المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شهادة عن حياة اللواء فوضي شريف ابراهيم


سعاد جلطي
21-12-2009, 10:49
ابن الجزائر , قاهر الإرهاب و مستأصل الجيا
اللواء فوضيل شريف مسيرة التحدي ....
".من قروي بسيط الى رجل صنع القرار"

في صيف 19 جوان من سنة 2008 , كانت الجزائر قد فقدت اللواء فوضيل شريف إبراهيم أحد صانعي الإستراتيجية العسكرية المعاصرة ,لدحض الإرهاب مع مطلع التسعينات بعد مسيرة عسكرية عتيدة ,و هو قي عمر يناهز ال 65 سنة ارتأيت من باب الامانة أن اعد ملفا حصريا عن حياة البطل و مساره المهني و إبراز جوانب خقية عن شخصيته و تعاملاته مع عائلته و أصدقاءه و جنوده .
قامة و قيمة و قمة عسكرية باسقة وجذور ضاربة في عمق الأداء المميز ,و حب الوطن ,و الوفاء له لأخر يوم من الحياة, كني بتسميات الزعماء و دخل التاريخ من بابه الواسع في أحوج فترة عصيبة مرت عليها البلاد بعد الاستقلال ( العشرية الحالكة ),لبى النداء ليسجل اسمه عاليا في سماء الأبطال الذين خيروا الوطن عن المصلحة و العائلة و حياة الترف و التعالي ,ابن لرهاط بتيبازة أو "فيل بورغ "اللواء الراحل "فوضيل شريف إبراهيم" مستأصل الجيا و قاهر الإرهاب مسيرة التحدي و النضال و حكايات الزمن القاسي الذي رافق الفقيد بداية من معاناته بقريته مرورا بنجاحاته المحققة في حياته العسكرية العملية التي صنعها مفخرة الجزائر لأخر يوم تدب الحياة جسده و هو يصارع الموت بمستشفى عين النعجة في صيف 2008 تاركا وراءه رصيدا ثريا, و طويلا و فراغا رهيبا وسط عائلته و أصدقاءه و كل من كتب له القدر ان يلتقيه ,و هو منهل في عمله العسكري التكتاكي النبيل ومع رحيله الى جوار ربه ,تكون الجزائر قد فقدت أحد كبار مهندسي و مخططي استتباب الأمن و الاستقرار بالبلاد و أبرز صانعي إستراتيجية دحض الإرهاب و قهرهم و إحباط عملياتهم الإجرامية الدنيئة التي تبقى راسخة و زاخرة في تاريخ مقاومة الإرهاب تستعان بتجربتها أكبر الدول العالمية و المتطورة .

"معاناة الصبا و حب الوطن يصنعان همة الرجل"

التحق فوضيل شريف إبراهيم الصبي بمقاعد الدراسة مع الدخول الاجتماعي 1949/1950 في مدرسة فرنسية ببلدية الارهاط حاليا, و هو لا يتجاوز الست سنوات من عمره45 كلم غرب ولاية تيبازة بعد إلحاح كبير من طرفه على والده محمد فوضيل شريف (رحمه الله) ,حيث صرحت شهادات المقربين أن إبراهيم الصبي لحق والده بالمزرعة التي يشتغل بها ليتحقق بأنه لم ينسى موعد التسجيل لشغفه للتعليم ’و بمان الوالد لم يقف في وجه طموح ابنه و بالرغم الظروف القاهرة و الفقر المدقع الذي كانت تتخبط فيه عائلة فوضيل شريف الأصيلة الى جانب عدة عائلات جزائرية تقطن بالأرياف في ظل الاستعمار المذل فقد دأب الوالد على تغطية مصاريف الدراسة لابنه حتى نهاية المرحلة الابتدائية التي اختصرها أصدقاءه و أقرانه من بني عشيرته بدهاء التلميذ إبراهيم و تميزه كنابغة منذ انضمامه للصفوف النظامية الدراسية بشهادة من أساتذته حيث عرف عنه قدرته الخارقة في الحفظ و الذكاء و التركيز و هيبته في المظهر فضلا عن عقلانيته في التصرف
( صورة إبراهيم فوضيل شريف وحدة نظراته الى جانب تلاميذ القسم و مديره مفتاحي انظر الصورة 01 )
و قد كانت سنة 1955, عاما أليما و ذكرى قاسية على حياة إبراهيم ,حيث فقد والده محمد الذي حرص أن يعلم ابنه و يحرم نفسه لتترك هاته الذكرى وقعا حزينا على نفسية الابن الذي اختار منحى أخر لإكمال مشوار حياته الطبيعي ,أين رأى في مغادرة مقاعد الدراسة أمر إجباري و التحق بمعهد التكوين ضمن صف هندسة معمارية مع بداية 1961 رفقة صديق له من بلدية فوكة, حيث أصيب بطلقات نارية من طرف قوات الاستعمار الفرنسية و استشهد رفيقه اثر اكتشاف قوات الاستعمار لنشاطهما السري ضمن قوات جيش التحرير و مع افتكاك الجزائر استقلالها في يوليو من سنة 1962 ,انخرط فوضيل شريف ايراهيم الشاب ذو أل 19 ربيعا في صفوف الجيش الوطني الشعبي و كله قناعة لبناء وطنه و أمل أن يحمل أعباء عائلته الفقيرة على حسابه بعد وفاة الوالد المعيل لها و من منظور روح المسؤولية التي كان يتمتع بها لمشاركة إخوانه في التكفل بالأسرة .

