مشاهدة النسخة كاملة : قراءة حديثة في فكر ابن باديس والإبراهيمي
نورالدين خبابه
01-08-2009, 02:53
:14:
أتطرق في هذه الدراسة إلى مواضيع راهنة يعيشها المجتمع الجزائري ولم تجد، بعد، حلا لتمكينه من السير إلي الأمام في طريق النمو والازدهار، وخاصة نمو الفكر والعلم في جميع ميادين الحياة. واخترت بعض القضايا التي يعرفها العام والخاص، لأقارنها مع اقتراحات الحل التي جاءت في كتابات كل من عبد الحميد ابن باديس، أول رئيس لجمعية العلماء المسلمين ومحمد البشير الإبراهيمي، ثاني رئيسها، للإطلاع عليها ومقارناتها مع موقف من يدعي أو يعتبر نفسه هو خلف أو وارث السلف، ليكتشف الجيل الجديد من الجزائريين حقائق تاريخية، أرادت سلطة الاستبداد قبرها وطمسها منذ الاستقلال إلى اليوم. والمواضيع التي تتطرق لها هذه الدراسة جاءت في الترتيب الذي سطرته لها.
طرح بن باديس والإبراهيمي هذه المواضيع في كتاباتهم وقدموا اقتراحات حلول في وقتهم. لكن الواقع اليومي يدلنا أن هذه المواضيع لا تزال عالقة ليومنا هذا، يتخبط فيها المجتمع الجزائري، لأنه وجد نفسه سجين الفكر الجامد من جهة والفكر الجاحد من جهة أخرى، ولم يتحرر بعد من الذين أدخلوه السجن منذ الاستقلال، لأنهم تحالفوا ضده سرا لكي لا يعرف طريق الحرية والرقي والازدهار، وسدوا هذا الطريق بالإسمنت المسلح حتى لا يستطيع تهديمه، وإن أراد ذلك، فهو الذي سوف يتهدم ويضيّع قواته الفكرية والمادية، ويخسر المعركة في نهاية التجربة. كما أنهم دفنوا حية دفاتر تاريخهم المخزي بالعار والعمالة للمستعمر مقابل أجور، أي أنهم كانوا مرتزقة المستعمر ضد الجزائريين الأحرار. وبعد الاستقلال، أرادوا تبييض تاريخهم بتزييفه والتستر عليه بعدة أقنعة التي بدأت تسقط الواحدة بعد الأخرى، وأساهم في هذه الدراسة بإسقاط أقنعة أخرى.
رجال الدين جواسيس الاستعمار
دفن الاستقلال الدفاتر السوداء للاستعمار وخاصة منها دفاتر الخيانة والعمالة للمستعمر. ونسى الذين أرادوا قبر الماضي أنه مكتوب ومدون من طرف الذين عاشوا تلك الفترة، وخاصة من الذين كانوا مضطهدين من طرف الاستعمار بمساعدة عملائه الجزائريين الذين كانوا يقدمون له المساعدة والعون مقابل الراتب، أي مقابل اكتساب الرزق، أي أنهم كانوا مرتزقة الاستعمار.
ومن بين هؤلاء المرتزقة، رجال الدين. وشاهد على ذلك محمد البشير الإبراهيمي الذي فضحهم سنة 1951 في جريدة ''البصائر''، حيث يكتب في العدد 177 تحت عنوان ''وشهد شاهد'' ما يلي: ''في أيام الحملة الكبرى على الحكومة، وكتابة تلك السلسلة الوثيقة الحلقات من المقلات، في قضية فصل الحكومة عن الدين - ظهر رجال الدين - بمظهر مناقض للدين، فكشفوا الستر، عن حقيقتهم المستورة، ووقفوا في صف الحكومة مؤيدين لها، خاذلين لدينهم وللمدافعين عن حريته، مطالبين بتأييد استعباده، عاملين بكل جهد على بقائه بيد حكومة مسيحية تخربه بأيدهم، وتشوه حقائقه بألسنتهم، وتلوث محاريبه ومنابره بضلالتهم.. وتمسخ أحكامه بفتاويهم..''.
ويواصل كتابته، حيث نقرأ ما يلي: ''إن الصلاة خلفهم باطلة... لأن إمامتهم باطلة.. لأنهم جواسيس.... فالوظيفة الدينية الإسلامية أصبحت عند الحكومة - بتهافت هؤلاء القوم عليها - مشروطة بالجوسسة، والقوم أصبحوا بها جواسيس على الأمة على حساب دينها...''.
وما يكتبه الإبراهيمي ليس من نسيج خياله أو التهجم على منافسيه، بل يستدل على ما يكتب بما نشرته مجلة ''البحر المتوسط''، رقم ,11 المؤرخة في شهري جويلية - أوت 1951 من شهادة للمدعو ''ببرك''، المدير السابق لشؤون الأهلية بالولاية العامة للجزائر، أي أنه كان يعمل في ديوان الحاكم العام للجزائر.
وترجع الشهادة لسنة ,1946 حيث يكتب أن المفتي الذي كان يستفز الطيب العقبي كان جاسوسا مخبرا للبوليس، زيادة على كل ما وصف به رجال الدين الإسلامي الجواسيس من جهل وعدم الكفاءة والطمع وعدم التهذيب، الخ...
وفي العدد 142 من ''البصائر''، يكتب الإبراهيمي ما عرفه عن رجال الدين في تلمسان وقسنطينة، حيث نقرأ ما يلي: ''رأينا بأعيننا كيف يتهافت رجال الدين على إدارة الحاكم في مدينة تلمسان، وكيف يتعبدون بزيارته بكرة وأصيلا، وكيف يتسابقون إلى التحكك بأعتابه، والتردد على أبوابه... ورأينا بأعيننا كيف يتهافتون على مكتب مدير الاستعلامات - رئيس المكتب الثاني - بقسنطينة، وكيف يرجعون إليه حتى في فتح المسجد وإغلاقه... فـإن كان فيها سر ديني إلهي، فلماذا لا يتردد عليها رجال الدين المسيحي واليهودي...''.
ويواصل الإبراهيمي كشف خيانة علماء الدين الإسلامي وعمالتهم للمستعمر في التجسس على المسلمين في الحج والمساجد في نص له نشره في جريدة ''البصائر'' رقم 157 من سنة ,1951 حيث يكتب: ''ثم تعمد إلى الحج فتبيحه لمن تشاء، وتحرمه على من تشاء... وتكون جمعية من أتباعها باسم ''أحباس الحرمين''... إمعانا من السخرية بـالإسلام وأهله، وتشارك المسلمين في أداء هذا الركن ''بجهد المقل'' من حاكم مسيحي وخليفة وقائد وكاتب وجاويش وجماعة من الجواسيس... أي المسماة بعثة الحج في آخر الزمان.
