصدقائه المهتمين بالصفقات في الجزائر. لقد كان يكنى في أوساط الـ(أ.ع/SM) "بابا نوال" لأنه عندما يحتاج أحد الوجهاء شيئا مفقودا في الجزائر (ويسكي، سيڤار، عطر، جبن الخ) يكفي أن يقصده ليجاب طلبه في الحين، وعلى الرأس والعين!
لقد كانت فيلته المترفة الموجودة بالقرب من الرغاية في الضواحي الشرقية للعاصمة، المتوفرة على كل وسائل الراحة والتكتم تستعمل للعديد من التغطيات. لقد كان ابن شكيب برتبة ملازم أول في (م.ج.م/DCE)، حول إلي للعمل ضمن خلية الاستخبارات في (و.و.ق.ل/ONRB) بشاطوناف في أفريل 1992.
وفي آخر ماي، ونحن بصدد وضع "اللمسات الأخيرة" على قوائم الأعضاء المستقبليين للـ(م.إ.و/CCN) المجلس الاستشاري الوطني الذي سيقوم مقام البرلمان ابتداء من 22 جوان) ناداني العقيد إسماعيل العماري ليكلفني بأن اسلم حقيبة لشكيب، وأستلم منه في المقابل ملفا أجهل مضمونه تماما، وقد اكتفى إسماعيل بقوله: "اذهب إليه، وسيشرح لك" استقبلت من طرف السيد شكيب في مدخل فيلته الرائعة والذي لم أكن أعرفه من قبل، صاحب قامة قصيرة غير سمين، يقطر مكرا وخداعا!
وعرفت ذلك اليوم أن شكيبا كان يقوم بدور العميل المجند لصالح (م.ج.م/DCE)، إذ تم لقاؤنا بحضور محام (في الثلاثينيات من العمر، شعر كستنائي، وأتأسف لنسيان اسمه...) كان مكلفا بالدفاع عن الإسلاميين في السجون، ولكنه في الحقيقة يبتز المعلومات من موكليه لإبلاغها للـ(أ.ع/SM)!
وبعد التقديمات رافقت هذا المحامي إلى مكتبه بعين طاية لكي يسلمني الملفات، لم يتم بيني وبينه إلا اتصالان اثنان، إذ سافرت بعدها في مهمة إلى الخارج في منتصف جوان (وعند عودتي بعد اغتيال بوضياف، رفضت مواصلة العمل في شاطوناف) ولكنني علمت أن الملفات التي سلمها لي كانت تستعمل في جمع الأدلة ضد الإسلاميين المسجونين لوضعهم تحت المساومة والابتزاز، ولم يكن أمامهم سوى خيارين: إما إتمام إجراءات المحاكمة، أو التعاون مع المصالح، وعندما يخطو المرء الخطوة الأولى في هذا المنزلق كل شيء يصبح ممكنا، وبعبارة واضحة يصبحوا منذ ذلك الوقت دمىً بين الأيادي الإجرامية للجنرالات!
تكوين (ح.أ.د.إ/MEI) "تحت الرقابة"
لاشك أن أكثر حالات الاستعمال والتلاعب بعثا على الدهشة والاستغراب هي (ح.أ.د.إ/MEI) التي أنشئت في فبراير 1992 بمبادرة من بعض الإسلاميين المخلصين، وهم السعيد مخلوفي من (ح.إ.م/2MIA) وعبد القادر موغني (إمام أصدر فتاوي ضد النظام) والأخوان عمر وعبد الناصر عولمي اللذين كانا مناضلين نشيطين في الـ(ن.إ.ع/SIT) بدائرتي باب الواد وباش جراح. فهروبا من عمليات التوقيف التي مست قادة الـ(ج.إ.إ/FIS) بعد حظرها في جوان 1991، انتقل الأخوان عولمي إلى السرية منذئذ، وتقرّبا من سعيد مخلوفي الذائع الصيت في الأوساط الإسلامية، والمعروف بكتيبه حول "العصيان المدني".
إن تأسيس (ح.أ.د.إ/MEI) في الحقيقة كان من وحي الرائد عمار ڤطوشي رئيس (م.ر.ع/CPO) بفضل بعض العملاء مثل خالد بوشمال (أحد منتخبي الـ"ج.إ.إ/FIS" وقد سبق الحديث عنه) أو سيد أحمد لحراني (عضو المكتب الوطني (ج.إ.إ/FIS) الذي كان يحوم حول قادة الـ(ن.إ.ع/SIT) لحثهم على الانتقال إلى العمل المسلح، وفي تلك الغمرة من الاندفاع والحماسة انتهت (ح.أ.د.إ/MEI) التي جندت العديد من المناضلين المخلصين من أعضاء الـ(ن.إ.ع/SIT)، إلى القيام بالعديد من العمليات التي تبنتها دائما، ولكن قادة (ح.أ.د.إ/MEI) كانوا يجهلون بأنهم يلبّوا أوامر العقيد إسماعيل العماري التي تصلهم عن طريق عملاء (م.ج.م/DCE) الذين يتلقونها بدورهم من الضابطين المشرفين (الرائد عمار ڤطوشي، والملازم أول إيذير الذي رقي في نوفمبر إلى رتبة نقيب).
إن الهدف الذي حدد لبوشمال بصفته رئيس بلدية الرايس حميدو (بقي في هذه الوظيفة حتى 22 جوان) كان يتمثل في وضع إمكانيات البلدية تحت تصرف أعضاء الـ(ن.إ.ع/SIT) "المتطرفين" الذين كانوا ينشطون في السرية، وبعد تنحيته، ظل يقوم بدور همزة الوصل بين المندوب التنفيذي الجديد للبلدية المفروض من الـ(أ.ع/SM) وأعضاء الـ(ح.أ.د.إ/MEI).
وفي بداية مارس سلم سيد أحمد لحراني هو الآخر بدوره إلى عمر العولمي ختما باسم الحركة من أجل دولة إسلامية (ح.أ.د.إ/MEI) للتصديق على البلاغات التي كان سيحررها مسؤولو الـ(ن.إ.ع/SIT)، لكن هذا الختم لم يكن في الحقيقة إلا نسخة عن الختم الأصلي الذي صنعته المصالح التقنية في (م.ر.ع/CPO) بمركز عنتر، والذي سيستخدمه الـ(أ.ع/SM) لإعداد البلاغات "الحقيقية-المزيفة" الصادرة عن (ح.أ.د.إ/MEI) بدون علم قادتها!
فبمجرد أن يصدر بيان رسمي يطالب بإقامة "دولة إسلامية في الجزائر" محتجا على توقيف المسار الانتخابي، أو داعيا إلى الجهاد... يخرج الرائد عمار ڤطوشي بلاغا مزيفا (من تحرير النقيب جعفر) لإفقاد مصداقية البيان الأول أو لزيادة حدة الإلحاح والتأكيد على المطالب.
ولقد اكتشف مسؤولو (ح.أ.د.إ/MEI) هذه الخدعة، ولكنهم كانوا من القلة والضعف بحيث لا يمكنهم منافسة آلة الدعاية التي يتوفر عليها (ق.إ.أ/DRS) (وسينتهي بهم الأمر إلى الانضمام إلى (ج.إ.م/GIA) ولن يكتشفوا الحقيقة إلا فيما بعد، وسأعود إلى هذا الموضوع).
في ماي أو جوان 1992 تسلم العميل خالد بوشمال الموجه من الملازم أول إيذير مبلغا من العملة الصعبة لقضاء "عطلة" في تونس، وقد كانت هذه الرحلة المصطنعة تهدف إلى إيهام مسؤولي(ح.أ.د.إ/MEI) بأنه أحضر من تونس كمية من أجهزة الراديو وكتب عن حرب العصابات التي سلمها إليهم، (وقد كانت في الحقيقة آتية من " م.ج.م/DCE")
لقد كان مناضلو (ح.أ.د.إ/MEI) يجتمعون في فيلا ببوزريعة، وكان بوشمال يأخذ معه مسجلا صغيرا ينقل فيه كل ما يدور في تلك الاجتماعات، ثم يسلم لنا التسجيلات تباعا، وهو ما مكننا لاحقا من التدخل بكيفية انتقائية لتحييد العناصر الخطيرة أو محاولة التقرب من أعضاء جدد في المجموعة.
