المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حوار داخلي بين النفس وحرقة الأمة


نورالدين خبابه
09-11-2008, 18:39
بسم الله الرحمن الرحيم
و به نستعين

http://www.aljazeeratalk.net/forum/upload/10851/1221062848.jpg


أمريكا تصبح على الجـَـديد أوبــَـامــَـا
فهل تمسي الجزائر على خردة ثالثة من القـدَامــَى؟



السؤال 1 : كيف حال الجزائر خلال خريف/شتاء 2008 و التعديل الدستوري قيد الإنجاز؟
حسب موقع المجيب.
و لكن قبل الإجابة عن هذا السؤال، قد يكون نافعا البدء في هذا المقام بتوطئة سياسية، حتى لا يخلط كل الناس ظاهر الأشياء و باطنها، معاليَها و سفاسفها ــ مثلما يسعى لذلك نظام العـُصب الذي أهلك الحرث و النسل.
فالأمـّة ترى أنها معنية بأزمتها هي، بينما ترى السلطة الجاثمة على صدرها منذ نحو خمسين سنة أن المعضلة تتلخص في إدامة هذا "الاستعمار الداخلي" ــ كما كتب أحد الجزائريين في 10 جوان 2002 في بعض الأسبوعيات المعرّبة.
السؤال 2 : و لكن السلطة في الجزائر اليوم شتى.
أجل.
هناك السلطة الفعلية ــ المستقوية بالغرب على الشعب و على المعارضة الأمينة ــ إلى جانب الواجهة المدنية التي تشرف على "البوتيك" السياسي.
السؤال 3 : فمن هذه و من تلك؟
رغم أنّ السلطة في الجزائر... سُـلطات تمثل مختلف العُصب أو الأجنحة، فإنّ قـلب السلطة الفعلية هو أساسا أكابر الانقلابيين ــ منذ جانفي 1992 ــ و الذين يتمحورون ميكانيكيا حول توفيق و معنويا حول بلخير.
أما الوجوه "المدنية"، خاصة منذ جانفي 1992، فهي الخردة السياسية المستوردة من أصدقاء الملك الحسن الثاني، أو ذلك "العقيد" الذي لا يملك شيئا من ميراث البطل زيغود، أو "الجنرال" الفارّ من لهيب المعركة السياسية أواخر التسعينيات، أو الغريب عن الديار مولدا و لكـنة و نمط معيشة و أماكن إقامة ــ إلى جانب ضعفه الأول المتأتي، بحق أو بباطل، من كونه "مـُبلـّلا" بقضية مجلس المحاسبة، حسب تلك اللجنة المركزية و صحافة النظام الرسمية خلال أوت 1983.
السؤال 4 : و "الحكومة"؟ و "البرلمان"؟
بغضّ النظر عن قيمة هذا العضو منهما أو ذاك على المستوى الآدمي، فإنّ كليهما لا ينفع سياسيا إلا في تزيين و تمـْـدِين حكم "الجنرالات".
و لذلك لا أستغرب أن يضحك "جنرالات" الشادلي حتى القهقهة و هم يسمعون بعض أبواق التلفزيون الرسمي يتحدثون عن "رئيس الجمهورية... القائد الأعلى للقوات المسلحة"!
السؤال 5 : و لا تمارس السلطة... إلا "السلطة الفعلية"؟
هذا صحيح لولا أنه لا يمثل كل الحقيقة.
إنّ قلب الحكم في أيدي أولئك "الجنرالات".
فهم الذين يحدّدون معالم المسير العام للقرار السياسي.
أمّا التنفيذ ــ بـ"تصرف" أحيانا، و بالخروج على "النص" أحيانا أخرى ــ أمّا محاولات خداع الجماهير، فكلّ ذلك متروك للذين يقومون بأدوار "التمثيل".
ألا ترى أن أحدهم تحدّث دون خجل عن "الخطوط الحمراء" التي حددها له أولياء أمره السياسي؟
السؤال 6 : عام 1999؟
لقد أشار بعضهم فعلا في 1999 إلى "القطط الـ 15".
لكن سرعان ما عبّر علانية عن تخوّفه من احتمال انقضاضهم عليه و الناس يتفرجون...
مع أنـّه ليس فـأرا كي يخافهم بذلك الرعب!
و أنا لا أرضى أن تنحصر موازين السلطة في بلادي بين "القطط" و ذاك الذي يخافهم!
"توم و جيري" في السياسة؟
يا لـَـوَعـْيِ الجماهير السبّاق و هو يقول منذ السبعينيات: "دولة ميكي"!
السؤال 6 : من يقوم بـ"التمثيل"؟
شبه رئيس يعين رؤساء دوائر و ولاة.
يأخذ صورا مع أسياد أهل الحكم جميعا ــ رئيس البيت الأبيض، شيراك، سركوزي.
يحضر صلاة العيد في الجامع الكبير بشرط اصطحاب الكاميرا، كي... تكتمل النية!
يكرم الأحباب و الأصدقاء بالاستطباب التافه في مستشفى فال دو غراس العسكري الفرنسي أو العيادات الأوروبية المكلفة، بواسطة نعمة الله المتأتية من دولارات صحراء الأمّة ــ و قد أصبحت "بقرة اليتامى" ــ ، يرفع مرتبات ــ عفوا، "تعويضات" ــ الخدَم المكترشين، قصد قبولهم الارتشاء الدستوري...
السؤال 7 : و البقية؟
حكومة عبقرية تعبث بالجباية كما تشاء ــ عبر قانونيـْـن ماليـين سنويا ــ ، وزير... إداري لا يستطيع تغـيير رئيس ديوانه، والٍ يوزّع السكنات و قـِطع الأرض على من يستحق ومن لا يستحق...
السؤال 8 : إلى هذا الحد؟
و أكثر.
و لكن المقام لا يسمح هنا بالتوسع في حقيقة تركيبة السلطة في الجزائر.
ذلك أنّ كلامنا الآن منصبّ على حديث الساعة: إدامة إخضاع الجزائريين لقانون الغاب و منطق المخلب و الناب.
السؤال 9 : في أي جانب من مصالحها تبدو لك السلطة اليوم حيرى؟
أهل النظام برمته ــ أشباهَ سادة و خدما بمختلف الألقاب و الرتب ــ يدركون اليوم أن الشعب يريد فورا حقه الكامل من "الاستقلال".
فقد بدأ يركـّز منذ مدة على خيرات الصحراء الربانية و هو يشاهد اللصوص الكبار و أولادهم ــ و يسمع عن أخدانهم، في المضاجع الحرام ــ و هم في بطرهم مترفون ــ يخدعون و يبلعون و يجمعون و يقمعون ــ ، و على أمريكا بملايير الدولارات يتصدقون، فيما يبخلون على الأغلبية من المستضعفين بالمدينة النظيفة المنسابة المرور، و المستشفى الجيد و الدواء الممدود، و الطريق المعبّد، و القسم الدراسي غير المكتظ، و الغذاء المشـْـبع المتنوّع...
هذا النظام سيقضي عليه ظلمه الذي تطبّع عليه، و هو في الواقع يتحالف عليه مع غبائه الجـِـيني المعهود و أنانيته التي بالغ فيها كثيرا هذه الأيام...
السؤال 10 : و كيف يتعامل النظام مع مثل هذه المخاطر عليه؟
بالترقيع و الفرار إلى الأمام.
"الجنرالات" الانقلابيون يبحثون عن بوليصة تأمين تضمن لهم أمان اللاعقاب في الخارج و ديمومة المُـلك في الداخل ــ باسترقاق الخـَلق و استراق الرزق معا...
السؤال 11 : و مؤسّـسة الرئاسة؟
ليتها كانت مؤسسة.
فهي تخشى "التغارا" ــ حيث كان العماري ــ و تـُـرعَـد فرائصـُها أمام "دليّ إبراهيم" ــ مكاتب "الجنرال" مدين.
إنها صندوق كبير ــ تقريبا لا قرار له ــ من الاعتمادات المالية التي تضحك على ميزانية قصر الاليزي مثلا.
و لكن ليس "كلّ ماشية بالرحل شملال"، كما قال المتنبي...
أنظر إلى سركوزي كيف أنه بدأ نشاطه الرئاسي في مساء اليوم الذي شهد مراسِم تنصيبه.
إنه في باريس طليق اليدين.
لا يمنّ عليه توفيق و لا إسماعيل بأيّ "مديونية سياسية".
ببساطة، الرئيس الفرنسي لم يزوّر له أحد.
و الـ 54 في المائة التي فاز بها لم يسرقها.
الرئاسة المسروقة كالولد المستلحق، لا يحترمه "الوالد" و لا يطمئن بصورته و هو ينظر إليها في المرآة.
بعض مأساة وزير خارجية بومدين أنـّه في بعض مآدب صيف 2008 كان يتودّد لمجرّد "جنرال" نكرة من مساعدي توفيق.
السؤال 12 : و بعضها الآخر؟
أنه بدأ تلك "العهدة" الأولى بأمرين:
أوّلا، التفكير في افتعال وسيلة معنوية تعوّض شيئا من دخول قصر المرادية أعرج عبر تسلق الجدار.
فكان الإصرار على ما سُـمّي "الوئام"، عبر الاستفتاء.
ثانيا، برمجة المُلك الذي لا يزيله إلا الموت عبر تعديل المادة 74 التي تحدد الرئاسة بفترتين.
ذلك أنّ مساكنة الملكيّين من المغاربة في الحدود الغربية، سنوات طوالا، ليست كلها خيرا.
فهي تنقل من النفسيات شيئا من العلة السياسية...
السؤال 13 : إلى أن وصلنا اليوم إلى إشكالية التعديل الدستوري.
هذا المشروع السياسي يستدعي من كل منصف الإشارة إلى مسألتين:
الأولى، أنّ صديق "الجنرالات" يصف نفسه ــ استنتاجا ــ أنه ثلاثة أرباع رئيس، بسبب قلة الصلاحيات الرئاسية في دستور 1996.
رغم أنها في حدود... الـ 50!
السؤال 14 : 50 اختصاصا رئاسيا؟
و مع ذلك يشكو الشخصُ غياب النظام الرئاسي!
في حين أنّ الرئيس الأمريكي لا يمارس إلا نحو 12 اختصاصا!
محل الشاهد هنا، أنّ مائدة الصلاحيات الرئاسية ملآى، و لكنها ماذا عسى أن تنفع إنسانا "محروما" من يديه: فهو مَـيْـدِيّ في يُـمناهما، مشلول في يُـسراهما!
كالسائق المتردد الخائف من الحوادث، المطالب بتعديل نظام المرور ــ بدل تعلم الجسارة و المهارة في القيادة!
السؤال 15 : و المسألة الثانية؟
إنها تتمثل في أن التعديل الدستوري لم يرد البتة في برنامج مرشح توفيق و صحبه في رئاسيات 2004.
إذن هنالك منغـّص أخلاقي لو كان الحكم في الجزائر يقيم، منذ ما قبل 1962، وزنا للاعتبارات المعنوية.
السؤال 16 : و لكن الخطاب شبه الرسمي يتحدث عن اختلالات كبيرة في الدستور الذي وضعوه لـِـزروال.
أوّلا، لم يوضع دستور 1996 بشكل استعجالي و لا علاجي للأزمة في بداياتها.
و من قال عكس ذلك فقد كذب أو تملـّـق.
لقد وضعوه بعد "مشاورات" أجروها طيلة الشهور الأولى لعام 1996 مع من أحبوا و عنه رضوا، قبل أن يجمركوا كل ذلك في ندوة نادي الصنوبر، حيث وُضعت أسس "فلسفة" ــ أو حـِـيل ــ التعديل الدستوري وقتها.