أما فيما يخص التجسس على المسلمين في المساجد، فكتب، في جريدة ''البصائر'' رقم 89 لسنة ,1949 ما يلي: ''فأصبحت المساجد محاطة بشراذم من البوليس تحمي بيوت الله من عباد الله''، لأن وظيفة البوليس الاستعماري هي تخويف وترهيب الناس وليس الحفاظ على أمنهم وسلامتهم كما جاء ذلك في نص نشره في العدد 50 من ''البصائر'' لسنة 1948 والخاص بحادثة عنابة، حيث يكتب ما يلي: ''كأن في القطر الجزائري حكومات متعددة لا حكومة واحدة، بل كأن كل قرية فيها متصرف بسيط - حكومة مستبدة ترجع في النقد والإبرام إلى رأي المتصرف لا إلى القانون العام، وكأن القوانين التي يساس بها هذا القطر ليست مسطرة في الدفاتر، بل في أدمغة أولئك الحكام المحليين... ألم يصبح هؤلاء الذين يسمونهم رجال الأمن رجال خوف؟ يخوفون الناس وهم آمنون، ويهيجونهم وهم مطمئنون، ويعاملونهم معاملة الأجانب وهم في وطنهم...''.
أما عبد الحميد بن باديس، فقد لخص دور الخائنين في بيت شعري جاء في قصيدته المشهورة''شعب الجزائر مسلم'' يقول فيها ما يلي:
أقلع جذور الخائنين
فهم كل العطب
أكتفي بهذا الاقتباس من ما كتبه الإبراهيمي في حق رجال الدين أثناء المرحلة الاستعمارية، حيث كانوا جواسيس ومخبرين، أي أنهم كانوا في خدمة الاستعمار تحت ستار الإسلام. وما هو حكم الإسلام في الجوسسة؟ إنه النهي والمنع للجوسسة بين المسلمين كما نصت عليه الآية 12 من سورة الحجرات ''يا أيها الذين آمنوا لا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا...''. هذا هو حكم الله في الجواسيس الذين يتجسسون على المؤمنين، والسؤال المطروح هو: هل الذين يضعون أقنعة مصبوغة بالشريعة والإسلام يطبقون على أنفسهم ما جاء في هذه الآية؟ أما التجسس لصالح العدو، فهو خيانة. وما هو حكم الله في الخيانة والخوانة؟ إنه واضح وضوح الشمس وجاء في الآيتين 27 و58 من سورة الأنفال ''يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون''...''وإما تخافن من قوم خيانة فأنبذ إليهم على السواء إن الله لا يحب الخائنين''.
تلك هي أحكام الله في الجواسيس على المؤمنين وكل من خانهم لصالح عدوهم، والسؤال المطروح هو هل أولئك الذين يتسترون وراء الشريعة والإسلام لم يتجسسوا على المؤمنين الجزائريين ولم يخونوا أماناتهم وأمتهم؟ أي أنهم لا يطبقون على أنفسهم ما جاء في القرآن؟ والسؤال المطروح هو لماذا ترفض سلطة الاستبداد استرجاع الأرشيف الجزائري الموجود عند فرنسا ليكتشف الجزائريون من الذي كان عميلا وجاسوسا للمستعمر تحت غطاء الدين؟ وكيف أن الذين يكرهم الله، أصبحوا بين عشية وضحاها أحباب الله؟ والسؤال المطروح هو أين عمل هؤلاء الجواسيس بعد الاستقلال؟ هل لم يصبحوا موظفين في وزارة الشؤون الدينية التي أدارها السيد عبد الرحمن شيبان لمدة طويلة من الزمن؟ هل تحصلوا أيضا على شهادة العضوية في جبهة التحرير ليحصلوا على صفة مجاهد وكل الامتيازات المرتبطة بهذه الصفة؟ أسئلة بلا جواب ليومنا هذا. لماذا لم تقم جمعية العلماء المسلمين بواجبها اتجاه الأمة بالكشف عن رجال الدين الذين كانوا جواسيس الاستعمار، أي لماذا تخلت على الوصية التي تركها الإبراهيمي، ولم تقم بإحصاء رجال الدين الجواسيس الذين كتب في حقهم المرحوم محمد البشير الإبراهيمي، الذي انتقم منه أعداؤه بعد الاستقلال بسجنه وحل جمعية العلماء المسلمين في وقت أول مستبد عرفته جزائر الاستقلال وهو أحمد بن بلة. وسأوضح ذلك في ما يلي.
وقبل ذلك وجب طرح السؤال التالي: هل زالت وانقرضت خيانة الأمة والتجسس عليها والعمالة للخارج، حتى لصالح دول عربية وإسلامية، لأن الله نفى تجسس المؤمنين على بعضهم البعض، أو أن الجوسسة والخيانة بكل أنواعها وأشكالها أصبحت الميزة المميزة للوصول للسلطة والبقاء فيها والانتفاع بامتيازات مادية ووظائف عليا خدمة لسلطة الاستبداد؟ الجواب يعرفه الشعب الجزائري.
نورالدين خبابه
01-08-2009, 02:54
توفيق المدني، مصالي الحاج، أحمد بن بلة، فرحات عباس والسعيد الزاهري: جواسيس وعملاء الاستعمار؟
لا تزال الدفاتر السوداء لتاريخ الجزائر المعاصر مدفونة في مقابر فرنسا، لأن الحكم الاستبدادي، المسلط على الجزائريين منذ 1962 إلى اليوم، لا يريد استرجاع الأرشيف الخاص بهذا التاريخ الأسود لمعرفة الحقيقة، كل الحقيقة.
وكما أجهر الإبراهيمي برجال الدين، جواسيس الاستعمار، بعد استدلاله واستناده إلى شهادة شاهد من أهلها، أستدل، بدوري، بشهادة شاهد من أهلها، وهو الجنرال الفرنسي، هنري جاكين الذي نشر كتابا بباريس سنة ,1977 تحت عنوان ''الحرب السرية في الجزائر''، '''Algérie la guerre secrète en'، يكشف فيها عن جواسيس فرنسا في المنظمات الجزائرية أثناء الاستعمار، ويذكر بالأسماء كلا من توفيق المدني من جمعية العلماء المسلمين الذي كان عميل الحاكم العام، وأحمد بن بلة الذي كان مخبرا سابقا للأمن العسكري الفرنسي، وفرحات عباس الذي كان لمدة طويلة مراسلا محترما لشرطة الاستعلامات العامة ومصالي الحاج الذي أصبح منذ 1945 تحت الاسم المستعار ''ليون'' (Léon)، مخبرا ثمينا للشرطة الفرنسية. وهذا الاسم مشهور في تاريخ الاستعمار، حيث أنه سجل أن جاسوس فرنسا الذي كان في خدمة الأمير عبد القادر كان يسمى ليون روش- Léon Roche . ويكتب مصالي الحاج في مذكراته، أن هذا الجاسوس ألف كتابا سنة 1884 تحت عنوان ''ثلاثون سنة داخل الإسلام''(Trente ans à travers l'Islam)، يقص فيه أن هدفه الوحيد كان يتمثل في الحصول على فتوى من القادة الدينيين لوقف القتال ضد الاستعمار. وتحصل على تلك الفتوى مقابل دفعه نقودا من الذهب إلى قادة الزوايا أو الطرقية الذين خانوا أمتهم ودينهم مقابل الرشوة المالية وتحريف الدين الإسلامي وتحالفهم مع المستعمر ضد أمتهم. وسأعود للموضوع في الفقرة الخاصة بالزوايا والطرقية التي كافحها الفكر الإصلاحي الجزائري الممثل بابن باديس والإبراهيمي.