وعندما علمت في آخر ماي 1992 بهذه العمليات الموجهة من الملازم أول إيذير ضابط البحث الذي كان تابعا لمصلحتي، اتخذت قرارا برفض تصور رئيس (م.ج.م/DCE) للحرب ضد المخربين. ومن الأهمية بمكان أن أبين أن هذه العملية قد بدأت حينما كنت ملحقا بعين النعجة في إطار إدارة حالة الطوارئ ولم أعرف جسامة الأضرار إلا بعد استئناف عملي على رأس (م.ب.ت/SRA) في ماي 1992، ومن ثمة كان اتخاذ قراري بالكف عن مشاركة إسماعيل تلك المناورات. لقد كان الملازم أول إيذير يتلقى التعليمات مباشرة من هذا الأخير، وكان دائما يعلمني باتصالاته بانتظام. عند رفضي الدخول في المسائل الصادمة التي أستنكرها، قد انتهى الأمر إلى إخراجي من الدائرة وإقصائي عن مصدر القرار، وبالرغم من ذلك فقد علمت بتلاعب آخر أكثر خطورة من (ح.أ.د.إ/MEI) وهو تكوين مجموعة باينام (حي في الحدود الغربية للعاصمة) فعلى العكس من الجماعات المهيكلة جيدا نسبيا كالـ(ح.إ.م/2MIA) لشبوطي، و(ح.أ.د.إ/MEI) لمخلوفي أو "الباقون على العهد" (بقيادة أسامة عباسي وقمر الدين خربان معا)78 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftn78) فالأمر هنا يتعلق بإحدى أولى الجماعات الخليطة المصنوعة بالكامل من مركز عنتر، والتي أنتجت (ج.إ.م/GIA) كجماعة دموية "مبيدة" لا تمت بأية صلة إلى (ج.إ.إ/FIS) فضلا عن علاقتها بالدين الإسلامي الحنيف ذاته، فالعلاقة الوحيدة بين (ح.أ.د.إ/MEI) وجماعة باينام هي الفيلا التي كانا يجتمعان فيها وقتها والتي وضعها الـ(أ.ع/SM) تحت تصرفهما ببوزريعة!
وفي تلك الأيام بالذات قام "إسلاميون مفترضون" بسرقة متفجرات من محجر جوبير (الواقع بين بولوغين والرايس حميدو) وقد كان هؤلاء السراق على درجة عالية من الاحتراف، بحيث لم يتركوا أي أثر يدل على جريمتهم (فقد أوثقوا الحارس الليلي، وقاموا بالسرقة، في اطمئنان تام)، والعجيب المريب أن المسؤولين المهووسين بالخطر الإسلامي الذي كان في أوج عنفوانه في تلك الأيام، لم يرسلوا أية لجنة تحقيق من مصالح الأمن في أعقاب هذا الحدث الهام، وذلك لأن تلك المتفجرات قد خبئت بكل تأكيد في فيلا بوزريعة لصنع القنابل التقليدية، وهنا أيضا تم التخطيط لارتكاب مذبحة المطار يوم 26 أوت 1992 (أنظر الفصل التالي) ومن المحتمل جدا أن تلك القنابل المفجرة في المطار قد صنعت بمتفجرات محجر جوبير، فهي عملية تحمل بلا جدال الطابع المميز لـ(م.ج.م/DCE).
ضابط صف حُوّل إلى أمير!
لقد سبق أن قلت بأن (ق.إ.أ/DRS) لا يكتفي بهذا النوع من الاحتواء والاستخدام، ففي إطار التمهيدات التي شرع فيها منذ أفريل 1991، بطلب من إسماعيل، والمتعلقة بالمقاومة المسلحة الإسلامية لـ(ق.إ.أ/DRS) (أنظر الفصل الثالث) أنشئت أولى خلايا (ج.إ.م/GIA) المستقبلية في الجزائر العاصمة في خريف 1992 بشبان متعاطفين مع جماعة التكفير والهجرة بدرڤانة وهراوة، برج الكيفان، بن زرڤة، بن طلحة، وحي فايزي79 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftn79) وفي منطقة الوسط كذلك أنشئت خلايا مماثلة في الأربعاء (بالعناصر العنيفة في مفتاح، براقي، سيدي موسى، الكاليتوس) وفي البليدة (بالعناصر المجندة في الصومعة، أولاد ايعيش، بوفاريك، واد العلايڤ، وفي القرية التي يوجد بها الجامعة)وفي المدية والشلف. ساهم إطارات الـ(أ.ع/SM) لـ(م.ر.ع/CPO) بمركز عنتر و(م.ب.تق/CRI) للبليدة بنشاط في إقامة هذه الخلايا، ويجب القول بأن إنشاء هذه الخلايا كان أحيانا يتم بكيفية سيئة تماما نتيجة التسرع (حيث كان يتحتم مضاعفة أعداد الجماعات الإسلامية لتبرير عمليات القمع، وحل الـ"ج.إ.إ/FIS") والعمل المزدوج لبعض "المجندين الجدد" من الإسلاميين المنحدرين من الأوساط الفقيرة الذين كان يتم استخدامهم بسهولة من طرف أمراء (ق.إ.أ/DRS)، وكذلك في الوقت ذاته من طرف الإسلاميين الحقيقيين المتطرفين (الذين لم يكن لديهم أي تكوين سياسي أو ديني وقد كان معظمهم بدون عمل وبدون مستقبل، فكان هؤلاء "المجاهدون" الشبان يحاربون لحساب من يدفع أكثر أو من "يعطي أحسن").
وهناك خلايا أو كتائب (حسب مصطلحات ذلك الوقت) قد ظهرت كذلك في شرق وغرب البلاد، لأن نوعا من الجنون قد استبد بالمسؤولين الرئيسيين الثلاثة لـ(م.ب.تق/CRI) (جبار في البليدة، وهاب في وهران، وفريد في قسنطينة) الذين كانوا يقومون بلعبة "من ينال إعجاب الرئيس أكثر" والذين لم يتورعوا عن تكوين جماعات إسلامية تحت القيادة المباشرة لرجالهم، وتلك هي حالة المساعد عمر، واسمه الحقيقي يوسف بلعلي التي تعتبر نموذجية لهذا النوع من الطرق والأساليب القذرة! إن هذا الضابط صف المولود بالعلمة، انخرط في الجيش سنة 1978، رياضي بطبعه وتخرج الأول على دفعته في الفترة التكوينية التي اجتازها في مدرسة الـ(أ.ع/SM) ببني مسوس في 1979-1980، وزد على ذلك أنني أثناء فترة تكوينه كنت مدربا في المدرسة واكتشفت أهليته ومستواه التعليمي الممتاز، وقدرته الفائقة على العمل، ولهذا السبب اخترته أمينا لمكتبي عندما نقل إلى قسنطينة ما بين 1983-1987، فلقد كان نموذجا لضابط الصف الذي يريده أي مسؤول.
إن حكاية هذا الضاب- صف "الأمير" نقلت إلي في أدق تفاصيلها في يوليو 1995 من طرف المساعد صغير حركاتي، وهو جار قديم لي في قسنطينة، (لقد ساعدته لإعادة إدماجه في المصالح سنة 1982 بعد طرده) ولا يمكن وضع شهادته موضع شك، لأنه برهن على صدقه معي خلال كل فترة خدمته، ولقد أسر لي بهذا الكلام ليشتكي لي من التصرفات "المافياوية" لرئيسه، لأنه كان يخشى على حياة ولديه اللذين جندهما في (م.ب.تق/CRI) بقسنطينة، ولقد كان شاهد عيان على توقيف، وتعذيب المساعد عمر.
ففي بداية 1992 كان هذا الأخير يقوم بوظيفته ككاتب في المكتب الجهوي للوقاية التابع لـ(م.ب.تق/CRI) والواقع في ثكنة بن معطي بقسنطينة (محاذيا لملعب رمضان بن عبد المالك المواجه لمقر الولاية...) ففي الربيع تلقى الأمر من العقيد فريد غبريني ليتولى قيادة مجموعة مسلحة صغيرة من الإسلاميين مكونة من شبان اعتقدوا بسذاجة أن عمر يجاهد في سبيل نصرة القضية الإسلامية، وهم يجهلون تماما أنه عميل لحساب (ق.إ.أ/DRS) وبفضل ما يحوزه من أخبار كان عمر ومجموعته ينشطون طوال سنتين في محيط قسنطينة (وبصفة خاصة جبل الوحش، بكيرة، وعين الباي) يغتالون رجال الشرطة والعسكريين ويفجرون القنابل التي كانت تبث الرعب في نفوس سكان المدينة.
لقد كان عمر يباشر عمله أثناء النهار في الثكنة بصفة عادية ثم يعود في المساء إلى بيته، والاتصالات مع أعضاء جماعته كانت تتم خارج أوقات العمل في المساء، أو يتذرع بالقيام بمهمة والاتصال بعملائه حتى لا يلفت الانتباه! وذلك حتى زملاءه أنفسهم كانوا يجهلون عمله المزدوج، إذ بصفته "إرهابيا" كان مكلفا كذلك بتصفية إطارات الـ(أ.ع/SM) الذين تشتم فيهم رائحة التعاطف مع الإسلاميين.