فلقد بلغ بهم التروّي أن جاؤوا بحِـيل مؤسساتية و آلياتية ــ تـنمّ عن دهاء لا أثر فيها للذكاء ــ ، حاولوا من خلالها التـترس ضد إرادة الشعب السياسية الحقيقية.
السؤال 17 : و ثانيا؟
كل الذين منّ عليهم الله تعالى بنعمة الفهم السياسي الرشيد لم تخفَ عليهم عورات ذلك الدستور المخجلة.
فقد كان مثقلا بالنقائص ــ المتعددة ــ التي وصلت إلى السـتـّين، مما جعل أغبياء السلطة يخلطون من خلالها... الجنحة و الجريمة، مثل طالب حقوق مبتدئ فاشل ــ و نص التعديل المقترح للاستفتاء شاهد على ذلك في الجريدة الرسمية، نوفمبر 1996!
و لـْيبرهنوا على عكس هذا إن استطاعوا!
السؤال 18 : و بعد ذلك؟
علة التعديل الأولى و الأخيرة، في خريف 2008 هذا، إنما تتمثـّل في فتح عدد الفترات الرئاسية.
أما عناصر التعديل الأخرى، فهي خداع سياسي و بيع متلازم، بلغة أصحاب القانون ــ كالذي أرهق الناس و أضحكهم أيام "سوق الفلاح" حيث كان يُفرض، مثلا، شراء الثوم و البصل معا!
السؤال 19 : بما في ذلك توضيح طبيعة النظام السياسي في الجزائر؟
في الجزائر لا يوجد أصلا نظام برلماني و لا شبه برلماني.
يوجد نظام عسكري يمثل "السلطة المتـنـفـّـذة" ــ التي يخضع لها الجهاز التنفيذي الطيّع، من قصر الغولف إلى شيخ البلدية المسكين.
أما الجهازان "البرلماني" و "القضائي"، فالأمّة أعلم بحقيقتهما من أن يقال فيهما هنا أيّ كلام تقويمي.
و لا تسأل عن الحياة الجمعوية التي تأتمر بتعليمات الاستعلامات أو المخابرات من رئيس فريق الكرة إلى رئيس لجنة الحي!
إنّ دور المخابرات و الاستعلامات ــ الحيويّ عندما يكون شريفا ــ لا ينصبّ على أهل الدار، ذلك أنهما ستسخـّران غدا لحراسة العباد و البلاد ــ لا لحماية هذه السلطة وما فيها هنا أو هناك من أوغاد...

نورالدين خبابه
09-11-2008, 18:47
السؤال 22 : ما معنى لا "وقف" في السياسة؟

إنّ الشعب الحرّ سياسيا يعطيك اليوم ما قد يأخذه منك غدا.
و لينظر الناس اليوم كيف أنّ أغلبية سركوزي الانتخابية قد تهاوت!
و إلا فما معنى التداول؟
و لكن أنـّى فهم لغة التداول السلمي الحر من قِبل شخص تربـّى على عدم امتطاء الفرس ــ إلا و رجله في الرِّكـَاب ــ و لو بدون سرج مريح، مكتفيا بمجرّد أحـلاس يجود بها عليه ذاك "العقيد" ــ الذي أطلق كم رصاصة على الجيش الفرنسي؟ ــ أو هؤلاء "الجنرالات" الانقلابيون المغاوير؟


السؤال 23 : تقصد أنهم لم يتعبوا في حياتهم؟
بل هناك ما هو أدهى.
لقد ألفوا النظرة التملـّكية إلى الجزائر.
السؤال 24 : مَن هم؟
هؤلاء الذين من داخل نعيم السلطة المسروقة آذوا جهاد الشعب و خط الشهداء ــ باسم "جهادهم" المبالغ فيه واقعا و حجما.
فبومدين الذي لم يشارك في الحركة الوطنية يوما واحدا قبل 1954، و الذي لم يلتحق بالثورة إلا بعد أن سقط من الشهداء من سقطوا، كان ينظر إلى الجزائر نظرة صاحب المزرعة إلى مزرعته ــ بل نظرة الحسن الثاني إلى المغرب!
و تحيا الجمهورية الجزائرية... "الديمقراطية الشعبية" و اشتراكيتها!
بومدين "الثوري" كان غير بعيد عن اعتبار الزبدة في بيوت الشعب من الكماليات و اعتبار... السيجار الكوبي التعويضي عن بعض العـُقد و الولاّعة الذهبية، المهداة له من محيطه المباشر المستقور، من ضرورات البطـر الاشتراكي!
السؤال 25 : أهكذا كان بومدين؟
لم يكن بومدين كله شرا.
و لم تكن كل أعماله سيئات.
نحن الآن بصدد الحديث عن الذين يعتبرون الجزائرَ ملكا خاصا و ثورتـَنا الاستثنائية بطولتـَهم الوهمية ــ لا بطولة معظم الشعب المضحّي قبل 1962 و بعدها!
فقد نسي بومدين نفسه ذات مرة ــ أو بالأحرى تذكـّر لاشعوره الدفين ــ فصرّح في حدود 1972 من تيارت: من لم تعجبه هذه السماء فليختر سماء أخرى!
فالسماء نفسها أحس في سكرة السلطة أنها مطوية بيمينه!
السؤال 26 : بومدين وحده؟
لا.
فهذه صفة تبدو شـبه خـَـلـيـقـيـّة لدى الجماعات التي استولت على ميراث الشهداء.
ألـمْ يقل أحدهم: يأكلون الغلة و يسبّون الملة؟
و هو يقصد مطالبة المعارضة الحقيقية بنصيبها في الحديث عبر التلفزيون الذي تمتلكه نظريا الأمّة و يموّله الشعب مُكرها!
فأيّ غلة جاؤوا بها من المغرب أو ترف سويسرا أو الخليج؟
ثمّ منْ يأكل في الحقيقة غلة مَن؟
[و تلك نعمة تمنـّها عليّ أن عبّدتّ بني إسرائيل]، كما قال سيدنا موسى لفرعون.
ثم من سبّ "الملة" ــ أو الشعب هنا ــ غير أولئك الذين اتهم بعضُهم الجزائريين بالكسل في تلفزيون ما بعد أفريل 1999 ــ رغم أنهم تقاعدوا في سن قريبة من الأربعين؟
فمن هو الكسول الحقيقي؟
كما أنّ الناس استغربوا ــ و ليس لهم منذ الآن الحق في الاستغراب ــ كيف أنّ متوسطة ابن عباس بالأبيار أغلقها ذلك الشخص لقربها من فيلا والدته، و قد كان التخوف على أمنها يقتضي ترحيل صاحبة الفيلا، لا إغلاق أكمالية يدرس فيها مئات الأبرياء!
حكاية أبْـعد... زرعك عن غنمي!
السؤال 27 : و لكن الغموض الذي ساد مسودة التعديل طال كثيرا...
الغموض ــ الزائل رسميا اليوم ــ يتعدى المسودة إلى إشكالية الرئاسيات نفسها.
فالمسألتان مترابطتان.
و لولا استحقاق أفريل 2009 الرئاسي، لما تحدث أحد بإصرار عن التعديل الدستوري.
و من هنا نشأ الحـَرج، لولا أنه يكاد يتماهى مع الوقاحة!
دستور ــ على بداوته السياسية ــ يعدّل من أجل شخص يخشى عليه أحبابه الموت قبل إكمال هذه "العهدة" الثانية!
و انظر إلى محبّ الحافلات الجامعية و عاشق فيلات السفارات و المعجَب بأمور أخرى، كيف بدّل جلده، بل كيف أصبح وجهُه قــَـفا...
كان في 1996 يفتخر بتحديد الرئاسة في فترتين، فإذا به اليوم يهرول و سياط دليّ إبراهيم السياسية، مع عصيّ أُخـَر، تلهب ظهره.
السؤال 31 : و لكنهم مسؤولون بارزون.
إيه، كم تظلمك "النسوان" يا جمعا مذكـّرا سالما!
و الحمد لله تعالى أن معظم الذكور في الجزائر لا يخلون من رجولية.
و إلا أصبحنا نطالب، مع الأحناف، بنسبيّة إلغاء مسألة الوليّ في الزواج!
فكيف إذا علموا القول الشائع: المرأة لا تزوج المرأة؟
السؤال 33 : تقصد جماعة "التحالف"...
إلى يوم الناس هذا، ليسوا سواء ــ في هذا الأمر على الأقل.
و لقد أشفقتُ على صوتٍ "محافظٍ" ــ أصابته الآن بحّة ــ و هو يرقص أسرع من الناي في مسألة التمديد لأحد سادته، و قد كان في 1996 من مؤيدي مبدإ الفترتين الرئاسيتين، لا أكثر...
فهو يطمع في منصب نائب الرئيس ــ المستحيل نيلــُه، إلا أن تتغير الأحوال الجوية السياسية ــ و لكنـّه يؤمن بالفجر الكاذب، بل يصدّق عينيه و هو يكاد يرى النجوم في كبد السماء زوالا!
فهلا تأمـّـل، مع "إسلاميين" لم يحافظوا على ماضيهم المشرق، ما جاء في صحيح البخاري: "‏ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم [...] و رجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنياه ــ إن أعطاه ما يريد وفى له وإلا لم يف له...".
السؤال 37 : و لكن جزءا صغيرا من الطبقة السياسية اقترح إجراءات مضادة للـ"عهدة" الثالثة.
إنـه مجرد ذرّ الرماد في العيون.
فبعض تلاميذ دافيدوفيتش تروتسكي القدامى دخلوا مطبخ السلطة الدسم منذ مدة، بعد أن قاموا طويلا بغمس خبزهم السياسي السمج البائت اليابس في إدام سذاجة كثير من الإسلاميين.
لكن بعد أن ظهر لهم نضوب ذلك المَـعين الانتخابي، أصبحوا جزءا من الديكور الديمقراطي الكاذب ــ رغم غربتهم الفكرية ونشازهم الايديولوجي.
ولذلك قبـِل أولئك الشيوعيون ــ على خوف من الرأي العام ــ بمبدإ التمديد ــ لولا أنّ خوفهم من انكشاف التواطؤ دفعهم إلى ربط ذلك باقتراح آلية مستعملة في أمريكا الجنوبية.
السؤال 39 : و لكن مرض من هو في قصر الغولف زاد الأوضاع تعقيدا.
نعم.
لا شك أنّ العجز الصحيّ لا يعني الموت، و لكن من يصدّق أنّ الوضع الصحي لنزيل المرادية اليوم سيسمح له ــ جسـديا ــ بأداء مهامّه في حدّها الأدنى.
السؤال 40 : المرض إذن حقيقي؟
لا يحتاج المرء إلى أيّ خبرة طبية للوقوف على ذلك.
قد يكذب المريض على نفسه، و لكن الجسم لا يعرف الكذب.
إنّ حالته اليوم ــ و لا شماتة في المرض ــ أعجز من حالة بومبيدو الفرنسي عام 1974، و أوضح من أن يخفيها التظاهر بالعافية بعد حصص تكثيف العلاج.
السؤال 42 : هذه أمنية بعض أصدقاء أصحاب السلطة الفعلية؟
هذا إلى جانب منصب نائب الرئيس الذي يُسيل لعاب أحد شخصين: أحدهما يدرك أنه لن يكون أبدا رئيسا بالانتخاب الشفاف، و لذلك فهو يطمع في دخول قصر الغولف الرئاسي عن طريق كسر نافذة الاستخلاف أثناء التمديد ــ الذي لا يعلم حقيقة مداه إلا الله المحيي المميت!
و من هنا يبدو جزئيا حرصه على كسر سقف "العهدتين".