وجاءت شهادة حسين آيت أحمد، في كتابه ''ذكريات مكافح''، الخاصة بالشيخ الزاهري، الذي نصبه مصالي الحاج مدير أسبوعية ''المغرب العربي'' لسان حزب الشعب لتدلنا أن الشيخ الزاهري كان جاسوسا للمخابرات الفرنسية تم اكتشاف حقيقته من طرف جبهة التحرير التاريخية، وتم إعدامه قي بداية حرب التحرير كما جاءت في كتاب محمد حربي ''جبهة التحرير الوطني: سراب وحقيقة''.
وكشف الإبراهيمي حقيقته سنة 1948 وندد به في نص نشره في العدد 66 لسنة 1948من ''البصائر'' تحت عنوان ''إلى الزاهري''، يصفه كالتالي: ''كتبت - يا شيخ - كثيرا من الباطل... اختصاصك في السب والكذب والبهت وتستغل أنت - إلى حين - جندهم المسخر لبيع ''المغرب العربي'' (وما أكثر باعة المغرب العربي فيهم)، ولعلك أعجبك منهم أنهم قوم محظوظون في الزعامة.. فتحالفتم مع الاستعمار على حرب جمعية العلماء....''. ويعني بالزعامة ''مصالي الحاج'' الذي انتقده دون ذكر اسمه، لكن بصفته، حيث كان يلقب ''بالزعيم'' تارة و''بالسيد الحاج'' تارة أخرى، في نص نشره في العدد 2 من البصائر لسنة .1947 وجاء فيه ما يلي: ''ورجال السياسة من قومنا يريدونها متبوأ لزعامتهم المزعومة، وسيادتهم الموهومة، فيعللونها بالأباطيل، ويروضنها على التصفيق والتهليل، ويسوسونها بطرقية سياسية، لا تختلف عن تلك الطرقية الدينية - التي حاربنها حتى قتلناها - في الكثير ولا القليل''.
وكما عرف به آيت أحمد، فـإن الشيخ الزاهري درس في الزيتونة بتونس وبالأزهر في القاهرة، أي أنه من رجال الدين الإسلامي الذي تخصص في الجوسسة على المسلمين والعمالة للعدو.
وقبل مواصلة الدراسة، افتح قوسا لأذكر أن مصالي الحاج من أتباع الطرقية الدرقوية، كما جاء ذلك في مـذكراته، كما أن أحمد بن بلة من أتباع الطرقية المكحلية، كما صرح به للصحافي اللبناني ''محمد خليفة''، وأن الشيخ الطريقة العلوية حاول اغتيال عبد الحميد بن باديس، والطريقة العلوية، كما يصفها حسين آيت أحمد هي فرع من الطريقة الدرقوية، ويؤكدها مصالي الحاج في مذكراته. وسأرجع للموضوع مرة أخرى.
وبهذه الشهادة، يتبين أن الاستعمار حكم الجزائريين بالجواسيس والعملاء، لأنني لم أعثر بعد على تكذيب واحد صادر من هؤلاء الأربعة المتهمين من طرف ضابط فرنسي بالعمالة للاستعمار، رغم أنهم كانوا مسؤولين على منظمات جزائرية معادية له. ولم تنكر جمعية العلماء المسلمين هذه التهمة ليومنا هذا لجهلها بها أو لكتمان سر ما.
ووصف الإبراهيمي عمل هؤلاء، الذين يتسترون وراء الإسلام، وتنظيماتهم المعروفة في التاريخ تحت اسم ''الزوايا'' بالاستعمار الروحي الذي تحالف مع الاستعمار المادي، حيث أن الأول داخلي والثاني خارجي. ويشهد التاريخ أن الجزائر تحررت من الاستعمار المادي الخارجي، لكنها لم تتحرر من الاستعمار الروحي الداخلي. وسأرجع للموضوع في فقرة أخرى. وبعد الاستقلال، تمكن هؤلاء الجواسيس من الاستيلاء على السلطة، حيث أصبح بن بلة رئيسا لأول حكومة جزائرية وأول رئيس للجمهورية، وفرحات عباس أول رئيس لأول برلمان وهو من كلف بن بلة بالسلطة التنفيذية والجريدة الرسمية شاهدة على ذلك، كما أن توفيق المدني أصبح وزيرا للحبوس بعد تعيينه من طرف بن بلة في أول حكومة له. هل أدمج توفيق المدني جواسيس الاستعمار من رجال الدين الذين ندد بهم الإبراهيمي في وزارته، وأصبحوا موظفين من جديد في خدمة سلطة الاستبداد؟ وقبل مواصلة الدراسة التاريخية، أتطرق إلى موضوع آخر مرتبط بجمعية العلماء المسلمين وخاص بدراسة الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، ابن الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، بعد فقراءة كتابه ''مذكرات جزائري''.
*** الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي يتعلم في ثانوية يهودية بالعاصمة
جاء في مذكرات الدكتور باللغة العربية (ص 45-46) أن أخاه سجله في ثانوية خاصة وهي ثانوية ''أبن ميمون''، دون ذكر الصفة المميزة لها وهي ثانوية يهودية محضة كما يشهد على ذلك شاهد من أهلها، كان تلميذا بها وهو ''دانيال تيمسيت''، في كتابه ''الجزائر، قصة غير متسلسلة''، ''Algérie, récit anachronique''، الصادر عن دار بوشان سنة ,1998 حيث يشهد (ص 14) أن الدكتور طالب أحمد الإبراهيمي كان معه في تلك الثانوية التي كان يدرس بها سواء الأساتذة اليهود الجزائريين...
نورالدين خبابه
01-08-2009, 02:56
وهذا السيد، اليهودي، كان عضوا في الحزب الشيوعي الجزائري وصانع القنابل لجبهة التحرير التاريخية في حربها ضد الاستعمار، تم تعيينه، بعد الاستقلال مدير ديوان وزير الفلاحة، عمار أوزقان الذي عينه بن بلة وهو أمين عام سابق للحزب الشيوعي الجزائري، وبعد إقالته، عمل الشاهد مع بومعزة في وزارة الصناعة. وله عدة شهادات أخرى تساعد على فهم بعض مجريات الأحداث التاريخية الجزائرية التي لم يحل لغزها ليومنا هذا، منها لماذا طمس الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي الهوية اليهودية للثانوية التي كان يتعلم فيها؟ والجواب عنده وعند جمعية العلماء المسلمين. وسوف يحكم الشعب الجزائري حكمه النهائي على كل من لا يشهد بالحقيقة، كل الحقيقة.
