المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأوراق التجارية


توفيق المدني
31-05-2009, 18:08
أشير هنا إشارة إلى أن أصول هذه الأوراق التجارية، قد كانت معروفة لدى المسلمين؛يعني أنها لم تقتبس بكاملها من الغرب، وإن كانت بتنظيمها الموجود الآن أخذت منالغرب، لكن أصول هذه الأوراق كانت معروفة لدى المسلمين. فإن المسلمين قد عرفواالتعامل بما يشبه السفاتج ... الصحابة رضي الله عنهم، قد روي عن ابن عباس أنه كانيأخذ الورق من التُجار بمكة، على أن يكتب لهم بها إلى الكوفة، وكان ابن الزبير يأخذمن قوم بمكة دراهم، ويكتب لهم بها إلى مصعب. فمثل هذه الرقاع التي يكتبون فيها تشبهفي أصولها هذه الأوراق التجارية.
وأيضًا جاء في صحيح مسلم أن صكوكا خرجت للناس في زمن مروان بن الحكم، يكتب فيهامقدار الطعام، يعني يكتب بأن فلان وفلان يستحق كذا من الطعام، فتبايعها الناس قبلأن يستوفوها، يعني قبل أن يستوفوا ما تمثله من طعام، فدخل زيد بن ثابت ورجل - جاءفي رواية أنه أبو هريرة -، دخل زيد بن ثابت وأبو هريرة على مروان بن الحكم فقالا: تحل الربا يا مروان! قال: وما ذاك؟ قالا: هذه الصكوك تبايعها الناس، ثم باعوها قبلأن يستوفوها. فبعث مروان بن الحكم الحرس يتبعونها ينزعونها من أيدي الناس ،ويردونهاإلى أهلها.
هذه الصكوك، في الحقيقة، كما ذكرنا، أوراق تصدر من ولي الأمر بالرزق لمستحقه،يكتب لفلان كذا ولفلان كذا من الطعام. وقد كانت الدولة في ذلك الوقت تدفع هذهالصكوك لجنودها وعمالها في مقابل رواتبهم المستحقة لهم، وكان بعض الناس يتبايع تلكالصكوك قبل قبض الطعام، فكان إنكار زيد بن ثابت وأبي هريرة لأجل هذا، لا لأجل كتابةتلك الصكوك، وإنما لأجل تبايعها قبل استيفاء وقبل قبض الطعام.
هذا يدل على أن أصول هذه الأوراق التجارية كانت معروفة لدى المسلمين، وإن كانتبهذا التنظيم قد أخذها المسلمون من غيرهم، لكن أصولها، كانت معروفة لدى المسلمينمنذ زمن الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
اختلف العلماء في حكم السفتجة، فالمذاهب الأربعة على تحريمها، المذاهب الأربعةعلى تحريمها، هو المشهور من مذهب الحنفية والمالكية والشافعية، والصحيح مذهبالحنابلة لأنهم اعتبروا أنها من قبيل القرض الذي جر نفعًا. والقول الثاني أنهاجائزة، وقد روي هذا عن عدد من الصحابة، عن علي بن أبي طالب، وابن عباس، وابنالزبير، رضي الله عنهم. وهو رواية عند المالكية والحنابلة، وهي التي عليها المحققونمن أهل العلم، اختارها الموفق ابن قدامة، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، رحمالله الجميع، وهي التي يفتي بها مشايخنا في الوقت الحاضر، عامة مشايخنا على هذاالقول، القول بجواز السفتجة، سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ محمد بن عثيمينرحمة الله على الجميع.
أما الجمهور الذين قالوا بتحريم السفتجة، ليس لهم أدلة صحيحة صريحة في التحريم،وإنما غاية ما استدلوا به إما أدلة صريحة، لكنها ضعيفة، كحديث "السوفتجات حرام" ولكن هذا الحديث حديث ضعيف، بل قيل إنه موضوع، حكم عليه بعض العلماء بأنه موضوع.
وأيضًا مما علل به الجمهور قالوا: إن السفتجة قرض استفاد بها المقرض سقوط خطرالطريق، وهذا نوع نفع، وقالوا: إن المقرض استفاد بهذا القرض أمن خطر الطريق، وكلقرض جر نفعا هو ربا.