السؤال 43 : و الثاني؟
أما ثانيهما ــ "سنمار" 2008 ــ فهو في الرقصات الأخيرة، لم يُـلقِ عنه بعدُ المنديل و لم يكسر المزمار، رغم أنه ألقـِيَ به من آخر طوابق قصر سعدان الحكومي!
ثمّ لا تنسوا، يا أعمدة النظام، قوله تعالى: [يا أيها الناس إنما بَـغيـُكم على أنفسكم]. فمن منا يدري؟
السؤال 46 : هذه المخاوف في محلها؟
نعم و لا.
فالشخص مسكون بالحكم المطلق على غرار "جنرال" تونس أو ربيب كمب ديفد.
و لكنه لا يملك تقنيات التموقع.
فقد نشأ تحت عباءة بومدين الذي كان يوفر له كل شيء في عالم السياسة.
أجل. لا شك أنه يمسك بناصية ثقافة المناورات ــ بدءا من اتصاله بالمسجونين الخمسة في فرنسا عشية "الاستقلال"، و مرورا بانقلاب 19 جوان 1965.
و لكنه يبقى غريبا عن آليات التسلـل إلى لباب الحكم ــ بما في ذلك الإدارة بمعناها الواسع.
السؤال 47 : و لكنه كان وزير خارجية بومدين...
وزارة الخارجية، عندما تقتصر على الفنادق و المآدب و جلسات اللغو أو اللهو غير المباح، ليست أفضل إطار لتحصيل علوم الدولة.
و لذلك لم يُظهر الشخص طيلة "العهدتين" أيّ قدرات على الإمساك بـتسيـير أجهزة الحكم الظاهر.
السؤال 48 : ألم يستعِـن بغيره؟
بالعكس.
و لكنه لم يستعِـن بأهل الأداء بقدر ما استعان بأهل الولاء.
السؤال 52 : و لكن لماذا كل هذه السريّة التي طبعت مسألة التعديل الدستوري؟
سريّة و تردّد.
فالسلطة الفعلية لم تحسم بسهولة خياراتها في الموضوع.
وهذا ما يفسر جزئيا التخبط الذي مـيـّز مواقف أجنحة السلطة ــ ما ظهر منها و ما خفي، إلى حد الاكتفاء بالحل الوسط المتمثل في التعديلات الجزئية، التي تمنح الطرفين مهلة التموقع إلى ربيع 2009.
السؤال 53 : بما في ذلك ساكن قصر الغولف الرئاسي ــ مؤقتا؟
لا جـَرم أنّ الحياء هو آخر هموم أهل النظام الأخلاقية.
و مع ذلك، فالشخص الذي استعبده دواء الكورتيزون واقع في ورطة داخليّة.
السؤال 54 : كيف؟
المفروض أن يدرك الأنانية المفرطة التي فضحت هوانه الأخلاقي و ضعفه النفسي و هو يغيّر المادة 74 من أجل نفسه...
و لذلك فقد ظهر مثل الذي يحب "اللبن"/المخيض و لكنه يُخفي الطـّـسّـة...
فهل ينطبق عليه ما جاء في العلم النبوي من أنّ "الإثم ما حاك في نفسك و خشيتَ أن يطلع عليه الناس"؟
و لكن المرء لا يستطيع هنا ألا يتذكر ما قاله بعض العلماء المتقدمين من أنّ الحرام واضح إلى درجة لا تخفى على القط.
القط نفسه الذي لا يفر من بين يدي سيده إلى مكان عال بعيد إلا في حالة اختطافه قطعة اللحم!
و انظر إن شئتَ، في مسألة التعديل الدستوري، إلى تعدّد تواريخ الإعلان المؤجل، منذ صيف 2006 على الأقل.
السؤال 55 : و لكن ليس عيبا عمل الدولة سريا في هذه الحالة أو تلك.
سريّة على من؟
لو كان الحكم فعلا نيابة عن الشعب في القيام بتنسيق شؤونه العمومية، لما أخفوا عليه شيئا مما يعني مسيره اليومي ومصيره البعيد.
فهل يُعقل ألا يعلم الموكـّل ما يحضّره له وكيله ــ لو كانت المسألة فعلا مسألة توكيل من الشعب و قضية نيابة من الحكام؟
كلا.
إنّ مغتصبي السلطة في الجزائر منذ 1962 ــ رغم إنجازات يعود فيها الفضل لله ثم للشعب ــ لا ينظرون إلى الأمر هذه النظرة المفضية إلى أن يكون فيها الحاكمُ خادم الأمـّة.
السؤال 57 : إذن هي نظرة خاصة؟
نظرة استعلائية زادها قبحا أنها استحواذية.
ولذلك فإنّ من أهل السلطة من يتصرفون مع الجزائريين أسوأ مما يتعامل به قطاع الطرق مع ضحاياهم.
انظر إلى المديونية كيف سيّروها بسرية.
تـفحـّص عائدات المحروقات كيف يتلاعبون بأرقامها.
راقب الصفقات الكبرى و المتوسطة كيف يعتمون عليها.
أسرار الدولة ــ عند أشباه الحكام هؤلاء ــ مثل بعض النسوة اللائي كنّ إلى عهد قريب يسترن بالنقاب وجوهَهنّ الجائز كشفها... مع كشف جزء من أرجلهنّ الحرام إظهارها!
السؤال 59 : إذن ليست السرية هنا مسلكا حضاريا؟
طبيعة ثانية!
و اسألهم مَـنْ قتل مَـنْ منذ 1962.
و اسألهم كيف يُجاء بالرؤساء الرسمييّن و كيف يُذهب بهم...
و اسألهم عن عدد ضحايا الاقتتال الغبيّ الإجرامي المبكي بين مستضعفي الشعب المسلم الواحد منذ نحو عشريتين.
و اسألهم و اسألهم... يجيبوك عندما تتكلم الحجارة!
السؤال 60 : النظام معروف بالتكـتم...
"أومرتا" ليست في النهاية أحد أساليب المافيا الإيطالية وحدها، و هي تجبر أعضاءها على التكتم...
و لن تحلّ مشكلات الجزائر و الجزائريين قبل كسر قيد الاسترقاق السياسي الذي أنجب الاستـِراق المالي.
و لن تقوم لنا قائمة في بلدنا قبل أن تـُعكس الأوضاع فيصبح عاليها سافلها: الشعب إلى علٍ ــ سيدا مخدوما ــ و الحكام الشرعيون إلى أسفل ــ مسُودون خادمون!

نورالدين خبابه
09-11-2008, 18:47
السؤال 61 : و لكن مضامين التعديل المعلن عنه عديدة.
لا يسأم المرء من التأكيد على أنّ المضمون واحد: تمديد "العهدتين".
و الباقي تمويه و إلهاء و إغراق السمكة...
السؤال 62 : أي نرجسية؟
خادم بومدين ــ و خادعه، ايديولوجيا ــ يعتقد أنه طبيب الجزائر و بناؤها.
و لكن أطباء البلد يُشترط فيهم العلم و الشجاعة و الأمانة.
إيه، يا تلميذ مؤسسة عبد المؤمن بمدينة وجدة...
إنّ مجلة "باري ماتش" أو "صالي ليكوبان" لا تجعل من الشخص العادي عالما أو مثقفا.
السؤال 63 : السياسي ليس إذن كلّ من هبّ و دبّ؟
السياسة علم، بخلاف ما بلغ الناس عن "رأيك" في الموضوع، يا مصافح الجزار الصهيوني باراك.
بل هي عند أرسطو أنبل العلوم البشرية.
فكم حظك من دراستها في مجالس اللهو العابث منذ ما قبل 1962؟
و على أيّ شجاعة يتوفر قلبك و أنت لا تتحرك في المرادية نفسها إلا في خضم تلك التعزيزات من الحراسة البعيدة و اللصيقة؟
إنّ الذي يخاف العماري المسكين، فيضع مرتين تحت تصرفه طائرة تنقله تقريبا بمفرده، لا يمكنه قيادة هذا الشعب المتميز الذي تغلبت كثيرا فضائله على نقائصه.
السؤال 64 : و لكن رأي ابن بلة غير ذلك.
اسألوا زوّار سي ابن بلة عن رأيه الحقيقي الذي يبديه في مجالسه الخاصة بشأن قدرات و أخلاق صديق ضبّاط فرنسا!
و لكنه ابن بلة!
ابن بلة صديق القذافي صاحب "جائزة حقوق الإنسان"، و خصم الغزالي و خال ذلك "الوزير" المستفيد من التضامن الجغرافي الجاهلي...
لست أدري ما الذي يفكر فيه الأخ ابن بلة و هو يرى صديقه الجديد بالمرادية يقبـّل، بتلك المذلة، بوش... مُهين و قاتل صديقه صدام الذي لم يستعمل ــ هو أيضا ــ سلاحه عندما ألـقـِيَ عليه القبض!
فما هذا التناقض؟
يا أصحاب أسماء نحترم نضالها قبل 1956، و نقدّر مظلوميتها بعد 1965، و نوقــّر سنـّها، لولا اهتزازات أجسامها هذه الأيام طربا في غير وقار: دعوا الجهوية، فإنها أيضا منتنة!
السؤال 65 : قيل في مجلس الوزراء أنّ الشعب سـيَعي لاحقا مغزى التعديلات الدستورية...
تماما كما جعل بومدين من عرسه الشخصي ــ 19 جوان ــ عيدا وطنيا يحتفل به الناس رغم أنوفهم!
بل يبدو أنه قال ذات مرة لمهنئيه بانقلاب 1965: مبروك... عليكم!
و ما أصدق مشكاة النبوة الكريمة: "إذا لم تستح...".
السؤال 66 : "منسـّـقان حكوميان" يتزاحمون على "حقوق التأليف" بشأن التعديل الدستوري...
حقوق الاستعباد السياسي، أجل.
فيا أيها "المنسق الحكومي" الذي لم يرتقِ تديّـنه السياسي إلى مستوى تديـّـنه الشخصي الظاهر الجمال، ألا يخيفك ما رُوي عن نبـيـّـنا ــ صلى الله عليه و سلم: "أعيذك بالله يا ‏ ‏كعب بن عجرة ‏ ‏من أمراء يكونون من بعدي. فمن ‏‏غشي ‏أبوابهم فصدقهم في كذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه ولا يرد علي الحوض..."؟
السؤال 67 : و خارج المادة 74، ماذا عن مضمون التعديل الخاص بترقية المرأة؟
أولى الناس بترقية، إنما هو ذلك الذي يملي عليه خوفه الأسطوري معانقة بوش و سركوزي من أهل الخارج، و التودد لـ"جنرالات" ابن جديد من أهل "الداخل"!
السؤال 68 : و عن حماية رموز الثورة، كما جاء في التعديل؟
حماية رموز الثورة تكون بتبيان مدبـّري اغتيالات بعضهم في الستينيات و السبعينيات عندما كان صاحب تلك "المصالحة" و صديقه المكلـّف بـ"الأمن" الخارجي من "الجزّارين" ــ حسب تعبيره المتعلق بهؤلاء و بـ"الخرفان"!
حماية رموز الثورة تكون بمنع الحركي الحملاوي عن دخول قصر شبه الرئاسة بالجزائر مع شيراك!
حماية رموز الثورة تكون بعدم طأطأة الرأس أمام سركوزي في زرالدة و هو يسب الشهداء!
حماية رموز الثورة تكون بعدم السماح للمتصهين كوشنار بسبّ أهل الجهاد ضد فرنسا و هو على الأرض التي وُلد عليها الأبطال ابن مهيدي و زبانة و عليّ لابوانت!