"قاهر الإرهاب من قروي بسيط الى رجل صنع القرار "

انضمام اللواء فوضيل شريف إبراهيم الى صفوف الجيش الوطني الشعبي تزامن مع منتصف نوفمبر من سنة 16962حيث تلقى مباشرة تكوينا عسكريا بمديرية مستخدمي الأفراد و بعدها نقل الى أكاديمية شرشال حيث أقام بها حوالي ثلاث سنوات لغاية 1967 ليتم إرساله الى فرنسا لتلقي تكوينا بمدرسة المشاة بمونبولي أين تدرب على تقنيات رفيعة في التكتيك الاستراتيجي العسكري و التي أنهى تكوينه بها ضمن بعثة المتفوقين سنة 1972 ليقلد أول مسؤولية كقائد كتيبة الاستعلام بعد عودته بين عام 1976-1979 ثم قائد كتيبة المشاة لمدة سنة ’ليرقى بعدها الى رئيس مكتب التدريب بالناحية الثانية بين سنتي 1982-1983 و عين بعدها مباشرة رئيسا لأركان الحرس الجمهوري ليسند إليه رتبة قائد لواء 40 للمشاة و الميكانيكية بسيدي بلعباس لغاية 1988 قبل أحداث اوكتوبر الدامية حيما أوكل له مهام رئيس أركان القوات البرية حتى سنة 1990 و هي السنة التي عينه الرئيس السابق لامين زروال كقائد خلية محاربة الإرهاب ’بعدما شهدت الجزائر اختراقا خطيرا لسورها الأمني الداخلي مع مطلع التسعينات ليكمل مهمته كرئيس دائرة الاستعلام و التحضير بأركان الجيش الوطني الشعبي الى غاية 2000 أين تبؤ بأعلى مسؤولية في حياته العسكرية كقائد الناحية العسكرية الأولى لمدة أربع سنوات ليختار حقه في التقاعد في يوم الفاتح أكتوبر من سنة 2004 .

محطات مهمة من حياة الفقيد اللواء فوضيل شريف

1966-ضابط صف في الجيش الوطني الشعبي
1972- ضابط في الجيش الوطني الشعبي
1978-نقيب في الجيش الشعبي الوطني
1984- رائد في الجيش الوطني الشعبي
1988- عميد في الجيش الوطني الشعبي
2000- قائد الناحية العسكرية الأولى
2004- اختيار اللواء حقه في التقاعد

