المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : جيران العرب/ تركيا


ابن حوران
06-02-2007, 16:11
جيران العرب 2

تركيا :

مقدمة :

لقد بدأت تباشير ضعف الدولة العثمانية ، تظهر في أواخر القرن السابع عشر الميلادي ، بعد سلسلة هزائم متتالية ، نجم عنها عدة اتفاقيات مهينة ، منها : معاهدة (كارلوفتز) سنة 1699 والتي تنازلت بها الدولة العثمانية عن المجر للنمسا ، ومعاهدة (بساروفتز) سنة 1717 التي فقدت بها جزءا مهما من البلقان ، ومعاهدة (كوجك كينارجي) سنة 1774 والتي وقعت بعد هزيمتها أمام روسيا ، و معاهدة ( ياسي) سنة 1791 والتي كانت إمعانا في الإذلال لها من قبل روسيا .

كانت الدولة العثمانية والتي بدأت عام 1299 م ، قد أظهرت عجزها الواضح عندما كانت أطراف ولاياتها تتعرض للإحتلال دون أن تذود عنها ، كما حدث بغزو فرنسا لمصر وبلاد الشام ومن وراءها دول شمال إفريقيا .

وقد جعلت تلك الأمور ، أن تظهر علامات الانحطاط من تدهور للنظام الاقتصادي ، وفساد إدارة مؤسسات الدولة وتدخل النساء في أمور الدولة ، واستمرار الانتفاضات في معظم ولايات الدولة .

لقد قامت منذ منتصف القرن الثامن عشر محاولات هامة لإصلاح نظام الدولة وجعلها دولة تتماشى مع العصر ، وقد بدأها رجل الدولة المعروف (مصطفى رشيد باشا ) والذي حاول نقل النموذج الأوروبي ، حيث كان سفيرا لبلاده في فرنسا . واستمرت المحاولات ، حتى ان البعض يجعل من محاولة مصطفى كمال أتاتورك ، امتدادا لتلك المحاولات الاصلاحية .

لكن هناك عوامل كانت تحول دون أن تثمر تلك المحاولات و أهمها :

1 ـ ضعف الجهاز الإداري وعدم استيعابه لتلك المحاولات .

2 ـ عدم رغبة الكثير من الجهاز الإداري ، خصوصا في الولايات ان يطبقوا الاصلاحات التي تسلبهم امتيازاتهم التي كانت تزدهر من خلال الفساد المنتشر .

3 ـ تدخل الجهات الأجنبية ، وبالذات بريطانيا و فرنسا ، اللتان وقفتا الى جانب الدولة العثمانية ، في حرب القرم ضد روسيا عام 1856 ، مما أطلق يديهما في التدخل في شؤون الدولة العثمانية ، وقد سميت الفترة بين عام 1839 و1876 بعهد السفراء ، وخصوصا السفير البريطاني (سترانفورد كاننك) الذي لقب بالسلطان العثماني غير المتوج .

ابن حوران
16-03-2007, 16:45
محاولات إصلاح حزبية و صحفية فاشلة :


لقد كان الشكل العام في القرن التاسع عشر للحكم يتلخص ، في السلطان العثماني الذي يفترض ان يكون مسئولا مباشرا عن الولاة في الولايات ، وقادة الجيوش والحاميات المرابطة في عموم الدولة العثمانية . وشيخ الاسلام الذي كان يمثل الجانب الديني والفقهي ، فأحيانا يستعين به السلطان (الخليفة) على إثارة الهمم في حالات التعبئة ، فينتقل أحيانا من ولاية لأخرى من أجل ذلك ، هذا إضافة لوظيفته كمفتي أعلى للولايات الاسلامية . كما كان هناك منصب (الصدر الأعظم ) وهو يعني رئيس الوزراء .


لقد وصل العجز في الميزانية عندما انتقل الحكم من السلطان (عبد العزيز 1861 ـ 1876م) الى السلطان (عبد الحميد 1876 ـ1909م) ، الى خمسة ملايين ليرة ذهبية ، ودينها الخارجي الى 14 مليون ليرة ذهبية ، مما جعلها تخضع لرؤى المقرضين واقتراحاتهم ، وأثر على مستوى استعداد القوات المسلحة ، وعموم الوضع الاقتصادي في البلاد .

لقد اضطر السلطان عبد العزيز الى قبول اقتراحات الدول الدائنة ، في إعادة تشكيل المجلس العالي للتنظيمات ، بحيث أصبح يضم هيئتين : الأولى ديوان الأحكام العدلية ، والثانية مجلس شورى الدولة والذي ضم 13 من اليهود والمسيحيين فيه من أصل 50 عضوا ، وذلك تحت ضغط الدول الدائنة .