ولكن في ماي 1994 ارتكب أحد أفراد مجموعته خطأ، وقد كان مكلفا بوضع قنبلة في بكيرة فانفجرت عليه وانبترت ساقه، فألقي عليه القبض من طرف مصالح الأمن، وعند الاستنطاق أعطاهم اسم "أميره"، وهلعا من هذه الواقعة التي لم تكن في الحسبان، وخوفا من انكشاف تورط الـ(أ.ع/SM) في القضية في حالة ما إذا تم توقيف عمر، فقرر المسؤولون المحليون لـ(م.ج.م/DCE) تصفيته لإيهام بقية مصالح الأمن الأخرى كالشرطة والدرك الوطني، بأن هذا الضابط صف كان إرهابيا حقيقيا وليس "أميرا" إسلاميا من أمراء (ق.إ.أ/DRS)!
فعلى الساعة الثامنة من مساء ذلك اليوم، وبأمر من العقيد كمال حمود (الذي خلف فريد غبريني على رأس (م.ب.تق/CRI) لقسنطينة في منتصف سنة 1992) قام المساعد صغير حركاتي واثنان من زملائه بإحضار عمر من بيته الكائن في حي بوصوف، قائلين له بأن رئيسهم (في حاجة إليه لعمل مستعجل) وبدون أدنى ارتياب في الأمر رافقهما على متن سيارة رونو 4 إلى مقر (م.إ.ب.ت/CTRI) حيث قتل بدم بارد، بعد أن قاموا بتعذيبه لإضفاء نوع من المصداقية على أطروحتهم القائلة بانتمائه إلى مجموعة مسلحة، وحتى لا ينكشف أبدا أمر أولئك المسؤولين المدبرين والمشاركين في هذه الجريمة النكراء!. أما عائلته التي لم تتمكن من رؤية جثمانه فقد أعلن مسؤولو (ق.إ.أ/DRS) أن المساعد عمر قد لقي مصرعه على أيدي إسلاميين أثناء القيام بعملية تفتيش!!
قضية تيليملي، وموت الرائد ڤطـوشي
عودة إلى هذا الخريف الداكن لسنة 1992، رغم أنني شخصيا لم أخف تشككي بالنسبة لنتائج عمليات اختراق الشبكات الإرهابية، فقد بقيت مع ذلك مقتنعا بأن العمل كان يهدف إلى التنبيه أو الإخبار بالعمليات، والاطلاع على شبكات الإمداد، والشبكات النائمة بل حتى تحديد مصادر تمويلها الخارجي...
لكن مسؤولي (ق.إ.أ/DRS) قد ذهبوا بعيدا جدا كما رأينا، ونظرا لمواقفي المتعلقة بالشرعية فقد كنت أبعد تلقائيا من مراكز القرار بمجرد الشروع في التخطيط لأية عملية "مشبوهة" ففي أثناء أسابيع أفريل وماي 1992 شعرت بانعدام أي حس بالمسؤولية لدى إسماعيل العماري، وتورطه المباشر في توجيه واستعمال الجماعات التي ستتكون منها (ج.إ.م/GIA) فيما بعد. هناك بعض المؤشرات والقرائن والأخبار الغريبة التي تكاثرت، أفكر مثلا في حالة موح ليفيي الذي سبق أن تطرقت إليه، كيف يفسر تمكن هذا الإرهابي الذي كنت متأكدا من أنه عميل لـ(ق.إ.أ/DRS) من مضاعفة عملياته الإجرامية دون عقاب (اغتيالات من هنا، وكمائن من هناك ضد رجال الشرطة والدرك، والعسكر وخاصة شباب الخدمة الوطنية في الكاليتوس والأربعاء ومفتاح..) إلى درجة أنه أصبح بطلا في أعين الشبان الذين يلتحقون بالمقاومة المسلحة!
كيف يمكن تفسير أن نائبه عبد الحق لعيادة مطّال ببراقي يستطيع، وبكل سهولة أن يستخف بقوات الأمـن؟
ففي شهر أفريل، وبالرغم من أنه قد حوصر في منزله من طرف رجال الدرك الوطني تمكن من الهروب آخذا معه امرأة كرهينة!؟ وقد جرح أثناء هذه العملية النقيب عطوي من الدرك الوطني بعد تبادل كثيف لإطلاق النار، وبعد بضعة أيام من هذه العملية حكى لي الرائد عبد العزيز شاطر في مقر قيادة مفرزة الدرك الوطني للجزائر في بئر مراد رايس، وبحضور رئيسه بأنه لم يفهم أبدا كيف تمكن لعيادة من مغادرة المنطقة في الوقت الذي كانت وحدات الـ(ج.و.ش/ANP) تراقب كل مفترقات الطرق، وكرر لي مرارا أنه بدون تواطؤ عناصر من هذه الوحدات، كان من المستحيل على عبد الحق لعيادة أن ينفلت من قبضتنا. 80 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftn80)
ونفس الوضعية الغريبة المريبة تتكرر بعد ذلك ببضع أسابيع أثناء القيام بعملية في تيليملي (حي في أعالي العاصمة) ضد عبد الكريم بن طبيش، معروف عنه أنه أحد المساعدين لموح ليفيي، واثنين من رفاقه يستطيع هؤلاء الثلاثة أن يتملصوا خفية، رغم العدة الهائلة المرصودة لهذه العملية (القوات الخاصة، الشرطة "نينجا"، (م.ت.خ/GIS)، مجموعة التدخل للدرك الوطني). إن هذه القضية تستحق أن تذكر هنا، لأنها أسفرت عن موت الرائد عمار ڤطوشي، رئيس مركز عنتر (م.ر.ع/CPO) الذي كنت أتعاون معه بانتظام في تلك الأيام، والذي سبق أن تحدثت عن الدور الأساسي الذي قام به سنة 1991 بتعليمات من إسماعيل العماري في خلق أولى الجماعات الإسلامية المسلحة، من صنع (ق.إ.أ/DRS).
في يوم 4 ماي على الساعة الثامنة صباحا، وصلتنا معلومات مؤكدة بأن مجموعة بن طبيش قد حدد مكانها في فيلا بتيليملي. إن استخدام هذا النوع من المعلومات الاستخباراتية قبل الانتقال إلى العمل وإعطاء الأمر بالهجوم يتطلب دراسة عملية معمقة. وكان واجبا عليّ يومها أن أشارك في اجتماع يعقد في ولاية الجزائر يدوم يوما كاملا للجنة المكلفة ببحث مسألة إطلاق سراح المنفيين في معسكرات الجنوب من الذين لم يثبت ضدهم أي شيء81 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftn81).
ترأس هذا الاجتماع شريف عبد الرحمان مزيان والي الجزائر، وقد شارك فيه كذلك ممثل عن (م.ع.أ.و/DGSN)، وممثل عن الدرك الوطني، وممثل عن المرصد الوطني لحقوق الإنسان (م.و.ح.إ/ONDH) وهي هيئة تأسست في فبراير 1992 لإعطاء نوع من الغطاء "الديمقراطي" للقمع والاضطهاد الممارس ضد الإسلاميين.
وعلى الساعة الخامسة مساء، وأنا عائد متعبا من هذا اليوم الماراطوني، عرجت على شاطوناف لاستخبر عن الوضعية قبل الذهاب إلى البيت. وعند وصولي كانت مجموعة التدخل جاهزة بعدتها وعتادها حيث كان الرائد عمار ڤطوشي أثناء غيابي قد أعد كل شيء (لأنه كان يريد بدون شك أن يؤكد لرؤسائه أنه جدير بمنصب جنيف الذي وعده به الجنرال توفيق).
لقد تقاطعت مع الرائد عمار لحظتها وهو يتأهب لامتطاء سيارته الفولفو الرمادية، وقد قال لي بلطف "لحبيب هل تأتي" فأجبته: " لا أنا متعب" وبالفعل كنت لحظتها أفكر في العجلة التي تم فيها تحضير هذه العملية، وقد كانت تلك آخر كلمات تبادلتها مع الرائد عمار، فقد أخبرني سائقي في اليوم التالي بأنه جرح في فخذه خلال هذه العملية، ونقل إلى فرنسا.
لقد حدد الرائد عمار "الهدف" بدقة - وهي الفيلا التي كان يختبئ فيها بن طبيش، واثنان من رجاله- ولكن عند الوصول إلى عين المكان ارتكب محافظ الشرطة محمد وضاح (وقد كان مرفوقا بمحمد عسولي، وهو أحد نواب المحافظ الطاهر كراع في "و.و.ق.ل/ONRB") خطأ في توجيه الهجوم إلى فيلا مجاورة مما أحدث ارتباكا سمح لبن بطيش ورفيقيه من الانفلات، وقد كلف هذا الخطأ الفادح الذي لا يصدق، حياة ضابطين هما الرائد عمار ڤطوشي، والملازم أول طارق من (م.ت.خ/GIS).