وأما أصحاب القول الثاني، الذين قالوا بجواز السفتجة، فاستدلوا أولاً قالوا: إنهذا القول مأثور عن عدد من الصحابة كما ذكرنا ابن عباس، وابن الزبير، وعلي بن أبيطالب، وقالوا أيضًا: إن السفتجة فيها مصلحة لكل من المقرض والمقترض من غير ضرربواحد منهما، فالمقرض ينتفع بأمن خطر الطريق في نقل دراهمه إلى ذلك البلد، والمقترضينتفع بالقرض، وما كان فيه مصلحة للجميع، وليس فيه ضرر، فإن الشرع لا يحرمه، ولهذاقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: الصحيح الجواز، يعني الصحيح في حكمالسفتجة الجواز؛ لأن كل من المقرض والمقترض منتفعٌ بهذا الاقتراض. والشارع لا ينهىعما ينفعهم ويصلحهم، وإنما ينهى عما يضرهم.
ثم إن السفتجة لم ينص على تحريمها وليست هي في معنى منصوص فوجب إبقاؤها علىالإباحة، لا سيما أن الحاجة داعية لها خاصة مثلا في وقتنا الحاضر الآن، عليها عملالناس، الناس الآن على هذه التحويلات التي هي في الحقيقة سفتجة، خاصة عندما يكونالتحويل مثلًا خارج المملكة ربما يصعب نقل الدراهم، يصعب نقلها فيحتاج إلى تحويلها،فإذا كان تحويلها بنفس العملة فهي في الحقيقة سفتجة.
والقول بمنعها فيه حرج كبير على الناس وليس هناك دليل ظاهر على التحريم، صحيحأنه هو قول الجمهور، القول بالتحريم قول الجمهور وهو رأي المذاهب الأربعة الحنفيةوالمالكية والشافعية والحنابلة لكن ليست المسألة محل إجماع، ولا يلزم أن يكون رأيالمذاهب الأربعة أن يكون هو الصواب. رأيت مثلًا طلاق، طلاق الثلاث بكلمة واحدةالمذاهب الأربعة على أنه يقع ثلاثًا، أما القول الصحيح أنه يقع واحدة. فليست كلمسألة تتفق فيها المذاهب الأربعة الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة تكون هيالصواب.
وقد يكون الحق مع الأقل، ولهذا فالمذاهب الأربعة على تحريم السفتجة ولكن القولالصحيح هو أنها جائزة، وهو الذي عليه المحققون من أهل العلم وهو الذي عليه العمل،إذا يكون هذا هو القول الراجح وهو جواز السفتجة.

وأما حكم التعامل بالكمبيالة في الشريعة الإسلامية، فإنه لا بأس به؛ لأن كما ماذكرنا على القول الراجح وهو أن السفتجة جائزة تكون الكمبيالة جائزة ولا بأس بها. وهكذا لو قلنا إنها قرض أو حوالة فهذه عقود مجمع على جوازها، ولكن إذا كانتالكمبيالة فيما يشترط فيه التقابض من الطرفين كالصرف أو من طرف واحد كالسلم هنا لابد من أن تحرر كمبيالة، يعني لا يجوز أن تكون الكمبيالة بعد أجل. وأما السند لأمر: الذي ذكرنا صورته قبل قليل فالتخريج الفقهي له أنه وثيقة بدين. فأنت تقول أتعهد بأنأدفع لأمر فلان بن فلان مبلغا قدره كذا في تاريخ كذا.
هذا، في الحقيقة، يُعتبر وثيقة بدين وهو جائز ولا بأس به. ولكن أيضًا يلاحظ ما قلناه في الكمبيالة لأنه إذا كان السند لأمر فيما يشترط فيه التقابض، فإنه لا يصح أن يكون مؤجلًا. وأما الشيك التخريج الفقهي له أنه حوالة، التخريج الفقهي للشيك أنه حوالة، يكون المحيل هو الساحب، يعني محرر الشيك هو المحيل، المحال عليه هو المسحوب عليه الذي هو المصرف أو البنك، والمحال هو المستفيد. فإذا التخريج الفقهي للشيك أنه حوالة، المحيل هو الساحب، المحال عليه هو المصرف أو البنك، المحال هو المستفيد. يترتب على القول بأن الشيك حوالة، أن المستفيد الذي تكتب له أنت شيكا يلزمه قبول الشيك إذا كان المحال عليه مليئا وهو في الحقيقة هنا مليء.