حمزة بوبكر، عميد مسجد باريس، عميل الاستعمار
إن حمزة بوبكر، عميد مسجد باريس لمدة طويلة، بعد الاستقلال، وهو أب دليل بوبكر، عميد مسجد باريس حاليا، كان عميلا للاستعمار، كما تشهد على ذلك جريدة ''المجاهد'' أثناء حرب التحرير، في عددها رقم 89 المؤرخ في 16 جانفي ,1962 حيث تقص بالتفاصيل تحركات حمزة بوبكر لفصل الصحراء عن الجزائر، في إطار مشروع الجنرال ديغول لإنشاء ''جمهورية الصحراء''. ويشهد التاريخ أن جبهة التحرير التاريخية أجهضت المشروع، وكانت الولاية السادسة التاريخية بقيادة المرحوم محمد شعباني هي صاحبة الفخر، حيث أن الصلة الوثيقة مع سكان الجنوب، وخاصة منهم سكان بني مزاب، أفشلت المشروع. ومن بين الرجال الذين ساهموا في إفشاله، المرحوم الشيخ إبراهيم بيوض، أحد مؤسسي جمعية العلماء المسلمين مع ابن باديس.
وما جاء في ''المجاهد'' من شهادة، أكدها الشيخ بيوض بن عمر في كاتب له نشر في سنة 1990 عن ''دار الزيتونة للإعلام والنشر''. وكان جزاء الشيخ بيوض الانتقام منه في الاستقلال وليس التكريم. وليومنا هذا لم أسمع أن جمعية العلماء المسلمين نظمت ندوة فكرية حول أعمال الشيخ بيوض في العمل الإصلاحي والعمل الثوري.
وانتقم بن بلة من شعباني وحاكمه وأعدمه أيضا كما تم الانتقام من الشيخ بيوض، وبرر ذلك أن شعباني كان في علاقات ومباحثات مع فرنسا لفصل الصحراء عن الجزائر، أي أن شعباني أراد أن يكون عميلا لفرنسا في مشروعها القديم بفصل الصحراء على الجزائر. وشاهد على أقوال بن بلة صديقه الصحافي المصري، لطفي الخوري، الذي طرح السؤال على بومدين، وأكد له أن بن بلة هو من قال له ذلك أثناء وجوده في القاهرة سنة 1964 لحضور مؤتمر القمة الإفريقي. وجاءت هذه الشهادة في كتاب حوار مع بومدين صفحة (81-82 ).
وليومنا هذا لم يكشف بن بلة عن الوثائق أو المستندات التي تثبت اتهاماته لشعباني، والأرجح أن شعباني عارض مواصلة فرنسا لتجاربها النووية في الصحراء، وكان جزاءه الموت كما كان الموت جزاء محمد أخميستي، أول وزير للخارجية، عندما أراد التنديد بمواصلة فرنسا لتجاربها النووية في الصحراء. والتاريخ المقبور سوف يكشف الكثير عندما تخرج الوثائق من قبرها.
هل كانت جمعية العلماء المسلمين معادية للثورة وتحالفت ضدها؟
هو سؤال وجب طرحه على المسؤولين الحاليين لجمعية العلماء المسلمين، حيث أن اتهام الجمعية جاء على لسان أحمد بن بلة في حوار مع الصحفي، محمد خليفة، في سنة .1984 وتم نشر الحوار سنة 1985 من طرف دار النشر ''البديل'' تحت عنوان ''حديث معرفي شامل مع أحمد بن بلة''.
وهذا نص الشهادة: ''في عام 1937 طلب ابن باديس الجنسية الفرنسية في أثناء المؤتمر الإسلامي ـ الفرنسي... ثم الاتجاه الذي كانت تدعو له صحافة جمعية العلماء على طول الخط اتجاه غير ثوري، ولا يؤدي إلى الاستقلال أو المطالبة به. ولذلك تجدها حين قامت الثورة في أول نوفمبر 1954 وقفت صحافة الجمعية ضدنا، وكانت تطلق علينا صفات المراهقة والمغامرة والتهور؟ ثم ذهبوا مرة ليتحالفوا مع نوري السعيد في مقابل أننا كنا نتحالف مع جمال عبد الناصر.. منذ تأسيسها إلى أن قامت الثورة، وهي إلى اليوم على ذات المنهج، المعادي للثورة... لقد اضطررنا في السنة الأولى من الثورة ولشدة عدائهم تجاهنا أن ندرج ثلاثة أسماء بارزين في عداد من سنستهدفهم بالتصفية الجسدية الكاملة. وهذه من الأشياء غير المعروفة واكشفها لك للمرة الأولى. وهؤلاء الثلاثة هم: الأول علاوة..
يتبع
معمر بوضرسة
عن الخبر الأسبوعي
نورالدين خبابه
01-08-2009, 02:59
الأصل السابع: حق الأمة في مناقشة أولي الأمر ومحاسبتهم على أعمالهم، وحملهم على ما تراه هي لا ما يرونه هم. فالكلمة الأخيرة لها ولا لهم.
الأصل الثامن: على من يتولى أمرا من أمور الأمة أن يبين لها الخطة التي تسير عليها، ليكونوا على بصيرة، ويكون سائرا في تلك الخطة عن رضى الأمة. إذ ليس له أن يسير على ما يرضيه، وإنما عليه أن يسير بهم فيما يرضيهم. الأصل التاسع: الأمة تحكم بالقانون الذي رضيته لنفسها، وعرفت فيه فائدتها، وما الولاة إلا منفذون لإرادتها..
والملاحظ هنا أن ابن باديس يكتب على تنفيذ القانون وليس تنفيذ الشريعة، أي أنه يفصل بين السلطة التنفيذية التي تنفذ القانون الذي أسنته السلطة التشريعية.
الأصل العاشر: الناس كلهم أمام القانون سواء، لا فرق بين قويهم وضعيفهم..
وهنا وجب التأكيد والإصرار على ما كتبه ابن باديس الخاص بالعصمة بعد الرسول (ص)، أي ليس هناك إنسان معصوم بعد النبي (ص)، لأنه جاء في القرآن، وبالضبط في الآية 67 سورة المائدة التي تنص على ما يلي: ''يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، والله يعصمك من الناس، إن الله لا يهدي القوم الكافرين''. وهذه الآية تدلنا أن المعصوم الوحيد من الأخطاء هو النبي (ص)، وليس غيره. أما بقية الناس فهم خطاؤون. وجعل الله لذلك قاعدة التوبة والعفو للذين يرتكبون السوء بجهالة وليس المتعمد كما يظن علماء الجهل. والآيات الدالة هي الآية 17 من سورة النساء: ''إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما''، والآية 54 من سورة الأنعام: ''... من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فـإنه غفور رحيم''، والآية 119 من سورة النحل: ''ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم''.