لقد دفع هذا الأخير عمره ثمن بطولته، فقد كان الوحيد الذي دخل الفيلا التي كانت مستهدفة حقا، فتلقى رشقات نارية مباشرة من بن بطيش ورغم أن هذا الأخير كان مصابا فقد استولى على سلاح وراديو الضابط الذي كان غارقا في بركة من الدماء! وأثناء انسحابهم التقى الهاربون الثلاثة بالرائد ڤطوشي، والمحافظ محمد وضاح على بعد مائتي متر من مكان الفاجعة، أطلقت عيارات نارية أصابت إحداها الرائد عمار في فخذه.
من أطلق النار عليه؟ لا أحد يعلم ذلك أبدا!!
فقد أكد لي ضباط (م.ت.خ/GIS) الحاضرين في عين المكان أن المحافظ وضاح قد هلع عند رؤيته الإرهابيين، فأطلق النار خطأ وجرح الرائد ڤطوشي، وتبدو لي هذه الرواية أقرب إلى الاحتمال، لأن الإرهابيون كانوا مسلحين برشاشات كلاشينكوف، ولو كانوا هم الذين أطلقوا النار لنخلوه نخلا وهو ما لم يحدث حسب الشهود، وفي اليوم التالي من المأساة قابلت محمد وضاح، وكان واقعا كليا تحت الصدمة، شاحب الوجه لا يقدر على رص جملتين متتابعتين (وقد وضع على الهامش أيامها من طرف العقيد إسماعيل العماري، ولن يظهر إلا بعد سنتين، ليعين مديرا عاما للشرطة الوطنية، وهي أروع ترقية يحظى بها رئيس أمن ولائي، ولم يسبق لها مثيل في حوليات الشرطة الوطنية)
لقد كان الرائد عمار مجروحا ينزف بغزارة، ومع ذلك لم ينقل إلى مستشفى عين النعجة إلا بعد خمس وأربعين دقيقة من الاشتباك، ولم يعجل بإسعافه إلا بعد أن أفرغ دمه، في حين أن المركز الاستشفائي الجامعي لمصطفى باشا لم يكن يبعد عن مكان العملية بأكثر من عشر دقائق، وقد نقل بطائرة خاصة إلى فرنسا مساء الفاجعة، ولكنه مات أثناء الرحلة! وقد أرجع مسؤولو (ق.إ.أ/DRS) موته إلى إصابته بالسكري، وبما أنني عاشرته منذ منتصف الثمانينيات حتى آخر يوم في حياته أتستطيع أن أؤكد بأنه لم يكن يشكو قطّ من هذا المرض، وملفه الطبي يشهد على ذلك.
كل القرائن تدل على أن الرائد عمار ڤطوشي صفي من طرف رئيسه إسماعيل العماري مع سبق الإصرار والترصد!!: فإخطاء الهدف، وتأخير الإسعاف، وكذلك الكذب الصراح فيما يتعلق بإصابته بداء السكري، والمجازاة اللاحقة للمحافظ وضاح... كل هذه القرائن ترسخ اعتقادي بأن رئيس (م.ر.ع/CPO) قد صفي في إخراج معقد، من ذلك النوع الذي لا يتقنه إلا إسماعيل!! وهذه التصفية في رأيي كانت بسبب الدور الأساسي الذي كان يقوم به الرائد عمار في وضع استراتيجية الرعب التي بدأ ينفصل عنها بدون شك (لقد كان من المقرر أن يعين الرائد ڤطوشي في يوليو رئيسا لمكتب الأمن بسفارة الجزائر بجنيف خلفا للرائد حميدو، وقد بدأ يبتعد عن (م.ج.م/DCE). حتى ولو أن الصحافة وبعض المسؤولين قد قالوا بفكرة أن بن طبيش كان من "مساعدي "موح ليفيي، فإني على يقين في جميع الأحوال بأن بن طبيش ليس من صنع الرائد ڤطوشي، ولو كان الأمر كذلك لما قاد عملية ضده أبدا!، وعلى كل حال فإن الرائد ڤطوشي قد أخذ معه الكثير من الأسرار إلى القبر فيما يخص "بعث" (ح.إ.م/2MIA) وخلق "الجماعات الإسلامية للجيش" والعمليات القذرة والخسيسة التي نفذها لحساب توفيق وإسماعيل، لقد استخدمه إسماعيل مع الأسف "كصهيرة" تماما مثلما حدث لطرطاڤ مع الضربات الشائنة لكمال عبد الرحمان (غير أن العقيد طرطاڤ كما سيأتي لاحقا، كان جلادا متوحشا حقا، ولكنه فلت من العقاب عن "عمله القذر" حيث بقي في وظيفته إلى غاية سنة 2001، وهو ما يزال حتى يومنا هذا على قيد الحياة.
وبعد أيام من قضية تيليملي، قام إسماعيل "كتغطية" على نفسه بالإشراف والمشاركة في عملية بلغت من الوحشية ما يجعل أي واحد منا، يجهل خلفيات تصفية ڤطوشي، يفسرها على أنها انتقام مشروع من الإسلاميين، فقد قرر أن "يبدع" في فيلا بحي بلوزداد، كانت تستخدم مخبئا للأصوليين، من المفترض أنها ملك لرئيس (م.ع.أ.و/DGSN) محمد طولبة، وقد أشرف إسماعيل شخصيا على قيادة هذه العملية، وهي أول وبالتأكيد آخر عملية يشارك فيها!
لقد كانت هذه العملية حقيقة تثير العديد من علامات الاستفهام والتعجب، إذ كيف يصدق أن "إسلاميين خطرين" يمكنهم أن يلجأوا إلى فيلا تابعة للشرطي الأول في الجزائر!؟ وزيادة على ذلك، فإن هؤلاء الإسلاميين المفترضين لم يكونوا مسلحين، مما يجعل الإمساك بهم من طرف عناصر (م.ت.خ/GIS) أمرا في غاية السهولة ومع ذلك فإن الجميع قد قتّل، وحتى أولئك الذين حاولوا تسليم أنفسهم قتلوا بدم بارد كالكلاب! وأخيرا، فإن الصحافة لم تتطرق أبدا إلى هذه القضية، ولهذا السبب اعتقد أن هذه العملية كانت مختلقة من أولها إلى آخرها من رئيس (م.ج.م/DCE) حتى يوهمنا بأنه قد قام بالثأر لضابطه، وفي نفس الوقت يزيل الشكوك التي تحوم حوله، فيكون لذلك قد جمع بعض العملاء في فيلا (م.ع.أ.و/DGSN) للتمكن من تصفيتهم، وهو ما يفسر كذلك عدم ترك أي واحد منهم حيا رغم استسلامهم للشرطة!!
مهـمـة في باكسـتان
إن قصة تكوين (ج.إ.م/GIA) من طرف المصالح السرية تشبه قصة (الدكتور جيكيل Jekyll، وميسترهيد Mister Hyde) في وقت من الأوقات، وبالضبط في الثلاثة أشهر الثانية من سنة 1992، لم يعد مسار الاستخدام والاحتواء يتحكم فيه كما ينبغي. فالعديد من العملاء المنقلبين كانوا يقومون بأدوار مزدوجة، و"تبخروا" في الجبال والأدغال.
وبسبب الحواجز الموضوعة بين المصالح، كان عملاء كل من (م.ر.ع/CPO) و(م.ع.ر.ب/CPMI) "يتحاربان". فبصفتي مسؤولا عن خلية الاستخبارات في (م.ر.ع/CPO) لم أستطع أن أحصي عدد التدخلات التي قام بها العقيد كمال عبد الرحمان وعمار، وطرطاڤ ليطلبوا مني إطلاق سراح هذا أو ذاك من الأشخاص الذين يكونون قد ألقي عليهم القبض لأنهم كانوا "يعملون" معهم وزيادة على ذلك فإن فقدان التنسيق الخطير هذا في ظل المخطط الشيطاني كان نفسه بين هياكل (ق.إ.أ/DRS) والمؤسسات الأخرى للدولة. ففي هذا الجو من الفوضى العارمة، شرع في الحرب ضد "الأصوليين".
لم يعد بوسعي أبدا أن أوافق على هذه السياسة الانتحارية في حق الوطن!. وكما سبق أن قلت، فبعد أن أدركت الأهداف الحقيقية لاستخدام وتوجيه (ح.أ.د.إ/MEI) قررت في آخر ماي أن أقطع علاقتي بإسماعيل، وأكف عن التعاون معه بقدر ما أستطيع..فانزويت في (م.ق.ع/PCO) بشاطوناف لأتفرغ لعمل الاستغلال (استخراج المعطيات من كل التقارير الواردة من العملاء، والتحقق من صدقية وصحة المعلومات التي تتضمنها، ثم القيام بإعداد خلاصات لتلك المعلومات المجتمعة وتقديمها إلى مسؤولين "ق.إ.أ/DRS") قبل القيام بمهمة إلى الخارج. بعد موت الرائد ڤطوشي كان من المفروض أن يعهد باستخلافه على رأس (م.ر.ع/CPO) إلى الرائد عاشور بوقشابية (نائب مدير) أو إلي بصفتنا الضابطين الأعلى رتبة في (م.ج.م/DCE) بعد إسماعيل ولكن لم يقع الاختيار على أي واحد منا لأننا كنا ملتزمين بالعمل في الإطار القانوني فقط، ونرفض المشاركة في العمليات المجنونة التي كان يقودها!