حماية رموز الثورة تكون باحترام بيان أول نوفمبر ــ لا سيما فقرته المتعلقة بالمبادئ الإسلامية ضوابطَ تحكم دولة الاستقلال المنتظر!
و ليس كما قال مرتاد منتجع "كلاب ماد" المترف ــ بأموال من؟ ــ حول منع دولة الإسلام التي ستقوم ستقوم، غدا أو بعد غد ــ سواء أأحبّ عبيد ملاهي الشنزيليزي الماجنة أم كرهوا.
السؤال 69 : و التعديل المتعلق بترقية المرأة؟
إنها النظرة الماسونية المتخلفة التي كادت تلغي، قبل سنوات، الوليّ في عقد الزواج ــ لولا أسود الله تعالى.
بعض فضلة الشنزيليزي يتحدثون اليوم عن "ترقية المرأة"!
قولوا للناس: بكم جزائرية مستضعفة، منذ الستينيات، حاولتم إتيان الفاحشة و لو في صورة جريمة مستحيلة ــ كما يقول أصحاب القانون الجنائي؟
تريدون أن نذكر لكم أسماء بعض وسائط الفاحشة في أوساط طالبات ابن عكنون المسكينات خلال حكم بومدين؟
و من كان بومدين يعني عندما برّر فواحش أحد خدمه مع جزائريات، بقوله لمؤلفيْ كتاب جزائري يسمى... : "طبيعي، إنـه غير متزوج"؟
هكذا كان بومدين يحمي "النيف" أو العِـرض الجزائري بعد أن حمى الأرض الجزائرية... و هو يسمح لباريس بمواصلة تجاربها النووية و البيولوجية في جنوب/غرب الصحراء الجزائرية إلى نحو 1977.
أم أنّ الشياطين أصبحت تأمـر بالمعروف، كما ينسب تقريبا إلى الرافعي!
عيب هذه الازدواجية.
يا من لا تعرفون من باريس إلا محيط الشنزيليزي.
و من أجواء الشنزيليزي إلا الليدو و مكسـيمْس ــ بعد أن عافتكم مفاحِش أحياء شمال باريس الشعبية...
السؤال 70 : و التعديل الذي يمسّ رئاسة الحكومة؟
"رئيس الحكومة" الذليل أصلا، سيصبح "وزيرا أوّل".
هذه هي حقيقة السلطة في الجزائر:
بتواطؤ واشنطن، فرنسا هي صاحبة المزرعة.
"الجنرالات" الانقلابيون هم نـُظار المزرعة.
"الرئيس" قائد الخدم.
رئيس الوزراء منسق الخـَدم.
هذا يأكل من صلاحيات هذا.
كل واحد خادم مخدوم.
الصّافع فيهم مصفوع.
و الذلّ فيهم بـ"الرتبة"!
السؤال 71 : كأنك تستقـلل التعديلات.
لا يهم الكثير أو القليل منها بقدر ما يهم احترام الشعب على الأقل عبر إطـْلاعه على ما يراد به من قـِبل الغرباء الذين يحكمونه من باطن.
فكأنّ البلد ليس به أهل الاختصاص الذين يتحدثون في هذا الشأن أو ذاك، بعد أن يبدي الساسة آراءهم.
لمَ ذاك التكتم و ذلك العبث عبر شائعات استمرت أكثر من عامين؟
ما هذا الاستهتار، ما هذا الاستعلاء على الأمـّة؟
و من قـِبل من؟
من قـِبل أنصاف المتعلمين الذين لم يسعدوا بدخول الجامعة ــ لا في الجزائر و لا في المغرب!
أم أنهم تخرجوا في جامعات هارفارد و أكسفورد و برلين و الحي اللاتيني بباريس ونحن لا ندري؟
السؤال 75 : فرنسا يعود دستورها الأخير لـ 1958؟
بل إنّ الولايات المتحدة ــ المعقدة التركيب على شتى الصّّعـُد ــ لم تعرف، من... 1787 إلى يوم الناس هذا، سوى دستور واحد!
و لكنه ليس دستورا أعدّ تصوّره الرعيان ــ حاشا السادة الرعاة ــ و لا أنجزه أنصاف الأساتذة و أشباه المترجمين، كما يحصل في هذه البلاد الطيبة التي يوجد بها، على مستوى هندسة الدولة، أكثر من جـفرسَـن و أكثر من هملتـَن!
السؤال 76 : و عندنا؟
يا حسرة على البلاد: كلّ من مرّ ــ أو أوصلوه إلى قصر الغولف الرئاسي ــ جاد عليها بدستور من علمه الغزير!
فالتخلف ليس اقتصاديا فقط.
إنه أيضا ذو طابع مؤسّـساتي متولـّد أساسا من رعونة الحكم السفيه.
السؤال 77 : و لكن دستور 1996 يحتاج فعلا إلى تحسين.
قبل الحديث عن "التحسين"، هلا بدأ القوم، كما قيل، باحترام الدستور الذي وضعوه هم؟
لم يكذب فرنسيس بيكـَن و هو يقول: ويل للشعوب التي تعتبر دهاء حكامها ذكاء!
السؤال 78 : ما علاقة هذا بذاك؟
الأصل أنّ الدهاء في الشر، و الذكاء في الخير.
و لذلك كان سيدنا عمر أبلغ من بـيكـَـن و هو يقول: لستُ بالخِـبّ و الخبّ لا يخدعني!
فجماعة السلطة يسيرون وفق مشورة دهاة ــ أجانب أو أشباه جزائريين ــ و لكنهم ليسوا أذكياء.
السؤال 80 : إذن الدستور غير محترم؟
أجل.
و هذا هو الذي يجعل الأمـّة تسأل في غضب: علامَ التعديل إذا كان النص الأوّل لم يطبق إلا بحيلة الانتقاء؟
السؤال 83 : تقصد الخمر؟
السلطات الرسمية تشرف على القمار و تتستر على الفاحشة المنظمة ــ ناهيك عما يحدث في مكاتب "هيبة الدولة" من اعتداءات على محصنات مسكينات حوّلتهم الذئاب إلى بعض جَـواري هذا العصر.
أما الخمر، فيا ليتهم اكتفوا بجريمة إنتاجها محليا.
فقد أبى الظالمون معها إلا استيرادا بعملة الشعب الصعبة.
و قالوا نحن "مجاهدون" و ورثة دولة الشهداء!
السؤال 84 : ماذا اجترحوا في هذا المجال؟
الغريب هنا أنّ الذي أعاد المادة التي تسمح في قانون المالية باستيراد خبيث المشروبات "الروحية" ــ أو "الروحانية"! ــ ليس ذلك الشخص الذي سكر حتى الثمالة ليلة مجزرة ابن طلحة عام 97، و إنما في عهد ذلك الملتحي الذي لا يرفض لصديق "الجنرالات" طلبا.
ضعف الآمر و المأمور و المخمور!
السؤال 86 : إلى هذا الحد بلغت ازدواجية النظام؟
إنّ جرم أهل السلطة ثلاثي في هذه المسألة.
فهم لم يكتفوا بمخالفة الشرع الرباني في حياتهم الخاصة ــ و ذلك شأنهم.
و لم يُرضِهم أن حملوا الأمّـة على تنكـّب الصراط المستقيم بفعل القوانين الوضعية و السياسات العلمانية، مما خفي منها أو استتر، إذ زادوا إلى كل ذلك جريمة التنكر لنصوص هم الذين وضعوها!
فأيّ شبح طاعة بقي لهم من قِبل الشعب؟
قد يأتي قريبا زمان لا يحتاج فيه الجزائري إلا إلى من يقرأ عليه كلاما أنزِل في غير المسلمين: [فاستقيموا لهم ما استقاموا لكم]، كي يتنصل من كل التزام إزاء أجهزة سلطة، هي التي تعطي المثل في دوس نصوصها الرسمية!
السؤال 87 : العصيان المدني؟
بل هي اللاطاعة الزاحفة، التي قد تتجاوز غدا حدود التحايل على الضريبة الظالمة، أو على شركة الكهرباء التي لا يعرفها كبار أفاعي السلطة، أو على لوائح المرور التي لا أثر فيها إطلاقا لســــحب رخصة سـياقة ابن اللص الرسمي الكبــــــــير (V.I.P:voleur-insolent-du-peuple)...
فعندما تصبح الدولة ــ بالمعنى البيولوجي ــ قسمين منفصلين: سلطة غريبة تفسد و مجتمعا مناوئا يتلكأ، نكون أمام ظاهرة لا ينبغي أن تدوم.
و قد تكون تلك الحالة المجتمعية هي عينها التي قال عنها الرسول ــ صلى الله عليه و سلم: "...و شرار أمرائكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم و تلعنونهم و يلعنونكم".
السؤال 89 : بحيث تزول الدولة؟
الدولة ــ مرافقَ عامة تحمي و تـُسعف ــ أوشكت على الوهن أو الغياب، و لم يبقَ منها تقريبا سوى "نظام" استحواذي يحمي نفسه و مكاسبه الحرام بواسطة بعض ضحاياه الذين يستنفرهم ضد بعضهم الآخر.
ذلك أنّ المسألة أخطر، لأنّ الجرح أكبر.
فقد زُلزل المجتمع و تفكـّكت الأسرة و تدمّر الفرد.
لم يعد الانحراف حالات فردية تسمى عند الأمريكان شيئا يمكن التعبير عنه بـ"الجنوح" (Deviance) .
و بعض مأساتنا أنّ الجنوح أصبح وباء تجاوز تلك الحالات المعزولة إلى ظاهرة الانفلات العام (Anomie) ــ ولو أنها أقرب في هذا إلى مفهوم دوركايم منها إلى مفهوم مَرتون.
ألا ترى أنّ الكثير منا أصبحوا لا يلتزمون الحق في يومياتهم إلا استثناء؟

نورالدين خبابه
09-11-2008, 19:24
السؤال 90 : في مجالات محددة؟
في كل المجالات.
من السياسة إلى السوق مرورا بصاحب التاكسي و الكهربائي أو الميكانيكي.
بل إنّ المسجد الطاهر نفسه افترق فيه تديّن و تخلـّق.
و هلا فكر الناس كيف أنّ السرقة/الرشوة مثلا استمرأها خلق كثير، لافتقاد القدوة على المستوى الرسمي، حتى كادت تصبح مُمأسسة.
السؤال 91 : السرقة شبه مُمَـأسسة؟
إذ ما دامت السرقة تطال بنكا بأكمله، و يُـفرغ جزء كبير من ودائع ثان و يقترض الذئاب من ثالث بغير ضمانات، و مع ذلك لا يستقيل أيّ مسؤول كبير أو صغير، فقد وجد متوسّطو اللصوص و صغارهم الذريعة التي تبرر كل أنواع النهب ــ من عجلة سيارة الموظف البسيط إلى جوّال العامل اليدوي البائس و مرورا بحذاء المصليّ و سلسلة الذهب الخفيفة في جيد الفتاة البريئة...
السؤال 92 : سيستمرّ الحال هكذا؟
غدا سَـيفهم هؤلاء "اللصوص" المؤقتون أنّ حقهم الشرعي المغتصب ليس عند الفتاة و لا عند المصليّ و لا عند العامل و لا عند الموظف!
وعندما توجد غدا القدوة على مستوى "القمة"، فإنّ السرقات تصبح قليلة، لا يقدم عليها إلا قليلون تعبث بهم نفس أمّارة.
السؤال 94 : إذن هكذا أصبحت السرقة منتشرة؟
فقد أصبح الكسب الحرام ميكانيكيا، إن صح الوصف.
هذا يسرق، فذاك إذن يسرق!