وواصل الإبراهيمي الرسالة الباديسية الخاصة بالانتخابات وتمثيل الأمة. ونشر نصا صريحا موجها للأعضاء المسلمين بالمجلس الجزائري في العدد 33 من جريدة ''البصائر'' لسنة ,1948 يوضح فيها الفرق بين عضو بالمجلس ونائب، حيث يكتب ما يلي: ''النيابة وكالة عن الجمهور، والشرط في الموكل أن يكون حرا مختارا مطلق التصرف... إن أقواما قبلكم وصلوا إلى ما وصلتم، وارتقوا على أكتاف الأمة إلى كراسي النيابة ولكنهم خانوا العهد وأضاعوا الحقوق، فسجل عليهم التاريخ خزي الأبد وكلة المقت..''.
ويواصل الدفاع عن مبادئ الجمهورية الديمقراطية وأساسها الانتخاب في عدة نصوص نشرت في ''البصائر''، بعد ما تقدم بها للسلطات الاستعمارية التي نصبت لجنة إصلاح شؤون الجزائريين المسلمين، بعد قرار من الجنرال ديغول في نهاية 1943 . وقدم الإبراهيمي المذكرة الأولى في بداية جانفي ,1944 أهم ما جاء من المطالب هي:
1) استقلال القضاء الإسلامي عن القضاء الاستعماري.
2) فصل الدين عن الحكومة وتأسيس مجلس إسلامي أعلى منتخب من طرف الجمعيات الدينية.
3) تأسيس حكومة جزائرية مسؤولة أمام برلمان جزائري.
أما المذكرة الثانية، فقدمت باسم الجمعية في أوت ,1944 يؤكد فيها على فصل الدين عن الحكومة بتأسيس مجلس إسلامي أعلى، منتخب من طرف الجمعيات الدينية، ومسؤولا أمامها، حيث يقدم الأعمال التي كلف بها من طرف المؤتمر الإسلامي الذي يجمع كل الجمعيات الدينية التي تنتخب على أعضاء المجلس. وتتطرق المذكرة إلى استقلالية القضاء الإسلامي، حيث يتم تأسيس مجلس أعلى للقضاء منتخب من طرف القضاة، مهامه هي اختيار القضاة وتسميتهم ومراقبتهم والنظر في سلوكهم وتحديد عقوباتهم. وتطرق للموضوع عدة مرات في جريدة ''البصائر''، أذكر منها العدد 108 لسنة ,1950 العدد 109 من نفس السنة، العدد 58 من سنة ,1948 العدد 122 لسنة .1950
وجدد موقف الجمعية في فكر الإصلاح كما جاء به محمد عبده وشكيب أرسلان ومحمد رضا وجمال الدين الأفغاني وهو معارضة النظام الملكي وإسقاطه مع حلفائه من رجال الدين المدافعين عنه. ويكتب، في هذا الصدد، ما يلي: ''ففي الوقت الذي كان فيه جمال الدين الأفغاني يضع أساس الوطنية الإسلامية على صخرة الإسلام الصحيح، ويهيب بالمسلمين أن ينفضوا أيديهم من ملوكهم ورؤسائهم وفقهائهم، لأنهم أصل بلائهم وشقائهم، وفي الوقت الذي كان محمد عبده يطيل ذلك البناء ويعليه...''. وهذا موقف واضح من النظام الملكي وما يشبهه من نظام السلطنة والإمامة والخلافة، وتأييد للنظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني، حيث يكتب، في هذا المجال على دور البرلمان وهو محاسبة الحكومة وإسقاطها إن اقتضى الأمر، في العدد 176 من ''البصائر'' لسنة 1951 ما يلي: ''إن الأصل في هذا المجالس أنها تصارع الحكومات، وتناقشها الحساب، وتردها إلى الصواب، وتحارب النزعات الفردية، كل ذلك لأنها تأوي من الأمة إلى ركن شديد، أما المجلس الجزائري فـإن شأنه غريب، وأمره عجيب''. وفي نص آخر نشر في العدد 159 لسنة 1951 من جريدة ''البصائر''، يؤكد الإبراهيمي أن ''الشعوب في هذا الزمان هي مصدر السلطان، وهي التي تقيم الحكومات وتسقطها، وهي التي تبني العروش وتقوضها...''. وهذا مبدأ الجمهورية الديمقراطية الذي يخول للشعب وحده السلطة المطلقة والسيادة الكاملة التي يخولها لممثليه في مدة معينة عن طريق الاقتراع الحر والسري والجماعي، الخ من شروط نزاهته. وكل هذه الأفكار هي لب الإيمان الصحيح، حيث أن الله ربط الفساد والذل بالملوك، كما جاء ذلك واضحا، جليا، سهلا، في الآية 34 من سورة النمل: ''قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون''.
نورالدين خبابه
01-08-2009, 03:00
كل هذه الأدلة تؤكد أن الفكر الإصلاحي كما دافع عنه كل من بن باديس والإبراهيمي هو معادي للخلافة والإمامة والملكية والسلطنة، وكل حكم استبدادي مبني على النزعة الفردية، ومؤيد للنظام الديمقراطي البرلماني، حيث أن السلطات الثلاثة مفصولة عن بعضها البعض، وأن الحكومة أو السلطة التنفيذية مسؤولة أمام السلطة التشريعية، كما أن هذا الحكم الذي نظر له كل من بن باديس والإبراهيمي، هو النظام الجمهوري الديمقراطي الذي يتضمن فصل الدين عن الحكومة، ولو كانت إسلامية كما يوضحه ابن باديس من التجارب المصرية والتركية، حيث يكتب في ''الشهاب'' لشهر ماي 1938 تحت عنوان ''الخلافة أم جماعة المسلمين'' ما يلي: ''فعلى الأمم الإسلامية جمعاء أن تسعى لتكون هذه الجماعة من أنفسها، بعيدة كل البعد عن السياسة وتدخل الحكومات، لا الحكومات الإسلامية ولا غيرها''.
وليومنا هذا، لم يتحقق شيء في جزائر الاستقلال، حيث أن المجلس الإسلامي الأعلى لا يزال أعضاؤه معينين من طرف السلطة التنفيذية كما كان الحال أثناء المرحلة الاستعمارية. وكل هذه مطالب جمعية العلماء المسلمين لم نسمع بها في الاستقلال، وخاصة في بداية الانفتاح السياسي، حيث سمعنا وقرأنا أشياء أخرى، غير الفكر الإصلاحي الجزائري الأصيل. وتلك الأفكار هي أفكار الطرقية الجديدة. ولو عرف الجزائريون الفكر الإصلاحي في أصله وليس من طرف تلاميذ الجمعية ذوي العلم القليل كما يشهد عليه الإبراهيمي نفسه، كما أقدم البرهان على ذلك لاحقا. واندثر العلم القليل وانقرض أمام عاصفة الفكر الطرقي الجديد، المتجدد، المغلف في ثوب الإسلام لاصطياد النفوس والكيد بالأمة في حرب لم تنته بعد.
انتقاد الوهابية وعلماء الأزهر
انتقد ابن باديس في كتاباته كلا من منهج الوهابية في الإصلاح وعلماء الأزهر الذين اختصوا في الضلالة والانحراف وأتباع الطرقية والتشهير بها.