وقد ظهر نشاط الصحفيين الذين سمحت لهم التحسينات التشريعية ، بازدياد نشاطهم وشكلوا ما سمي بالصحافة الحرة التي برز فيها شخصيات مثل ابراهيم شيناسي و نامق كمال و ضياء باشا .. ولم يستمر ازدهار حرية الصحافة طويلا . فتم تقييد الحريات من جديد ، والتي استعاض عنها المعارضون بالنشاط الحزبية .

وقد ظهر تنظيم (جمعية العثمانيين الجدد) والذي كان ابرز المؤثرين به نامق كمال ، وتعاطف مع تلك الحركة اثنان من الأمراء هما مراد الخامس وعبد الحميد الثاني . وكان هذا التنظيم يطالب بملكية دستورية .

لقد استهان السلطان عبد العزيز بكل تلك النشاطات والتململ بين مثقفي الدولة ، ولكن بعد خسارة الحرب مع روسيا .. فتم الضغط حتى تم إقالة ( الصدر الأعظم) محمود نديم باشا .. وبعدها وعلى إثر فتوى من شيخ الاسلام (حسن خير الله أفندي ) تم محاصرة القصر من قبل الجيش وعزل السلطان عبد العزيز في 30 أيار /مايو من عام 1876م .

بعد موافقة عبد الحميد على شروط الوزراء الأحرار ، تم تنصيبه سلطانا ، وصدر الدستور في 23كانون الأول /ديسمبر من عام 1876م . وتضمن 119 مادة مقسمة في 12 فصلا ، ويدعو الى اللامركزية وتحديد واجبات الحكومة ، وإباحة حرية التعليم ، واستقلال المحاكم ، وتأسيس مجلس (عمومي) أي برلمان يتألف من مجلسين : مبعوثان (النواب) والأعيان (الشيوخ ) .

استشعر عبد الحميد الخطر الذي يحيق بالدولة ، فاتخذ فكرة إنشاء جامعة إسلامية لحشد صفوف المسلمين في وجه الأعداء .. واستغل فرصة العدوان الروسي لتعطيل كل الاصلاحات وطرد مدحت باشا (الصدر الأعظم ) وهو الذي كان مهندس الانقلاب على السلطان عبد العزيز ..وهذه الإجراءات هي ما أبقت السلطان عبد الحميد الثاني تلك المدة الطويلة (زهاء 32 عاما) .

ابن حوران
16-03-2007, 16:52
الانقلاب العثماني لسنة 1908

عندما استشعرت جماعات المصلحين وتركيا الفتاة خطورة اجراءات عبد الحميد الثاني .. استجمعوا قوتهم وشكلوا الجمعيات و التنظيمات التي ستواجه تلك التهديدات ، فبرزت تنظيمات داخل الجيش مثل الجمعية العثمانية للاتحاد والترقي .. التي قوي فرعها في سالونيك .

فقامت تلك الجمعية بالعمل على انقلاب 23 تموز (يوليو) 1908 ، الذي أجبر السلطان عبد الحميد على إعلان العمل بدستور عام 1876 . وقد اجتمع مجلس (المبعوثان) على الاجتماع من جديد بعد الانقلاب المضاد الذي تم ترتيبه من قبل عناصر السلطان عام 1909 في 13 نيسان والتي تعرف بتاريخ تركيا (الفتنة الارتجاعية ) . فاجتمع مجلس (المبعوثان) في 27/4/1909 وعزل السلطان عبد الحميد ، ونصب أخاه (محمد رشاد) الخامس (1909ـ1918) .

لقد سرت معالم الفرح في كل تركيا ، و أخذ كل طيف يمني نفسه بالعهد الجديد وفق هواه .. لكن طفت نكهة فعل الاتحاديين على الكل والتي كان شعارها (الحرية والعدالة والمساواة) .. والتي سرعان ما انحرفت حتى أصبحت تنزع نحو الطورانية والتتريك ، وتحقيق ذلك بإرهاب الغير . وبالمقابل ونتيجة ذلك تشكلت تنظيمات معارضة لدرء خطر الانحراف ومنها حزب الحرية والائتلاف الذي تأسس في 8/11/1911 والذي طالب بحكم لا مركزي للولايات و حصر صلاحية الدفاع والخارجية بالمركز .