"أمريكيو" الخارج و الداخل ينهبون العقار البترولي، فأيّ نفس لوّامة تقمع شيخ بلدية و لعابه يسيل أمام قطـَع أرض يبيعها من باطن كي يبني فيلا مجانا؟
السؤال 95 : بهذه البساطة؟
نعم.
بل كيف تستطيع اليوم إقناع الجمركي بترك رذيلة الرشوة و هو يرى بعض أصحاب الحاويات يعبثون بالملايير ــ في مشاركة مشبوهة مع لصوص السلطة الذين يوفـّرون المناعة أمام مصالح الميناء و الضرائب و التجارة؟
السؤال 96 : الجمركي وحده؟
على الذين ينتقدون عوج السلوكات المريبة في مكاتب القضاء أو عون المرور في الشوارع و الطرقات أن يبدأوا بانتقاد الضباع السمان.
فالسبب أوْلى بالعلاج من النتيجة.
و السيارة إنما يتم تغيير مسيرها عبر العجلات الأمامية و ليس الخلفية.
فالناس يعلمون أنّ الظل لا يستقيم و العـود أعوج.
السؤال 97 : إذن نكون حينئذ أمام حركة معاكسة؟
بالضبط.
يكفّ اللص الكبير عن غيّه بعد إبعاده، فتجفّ منابع المحاكاة الباطلة لدى لصوص الطوابق السفلى.
السؤال 100 : كيف؟
الرئيس بعيد عن حِمى الشبهات؟ فالوزير يبتعد عنها و الوالي لا يفكر فيها و شيخ البلدية قد لا يراها في المنام!
الكبراء لا يُـظهرون بطرا و لا ينفقون تبذيرا و إسرافا؟ إذن الأصاغر في إضراب عن ذلك كله!
السؤال 101 : و اليوم؟
إذا كان الفرنسي بـْـرودُون قد كتب أحد بحوثه تحت عنوان "المِـلكية سرقة"، فإنّ واقع التكسّب السريع الضخم في الجزائر الرسمية يكاد يقول: "السرقة هي... المِلكية!"
وهذا ما يعبر عنه بعض الناس، مع الأسف بمقولة: "طاق على من طاق"...
السؤال 103 : إلى متى سيستمرّ هذا الخصام الأفـُقي في المجتمع؟
إلى أن يقوم خدَم الأمّة ــ خاصة الرساليـّين ــ بتفهيمها كل مواقع الحق و مواطن الفساد، فيُعاد التناقض سيرتـَه الأولى ــ بين حفنة الأظلمين و جموع المظلومين الذين سيكفـّون حينئذ عن ظالميتهم الصغرى المؤقتة.
السؤال 105 : ما هي مواطن الخلل التي ينبغي أن يطالها أيّ تعديل موضوعي؟
لو شاء المرء الإيجاز في هذا الشأن لقال أنّ الدستور المراد تعديله يتميز بأمرين: التخلف في هندسته و المسخ في وجهته.
السؤال 108 : و الأخطاء في البناء المؤسساتي؟
يكفي هنا أن نشير إلى أنّ الذين أسهموا في تحرير نص 1996 لا يفرقون بين المثنى و الجمع ــ و يا ليتهم احتجوا في ذلك بسورة التحريم الجليلة.
السؤال 109 : إلى هذا الحدّ؟
لقد أخبرتُ بعض أهل الترجمة النجباء كيف أنّ أولئك المحررين ــ أو الببغاوات ــ أعادوا صياغة المادة 15 كما يلي: "الجماعات المحلية هي البلدية و الولاية" ــ بدل "الجماعتان المحليتان هما...".
السؤال 110 : و غير هذا؟
خذ جهاز ما يسمى "مجلس الأمـّة".
فقد قرروا ــ بعد نتائج تشريعيات 1991 ــ عدم تمكين الشعب من أيّ اختيار سياسي لا يرضي العصابات التي سرقت السلطة بُعيد "الاستقلال".
السؤال 112 : و لكن ما دخل هذا في تركيبة مجلس الأمـّة البشرية؟
لقد فكـّروا أيضا في شغل خردة النظام السياسية من أحباب السلطة الذين لا يحسنون غير الكسل السياسي أو التقاعد المبكر المريح.
السؤال 113 : كيف؟
في الأنظمة الغربية التي تبنـّت سيطرة الإرادة الشعبية على مؤسسات الدولة و أعمالها، لا توجد مثل هذا البـطالة السياسية.
فالسياسي الأورو/أمريكي عندما يغادر منصبه لا يتقاعد، لأنه يعود مثلا لجامعته محاضرا.
لا إلى نادي الصنوبر و أخواته نائما أو سكرانَ!

نورالدين خبابه
10-11-2008, 17:21
السؤال 115 : ألا يكونون أحيانا محقـّين في ذلك؟
لا يسع المرء هنا سوى الاستنكار بملء فيه كي لا ينفجر غيضا!
أبناء البلد، أمناء الدار، يحكم عليهم نظام يعجّ باللصوص و القتلة ــ من أيام مقتل خيضر ــ بتهديد الأمن العام!
و لقد قصّ علينا القرآن المجيد كيف أنّ فرعون ــ بدون خجل ــ تحجج بحماية شيء كالنظام العام و هو يريد البطش بسيدنا موسى: [إني أخاف أن يبدّل دينكم أو أن يُظهر في الأرض الفساد].
الأمن العام و الوطني يهدده الغرباء عن الديار الذين يحتلون تلك المناصب الحساسة في أجهزة بقايا الدولة!
الأمن العام و الوطني يهدّده "المغاربيون" ــ الذين يتوزع انتماؤهم على المغرب أصلا و تونس مولدا و الجزائر موطنا ــ من الذين ألهبوا منطقة كاملة قبل سنوات بسبب تعبيرهم الجاهل بالفرنسية، ناهيك عن الدارجة الجزائرية التي لا يحسنون التحدّث بها!
السؤال 116 : و حول عدد أعضاء مجلس الأمـّة؟
عددهم 144 في بلد به نحو 35 مليون نسمة.
بينما في الولايات المتحدة ــ حوالي 300 مليون ساكن ــ لا يوجد سوى 100 عضو بمجلس الشيوخ يمثلون كل الولايات!
السؤال 117 : الرقمان متناقضان...
بل مُضحكان!
و لكن علامَ العجب؟
فلو كان نظام الجهلة منطقـيّا لاكتفى بنسبيّة مبنية على تعداد السكان في حدود 1 إلى 9، فلا يصبح عدد أعضاء "مجلس الأمـّة" حينئذ سوى... 11!
السؤال 118 : إذن لماذا اختاروا رقم 144 المهول؟
و لكنهم ــ في المحصّلة ــ لم يخطئوا!
لا شكّ كبيرًا في أنهم قد قاسوا على مستواهم العلمي و السياسي، فكان أن اعتبروا شيخا أمريكيا في الكونغرس بـ11 عضوا بـ"مجلس الأمّـة" ــ بغض النظر عن قيمة هذا الفرد منه أو ذاك!
و لكن متى كان الأمر في التسعينيات بيد من فـرّ من قصر الغولف فرارا؟
السؤال 120 : إلامَ تـُرجع إذن ذلك التخبط المؤسساتي؟
إلى قلة المعرفة المتصلة بعلوم الدولة لدى المشرفين المستقورين على إعداد وثيقة 1996 و لدى المترجمين المساكين!
السؤال 121 : إذن النص كـُتب أوّلا بالفرنسية؟
اسأل عن ذلك "المتعاربين" الذين يشتغلون "عـشـّارين" عند المستقورين ... "الخماسين" لدى الفرنسيس!
السؤال 122 : فقط؟
بل هي على العموم عقدة تقليد الافرنجي التي لا تزال تحتل نفسية أغلبية
"النخب".
السؤال 123 : في دستور 1996 توجد إذن اقتباسات من الخارج؟
من فرنسا بالذات.
بل يا ليتها كانت اقتباسات ذكية بطابعها التقني، يراعىَ فيها ما يسمى عند الغرب "علم الاجتماع التشريعي" أو المنطق القانوني.
السؤال 124 : مثلا؟
نصوص فرنسا تشترط في المترشح لقصر الاليزي توقيعات 500 منتخب ــ من مجموعهم القريب من 40.000 .
السؤال 125 : و في الجزائر الرسمية؟
أتدري كم يقترح أهل البداوة السياسية عندنا؟
معاناة الذين يذكـّروننا بالقِـرد... الذي لا يعرف مجرّد التقليد!
السؤال 126 : و أيضا؟
أرادت الجماعة اتباع اقتراح إنشاء نظام قضائي مزدوج.
ليكن.
و لكن أنصاف الجهلة لم يعلموا أنّ هذا الاقتباس من فرنسا يستدعي اعتماد توأمه المتمثل في "محكمة التنازع"، فلم يذكروه في النص المنشور في الصحافة.
و لحسن حظهم أنهم استدركوا الأمر بعد أن قرأوا عنه في جريدة "العالم السياسي" حوارا مع أحد الإسلامييّن، فراح المنتحلون يصححون الخطأ!
و اسألهم عن محكمة التنازع تلك: فقد جهلها الجاهلون و نسيها بعد تعلمها السكارى الغافلون!
السؤال 127 : و عن المنطق القانوني؟
ينصّ الدستور على أنّ "رئيس الحكومة ينفذ برنامجه و ينسقه".
انظر إلى النباهة السياسية: عندما ينتهي من التنفيذ، يقوم بالتنسيق! [كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا].
السؤال 128 : و المفروض؟
كان يمكن القول مثلا: يقوم رئيس الحكومة بتنسيق برنامجه أثناء تنفيذه. أما ما جاء في تلك المادة، فهو يشبه قول إحدى العجائز الطيّبات: قمطت المرأة صبيّها و ولدته!
و لكنّ أهل الثورة لم يقعوا في مثل هذه المضحكات المحزنات ــ رغم أنهم لم يتعالموا.
فقد انبثق عن مؤتمر الصومام ــ الذي ليس صنما يُعبد ــ هيئة تسمى "لجنة التنسيق... و التنفيذ" ــ في سلاسة تعجب الثوار ــ ذلك أن لا تنفيذ فعليا قبل التنسيق!
السؤال 129 : لنعـُد الآن لإشكالية التعديل الدستوري كما هي اليوم.
قبل 29 أكتوبر 2008، لم يكن الناس يدرون أتعديل هو أم دستور جديد.
و لكن مربط الفرس عند "الجنرالات" أنّ التمديد لا يؤدي إلى التأبيد ــ لو ظهر أنّ المرض قابل للعلاج ــ في حين أنّ صديقهم مسْـكون بالبقاء في قصر الغولف حتى مقبرة العالية.
السؤال 130 : و هذا ما يفسر التردّد الطويل بشأن التعديل؟
هم يريدون على الأكثر تمديدا لا يهدد أركان سلطتهم.
و من هنا نشأ التجاذب الخفيّ معه حول منصب نائب الرئيس، المؤجل البتّ فيه إلى ما وراء التعديل "البرلماني".

نورالدين خبابه
10-11-2008, 17:27
السؤال 131 : كيف؟
هناك أمران يحددان غدا موقف نزيل قصر الغولف من قضية منصب نائب الرئيس.
أوّلا، نفسيـّـته المشبعة بالنرجسية لا تتحمل الرديف في الكرسي، و لو كان بثلاث أرجل أو بأقلّ!
ثانيا، إنـّه يعلم أنّ وجود نائب الرئيس ــ و سيّدهما معا هو من يعرفه الناس ــ إيذان باحتمال تكرار التجربة التونسية التي تجرّع مرارتها بورقيبة بعد التعجيز الطبيّ.