وجاء انتقاد بن باديس للمنهج الوهابي في نص نشر في جريدة ''النجاح'' لشهر نوفمبر ,1924 حيث بين غلطاتهم وأسبابها وعواقبها وهي انعزالهم وفشلهم في إصلاحهم الذي يريدون إدخاله على مجتمعهم. ويكتب ابن باديس في هذا المجال ما يلي: ''قام الوهابيون لتحقيق هذه الغاية بحماس وشدة وجهل في كثير منهم، فارتكبوا في سبيلها أمورا نفرت منهم النفوس. وأتى جهالهم شنائع كانت من النكارة بمكان، ووجدها أضدادهم سلاحا قويا في تشويه سمعتهم إلى اليوم، وأسخطت عليهم العالم الإسلامي كله، فكانت الخيبة تصيبهم من جراء سلوكهم القاسي.. إن الدعوة إلى الحق لا تنجح إلا إذا كانت كما أمر الله تعالى، بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن. ولم تكن في الوهابيين كفاءة للقيام بتلك الدعوة العظيمة على هاته الطريقة الحكيمة فخابوا، وبقيت غايتهم مقصورة عليهم.. إنما تنكر عليهم الشدة والتسرع في نشر الدعوة وما فعله جهالهم''.
وكل من يدرس ما كتبه بن باديس في حق الوهابيين لا يزال قائما ليومنا هذا، لأن الفشل والخيبة والهزيمة هي النتيجة الحتمية لكل من أراد استعمال العنف والإكراه لنشر أفكاره. وكما يبرزه ابن باديس، هناك تناقض بين الغاية والوسيلة، أي أنهما غير متجانستين، لأن الوهابيين هم الذين تسببوا في الهزيمة وليس غيرهم، لأنهم تم عزلهم في العالم الإسلامي كله وحتى في جزيرة العرب. وينشر رأيه في هذا الموضوع في العددين179 و180 من جريدة ''النجاح''، في عام 1924 ما يلي: ''قتل زعيمهم ابن سعود بالأستانة بعد ما تفرقت جنوده وشرد آله، فانزوى الوهابيون من يومئذ بنجد واختفت أخبارهم عن العالم... قام الوهابيون في حروبهم بالقرن الماضي لنشر دعوة دينية إصلاحية فخابوا، فانكمشوا بنجد..''.
وبعد هزيمتهم التاريخية في الإصلاح، انعزل الوهابيون في قطر واحد، ما يعرف اليوم بالمملكة العربية السعودية، نسبة إلى آل سعود، الأسرة المالكة والحاكمة والمتحالفة مع الوهابية وهي مرجعيتها في الحكم والدين معا، بعدما تحولت إلى طرقية ترفض الإصلاح وتمجد التقاليد والنقل في منهجها، أي أنها ضد التجديد في الفكر الإسلامي.
وكما ذكرنا سالفا، فـإن الفكر الإصلاحي هو مناهضة النظام الملكي، ونظام الخلافة والإمامة والسلطنة وكل نظام حكم مبني على الوراثة، وهو عكس الفكر الوهابي الذي يقدس النظام الملكي والخلافة، أي أنه فكر في خدمة سلطة الاستبداد والطغاة. وانتشر الفكر الوهابي في عدة أقطار عربية وإسلامية تحت شعار ''الصحوة الإسلامية''، وقاد هذا الانتشار الدولار الأمريكي وزعماء الطرقية الجدد منهم سعوديون ومصريون مشهورون. وكان الفشل هو النتيجة لعملهم مع تخريب مجتمعاتهم وإفلاس اقتصادياتهم، لأنهم قاموا بتقليد منهج الوهابيين الفاشل وجددوا فشله مرة أخرى. وسأعود للموضوع مرة أخرى، لأكشف الصراع التاريخي بين الفكر الإصلاحي وفكر الطرقية وهو الفكر التقليدي الناقل للفساد في العبادات والمعاملات والدين. وهنا أطرح السؤال التالي: من له الشجاعة والعمل والكفاءة لنقد طرقية السعودية المتمثلة في الطرقية الوهابية؟ لا أحد في الجزائر لأنهم من أتباع الطرقية الوهابية بعد ما قضوا على الفكر الإصلاحي ومحوا آثاره، واستبدلوه بالطرقية الوهابية مقابل دولارات أمريكية ومناصب في سلطة الاستبداد.
كما انتقد ابن باديس علماء الأزهر وأتهمهم بالانحياز للطرقية بكل أشكالها في نص نشره في جريدة ''الشهاب'' لشهر مارس ,1936 يتطرق فيه إلى العمق التاريخي للطرقية التي عمت على الأزهر منذ الفاطميين، أي منذ القرن العاشر ميلادي، أي أن الطرقية لها تاريخ وامتداد وثقافة تحميها. وهذا ما كتبه في انتقاده لعلماء الأزهر: ''ومن عدل الله وحكمته أن كان مبعث هذه الدعوة الإصلاحية هو مصر، مصر التي هي مبعث أكثر البدع والضلالات العقائدية والعملية، من يوم انتصبت فيها دولة الفاطميين، فرسخت فيها البدع الطرقية وغير الطرقية ـ والطرق حيثما كانت فهي تكئة وملجأ البدع والخرافات ـ وصارت الخطة الطرقية من الخطط الإسلامية في الحكومات المصرية التي تحميها وتؤيدها، فصارت البدع والضلالات رسمية في نظر المسلمين وغير المسلمين، وجاء الأزهر وأهل الأزهر - إلا قليلا - على دين الدولة وهوى العامة يقرون تلك البدع والضلالات بسكوتهم، بل بمشاركتهم العملية، وتأييدهم الفعلي والقولي، وما ينشر عنهم من كتب وتلاميذ... لم يبق للمتشبثين بالبدع والضلالات والأوهام والخرافات من شبهة يتمسكون بها ويستندون إليها إلا طرقية مصر وعلماء مصر ورجال الأزهر''.
تلك هي انتقادات ابن باديس لعلماء الأزهر الذين هم تابعون لدين حكوماتهم وليس لدين الله، كما نوه بالجهود المبذولة من طرف بعض علماء الأزهر للقيام بالإصلاح الديني، وذلك في نفس النص. وذكر ابن باديس قاعدة عامة للقيام بالإصلاح وهي عموم الفساد وانتشار الخرافات ونمو وازدياد الطرق الدينية التي تنشر الضلالات والجمود والخمول والتقليد والفساد باسم الدين.
لكن الفكر الإصلاحي لم يفز في الأزهر، كما لم يفز بالجزيرة العربية. وفشل الإصلاح في الأزهر وفي مصر، ورجع كل واحد لعادته القديمة وهي الطرقية. وهذا ما يكشف عنه محمد الغزالي، في مقدمة كتابه ''السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث''، حيث يكتب ما يلي: ''لكن الأزهر من ثلاثين سنة أو تزيد ينحدر من الناحية العلمية والتوجيهية. لذلك خلا الطريق لكل ناعق، وشرع أنصاف وأعشار المتعلمين يتصدرون القافلة ويثيرون الفتن بدل إطفائها''.