يحضر الجنازات بدافع الواجب و يغيب عن الأفراح بسبب التزاماته العسكرية

عرف من عائلة اللواء الفقيد إبراهيم فوضيل شريف أنه كان شديد الحرص لحضور جنازات الأقرباء و الأصدقاء و أهل المنطقة التي ينتمي إليها بلرهاط قوراية, الداموس ,مسلمون, و شرشال ,حيث كان يرى حسبهم انه من الواجب القيام بالعزاء و الوقوف مع الأهل و الأحباب وقت الحاجة و المصيبة و تقاسمها معهم كما يشهد عنه من بني قريته عدم تقصيره في إعانة كل من يقصده لإنصافه أو استرجاع حقه المسلوب شرط أن يكون في إطاره القانوني ,لكونه رجلا يذل الحقرة و اللاعدل و هو الأمر الذي اكتشفناه و نحن بصدد إعداد الروبرتاج حول جوانب خفية من إنسانية الشخص إبراهيم فوضيل شريف حسب ما اتفقت حوله شهادات كل من تقدمنا له من معارفه و الذين وصفوه بالرجل المحنك ,فلا غريب أن يغيب عن فرح ابنته ابنته الغالية عنده في صيف 1995 حيث كلف آنذاك بدائرة الاستعلام و التحضير معتذرا لها حسب زوجته ومبررا ذلك لالتزاماته العملية الحساسة .
شهادات رصدناها من هنا و هناك كلها اتفقت أن الرجل كسب رهان الحياة و دخل التاريخ من بوابة عنوانها" أأنا ابن الجزائر البار"فيما اعتبره آخرون برمز الشهامة و رجل المواقف
"كثير الانشغال و قليل الحضور و التمتع بالجلسات العائلية "
انخراط اللواء فوضيل شريف رحمه الله الى صفوف الجيش و تقلده مناصب سامية و حساسة بالدولة سيما زمن العشرية الحالكة التي مرت عليها الجزائر منذ مطلع التسعينات ترك بصماته خالدة لمختلف عمليات قهر الإرهاب أهمها إحباط عملية" بن علال "بتكتيك عال و رفيع المستوى يتزامن و إستراتيجية معاصرة لصده و إعادة الاستتباب الأمن و الاستقرار ,حدد كثيرا لقاءاته مع العائلة فمن المألوف تغيبه التكراري لأيام متتالية عن المنزل و حتى و أن حضر بعض الجلسات العائلية ,فانه لا يكاد يلبث بعض الوقت إلا و عاد الى إدراج عمله ثانية لان في نظره واجب الوطن يناديه و الجيش بكل عناصره التي تقدر بعشرات الآلاف أكثر حاجة له مقارنة مع أفراد عائلته ,و لان الفقيد فوضيل شريف إبراهيم لا يوجد متعة عنده أفضل من نشوة خدمة الوطن فقد تعذر عليه التزامه العملي و انهماكه في إعداد إستراتيجية دحض الإرهاب و استئصال الجيا ,للاهتمام بشؤون العائلة المتكونة من زوجته خالتي فريدة و أبناءه بنتين و ولد واحد يدعى توفيق ,و في هذا الصدد صرح لنا عمي احمد شقيق اللواء الأصغر الذي لم يتوان في إمدادنا يد العون و تسهيل مهمتنا في رصد جوانب خفية من شخصية اللواء المتقاعد التي كان ينفرد بها ,أن عائلته كانت تعاني دوما من غيابه فقد حرم أبناءه من حنان أباهم الذي دأب على العمل العسكري مبررا ذلك بمقولة معروفة عنه في الوسط العائلي الداخلي "وطني فوق كل شيئ و قبل كل شيئ " كما كان لا يهدا له بال و لا يفتح له حال حتى يتفقد جنوده و يسألهم عن كل ما يهمهم و جميع انشغالاتهم و يحاول بكل إرادة و إيمان عميق تلبية كل ما يحتاجونه .شقيق اللواء الراحل كان يحدثنا وهو يستحضر ذكريات عزيزة عليه و الدموع متحجرة في بؤبؤ عينيه اللتان تشبهان عيني اللواء أخاه الأكبر لحد كبير ’قال يانه غالبا ما كان يكلفه بتفقد أحوال عائلته خلال غيابه المكرر
بيت متواضع و مكتبة زاخرة بشتى العلوم
عمي احمد شقيق اللواء كان دليلنا و رفيقنا في رحلة الاستقصاء التي خضناها و التي تزامنت مع الذكرى الأولى من وفاته أين قادنا الى زيارة خاصة و حميمية الى بيت الفقيد إبراهيم فوضيل شريف بإقامة الدولة بموريتي بفيلا رقم 23 المتواضعة ,حيث استقبلتنا خالتي فريدة زوجة المرحوم ,و بجود أهل الصحراء و كرمهم رحبت بنا و قدمت لنا مشروبات و حلويات صنعتها بيدها ,لم أحس أثناءها بتفاخر زوجة اللواء بقدر ما التمست تواضعها كانت جد بسيطة في تعاملها معي و نصحتني أن أكون في راحة من امري و سمحت لي ان أدخل الغرفة التي كان يلبث فيها" قاهر الإرهاب" ساعات طويلة لمراجعة أشغاله و النهل بمطالعة الكتب المتنوعة ,كان مكتبه بسيط جدا توجد به بعض الصور الحميمية من أعائلته و أصدقاءه و أحفادها الصغار و فوق مكتبه رصدنا جهاز كومبيوتر جوال ,لم يتمكن احد للاطلاع على كلمة سره للولوج الى برامجه حسبما أفادت لنا رفيقة دربه خالتي فريدة و كانت الغرفة المتوسطة الحجم محيطة بمكتبة زاخرة تحوي مختلف العلوم تنوع اهتمامات القامة العسكرية .حيث يحرص على جلب أخر الإصدارات في الداخل أو الخارج كلما تسنت له الفرصة للسفر من كتب مختصة بإستراتيجية الجيش ,و أخرى في القصة و الشعر و الرواية و العلوم الطبيعية و علم الفلك و كتب الشريعة الإسلامية كما رصدنا زريبة اللواء الفقيد و هي موضوعة في ركن جانب ن المكتب الى جانب مصاحف كان يستعين بها عند أداء فرض الصلوات .