و قد لاحظ الناس كيف أنّ نزيل المرادية المؤقت يذكرهم بالحسن الثاني صوتا و برئيس تونس السابق مشية و حركاتٍ متثاقلة ــ ناهيك عن الثياب الدفئية و الفرار من المكيفات، مع تلك البحّة المستعصية على الإخفاء، مهما بذل مهندسو الصوت من جهود.
مرة أخرى، لا شماتة في المرض.
و لكن إلى متى إخفاء الحقيقية الصحية على الأمـّة و عند شيراك ــ و جهينة ــ الخبر اليقين؟
السؤال 132 : إذن قضيّة منصب نائب الرئيس ليست شكلية.
أبدا.
هي قضية حياة أو موت سياسي بالنسبة إلى صديق "الجنرالات" و فرصة العمر ــ أوْ لا شيء ــ عند ربيبهم محبّ فيلات السفارات و الحافلات!
السؤال 134 : إذن حكاية التمديد أو عدمه ــ تلك هي حياة النظام؟
نعم، إلى حدّ معيّـن.
فكل همّ النظام معلق الآن بالتمديد المؤقت ــ غير المسبب لأيّ هزّة داخلية.
السؤال 135 : كل شيء إذن محسوب عند أصحاب القرار؟
نعم، كل شيء مما يهمهم هامّ محسوب.
أما ما يهم الشعب و البلد، فهو مهمل مَعـْـيوب.
السؤال 136 : مثلا؟
هل يدري كل الناس أنّ أركان النظام لم يتردّدوا في إضحاك السفارات الأجنبية عليهم و هم يجبرون نائبا "منتخبا" على الاستقالة، كي يُعيّن رئيسا على الغرفة الأخرى ــ رغم أنه من الثلث الرئاسي غير المنتخب!
السؤال 140 : و لكن مثل هذه النقائص قد تـُستدرك لاحقا في تعديل لاحق.
أيّ تعديل و السلطة مالت إلى تمريره ــ خلسة ــ عبر "البرلمان"؟
ثم إنّ الوعد بتعديل أكبر بعد أفريل 2009 دليل على نيّة وزير خارجية بومدين في التزوير و الفوز عنوة ــ كما حصل في كينيا و زيمبابوي.
و لكن الجزائر لا تخلو من أسُـود لن تسكت حتى تذهب الثعالب مع الذئاب!
السؤال 141 : و ما المانع إذا كان الدستور يسمح بأكثر من تعديل؟
هناك مسألتان في غاية الحساسية بهذا الشأن.
المسألة الأولى أنّ الأمر تـمّ التفكير فيه و الإعداد له، كالعادة، بعيدا عن أعين الشعب، رغم أنه المعني الأوّل.
السؤال 142 : لكن العرف السياسي...
تريد أن تقول أنّ السرية من أصول العمل السلطوي.
ليكن.
و لكن ليكونوا على الأقل مثل سيّدهم ديغول الذي أعطى مواطنيه درسا في الشفافية و هو يقترح عليهم دستور 1958.
السؤال 144 : أيّ مستوى سياسي؟
الإشراف التقني تكفـّل به ميشال دَبـْـري، و قد كان من كان في ثقافة الدولة و في النفـَس المؤسساتي اللذين كان عليهما.
السؤال 145 : و التوجيه السياسي؟
كان يقوم به أساسا الجنرال ديغول نفسه.
ذلك أنّ الذي لم يُبالِ بشهداء شعبنا خلال مجازر 8 ماي 45 ــ و الذي تميز باليد المجرمة خلال الشطر الأكبر من الثورة ــ كان يملك تصوّرا عاما متكاملا عن الدولة و المؤسسات السياسية.
السؤال 146 : تقصد ما أشار إليه في مذكراته؟
بل على الخصوص في خطاب "بايو" الشهير.
السؤال 147 : و جماعة السلطة في الجزائر؟
الأميّة فيهم مطبقة إلى درجة يعتبرون معها محبّ حافلات النقل الجامعي عالما كبيرا!
بل إنّ مرشـّحهم ابتداء من 1999 سوّلت له أجواء الجهل السائدة في السلطة منذ 1962 اعتبار نفسه مثقفا مرموقا و هو الذي لم يتجاوز عتبة المدرسة الثانوية!
حكاية الأعمش وسط المكفوفين...
السؤال 148 : و المسألة الثانية التي تميز إعداد التعديل ــ بعد مسألة طبخه سـرا؟
إنها قرار تمرير التعديل عبر "البرلمان" وحده.
السؤال 149 : لأنّ النتيجة مضمونة برلمانيا؟
لا شك في ذلك.
و هل تستطيع السلطة الظاهرة أن تبرر الزيادة الجنونية في مرتبات "البرلمانيين" بغير رشوتهم سياسيا ــ بما في ذلك الطيبون الخائفون ــ كي يقبلوا تلك التغييرات في وثيقة 1996؟
السؤال 150 : ولماذا تفادوا الاستفتاء الشعبي في هذا الخريف؟
هناك ثلاثة أمور مهمة في هذه النقطة بالذات.
السؤال 151 : ما هو الأمر الأوّل؟
الأمر الأول أنّ مشروعية "النواب" لا يختلف في انعدامها اثنان.
و لستُ أدري من يستطيع من أهل السلطة أن يعيد على مسامع الأمّـة كذبة 35 في المائة من المشاركة الشعبية في تشريعيات 2007.
و لذلك سيكون التعديل "البرلماني" أعرج مثلما كان أصل اقتراع 2007 أعوج.
أما "العهدة" الثالثة المرتكزة على ذلك ــ إن تمّت ــ فسيكون انعدام مشروعيتها أبشع من التي بدأت في 1999!
السؤال 141 : لماذا؟
لسبـبـين: أساس التمديد "البرلماني" مسروق، و التزوير في 2009 قد يكون غير مسبوق!
السؤال 152 : و الأمر الثاني في تفادي الاستفتاء؟
أنّ تهيـّب السّلطة من المرور بالاستفتاء دليل على علمها اليقيني بالاتجاهات الكبرى لدى الرأي العام.
ذلك أنّ الشعب ألحق بـ"الجنرالات" صديقـَهم الذي انتهى خبزه الأبيض المعجون بالثنائية و إخفاء الحقيقة.
السؤال 153 : و الأمر الثالث في الاكتفاء بالتعديل "البرلماني"؟
أنهم أصبحوا لا يثقون في... قدراتهم على التزوير القابل للتسويق إعلاميا بشأن مثل ذلك الاستفتاء!
السؤال 154 : إلى هذا الحد؟
إنّ هروب السلطة ــ الظاهرة ــ من التعديل بالاستفتاء دليل على أنها استيقنتْ نفور أغلبية الشعب منها، بعد انكشاف الخداع الذي جعل النحاس يباع... ذهـَبا في بعض الشرائح الطيبة!
السؤال 155 : هل من دليل على ذلك؟
إنّ المقاطعة الغالبة المؤكدة بشأن الاستفتاء ــ لو أقدموا عليه ــ تجعلهم لا يستطيعون، في أفريل 2009، إخفاء زهد الشعب المستضعف في مرشح "الجنرالات".
السؤال 156 : كيف؟
ذلك أنهم يخشون ــ من ابن وجدة إلى أولياء أمره ــ كون الاستفتاء، لو لم يُـستبعد، تدريبا كبيرا على ما ينتظرهم في موعد الرئاسيات المبرمج في الربيع المقبل!
السؤال 159 : أيّ رئيس حكومة؟
"رئيس الحكومة" المقال بإهانة، مع خليفته الذي قبِـِـل المنصب دون مناقشة ــ لأنه من حزب "وطني ديمقراطي"!
بل دون السؤال عن قائمة الوزراء الذين لم يسمعوا بالقصة إلا مع عامّة الناس تقريبا!
السؤال 160 : هكذا تمّت الأمور؟
نعم.
بل تماما ــ و القياس مع الفارق، طبعا ــ كحال البنت التي تـُزَوّج دون علمها!
بل عجبتَ و يضحكون من الطلاق التعـسفي لدى الرجل الأحمق، و هم الذين يهددون نحو 400 رجل/امرأة بطـردهم من مبنى مجلس "النواب" عبر الحلّ، في حالة رفض أوامر "رئاسية" وقـّعها من راح يتودّد في "التغارا"... إلى أحد مساعدي "الجنرال" مدْين!
و قالوا نحن "رجال دولة" و "وزراء"!
و لولا فرد منهم مستطاب من هنا أو من هناك، لقلنا: هلا كانوا مجرد رجال!

نورالدين خبابه
10-11-2008, 17:31
السؤال 161 : ليس إذن أمام الجماعة حيلة قانونية أخرى؟
لقد تفادوا مثل صداع الرأس هذا، بأن اكتفوا في تعديلهم ــ محل إجماعهم الحالي ــ بتغيير المادة 74، مع بعض التوابل التمويهية، كما تقدّم.
و لكنّ الأمر الآن مكشوف، بل صار "الملك بدون ثياب"، كما قال الفرنسيس قديما.
السؤال 162 : عدنا إذن للمادة 74...
إنها تعتبر بيت القصيد بالنسبة إلى عـُبّاد السلطة.
و سيكون هذا الإجراء سابقة خطيرة في مجال رسم مستقبل البلاد لصالح عقدة شخص.
السؤال 163 : هناك من قال أنّ دستور أمريكا ــ الصادر منذ أكثر من 200 سنة ــ ليس حجة في هذا الشأن.
هذا الكلام يتضمن سبّا للجزائريين، بما يعنيه من عدم وصول الجزائريين في 2008 إلى ما وصله الأمريكان في... 1787!
لكن أهل المحاماة الذين يحترمون أنفسهم يقفون دائما إلى جانب الخروف ــ لا إلى جانب الذئب.
السؤال 164 : و لكن الشعب حر في التمديد لمن يشاء.
الشخص المتلاعب له بالصناديق منذ 1999 قال مثل هذا الكلام، في بداية نوفمبر 2008.
الشعب حرّ؟ ربما كان يقصد أنّ توفيق و أصحابه أحرار في التمديد المشروط!
يا ابن وجدة، انظر لحظة في المرآة: 7 ملايين "انتخبتك" في 1999؟
آه، طريقة الصيدلي كـُووِي عند الفرنسيس و حكاية أشعب الذي دلّ الأطفال كذبا على وليمة وهمية قبل اللحاق بهم!
السؤال 165 : إذن فترتان رئاسيتان كافيتان؟
تنظيم تتابع الفترات الرئاسية لا يشكل سوى جزء من إشكالية معقدة تتعلق بضمان منع تحوّل السلطة من ضـَرورة تنفع إلى ضَارورة تقمع.
هناك ثلاث آليات أساسية تساعد السلطات المضادة الحقيقية على تجفيف منابع العلوّ في الأرض.
السؤال 166 : ثلاث آليات أساسية؟
نعم، ثلاث.
إنّ تقليص طول الفترة الرئاسية يجعل الشعب هو الربّان.
فلا بد من تحديدها من حيث الـــمــــدّة.
و إنّ تقييد حجم السلطة يجتثّ عتوّ السلطان.
فلا بد من تحجيمها من حيث الــــمــــدى.
و إنّ تقطيع امتداد السلطة يجفف الطغيان.
فلا بدّ من تفتيتها من حيث الامـــتــــداد.
السؤال 167 : إذن تقييد السلطة من حيث "المدة"، "المدى"، "الامتداد"...
نعم.
فـ 15 سنة ــ متتالية ــ في الحكم تـُعتبر في الدنيا كثيرة على كاهل شخص واحد ــ و لو كان رئيسا حقيقيا.