وهذه الشهادة للغزالي تؤكد ما كتبه ابن باديس منذ أكثر من سبعين سنة. ونفس المشكل المطروح سنة 1936 لا يزال مطروحا ليومنا هذا، بمعاينة أقلام مصرية نفسها، حيث يصل لنفس معاينة ابن باديس لرجال الدين، نشرها في كتابه ''حقوق الإنسان''، حيث يكتب الغزالي ما يلي: ''ولم يقرب هؤلاء الحكام إلا العلماء الذين في كفايتهم ضعف، وفي أمانتهم غش... ولم تبال الحكومات الإسلامية الجهول أن تدع الشعوب للفراغ، فشغل العوام أنفسهم بفروع الفقه والجدال في التوافه، والتعلق بالبدع والجري وراء الأوهام''.
نورالدين خبابه
01-08-2009, 03:02
هذا الانتقاد لعلماء مصر وعلماء الأزهر هو نفس الانتقاد المعبر عنه من طرف ابن باديس، أي أن علماء الأزهر أتباع الطرقية إثارة البدع والفتن، وهم ذوو علم قليل وبسيط، ينحصر في القشور وليس منحدرا من العمق واللباب، حيث يستعمل الغزالي مصطلحات: ينحدر المستوى العلمي والتوجيهي للأزهر منذ 30 سنة، فيه أساتذة نصف وعشر المتعلمين، أي أنهم غير متعلمين، وهم يسمونهم علماء الأزهر لأنهم غير متعلمين، أي جهالة. ويصف رجال الدين الحكوميين أن كفايتهم أو كفاءتهم ضعيفة وليس قوية، أي أنهم أشبه الجهالة، الذين يتقنون فن الغش وخيانة الأمانة وفسح الطريق واسعا أمام الفتن والبدع والجدال التافه والدفاع عن الأوهام ونشر فكر الطرقية، أي أن الأزهر لم يفلح في الإصلاح، وبقي على عهده، كما وصفه ابن باديس. والسؤال المطروح اليوم هو: من له العلم والثقافة والشجاعة لانتقاد الأزهر وعلماء الأزهر كما قام بذلك ابن باديس؟ من هو ذلك الشخص الذي يدعي العلم الذي نجهله ويجهله عامة الناس الذي يتجرأ على انتقاد الأزهر وعلماء الأزهر الذين هم شبه جهالة كما وصفهم الغزالي.
حزب الله الجزائر: جمعية العلماء المسلمين؟
عرف العالم العربي - الإسلامي في السنوات الأخيرة انتصارات وإنجازات حزب الله اللبناني بقيادة حسن نصر الله. وازدادت قوته وشرعيته. كان مصنفا أنه موال لإيران وأنه شيعي لعزله والنيل منه وهزمه، لكن عزيمته كانت أقوى، وصدقه كان أعلى، وإرادته كانت من الإسمنت المسلح، لأنه صادق في أقواله وأفعاله، ولأنه ليس مغشوشا وكاذبا باسم الدين، لأنه وفيّ لعهده ولأمانته ودينه وشعبه وأمته. لكل هذا انتصر على العدو الصهيوني، وكان يردد أنه نصر من الله.
وقبل بروز هذا الاسم أو هذه الصفة على الساحة الدولية، كان عبد الحميد ابن باديس قد وصف جمعية العلماء المسلمين أنها حزب الله الجزائر، وذلك في نص نشره في جريدة ''الشهاب'' لشهر مارس 1936 تحت عنوان ''الإصلاح أمس واليوم''، ينتقد فيه علماء الأزهر والزيتونة والقرويين بفاس، حيث يطرح السؤال عن مستقبل العالم الإسلامي في حالة ضلالة علمائه، ويكتب ما يلي: ''وكيف يكون حال العالم الإسلامي ومراكزه العلمية الدينية في ذلك الضلال المبين''. وردا على ذلك الضلال، يعلن أنه يقود جمعية رائدة في الإصلاح الديني في العالم العربي ـ الإسلامي، وهي جمعية العلماء المسلمين التي سماها ووصفها بحزب الله، الذي يناهضه دعاة التخلف والجمود والضلالات، أي أتباع الطرقية أو الزوايا. وهذا ما كتبه في الموضوع: ''جاءت الدعوة الإصلاحية - ومصر والعالم الإسلامي على تلك الحال - فاصطدمت بقوة ما كانت تثبت لها لولا قوة الحق والإيمان، ومضى ثلث قرن أو يزيد والدعوة الإصلاحية تنتشر وتتقدم، وتنقص البدع والضلالات من أطرافها، ولكنه لم تقم أمة إسلامية هيئة علمية منظمة تعلن الدعوة إعلانا عاما، وتصمد للمقاومة، غير مبالية بما يؤيد البدع والضلالات من سلطان ديني وسلطان دنيوي - غير الأمة الجزائرية، فكان من علمائها الأحرار المستقلين الذين لا يعيشون على الوظيف، أولئك الذين نهضوا بالدعوة الإصلاحية منذ بضع عشرة سنة، وجاهدوا فيها لله، وصبروا، وأسسوا لها أعظم مؤسسة دينية - جمعية العلماء المسلمين الجزائريين - حتى أصبحت الدعوة الإصلاحية - والفضل لله والحمد لله - ثابتة الأركان، مشيدة البنيان، باسقة الأفنان، دانية الثمار، وارفة الظلال - لا على الجزائر وحدها بل على الشمال الإفريقي كله.... أضل بها العوام وأشباه العوام، وأيد بها حزبه، وشغب بها على حزب الله....
وجاء بعده الإبراهيمي ليؤكد للأحزاب السياسية الجزائرية الموجودة في وقته، أن الجمعية ليست حزبا سياسيا، بل هي فوق الأحزاب، لأنها حزب الله. وجاء ذلك في العدد 4 من ''البصائر'' لسنة ,1947 حيث يكتب ما يلي: ''إن حزب الله في الأمة الجزائرية هو جمعية العلماء''.
ووصفت بهذا الاسم، لأنها كانت رائدة الإصلاح الديني في العالم العربي ـ الإسلامي، كما يؤكده ابن باديس وبعده الإبراهيمي. وكتب الأول في الموضوع ما ذكرته في انتقاده لعلماء الأزهر، أي عام .1936 وهذا الاعتراف بالريادة في الإصلاح الديني تم تكراره مرة أخرى في جريدة ''الشهاب'' لشهر جانفي ,1937 حيث يكتب ما يلي: ''كانت أول دعوة للإصلاح الإسلامي أعلنت في هذا الشمال الإفريقي على لسان الصحافة ـ هي دعوتنا منذ بضع عشرة سنة في جريدة (المنتقد) الشهيدة، وفي خلفها (الشهاب)''.