ومن ثمة فإسماعيل هو الذي تولى شخصيا تسيير (م.ر.ع/CPO) حتى تم تعيين العقيد فريد غبريني القادم من (م.ب.تق/CRI) بقسنطينة. فكان لابد لي من الابتعاد، وبالاتفاق مع إسماعيل ذهبت - إذن – في مهمة إلى باكستان من 11 إلى 27 جوان 1992، وقد كانت مهمتي إعطاء تعليمات جديدة "لجواسيسنا" في معسكرات بشاور، وتحديد مكان وجود اثنين من قادة (ج.ق.إ/FIS) هما بوجمعة بونوة المدعو "عبد الله أنس"82 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftn82)، وقمر الدين خربان اللذين كان (ق.إ.أ/DRS) يعتبرهما من أخطر الإرهابيين. ولقد تقصت مصالحي أثرهما لأنهما حصلا على تأشيرة من المصالح القنصلية في سفارة الجزائر بباكستان، تسمح لهما بالتنقل دون أي قلق أو خوف!
وقد اندهشت عندما علمت خلال هذه المهمة من محي الدين عميمور سفير الجزائر في إسلام أباد (الذي يجهل بطبيعة الحال طبيعة مهمتي) بأن سفير فرنسا قد طلب منه رأيه بالنسبة لمنح هذين الشخصين تأشيرات الدخول إلى فرنسا، وقد تبين لي أن ممثلنا يجهل كل شيء عن الرجلين والعبرة هنا أن السفير الفرنسي كان أكثر اطلاعا من سفيرنا، في حين أن الرجلين هما في الحقيقة من الأهداف الأساسية لمهمتي! وزيادة على ذلك فقد اكتشفت أثناء إقامتي التي دامت عشرة أيام ألا أحد من البعثة الجزائرية هناك لا السفير ولا أي ممثل عن السفارة قد وضع رجليه في بيشاور (وهي مدينة تبعد بحوالي مائة كلم عن العاصمة إسلام أباد) في الوقت الذي يوجد في هذه المدينة من المجاهدين الجزائريين ما يعد بالمئات منذ بداية 1980.
هاهي ذي الحرب ضد الأصولية كيف كانت تتم في الخارج!
اعتقد أن الأمر لا يعود إلى قلة الكفاءة بقدر ما يعود إلى كونه عملا مقصودا من طرف سحاري (ق.إ.أ/DRS).
وأريد أن أستدل بمثال آخر من الميدان الديبلوماسي كذلك في يناير 1992 اتهم "أصحاب القرار" إيران بتمويل الإسلاميين الجزائريين، وقطعوا العلاقات الديبلوماسية مع هذا البلد، وقد تم إدخال كل الديبلوماسيين الجزائريين، لكن الرائد محجوب الذي كان في منصبه في طهران قد استبقي "خفية" في مكانه، كمستشار قائم بالأعمال، وذلك بغرض رعاية الشبكات الإسلامية التي تجوب السودان وإيران واليمن وباكستان، والعربية السعودية...الخ، فالأمر يتعلق بعملاء جزائريين مغروسين في إيران، يتاجرون في الجلود والمنسوجات، والسجاد، والفستق والذين يبلغون المعلومات للقادة الإيرانيين!
إن هذه الاستراتيجية تخضع لسياسة (في حالة ما إذا...) وهو عكس الظاهر تماما، وبالفعل فلم تقطع الجسور أبدا مع هذه الدول كإيران والسودان، واللتين كانتا مع ذلك متهمتين سنة 1992 "بدعم الإرهاب في الجزائر" حتى ولو تم قطع العلاقات الديبلوماسية والرسمية، فإن "الديبلوماسية الموازية" ظلت دائما قائمة.
والخطاب المزدوج هو السائد: فالديماغوجية من ناحية لإرضاء "الديمقراطيين" الجزائريين والـ (ل.و.إ.ج/CNSA)، و"البراقماتية" من ناحية أخرى لتمكين أعضاء "عصابة يناير " من مواصلة الحفاظ على مصالحهم وإدارة مشاريعهم وأعمالهم في الداخل والخارج!
الهيجـان القاتـل 1992 – 1994
يوم 29 جوان 1992 على الساعة الثانية عشر والنصف زوالا كنت قد أوشكت على إنهاء كتابة تقرير عن مهمتي في باكستان، عندما أعلن لي أحد ضباط الصف "لقد قتلوا بوضياف!" لم أتحقق في الحين، قلت من؟ فأجاب:" لقد قتلوا الرئيس في عنابة!" وبمجرد أن استرجعت نفسي دق الهاتف عندي، فقد كان العقيد سعيدي فضيل رئيس (م.ت.أ.خ/ddse) لـ(ق.إ.أ/drs) :"هل علمت؟
-كيف أمكن ذلك؟ ليس صحيحا!
- إنه أحد أفرادنا هو الذي قام بالعملية!! تعال في الحين، يوجد اجتماع على الساعة الثانية عشرة والنصف مع المدير، وبحضور الوزير"
لقد عم الذهول، كنا حوالي عشرين مسؤولا من (ق.إ.أ/drs) حاضرين في هذا الاجتماع في مقر (ق.إ.أ/drs) بدالي براهيم حيث تناول الجنرال نزار وحده الكلمة فقال لنا بأنه اجتمع بنا نحن الأولين قبل حتى رؤساء النواحي، وقادة الجيوش، والمديرين المركزيين بـ(و.د.و/mdn)، لأنه كان يرغب في الحصول على دعمنا لمواصلة "مهمته" مؤكدا بكل صراحة أنه بدون ذلك الدعم فإنه سيتخلى عن المهمة في الحين، لقد اعتنى بتبرئة الرائد حمو رئيس (م.ت.خ/gis)(وحدة "ق.إ.أ/drs" التي ينتمي إليها قاتل الرئيس بوضياف الملازم لمبارك بومعرافي) :" كل الناس يعرفونه، وليس له في القضية أي دخل، إن الذي قام بالعملية هو شخص مستنير!". ثم أضاف قوله بأن بوضياف كان محظوظا:" لقد مات رئيسا" (وسأعود في الفصل العاشر إلى الحديث عن الظروف التي أعقبت اغتيال بوضياف).
بالنسبة إلي فقد كانت القطيعة بالفعل!
الـقـطيعـة
في اليوم ذاته حوالي الساعة الخامسة مساء، وأنا أسلم تقريري إلى العقيد فضيل السعيدي أعلمته برغبتي في ترك الـ (م.ج.م/dce) بدون أن أعطي أي تعليل مكتفيا فقط بالقول أنني لا أشارك إسماعيل تصوراته فيما يخص طريقة محاربة التخريب. ولقد أدرك في الحين بأن التيار لم يعد يمر بيننا، ووعدني بأن يحدث الجنرال توفيق في هذا الأمر.
بعد جنازة الرئيس بوضياف، قدمت إلى المسؤولين طلبا للتسريح من الجيش بتاريخ 3 يوليو، وذهبت إلى بيتي في عنابة، فلماذا اتخذت هذا القرار؟
انه ابتداء من يناير 1992 أدركت أن هناك قوة في الخفاء تعمل كل ما في وسعها على تصعيد عمليات العنف وتعميم الفوضى في البلاد.
لقد كنت أرجعت هذا الأمر في البداية إلى انعدام الكفاءة، ولكنني شيئا فشيئا أدركت أن العملية مقصودة، ومخطط لها بعناية!
في 1992، وأقولها بكل صدق، كنت ضد اعتماد (ج.إ.إ/fis) و(ت.م.ث.د/rcd) ليس لأني ضد هذين الحزبين السياسيين، ولكن بكل بساطة، لأن مسؤولي البلد - ولحسابات سياسوية – قد اعتدوا على الدستور الذي يمنع منح الاعتماد للأحزاب على أساس ديني أو جهوي. وفي 1992 عارضت كذلك إلغاء نتائج الانتخابات التشريعية، وتوقيف المسار الانتخابي، وذلك ليس لأني ضد فلتان أو علان، ولكن ببساطة لأنه لا يجوز تصحيح خطأ صغير بخطأ آخر أفدح منه!
لقد كان من الممكن مواصلة المسار الانتخابي، وإذا فرض الإسلاميون إرادتهم بالرعب والعنف فقد كنا نملك الإمكانيات للتدخل. لكن لم يكن ينبغي التدخل من قبل!