يفضل الكسكي الامازيغي .....و الموت تخطفه دون نشر يوميات الصبا
استرسلت خالتي فريدة في استحضار ذكريات جميلة من حياتها التي تقاسمتها مع شريك حياتها المرحوم اللواء فوضيل شريف لاكثر من 40 سنة قضتها معه حيث أسرت لنا أنه كان يحبذ الأكل على يديها كونها طباخة ماهرة مضيفة بان زوجها كان يفضل طبق الكسكسي ي لأنه يذكره بطفولته و أصوله و تقاليد عائلته الأمازيغية من أمازيغ لرهاط مسقط رأسه ,بدائرة قوراية غرب ولاية تيبازة ,و بكثير من عبارات الأسف و الحزن سردت لنا خالتي فريدة و شقيق الفقيد عن نية اللواء لتدوين ذكريات الصبا و نشرها كان قد بدا في كتبة جزءا منها لكن القدر حال دون أن يتحقق حلم "قاهر الإرهاب" ّ" مستأصل الجيا" ليرحل في مثل هذا الشهر من السنة المنصرمة حاملا معه أسرارا مكبوتة في مكنون صدره في حياته و مخزونة في روضة قبره في مماته دون أن تسجل موسوعة تجاربه و رحلته و أفكاره و طموحاته و أسفاره .
زعيم عسكري ينبذ التعالي و يحبذ التواضع

كما سردت لنا خالتي فريدة زوجة اللواء الفقيد أن زوجها كان يدخل خلال سنوات الجمر التي مرت عليها البلاد في ساعات متأخرة من الليل دون أي بروتوكول أو وفد عسكري لحمايته خلال العودة الى أدراج بيته كمسئول سام و عسكري في الدولة
عمي أحمد فوضيل شريف ابن عم اللواء المقيم ببلدية فوكة شهادة أخرى تعزز مفاضل اللواء حيث سرر كثيرا ما علم أننا بصدد تحضير روبرتاج تخليدا له في الذكرى الأول لوفاته و عاد بنا الى ذكريات ماضية بقيت راسخة في ذهنه عن موقف الرجل لما قصده عمي أحمد للتوسط له لابنه للحصول على بطاقة الإعفاء من الخدمة الوطنية زمن سنوات منتصف التسعينات من منطلق الرابطة العائلية التي تجمعه به و المركز القيادي العسكري الذي يحتله ,لكنه تفاجأ برفض الطلب و دعا في إحضار الشاب (ابن عمي أحمد) و نصحه بخدمة الوطن و الاستجابة لنداء الواجب و اختصرها في كلمات لا تزال خالدة في بال عمي أحمد : الرجل ابن الجزائر هو الذي يخدم وطنه و يترك بصمات يفتخر بها و العظيم في بلاده هو الذي يؤثر و يتأثر و يترك الأثر سليما مرفرفا كالعلم".

من أشهر مقولاته : الجنود هم الاسمنت الحقيقي لبناء الوطن


مضيفا أن ابن عمه الجنرال فوضيل شريف إبراهيم يشهد عليه أنه كان كلما ندته العائلة أو احد أفراد القرابة إلا و استعد لها و قضى شغلها شرط أن تكون غير خارقة للقانون كما كان يداعب الصبيان كلما زار المنطقة و يسألهم عن طموحاتهم المستقبلية ,و يشاطر العائلة أفراحهم و إحزانهم و يعتذر عن إذا لم يسعفه الحظ في الحضور ,كونه كان كثير الانشغال و الالتزام و يرسل لهم هداياهم و يبعث بتعازيه . شهادات أخرى صرحت بها احد الإطارات السامية بالجيش كانت شاهدة في احد الزيارات الرسمية لثكنة كانت تحت إشرافه بالناحية العسكرية الأولى في شهر رمضان حيث قدم له كل ما لذو طاب من مأكولات و مشروبات إلا أن اللواء و بكل تواضع لم يلتفت إليها و قال لهم ماذا أكل الجنود ؟ و غادر المأدبة و ذهب ليجلس مع الجنود البسطاء بالمطعم العسكري و قال لهم : "الجنود هم الاسمنت الحقيقي لبناء الجزائر و تقاسمي معهم وجبة الغذاء شرف لي "



حاولت بامانة أن أعطي هذا الرجل حقه من الشهادة سيما انه كان يامل في كتابة يوميات عن حياته لكن القدر حال دون ذلك


رحمك الله و أسكنك فسيح جنانه أيها الرجل العظيم


جمعتها سعاد جلطي