وجاء بعده الإبراهيمي ليؤكد على ذلك في نص نشره في العدد 36 من جريدة ''البصائر'' لسنة ,1948 جاء فيه على الخصوص ما يلي: ''لا يوجد قطر من أقطار الإسلام تأثر أهله بالفكرة الإصلاحية الدينية كما تأثر مسلمو الجزائر، ولا يوجد في علماء الإسلام جماعة قاموا بهذه الدعوة الجريئة، متساندين مجتمعين، يجمعهم نظام وانسجام، كما قام رجال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين...''. والنجاح في ذلك هو هدفهم وهو التحرير كما وصفه الإبراهيمي في نص نشره في ''البصائر'' رقم 2 لسنة ,1948 جاء فيه على الخصوص ما يلي: ''لها في هذا الباب تحرير العقول من الأوهام والضلالات في الدين والدنيا، وتحرير النفوس من تأليه الأهواء والرجال، وإن تحرير العقول لأسلس لتحرير الأبدان، وأصل له، ومحال أن يتحرر بدن، يحمل عقلا عبدا..''. ويشير هنا إلى تحرير العقل من أجل تحرير البدن، ويعني بهذا، كما سأتطرق له لاحقا، تحرير الروح والدين الإسلامي من بدع وضلالات الطرقية التي يعتبرها الاستعمار الروحي، لتحرير الجزائري من الاستعمار البدني أو المادي.
وكانت الجمعية هي حزب الله الجزائر، لأن مبادئها كانت صحيحة، فهي ليست منحازة لحزب سياسي، أو أنها حزب سياسي، كما يؤكده ابن باديس في نص نشره في جريدة ''الشهاب'' لشهر مارس ,1938 حيث يكتب ''ليس المصلحون حزبا ـ وربما يكونونه يوما من الأيام ـ وإنما هم العاملون على الأصول..''. ويعتبر هذا الموقف تأكيدا لما كتبه سنة 1926 في جريدة ''الشهاب'' لشهر مارس، حيث يكتب: ''أما جمعية العلماء المسلمين، وهي الدينية التهذيبية البحتة، وهي البعيدة كل البعد عن السياسة والسياسيين...''، كما أنها تدافع عن الحق، دون احتكاره، لأنها كانت تعرف أن الحق هو الحق، لهذا قررت أن تدافع عن الحق والقبول به، ولو جاء من غيرها. كما أنها كانت تدعو إلى كل الآراء دون تمييز لإتباع الأحسن. ويكتب ابن باديس في هذا الموضوع، في جريدة ''المنتقد'' لشهر سبتمبر 1925 ما يلي: ''بل الواجب عليهم أن يستمعوا القول فيتبعوا أحسنه، وأن يكونوا قدوة للأمة في قول الحق وقبوله ممن جاء به...''. ولم يعط لنفسه العصمة في أعماله وأقواله، بل ترك للتاريخ ليحكم عليه وعلى خصومه، حيث يكتب، في ''الشهاب'' لشهر فبراير 1926 ما يلي: ''إن لمشروعنا مبادئ صحيحة، ولنا غاية شريفة... حتى نكون قد قمنا بواجبنا الوطني بصدق وإخلاص، ونترك لمن بعدنا نموذجا صالحا وتراثا طيبا وثمرة سائغة. ومن عارضنا في سيرنا بفكر ونظر وقصد حسن قبلنا صوابه وأعلنا بالامتنان له وأوضحنا خطأه وشكرناه على حسن قصده. ومن سلك معنا سبيلا من تلك السبل الثلاثة أعرضنا عنه، وتركنا للعقلاء الحكم عليه، وفوضنا للجيل المقبل النظر في صنيعنا وصنيعه، والتمييز بين ما أهدينا له وما أهداه له أخصامنا''. ويبين هذا النص أن عبد الحميد بن باديس يتقبل النقد والمعارضة والنصيحة، كما يتقبل الحكم بينه وبين خصومه الذي يأتي به العقلاء وليس السفهاء.
كما أن من مبادئها الراسخة هو تقديم مصلحة الوطن قبل مصلحتها، حيث جعلت منه شعارها ومبدأها وغايتها، كما ذكره ابن باديس في ''المنتقد'' لشهر جويلية لسنة ,1925 حيث يكتب: ''الحق فوق كل أحد والوطن قبل كل شيء''، ويؤكده مرة أخرى في ''الشهاب'' لشهر مارس .1938
وجاء بعده الإبراهيمي ليؤكد تلك المبادئ الثابتة، حيث يؤكد أن الجمعية فوق الأحزاب (البصائر العدد 4 لسنة 1947 )، أن الوطن ''أبو الجميع'' (البصائر العدد 9 لسنة 1947). كما يبرهن على عدم تحزب الجمعية وعدم تحيزها لطرف ضد طرف في عدة كتابات، منها دعوته إلى اتحاد الأحزاب والهيئات (العدد 10 من البصائر لسنة 1947)، التي كررها مرة أخرى (البصائر العدد 15 لسنة 1947)، ليؤكد أن مطلب فصل الدين عن الحكومة هو أساس متين للوطنية (البصائر العدد 154 لسنة 1951)، وأنها تعمل لمبادئها وليس لغيرها (البصائر العدد 3 لسنة 1947) ونصر الله الإبراهيمي، حيث أن فكر اتحاد الأحزاب والهيئات تجسدت، مبدئيا، في بيان أول نوفمبر1954 وميدانيا بعد مؤتمر الصومام.
والسؤال المطروح اليوم هو أين ذهبت جهود الإصلاح الديني في الجزائر؟ لماذا فشلت؟ لما اندثرت؟ من هو المتسبب في ذلك؟ لماذا لم يتحرر الجزائري من الاستعمار الروحي القديم المتجدد والملفوف في قماش سمي بالصحوة الإسلامية؟
واليوم، ماذا سجل التاريخ عن جمعية العلماء المسلمين؟ لا شيء يذكر. إنها لم تشارك في صياغة العقد الوطني، ولم تمض عليه، ولم تأييده بالقول والعمل حتى يثبت العكس وتظهر الشهادة ويبرز البرهان. كما أنها لم تقم في العلن بتوحيد صفوف الأمة، ولمّ شملها للتصدي للطرقية الجديدة. هل أصبحت هذه الجمعية تحت تصرف الأحزاب، أو بقيت فوق الأحزاب كما أرادها لها ابن باديس والإبراهيمي؟ ما هي علاقتها بالوطن؟ أين هي درجته في أعمالها؟ لقد كان الوطن للجميع وأبو الجميع حسب مبادئ ابن باديس والإبراهيمي. هل أصبح الوطن لجماعة فقط دون الآخرين من الجزائريين؟ أين هي وطنية ابن باديس والإبراهيمي في ثقافة من ينسبون أنفسهم لجمعية الأبرار والراشدين الذين أضعفوا نفوذ الطرقية في الجزائر؟ أترك الباحثين التوسع في هذا المجال، للكشف عن كل الانحرافات بمقارنة مواقف جمعية العلماء المسلمين بين الأمس واليوم.
معمر بوضرسة
عن الخبر الأسبوعي
vBulletin® v3.8.2, Copyright ©2000-2012, Jelsoft Enterprises Ltd.