في فبراير 1992 عارضت فتح مراكز الاعتقال "الأمني" ليس تعاطفا مع المتطرفين، ولكن لأن هذا الإجراء كان يتعارض مع مفهوم الحق، إن القانون ينص على أن أي شخص يرتكب جريمة أو مخالفة أو جنحة يعتبر بريئا حتى تثبت إدانته بالفعل.
إذن كان يجب معاقبة المذنبين، ومحاكمتهم على الجنح التي ارتكبوها، ولكن ليس الاعتداء على الأبرياء، وهو الأمر الذي عجل بانتشار الراديكالية والعنف، وفي نفس الفترة كنت كذلك ضد الانحراف الذي حدث: فبدلا من أن يحارب التطرف الأصولي، أخذ مسؤولو الجيش يشنون الحرب ضد الإسلام ذاته، فمنعت أماكن العبادة في الثكنات وأصبح كل الضباط المتدينين بين عشية وضحاها مشبوهين. ينظر إليهم بعين الريبة والخطر! حتى أنني سمعت بنفسي ضباطا سامين يصرحون بأنه " عند الاختيار بين الإسلام والجزائر أختار الجزائر" مستعيرين صيغة المرحوم سليمان عميرات، هذا الثائر القديم المعارض الذي أسس في أواخر الستينيات مع كريم بلقاسم الحركة الديمقراطية الثورية الجزائرية (ح.د.ث.ج/mdra) الذي قال "لو أخير بين الديمقراطية والجزائر أختار الجزائر" وذلك فيما أظن أثناء الإضراب الانتفاضي للـ(ج.إ.إ/fis) سنة 1990. إن الاستراتيجية المتبعة على امتداد ربيع 1992 لا يمكن إلا أن تؤدي إلى الفوضى والكارثة. كنت ضد خلق المقاومة المسلحة وضد التلاعبات الجامحة، وضد القمع الوحشي، وضد سياسة التعفين وسياسة تقسيم الجزائر، والاغتيالات المجانية تحت ذريعة أن الإسلاميين الموقوفين سيطلق سراحهم من العدالة، وكذلك احتقار المسؤولين الظاهر لمواطنيهم. مع أنني نبهت القيادة مرارا في العديد من التحاليل مبينا أن التدابير المتخذة ستمنى بالفشل الذريع لا محالة، لأنه لا يمكننا أن نشن الحرب ضد شعب بكامله، وأن أفضل وسيلة للقضاء على التطرف هو استئصال جذور الداء، يجب إعطاء تعليم جيد للشباب، تحقيق المساواة في الحظوظ والفرص لكل الجزائريين، ومكافحة الإقصاء والتهميش، القضاء على الآفات الاجتماعية، الفساد والرشوة، المحسوبية والزبائنية، إشغال الشبيبة باهتمامات سليمة ومفيدة، ومحاولة امتصاص مشاكل البطالة والسكن، لكن مع الأسف لم أجد أذنا صاغية لأن كل شيء كان مخططا له سلفا من هدامي الجزائر!
في ماي 1992 كنت ضد التعذيب التلقائي للموقوفين في ثكنة شاطوناف. كان بعض ضباط الـ(أ.ع/sm) والشرطة يتلذذون بممارسة شتى أنواع التعذيب الجسدي لانتزاع الاعترافات، وكانت ممارسات إجرامية ووحشية لا يمكن وصفها! فقد استعصى علي أن أفهم لماذا يستطيع الجزائريون أن يفعلوا ذلك كله في حق مواطنيهم، ومن حسن الحظ – وأحمد الله على ذلك – أنني وعلى امتداد سنوات الخدمة لم يحصل لي – ولو لمرة واحدة – أن أصدرت أمرا بالتعذيب، ولا مارست التعذيب بنفسي، كما أنني لم يحصل لي على الإطلاق أن أوقفت أو أصدرت أمرا بإيقاف أي شخص كان، بسبب رأيه السياسي. إنه انعدام كامل للضمير لدى قادة الجيش، ولم أرد أن أتقاسم الخسارة والفشل مع مسؤولين يفكرون بأنانية في مصالحهم فقط! لقد أصبحت أحد المعارضين الذين يدافعون على القضايا العادلة، وكنت أرى أنه لو تم حوار صريح بين الأطراف المعنية لما بلغت الأمور أبدا ذلك التدهور الفظيع!
لم أتخذ قراري بكيفية مرتجلة كرد فعل آني دون تبصر وتدبر. بل أخطرت رؤسائي بكل هذه الملاحظات، وعندما ذهبت إلى بيتي كان العقيد إسماعيل يعلم أنني لن أتراجع عن قراري أبدا!
وبعد "عطلة" دامت أربعين يوما قضيتها في عنابة، هاتفني رئيس (م.ج.م/dce)ليقترح علي منصبا في الخارج "باسم المصلحة العليا للوطن" لقد قبلت الاقتراح دون أن أفكر فيما إذا لم يكن ذلك في الحقيقة عبارة عن "رشوة" لشراء سكوتي. وإذا قبلت فذلك. وبصفة خاصة لكي أكون بعيدا عن دوائر القرار، وأنني سأتعامل مذاك فصاعدا مع العقيد فضيل سعيدي رئيس (م.ت.أ.خ/ddsa)، إنه مسؤول ذو فضائل أخلاقية (في الأمانة والنزاهة والاستقامة) نادرة المثال.
55 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftnref55)) لقد عين في هذا المنصب يوم 18 أكتوبر 1988.
56 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftnref56)) تحصلت (ج.إ.إ/FIS) على 188 كرسي و 3 260 222 صوت من أصل 7 822 625 منتخب و 6 897 719 صوت معبر عنه، أي ما يعادل 47.27% (وهذا ما لم يكن يمثل في الحقيقة سوى ربع المسجلين) ؛ وقد تصدرت بفارق شاسع (ج.ق.إ/FFS) التي تمكنت من انتزاع 25 كرسي و 510661 صوت ما يعادل 7.40% أما (ج.ت.و/FLN) فتحصلت على 16 كرسي و1 612 947 صوت ما يعادل 23.38%؛ هذا باستثناء ما تحصل عليه المترشحون الأحرار، وهو ثلاثة كراسي و309264 صوت (4.48%)، ولم يتحصل أي من الأحزاب الأخرى الستة والأربعين الباقين في الحلبة على أي كرسي بحيث لم يتعد نسبة 3% ("حمس/MSP" 2.78%، "ت.م.ث.د/RCD" 1.51%، "ح.د.ج/MDA" 1.02%؛ "ح.ت.ج/PRA" 0.51%؛ "ح.و.ت.ت/PNSD" 0.36%؛ "ح.إ.د/PSD" 0.22%؛ "ح.ج.ع.ت/MAJD" 0.21 %؛ أما باقي التشكيلات فكان بإمكانها التباهي بنتيجة تتراوح ما بين 0.00% و0.08%)
57 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftnref57)) عقب انتهاء الدور الأول من الانتخابات، صرح الدكتور سعيد سعدي، قائد (ت.م.ث.د) (حزب بربري مقرب من السلطة ومعاد للإسلاميين بشراسة)، بعدما رأى أن حزبه لم يتحصل إلا على 1.51% من الأصوات المعبر عنها، وتعجب على أمواج إذاعة القناة الثالثة قائلا:" أخطأت في المجتمع" ثم أصبح بعد ذلك واحدا من أكبر المتحمسين المناصرين لإيقاف المسار الانتخابي.
58 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftnref58)) إن مهمة هذه اللجنة كانت السهر على توفير كل الوسائل المادية للانتخابات: مراقبة إذا كانت البلديات قد قامت بتحضير بطاقات الناخبين وإذا كانت مصالح البريد والمواصلات قد أوصلت تلك البطاقات إلى أصحابها وكذلك وضع الخطوط الهاتفية في الأماكن اللازمة ؛ تحضير القوائم الانتخابية، مكاتب التصويت، بطاقات وصناديق الاقتراع، للسّهر على طباعة البطاقات وضمان حمايتها؛ اختيار المراقبين والمسؤولين عن عمليات الفرز، الاشراف على التنظيم الأمني لعملية الاقتراع.
59 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftnref59)) على عكس ما أكده البعض عقب الدور الأول للانتخابات؛ على حسب قولهم فإن 900 000 ناخب لم يتمكنوا من التصويت، وذلك كونهم قد منعوا من الحصول على بطاقات التصويت من طرف بلديات (ج.إ.إ/FIS) ، وبما أننا كنا قد تابعنا عن كثب سير عملية الاقتراع، فإنني أستطيع أن أؤكد بأن التزوير كان محدودا جدا، ولم يمس كأقصى حد إلا 10 000 أو 15 000 حالة.