بعد احتلال ليبيا من قبل الطليان ، وعجز الحكومة العثمانية عن التصرف ، ازدادت حمى التنظيمات والتغييرات ، وازداد الصراع بين (الاتحاد والترقي ) الحاكم وبين التنظيمات المتصاعدة ، خصوصا عندما دخل تمرد الضباط وتشكيلهم لتنظيم ضباط الانقاذ ( خلاص كار ضابطان ) . فتشكلت حكومة ائتلافية برئاسة (أحمد مختار باشا) ، ثم بعدها حكومة (كامل باشا) وتلك الحكومتان حاولتا تطبيق اللامركزية .

لكن انقلابا جديدا أطاح بتلك الحكومة في 23/1/1913 بقيادة انور باشا وهو من قبل جماعة الاتحاد والترقي ، التي تدعو الى المركزية والطورانية والتتريك ومن أبرز فلاسفتها (يوسف آق جورة أوغلي) . وقد بقيت تلك الحكومة لنهاية الحرب العالمية الأولى .

وقد تشكلت إزاء هذا التصعيد الذي يتقرب من تشكيل تركيا الكبرى (الطورانية تعني دمج الأصول التركية بأبناء عمومتهم في آسيا الوسطى) ، حركات قومية في الولايات مما جعل تلك الحكومة ان تمعن في قمع هؤلاء حتى انها أعدمت زهاء أربعمائة في بلاد الشام وحدها و أغلبهم من طرابلس و حلب و دمشق .

ابن حوران
25-03-2007, 17:43
تركيا والحرب العالمية الأولى :


كان دخول تركيا للحرب العالمية الأولى ، هو المفصل الذي فرز بين الدولة العثمانية و دولة تركيا الحديثة .. أما ما الذي جعل تركيا تدخل تلك الحرب ومتى تم قرارها بهذا الشأن ، وهل كان بإمكانها عدم دخول الحرب ؟

لم يكن قرار دخول الحرب الا قبل الحرب بأربعة شهور فقط ، حيث اتفق قادة الاتحاد والترقي وفي مقدمتهم أنور باشا (وزير الحربية ) مع ألمانيا على الاشتراك في الحرب وكان ذلك في 3/8/1914 ، وكانت الدوافع من وراء دخول الحرب من وجهة نظر أصحاب القرار آنذاك هي :

1 ـ ممارسة التتريك في جميع أنحاء الدولة العثمانية .
2 ـ تحرير المناطق التي يقطنها الأتراك في (تركستان و القفقاس ) وتوحيدها .
3 ـ استعادة الولايات التي خرجت من يد العثمانيين ، مثل قبرص والجزائر وتونس وليبيا .
4 ـ إعادة ترسيخ سلطة الخلافة على جميع العالم الاسلامي .
5 ـ التحلل من المديونية الكبيرة على الدولة تجاه الدول التي وقفت تركيا ضدها في تلك الحرب .

ولما كانت ألمانيا الطامعة في طرد البريطانيين من مناطق ايران والشرق الأوسط ، فقد بادرت لقبول التحالف معها ، و هي تعلم ضآلة إمكانياتها في ذلك مما حدا بها إفراد بعض القيادات العسكرية لتولي شؤون قيادة بعض القطعات العثمانية ، إضافة للتبعات المالية الأخرى .

بادر العثمانيون بقصف الموانئ الروسية في البحر الأسود في 29/10/1914 مما دفع بروسيا و فرنسا و بريطانيا إعلان الحرب على الدولة العثمانية في 4/11/1914 ..

لم يكن سير الحرب يتوافق مع رغبات تركيا ، اذ سرعان ما أعلنت بريطانيا حمايتها على مصر وتوغلت في العراق ، كما أن الجبهة الداخلية التركية لم تكن متماسكة ، فبعد إعلان تركيا حربها استقال مجموعة من الوزراء منهم محمود باشا و سليم افندي البستاني ، و شوروك سولو ، كما أن الرأي العام ، والذي تأثر بخسارات حرب البلقان التي كانت في عام 1913 ، لم يكن راغبا في تلك الحرب ..

الا ان بعض مظاهر البطولة المحدودة قد بانت في بعض الجبهات خصوصا تلك التي كانت على مضيق ( الدردنيل ) تحت إمرة قائد برز نجمه من خلالها وفيما بعد علا شأنه هو مصطفى كمال الذي كان قائدا لقاطع (أنافارطة) . مما دفع القيادة الى ترقيته لرتبة أمير لواء ( باشا) .. كما أن دخول بلغاريا الى جانب ألمانبا وتركيا قد ساعد في اجتياح الأراضي الصربية من قبل الألمان والأتراك .