فكيف في الآخرة، إنْ سعى لها سعيها "المتصوفون الجدد"؟
أيُعقـل: من باريس قرب شارع كـْـليبير، مباشرة إلى الشيخ بلكبير؟
كل الناس يُفترض فيهم أن يخففوا من نقائصهم و هم يقيمون وزنا لشعوبهم، لمحيطهم، لأنفسهم.
بل المجرم الروسي بوتين نفسه ــ الممتلئ صحة و خبرة ــ لم يطلب تعديل الدستور إرضاء لأنانيته، رغم أنـّه لم يفعل بروسيا ما فعله صديق بوش و سركوزي بالجزائر!
و من ارتأى جدوى كسر سقف "العهدتين"، فليـُبدِ صدقه بعدم الاستفادة منه!
تماما كما فعل ابن سيرين الذي كان في الفتيا يـيّسر على الأمـّة و يشدد على نفسه...
السؤال 168 : إذن بوتين تغلــّـب على جاذبية حبّ السلطة؟
ليس الأمر كذلك.
فهو لا يزال في السلطة ــ بطريقة أخرى ــ و لكنه خجل من تعديل وقح يمس قانون بلاده الأساسي من أجل شخصه.
لقد كان يعلم أنه لو أقدم على مثل ذلك الإجراء السمج، لاحتقرت أمّتـَه كلُ الشعوب المتمدنة التي ما كانت لتكتفي باحتقاره ــ شخصا ذا أنانية صبيانية.
السؤال 169 : و غير بوتين؟
لم يكن الرئيس الروسي السابق بدعـا من الرؤساء في ذلك.
فنفس السلوك الحضاري سلكه راولينغس الغاني، رفسنجاني الإيراني...
السؤال 170 : و غيرهما؟
نعم.
كدت أنسى الرئيس التوغولي شبه المؤبد الذي كانت له "شجاعة" خرق الدستور عبر تعديله، قبل أن يلتحق به في ذلك "الرئيس" التشادي بعد "جنرال" تونس ــ بطلب من الأصهار، عفوا! من "الجماهير"!
يا سلطة التخلف و الأنانية! أتستوين الآن مع التشاد و لا تلحقين بالنقيب الغاني؟
السؤال 171 : فرنسا أغمضت عينيها على الذي حصل في تونس و التشاد؟
انظر إلى نفاق الغرب المؤسساتي.
إنهم يحرصون على الدقة في ديمقراطياتهم حرص السويسريين على دقة ساعاتهم، و لكنهم يدعمون الطغيان في العالم الثالث عندما يرعى مصالحهم.
السؤال 172 : هل من تفاصيل؟
شيراك دعـّم حاكم تونس عندما لوى عنق الدستور الذي وضعه... بنفسه، و سركوزي يتناقض مع نفسه!
السؤال 173 : كيف يتناقض الرئيس الفرنسي مع نفسه؟
المرشح سركوزي تضمن برنامجه تحديد الإقامة في قصر الاليزي بفترتين إن كانتا متـتاليتـين، بينما يصرّح قبل أشهر بأنه مع التمديد لصديقه الجديد في قصر المرادية!
"يتعلم الحجامة في رؤوس اليتامى"، كما تقول الحكمة الشعبية.
و هذا الموقف الفرنسي لا يختلف كثيرا عما قالته كاتبة الدولة الأمريكية في الجزائر ــ صيف 2008 ــ و هي تحيّي "حكيم شمال إفريقيا" ــ في إشارة إلى وزير خارجية بومدين، عدوّ... "الامبريالية"!
فرحمة الله تعالى على الذي قال: كفى المرء خيانة أن يكون أمينا لدى الخونة!
السؤال 174 : إلى هذا الحد يتدخـّلون في شؤوننا؟
لم يبالغ كثيرا ذاك الجزائري الذي قال في حدود 2003 بأنّ الدور الأوّل في رئاسيات الجزائر لا يجري إلا في باريس و واشنطن.
ثمّ لا تنسَ أنّ المال السائب يغري... التائب! هكذا قال بعض الأجداد.
فما بالك بالثعالب؟
السؤال 175 : و لكن ألــمْ يحن الوقت، مع كل ذلك، لتوضيح نمط النظام الدسـتوري في بلادنا؟
لنكن صرحاء.
نزيل المرادية المؤقت يفضّـل أن يكون ملكا، لو كان الأمر بيده.
فمن عاشر قوما أربعين يوما أصبح منهم ــ فما بالك بأربعين سداسيا في وجدة!
بل إنـه لم يخفِ إعجابه بإحدى أبشع صور الأنظمة العربية ــ "جمهورية" ذلك "الجنرال" الجاهل الأبكم المتصابي المولع بالصبغ...
السؤال 176 : ماذا يريد إذن بدلا؟
إنه يريد نظاما رئاسويا ــ لو كان يقدر عليه!
و لكن مثل هذا النظام ــ على علاته ــ لا يقدر عليه إلا من أوتي تلك الشخصية القوية التي تجعله يرفع الضعيف و يوطئ الجبار.
تلك الشخصية التي تلتقي فيها شجاعة القلب و قوّة العقل و عنفوان اليد المأمونة على الأنفس، الأمينة على العِـرض و العـَرَض و الأرض.
و لكن متى كان "الجنرالات" الانقلابيون ــ المولعون بكل مبلـّل ــ يحبّون مثل هذه الآلة السياسية الكاسحة للشر، البانية للخير؟
فالطيّور على أمثالها تقع!
و لقد قال فيهم صديقهم بعد أفريل 1999: من أراد إيذاء الجنرالات، فليمرّ أوّلا على... جـثــّـتي!
السؤال 177 : و لكنّ أصواتا نادت قبل أشهر باعتماد النظام الرئاسي...
يريدون النظام الرئاسي؟
ليكن!
و لكن النظام الرئاسي هو أوّلا النظام الأمريكي...
السؤال 178 : و ما المانع من تبنـّيه؟
ليعلمِ جهلة السلطة و ليـتذكـّر الأنانيون أنّ النظام الأمريكي ــ أو النظام الرئاسي ــ ليس مجرّد بيت أبيض يأمر فيطاع في الأرض و في المحيطات.
السؤال 179 : ماذا تعني؟
النظام الرئاسي الأمريكي يتميز على الأقـلّ بأربع خصائص كبرى... متلازمة.
السؤال 180 : أربع خصائص؟ و متلازمة؟
أجل.
فترتان للرئيس الأصيل، ميلاد الرئيس وجوبا فوق التراب الوطني، الفصل بين السلطات، إمكانية محاكمة الرئيس من قِـبل الكنغرس.
السؤال 181 : هذه هي كل الشروط الدستورية المطلوبة في أكبر نظام رئاسي؟
نعم و لا.
فباستـثـناء حالة شخص كالرئيس ريغان ،هناك مثلا عُـرف الاشتراط الضمني المُـنصبّ على الناحية العلميّة التي يليق بالمرشح أن يظهر بها.
كيف تريد من الجزائري ألا يرتفع ضغط الدم لديه بسبب هذه النقطة بالذات و هو يعلم أنّ الرئاسة في الجزائر لم يتولـّها أيّ جامعي!
السؤال 182 : منذ 1992؟
منذ 1992.
و المحزن في هذا أو المخزي ــ حسب الحالة ــ أنّ كل "رئيس" يوزع خلال جويلية ــ بدون خجل ــ جوائز على المتفوقين في... البكالوريا و هو لا يملكها!
و لذلك لا تستغرب أن يُـسمّي النظامُ جامعات عديدة بأسماء لم يدخل أصحابها مجرّد المتوسطة!
السؤال 183 : هناك فعلا مشكلة.
و لكن أهـل السلطة استمرأوا الثمرة الناضجة بدون جهد و السلعة الجيدة بدون فاتورة شرعية.
السؤال 184 : هل مِـن شرح؟
إنهم يريدون الحكم دون المرور ــ الأوّلي الحقيقي ــ بالصندوق.
إنهم يريدون الحكم كله رئاسويا بدون العبور ــ الضروري ــ بالجامعة.
السؤال 185 : الجامعة ضرورية في هذا الشأن؟
من مضحكات نظام الجهلة اللصوص في الجزائر أنّ القاضي الأول في البلاد لا يـُشترط فيه مجرد الشهادة الابتدائية ــ بينما يُطلب من القاضي العادي الليسانس و المسابقة ثم الدراسة العملية!
بل موظف البلدية برتبة متصرف يشترط فيه الليسانس!
و كيف لا يتخلف مسير البلاد و لا يشقى العباد و القاضي البسيط بـِ"الباك" زائد 6؟
بينما "الرئيس" و "البرلماني" بـِ"الباك" ناقص 6!
السؤال 186 : تقصد ضرورة عالِمية الرئيس؟
بل إنها ضرورة اقتران السلطان و العرفان!
و الدراسة الجامعية العليا هي بعض فواتير أشهر نظام رئاسي.
في أيّ جامعة تخرج كينيدي؟ هارفارد.
كلينتون؟ جورجتاون و أكسفورد.
أوباما؟ هارفارد.
بل هناك ما هو أعظم.
السؤال 187 : ماذا أيضا؟
الولايات المتحدة قائم نظامها رسميا على اقتصاد السوق في كلّ شيء.
في الاقتصاد، في السياسة، في الإعلام...
لكنّ ليبيرليّي العالم الثالث يحصرون الليبرالية في المجون الباريسي و يَـقصرون اقتصاد السوق في حرية "الأصدقاء" داخل بنوك "بقرة اليتامى".
أما التنافس الإعلامي، فلا.
السؤال 188 : ليسوا إذن ليبيراليين؟
إنّ أنصاف المتعلمين ــ الذين يقولون في الجزائر و غيرها: مهلا يا ديمقراطية! فأوروبا لم تـتبنّ آلياتك إلا بعد عدة قـرون من المخاض العسير ــ هم أنفسهم الذين فرضوا تمديد قسوة الليبرالية المتوحشة على الشعب الجزائري في أقـلّ من عشرية!
و أما التبارز السياسي عندهم، فلا يكون إلا في حصون الغرب المؤسساتي و من وراء جُدر "الجنرالات".
بل يفضّـلونه في ديكور مع "الأرانب"، بعيدا عن الأسُود ــ إن استطاعوا إبعادها!
السؤال 189 : و لكن ما علاقة العلم بالرئاسة الأمريكية؟
آليات الحكم في الولايات المتحدة تفرض جودة الأداء السياسي و لو كان المرشح غير سياسي.
فذاك الرئيس ايزنهاور كان جنرالا حقيقيا، لا يطغى على مديري البنوك "اقتراضا" ــ لا يُعـاد ــ و لا يدوس الجمارك استهتارا ــ مثل عبد فجأة سـاد!
و مع ذلك فقد يستغرب الناس عندما يعلمون أنـه كان رئيس جامعة كولومبيا قبيل دخوله البيت البيض! جامعة كولومبيا التي درس بها... أوباما قبل التحاقه بهارفارد!
السؤال 191 : و ماذا عن شرط ولادة الرئيس في البلد؟
لم يخطئ آباء أمريكا البناة عندما اشترطوا هذا في الذي يريد أن يرقى إلى البيت الأبيض.
حبّ البلد إلى درجة الوله لا يكفي فيه الانتماء إلى القوم الذي يسكنونه ــ أصالة أو تجنسا.
إذ لا بد أن تـتـمّ على أديمه أوّل صرخة ترافق المجيء إلى هذه الدنيا.
نعم، قد يولد المرء اضطرارا خارج التربة الغالية.
و لكن عليه أن يدفع فاتورة ذلك.
فالانتماء دَمـا وَ ترابا خير من الانتساب دمـًا!
و في كل خير، مع التأكيد على أنّّ الرئاسة ــ الحقيقية ــ ليست لعبا.