60 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftnref60)) في جوان 1995، علمت من العقيد عبدو( مدير سابق للتعاون، والذي استقبلته في بون) بأن عبد الحق بن حمودة قام على الأقل بثلاث مقابلات ما بين 28 ديسمبر إلى 2 يناير مع الجنرال توفيق والعقيد صالح (المسؤول عن مصلحة الصحافة والتوثيق في "ق.إ.أ/DRS").
61 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftnref61)) وبالصدفة، في الليلة التي سبقت والتي تلت هذه التظاهرات الضخمة، قامت الصحافة "المستقلة" وعلى صفحاتها الأولى بتكريم حسين آيت أحمد كواحد من "القادة التاريخيين" لحرب التحرير، بالرغم من أنه ومنذ ثلاثة أعوام، كانت تمرغ بانتظام زعيم (ج.ق.إ/DRS) في الأوحال... إن هذا التحول في الرأي الذي لم يدم طويلا قد اتضحت أسبابه بسرعة في كون أن "الاستئصاليين" من الـ(ل.و.إ.ج/CNSA)، أكدوا بكل بجاحة بأن المظاهرات كانت تهدف إلى طلب إلغاء الدور الثاني، وهو ماكان عكس الحقيقة تماما! وكما هو معظم الحال في الجزائر، "فكلما كانت الكذبة كبيرة، كلما صدقها الناس"...
62 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftnref62)) يجب أن أشير أنني في هذه الفترة، كنت رئيسا للجنة الوطنية للشطرنج عن طريق المراسلة، وعضو في المكتب الفديرالي للفديرالية الجزائرية للعبة الشطرنج.
63 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftnref63) ) ولد محمد بوضياف في 23 جوان 1919 بمسيلة وهو رمز من رموز الثورة التحريرية، ومعروف باسم "الطيب الوطني". كان واحدا من بين أوائل القياديين الذين فجروا الثورة المسلحة في 1954، وقد عارض غداة الاستقلال السلطة المهيمنة لبن بلة؛ أوقف سنة 1963، ثم ترك الجزائر وقام بتأسيس حزب معارض، هو "حزب الثورة الاشتراكي/PRS"، الذي حله عند وفاة هواري بومدين . في فترة منفاه بالمغرب اشتغل بمصنعه للآجر في قنيطرة.
64 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftnref64) ) وفي آخر لحظة، وبعد أن قبل وتحت الإكراه بالذهاب، عدل الرئيس الشاذلي بن جديد عن رأيه وحاول المقاومة. في 11 يناير، وفي آخر الظهيرة، ذهب الجنرال نزار لمقابلته في زرالدة (بإقامته الرئاسية) مصحوبا بالجنرالين محمد العماري وعبد الحميد جوادي (رئيس الناحية العسكرية الرابعة وصديق للشاذلي): في هذا اللقاء الساخن، لم يتردد خالد نزار في تعنيف الرئيس والتعدي عليه؛ بعد أن قدمت له ضمانات قوية (سيحتفظ بدارته في وهران وسيستفيد من سيارة خدمة، ولن تكون هناك أية ملاحقات قضائية ضده أو ضد أفراد عائلته بسبب "عملياتهم" للاغتناء الشخصي)، انتهى الرئيس إلى الاستسلام والخضوع للأمر الواقع.
65 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftnref65) ) بالمصطلح الدستوري، فإن (م.أ.أ/HCS) يتكون من ستة أعضاء: الوزير الأول، وزراء الدفاع، الشؤون الخارجية، الداخلية، العدل ورئيس قيادة أركان (ج.و.ش/ANP)، أي ثلاثة جنرالات من ستة، هم العربي بلخير (الداخلية)، خالد نزار (الدفاع) و عبد المالك ڤنايزية (قائد الأركان)؛ أما المدنيين الثلاثة، سيد احمد غزالي (الوزير الأول)، لخضر الابراهيمي (الشؤون الخارجية) وحمداني بلخليل (العدل)، فقد كانوا على أتم التفاهم معهم.
66 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftnref66) ) بعد فترة وجيزة من هذا الاجتماع، شرع العقيد إسماعيل العماري في العمل الميداني مقصيا بنفسه ثلاثة من أحسن ضباط (ق.إ.أ/DRS) (الرائد جابر بن يمينة، الرائد حاج طارق، مسؤول الإدارة والمستخدمين،والرائد توفيق، مسؤول المعدات في (م.ر.ع/CPO) بذريعة ملفقة وهي أنهم كانوا متعاطفين مع (ج.إ.إ/FIS). لقد كانوا بالتأكيد ممارسين ولكن لم تكن تجمعهم أية علاقة بالأصوليين.
67 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftnref67) يتعلق الأمر بمؤسسة بحرية تابعة لقوات البحرية، تتكون من عدة عمارات، من بينها مقر قيادة القوات البحرية (ق.ق.بح/CFN)، ومؤسسة تصليح البواخر(ERENAV)، والتي كانت تشغل العديد من المدنيين منهم المدعو زغلامي الذي كان مديرا عاما سنة 1992، وهو من المقربين من (أ.ع/SM)
68 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftnref68) حبيب سوايدية "الحرب القذرة" مرجع سبق ذكره. ص 57
69 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftnref69) ) كمال. ب، "فيما يخص الإرهاب..." ، ألجيري واتش موقع الانترنيت http://www.algeria-watch.org/fraticle/awterkamel.htm (http://www.algeria-watch.org/fraticle/awterkamel.htm)
70 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftnref70) ) لقد كان مكونا من النقباء أحمد شوشان، محمد حلفاوي، عامر صبري، أحمد بن زميرلي، محمد عمراني، سعيد بن وارث، عبد الحميد رايس، جيلالي عزيزو، عبد الحق يوبي، بن عمر مخلوفي، ميلود محدادي، داود بن سبع ، بوبكر عڤون ؛ ومن الملازمين يحي جودي، خليفة بن عبد الرحمان، نعمان زلة، عمر دمبري، مصطفى مطاهري، نور الدين بوحادب، جمال عياد، عمر هريڤة، عمر رحمي، عبد القادر خليل، سعيد طاجين، عبد الحق عبيدي، حبيب بودعة، عبد الرزاق أوسكوت، خالد سعيدي، محمد باتية لخضر، عبد الجليل مشري، أحمد تيبيري؛ أما الآخرين فكانوا ضباط صف كالرقيب الأول طاهر زوايمية، يزيد عيسى، عبد العزيز بوجيدة، محمد لمين سوالمية، لخضر فارح، رابح حبيب، محمد ڤطافي، علي لعبدي، عبد القادر نجاري، و نورالدين مراد.
71 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftnref71)) مذكور في حبيب سوايدية، محاكمة "الحرب القذرة" مرجع سبق ذكره ص 166(إن النص الكامل لشهادة النقيب أحمد شوشان منشور في موقع الحركة الجزائرية للضباط الأحرار، وعنوانه على الانترنيت http://www.anp.org/tem/temoigne.html
72 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftnref72)) لم يستسغ رؤساء (ق.إ.أ/DRS) إقصائهم بهذه الطريقة من طرف الرئيس بوضياف، الذي كان يوقع شخصيا على أوامر التكليف بمهمة لعناصرهم.
73 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftnref73) بعد هذه المجزرة التي قضت على كل الشهود المضايقين (انتهت يوم 29 جوان 1992 باغتيال الرئيس بوضياف شخصيا)، أحيلت قضية الحاج بتو، بالرغم من أنها قضية تندرج في إطار المحكمة المدنية، إلى المحكمة العسكرية بالبليدة. عرضت القضية في يوليو1992؛ وبالرغم من ثقل التهم والأدلة القاطعة ضد الحاج بتو، فلم يحكم على هذا الأخير سوى بثمانية أشهر سجن، أما فيما يخص الأسلحة الحربية التي وجدت في مستودعاته، فإن العدالة العسكرية - بما في ذلك الجنرال خالد نزار في مذكراته- خلُصت إلى أن "الحاج بتو تحصل عليها ليحمي بها شاحناته من قطاع الطرق الذين يجوبون تلك المناطق".
والغريب، أن هذه القضية سيعاد عرضها على المحكمة المدنية بعنابة بعد 10 سنوات في أفريل 2002، و أعيد تكييف الاتهام الأساسي (المساس بالاقتصاد، تحويل وتبديد الأموال العامة، تهريب وإتلاف ملفات رسمية) إلى قضية تزوير بسيطة واستعمال أوراق رسمية مزورة، وبالرغم من مرافعة ممثل الوزارة العمومية الذي أظهر خطورة الوقائع والتمس 20 سنة سجنا مع الأشغال الجبرية، حصل الحاج بتو وخمسة من شركائه على البراءة الفورية، هذا وقد حكم على شاهدي الإثبات، قابض سابق للأملاك العمومية، ومهندس مناجم على التوالي بعشر سنوات وتسع سنوات سجنا مع الأشغال الشاقة. تلك هي العدالة في الجزائر!
74 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftnref74) ) ظهرت أولى مطالب الـ(ج.إ.م/GIA) في أكتوبر 1992، مع صدور جريدة "الأنصار" وهي لسان حال هذه الجماعة ووسيلتها الدعائية ، كانت "الأنصار" تصدر من لندن بناء على معلومات تقدمها ويتحكم فيها (ق.إ.أ/DRS)، وفي غالب الأحيان ترسل البيانات التي يعدها ضباط مصلحة العمل النفساني عن طريق الفاكس من مكاتب (ق.إ.أ/DRS) وقد ساهم الإسلاميون المنقلبون كذلك في تسهيل تنقل هذه المعلومات.
75 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftnref75)) وعلى سبيل المثال وغيره كثير: فقد قام النقيب أحمد شاكر وبطلب من العقيد إسماعيل العماري، بتجنيد شخص يدعى مامو بودوارة، وهو وبش وسكير شهير في حي بلوزداد، ليصبح بين ليلة وضحاها من أشد المتحمسين لإقامة دولة إسلامية.
76 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftnref76) ) سيكون سعيد قاري الذي أوقف في فبراير 1992 من بين الفارين من سجن تازولت في مارس 1994 (وسأعود للحديث عن هذا التلاعب الجديد من طرف "ق.إ.أ/DRS"؛ فهل كان من بين عناصر (ق.إ.أ/DRS) الذين تم إعادتهم "للميدان"؟ هل كان في "مهمة مسندة" للقيام بالدعوة داخل السجن والقيام هكذا بانتقاء الأشخاص الممكن تجنيدهم لصالح (ق.إ.أ/DRS)؟ الشيء المؤكد هو أن سعيد قاري قد عاد إلى النشاط وشارك في العديد من الاجتماعات الرامية إلى توحيد جماعات (ج.إ.م/GIA)، قبل أن يتم التخلص منه نهائيا في نوفمبر 1994، وقد تزامن هذا مع صعود جمال زيتوني إلى القمة (أنظر الفصل الثامن) .
77 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftnref77)) أنظر الفصل الرابع إحالة رقم 1 ص101
78 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftnref78)) بعد توقيف كل من عباسي مدني وعلي بن حاج في 30 جوان 1991، كانت (ج.إ.إ/FIS) التي عرفت الكثير من الشقاق – بالإضافة إلى ردة "مراني، لفقيه، سحنوني"-، على وشك الانفجار بسبب الخلافات الداخلية والعمل التخريبي الذي قام به (ق.إ.أ/DRS)، وخلال فترة ما بين يوليو و ديسمبر من نفس السنة، لم تستطع الـ(ج.إ.إ/FIS) أن تتجاوز محنتها وأن توحد صفوفها لدخول الحملة الانتخابية إلا بفضل الشخصية الكاريزماتية ونجاعة كل من عبد القادر حشاني ومحمد السعيد كما أن هذه الفترة، قد عرفت أيضا قيام بعض المناضلين المبحوث عنهم بتكوين نواة جماعة "أوفياء" لقادة الـ(ج.إ.إ/FIS) المسجونين، وقد عرفت باسم "الباقون على العهد" (لقد عاهدوا أنفسهم على إقامة جمهورية جزائرية مبنية على أساس التعاليم الإسلامية ومواصلة الكفاح حتى سقوط كل "الطواغيت")، وقد تم الانشاء الفعلي لهذا التنظيم في شهر يناير سنة 1992.
79 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftnref79) )هكذا إذن تمكن الملازم في (ق.إ.أ/DRS) فريد عشي، الذي تحدثت عنه سابقا، من التسلل في صفوف شبان من حي القصبة و تكوين جماعته الخاصة بعد أن نجح في الهروب من عملية توقيف مزعومة (وسيصبح بعد ذلك بسنة ضمن القادة الوطنيين للـ"ج.إ.م/GIA")، وقد قام بتنظيم اغتيالات رجال الشرطة، ورجال قانون، وموظفين من طرف أناس متأكدين أنهم يكافحون من أجل الحق، بعدها قام بتنظيم عمليات راح ضحيتها العديد من "المكافحين"، كما قام بالكشف عن مخابئ للسلاح والوشاية ببعض رجاله. وعندما قرر(ق.إ.أ/DRS) أن هذه الجماعة (المزيفة) يجب أن تتوقف عن العمل ، وزّع عشي على "مجاهديه" ما يقارب 250 زوج من أحذية رياضية كورية الصنع لم تكن معروفة في الجزائر تدعى "طانڤو" وهكذا كان من السهل جدا اصطيادهم كالأرانب عندما ينزلون إلى المدن. ومنه أطلقت قوات الأمن تسمية (طانڤو) على أعضاء الجماعات المسلحة . وللحصول على الوقائع المفصلة لهذه الحلقة أنظر:
Valerio PELLIZZARI , << Ecco come il regime ha infiltrato la casbah>>, Il Messagero Dominica, 1er février 1998, cité par B.Izel, J.S. Wafa, W. Issac, <<What is the GIA ?>>, An Inquiry into the Algerian Massacres, Hoggar books, Genève1999, p.339)
8 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftnref80)0 ) وستظهر "سيرة" هذا الشخص ، وهو كذلك بدون أي تكوين ديني، أنه لا يمكنه إلا أن يكون عميلا لـ(ق.إ.أ/DRS)، فبعد وفاة "موح ليفيي" في أوت 1992، فرض نفسه "أميرا وطنيا" للـ(ج.إ.م/GIA) التي عرفت بهذا الاسم لأول مرة في شهر أكتوبر، وبضعة أشهر بعد ذلك، في جوان 1993، تم توقيفه في مدينة وجدة بالمغرب (وسأعود إلى هذه القصة في الفصل الثامن)، وسيقوم كل من الجنرال إسماعيل العماري أولا ثم الجنرال خالد نزار شخصيا، والذي كان حينها وزيرا للدفاع، بالسفر إلى الرّباط لمطالبة الملك الحسن الثاني بتسليمه: أي كان ميكانيكي، نصّب نفسه أميرا وطنيا، أهم من القادة الحقيقيين للـ(ج.إ.إ/FIS) الذين يعيشون في المنفى؟ وكيف يمكن تفسير نجاته في فبراير 1995، من القمع الوحشي الذي حدث لاخماد تمرد وقع داخل سجن سركاجي راح ضحيته أزيد من مائة سجين؟ وهناك أدلة أخرى، ففي الفترة مابين سنة 1993 و1995، صدرت العديد من البيانات المساندة للـ (ج.إ.م/GIA) ولكنها في الحقيقة مزورة ومعدة من طرف مصالح (ق.إ.أ/DRS)، تطالب بإطلاق سراح "الأمير" عبد الحق لعيادة.
81 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftnref81) ) لقد تم انشاء هذه اللجنة التي كانت تجتمع كل أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، بمبادرة من الـ(م.أ.د/HCE)، في شهر أفريل وكانت تهدف إلى ثلاث غايات: الرد على الطلبات الكثيرة التي كانت ترسلها عائلات المساجين إلى معارفهم في صفوف قوات الأمن لاطلاق سراح ذويهم؛ القيام بحركة تجاه الضباط المخلصين لـ(ق.إ.أ/DRS) والـ(ج.ش.و/ANP)، الذين كانوا يرون أن القمع قد تجاوز كل الحدود؛ وأخيرا إعطاء بعض ضمنات "الشرعية" للرأي العام الدولي ، ولقد شاركت في ثلاثة اجتماعات لهذه اللجنة، قبل أن أنتدب النقيب شاكر.
82 (http://www.algeriachannel.net/wp-*******/uploads/2009/05/chronique3.htm#_ftnref82) ) حسب الأرشيفات التي تمكنت من استغلالها في سنة 1990، فإن بوجمعة، وهو أصيل مدينة بشار، كان عضوا نشيطا في "الحركة الإسلامية العالمية"؛ وكان على علاقة وطيدة مع مخلوفي قبل أن يسافر إلى أفغانستان في 1991 هروبا من الاضطهاد الذي كان يلاحقه. في أفغانستان، ارتبط بعبد الله عزام، وهو شخصية دينية مرموقة وأصبح صهره. ومن مدينة بيشاور قام بتنظيم عودة "الأفغان الجزائريين". بعد انتصار المجاهدين على القوات السوفياتية وبشبب النزاعات بين مختلف الفصائل، ارتقى بوجمعة بونوة، الذي أصبح "عبد الله أنس" ، إلى منصب مستشار عسكري للقائد الحربي الأفغاني شاه مسعود، الذي كان يحارب قلب الدين حكمتيار.
رنا التميمي
26-07-2009, 14:28
مـوضـوع أكثر من ممتاز ويستحق القـراءة بتمعُـن وتأمل ..
شكرا لك ودمت بخير
vBulletin® v3.8.2, Copyright ©2000-2012, Jelsoft Enterprises Ltd.