السؤال 192 : و أين الإشكال بالنسبة إلى الجزائر؟
الموضوع ذو أهمية في وجدان الجزائري المتوسط الذي لا يتهاون في مسألة الوطن.
و هذا هو الذي يجعل صديق "الجنرالات" يخفي مسقط رأسه بمدينة وجدة المغربية.
بما في ذلك على الموقع الرسمي المدرج في شبكة انترنت!
و من أصرّ على إخفاء مثل هذا الأمر، فلا أقـلّ من أن يعزف عن الكلام على مزايا النظام الرئاسي!
السؤال 193 : المسألة مسألة وجدان فقط؟
كلا! فالمسألة فيها بُعد سياسي يتعـلق بالديناميكية العامة ــ أو الحضارية ــ التي تتميز بها الأمّـة الجزائرية.
إنّ ميلاد الجزائري في المهجر ليس عـيـبا، و لكنه عائق سياسي كبير.
السؤال 194 : على أيّ نحو؟
لكل شعب خصائصه النفسية اللصيقة به، و لذلك لا يناسب أهل الجزائر كل ما يبدو طبيعيا في المغرب ــ تماما مثلما أنّ العكس صحيح.
لقد حان الوقت ليسمع الناس من جديد صوتا ينبعث من الرئاسة ــ الحقيقية ــ يكون بنبرة جزائرية واضحة ــ لا شية فيها!
بل إنّ هناك ما يبدو أعمق من ذلك و أدقّ.
السؤال 195 : مِـن ذلك؟
لئن كانت الوحدة المغاربية الحرّة المتدرجة نافعة و ضرورية ــ بل حيوية ــ فلا أقـلّ من أنّ إنجازها يتطلب أيضا تقليص الفوارق النفسية بين الشعوب ــ لا سيما ما كان منها ذا علاقة بالجانب السياسي.
السؤال 196 : أيّ فوارق نفسية تقصد؟
إنّ الأشقاء المغاربة متخلفون سياسيا عن الأشقاء التونسيين بـ"جمهورية"!
و التونسيون متأخرون سياسيا عن الجزائريين بـ"ثورة"!
و الجزائريون متخلفون عن... أنفسهم بـ"استقلال" ــ ينبغي تحريره!
السؤال 197 : غير أنّ هناك جماعة تصرّ على "العهدة الثالثة"...
لا شك في ذلك.
لكن مـَن هم؟
هم أوّلا الأحباب الذين يشتركون مع صاحبهم في مسقط الرأس المغربي.
و هم ثانيا الأصدقاء الذين رعاهم فريق وجدة قبل انفراط عقده ابتداء من أواسط السبعينيات ــ لا سيما ضمن مجموعة الـ"ملغاش"، المشار إليهم أعلاه.
و هم ثالثا المستفيدون من مناصب و مكاسب "العهدتين" ــ من ولاة متملـّقين و أكثر أهل الاعتلاف السياسي و الإعلامي.
السؤال 198 : هم إذن كثر؟
لا تزال قائمة الراغبـين في الـتمديد ممدودة!
مستوردو الخمر.
الممتنعون عن دفع حقوق ــ بل واجبات ــ التضامن الاجتماعي، في الميناء و لدى مصالح التحصيل الجبائي.
لصوص المؤسسات البنكية.
فرنسا المؤسساتية.
كبريات الشركات البترولية.
حماة الفـَـرنـَجة عبر "الفرنكومانية" ــ المرض بفرنسا، إلخ.
السؤال 199 : و لكن ما علاقة هؤلاء بمؤسسة الرئاسة؟
ليست العلاقة عضوية مع كل هؤلاء.
و لكن "الرئاسة" المثقوبة ــ بفعل الانسداد النفسي أو العجز التقـني أو الإهمال القلبي ــ تكون حتما حليفة لاشعورية للضباع و الذئاب و باقي الثعالب.
ذلك أنّ الكواسر لا يؤدّبها إلا الأسُود التي لا تخاف في الله لومة لائم، و التي تـتحرك وسط الألغام و أرواحها على أكفـّها!
السؤال 200 : "الأسُود" مـِـن المعارضة؟
إذا كان بعض أهل السلطة الظاهرة يـَعُونَ اليوم جيدا ما قاله الشاعـر: "الجود يـُفـقـر و الإقدام قـتـّال"، فهل ما زال يقرع آذانـَهم ترديدُ أحد الإسلاميين ما قاله بصدق نابليون ــ الحقيقي ــ من أنّ "الشجاعة لا تـُزوّر"؟

نورالدين خبابه
10-11-2008, 17:38
السؤال 206 : تغيير بهذا العمق؟
فستذكرون أيها الطيبون ما يقال لكم اليوم عن هذا المسخ الحضاري خلال "عهدتي" صاحب تلك "المصالحة" العرجاء التي كان فيها "صادقا"... إلى حد عدم التصالح مع "رئيس حكومته" المغاضب بسبب رئاسيات 2004!
بل الصدق ظاهر عليه في "المصالحة" و هو يسكت عن محاكمة المتهمين بمحاولة اغتياله بباتنة.
السؤال 207 : تريد أن تقول أنـه غير صادق في "المصالحة"؟
لنتأمـلْ معا.
محاولة اغتياله بباتنة؟
لا مسامحة. فنفسه عزيزة!
ضحايا عمليات تقتيل الشعب؟
اسكتوا و اعفوا عنوة!
إنها "المصلحة الوطنية العليا"!
السؤال 208 : تشابـَه عليّ الكلام.
مع أنه غير معـقــّد.
و يمكن المرء أن يضيف فقط بأنّ تلك "المصلحة الوطنية العليا" هي التي تجبرهم على "التضحية"... بقبول العلاج في "فال دو غراس" ــ بخلاف الجماهير المسكينة التي تعيش في المستشفيات البائسة صوَر تزاحم تذكـّرها أحيانا بيوم الحشر!
السؤال 209 : مصالحة، مسخ حضاري، شروخ لغوية...
لا تنافر في الحديث عن هذه الأمور، إذ العلاقة بينها وطيدة.
و الذي يدّعي المصالحة ــ و لو كانت عرجاء، بعكاز لائكي/علماني ــ لا يحق له ظلم العربية لصالح الفرنجة ــ و لا أقول لصالح اللغة الفرنسية.
و لا تسأل هنا عن فرض الفرنسية على طفل السنة 2 ابتدائي.
السؤال 212 : لنبدأ بالانشغال البيداغوجي.
التبسيط يُـغـني أحيانا عن الإسهاب.
ففي أيّ بلد من بلدان الدنيا وجدتَ تلميذا في سـنّ التاسعة يكلـّـف بتخزين ما لا يقـلّ عن 4 مناجد متفرقة في عقله الصغير؟
السؤال 213 : أربعة مناجد؟
خذ مثلا التلميذ الجزائري في غرداية أو الأوراس.
إنـه يتحتمّ عليه، حسب "العلماء" الذين يقودون الجزائر من باطن، أن يحفظ في ذاكرته 4 كلمات تعبّر مثلا عن السيارة: بالفصحى، بالأمازيغية، بالدّارجة، بالفرنسية!
و هكذا دواليك بالنسبة إلى آلاف الكلمات التي تشكل الثروة اللغوية في تلك المرحلة!
كان الله تعالى في عون أولادنا أمام هذا الجهد الخرافي الذي ينوء به عقل الصبيّ الياباني!
السؤال 214 : و الهمّ الحضاري المشار إليه قبل سؤالين؟
إنّ معاناة اللسان العربي طيلة ليل الاحتلال الفرنسي و عشرات السنين تحت وطأة الاستقلال الكاذب جعلت وضعه هشا، لا يسمح له بمساكنة ألسنة أجنبية بشكل عزيز أو ندّي.
و لذلك وجب إنصاف ثم تحصين الضاد، ذلك "الولد المدلـّـل" في الماضي و قد أصبح كاليتيم ــ بعد أن تعاقب عليه غريب عدواني عنيد، و قريب متلاون تليد، و مدافع عـضـروط بليد!
و دونك العاصمة ــ قبل انتشار الوباء ببطء في الحواضر و الأرياف ــ لتلاحظ كيف أنّ وسيلة التخاطب في الإدارة و الشارع، قد غلبت فيها الفرنجة، على تخلف اضطراري في النطق لدى أنصاف المتفرنسين و عوام الناس المساكين.
ففي المتـْجر نفسه، صار النطق بالعربية الفصحى يلفت الانتباه أو... الاستغراب!
أما في أعالي العاصمة، فهو مدعاة للريبة أو... التهكـّم!
السؤال 216 : هذا من مدة طويلة.
لكنّ الشر تكاثر خلال "رئاسة" صديق بوش و سركوزي.
كان "الفرنكومان" ــ المرضى بـ"فـافـا" ــ يخجلون أو يخافون عواقب التمادي في استعمال الفرنسية في الإعلام المرئي أو المراسلات مع عموم الناس، حتى جاء في 1999 من جرّأهم على ذلك و قد راح يغطيّ بؤسه التمدرسي بالتمظهر المفرنج أمام أهل الطيبة من الأشياخ و العجائز، قبل الاعتداء على الأستاذ الجامعي بوهران و الاستهزاء التعويضي بالجامعة!
السؤال 218 : و مصلحة الجزائر في كل ذلك؟
بل و مصلحة الشخص نفسه ــ سياسة و آخرة ــ ألا يمدَّد له.
فهذا ديغول لم يحكم 11 سنة متتابعة ــ رغم أنـه أسهم في تحرير فرنسا مرتين: من ألمانيا النازية و من ثورة الجزائر الكبرى!
ثم إنّ المعني مريض ــ فوق عوائقه الذاتية و المعطيات الموضوعية التي منعته عن تبوّء الرئاسة بجدارة في السباق، و باقتدار في قيادة الناس و توزيع الأرزاق!
و لكنـّها جاذبيّة السلطة...
فمن جهة، يصعب عليهم الفطام و بعضهم لم يـر الجزائر إلا "وزيرا"!
ما أسخاك يا ثورة استثنائية أو ما أغفلك: فكم من رَجل بطل صَـنعك!
و كم من شخص طـبـْـل ضيـّعك!
السؤال 220 : و في غير فرنسا؟
انظر إلى ما فعله كلينتون لصالح الولايات المتحدة، حتى و صل عدد مناصب الشغل الموفرة في عهده إلى حدود 10 ملايين، ناهيك عن نسبة النمو المذهلة التي تحققت تحت إشرافه.
و لكنـّه اليوم يحاضر في الجامعات، ناشرا ما يملكه من علوم الدولة، و بلده يحتفظ له بذكرى طيبة كادت تتحول إلى تأييد زوجته في طلب رئاسة البيت البيض، لولا قوّة أوباما الكاسحة...
السؤال 221 : و في بلادنا؟
لقد وصل النظام في الجزائر إلى أرذل العمر.
و هو اليوم، أكثر من أيّ وقت مضى، متعب عاجز و خائف.
و بناء على ذلك، نستطيع تبيان حقيقتين:
أوّلا، لن تستمرّ عُصب السلطة طويلا في احتجاز الجزائر رهينة لديها.
السؤال 222 : كلمة أخيرة؟
في البيت الأبيض، غدا، ابن جامعة هارفارد.
فالولايات المتحدة تصبح على رئيس من الجيل الجديد، يطفح صحة و جـِـدّة و علما.
و في المرادية، لا يزال قائما شبح تلميذ مؤسسة عبد المؤمن المغربية الباهتة.
فهل تمسي الجزائر الجريحة، في مطلع 2009، على رئيس معتلّ، غير غريب عن الخردة السياسية البائتة، لم يدخل المدرج الجامعي إلا ضيفـَــنـًا؟