المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لهذه الأسباب أرفض مراسيم العار، المسماة زورا بـالسلم والمصال


نورالدين خبابه
18-04-2010, 01:53
عند الإعلان عن مشروع السلم والمصالحة الذي تبناه السيد عبد العزيز بوتفليقة، في شهر سبتمبر من سنة 2005 أبدى عدد من مسؤولي الجبهة الإسلامية للإنقاذ داخل البلاد وخارجها ترحيبا بالمشروع معربين عن تفاؤلهم، خاصة بالنظر إلى ما يحتوي عنوانه من نوايا نبيلة من شأنها إخراج البلاد من ويلاته إن تبعها تطبيق نزيه وعادل على أرض الواقع.
وتباعا جاء بيان (تاريخ: 21 سبتمبر 2005) الموقع من طرف كل من الإخوة أعضاء المجلس الشورى للج.إ.إ. أنور نصر الدين هدام وأحمد الزاوي ومرزوق خنشالي وكاتب هذه السطور ليؤكد عزم المعنيين واستعدادهم للمشاركة في هذا المشروع عساه أن ينتشل البلاد من محنته الدامية التي عمرت (ولا تزال) أكثر من عقد ونصف العقد من الزمان، كما أننا أبدينا في الوقت ذاته تحفظنا إزاء عدد من النقط التي رأينها تكرس الهروب إلى الأمام وتوشك أن تفوت مرة أخرى فرصة ثمينة لحل سلمي عادل يعيد البلاد إلى شاطئ النجاة ويعيد الأمل للأمة.

وبالفعل توجه المواطنون للتصويت على المشروع، رغم الظروف الصعبة والمجحفة التي صاحبت الاستفتاء، يحدوهم الأمل في أن يضع ذلك المشروع حدا للأزمة الطاحنة، غير أن المراسيم التطبيقية التي أعلن عنها النظام الجزائري لاحقا (بالجريدة الرسمية بتاريخ 28 فبراير 2006) جاءت مخيبة للآمال بل وتؤكد غياب الإرادة السياسية الصادقة في وضع حد للمحنة وكل ما ترومه هو تمزيق صفحة دامية من تاريخ الجزائر وتبييض صفحات الجلادين وتجرم الضحية وترهب، عبر ترسانة من لقوانين، كل من يبتغي الحقيقة ويطالب بها.

نقض الوعد هذا، ومواصلة سياسة الأمر الواقع المفروض على الشعب، هو ما جعلني رفقة الأخوة الموقعين على البيان المذكور أعلاه نعرب في بيان يوم 2 مارس 2006 عن رفضنا لهذه المراسيم ليس رفضا للمصالحة ولا حبا في الانتقام وتصفية الحسابات بل رفضنا تمليه علينا مسئوليتنا أمام الله ثم أمام ضحايا المأساة وعلى رأسهم آلاف المفقودين والقتلى ظلما وأمام الشعب قاطبة.

كما أن رفضنا لهذه المراسيم لا يعود لنبرتها المتعالية والمجحفة في حق الضحايا فحسب بل لأنها قبل كل شيء لا تلبي أدنى شروط المصالحة الحقة العادلة التي تعالج جذور الأزمة وتنصف الضحايا، كما أن رفضنا يأتي ليحذر من مخاطر عواقب هذا المسار الذي يكرس بذور المرض إذ يطمئن الجلاد ويوحي له بأن في وسعه تكرار جرائمه ثم الإفلات من العقاب من جديد.

وسعيا وراء تفصيل أوسع للأسباب التي جعلتني أنضم إلى الرافضين لمراسيم العار، ارتأيت تنوير الرأي العام بما يعتري هذه النصوص من ظلم وإجحاف وتكريس للإفلات من العقاب، وتمديد من عمر الأزمة.

1- ابتداء، تم صياغة نصوص المراسيم في سرية تامة، من وراء ظهر الشعب المعني بالدرجة الأولى وفي إقصاء كلي للقوى السياسية والجمعاوية، إلى أن نزل المشروع على الجميع ليبصموا عليه دون حق المناقشة. كما تم عرض هذا المشروع في جو بحيث وظفت السلطة الظروف الصعبة من شظف العيش وتعطش الشعب للأمن، لتضمن انخراطه في العملية، علما أنه لا يتصور أن يرفض الشعب مبدأ نبيل عنوانه "المصالحة" كما توحيه ديباجة المشروع.

2- جرى التصويت على المشروع في ظل حالة الطوارئ وما يعني ذلك من تقييد للحريات وتجريم وخنق كل تعبير عن مواقف وأصوات مخالفة.

3- تم صياغتها بأيدي غير حيادية، وهي تشكل طرفا أصلي في المحنة، هذا الطرف هو النظام الجزائري وبالتحديد أولئك المسئولين على انقلاب يناير 1992 والذين لا زالوا يتمتعون بنفوذ واسع في دهاليز الحكم، وهو الأمر الذي يفسر كنه طبيعة النصوص المحبوكة على مقاسهم، ومن ثم حق لنا أن نتساءل كيف لطرف (المسئول في المقام الأول عن دفع البلاد إلى الأزمة) أن يكون هو من يصيغ المشروع ويحدد من المجرم ومن الضحية. لو تمت صياغة هذا المشروع من قبل طرف مستقل، سواء كان وطني أو أجنبي، كما هو المعمول به في كل النزاعات المماثلة لكان هذا المشروع قابل لتحقيق ثمار طيبة، لكن للأسف الشديد لا تزال سياسة ومنطق القوة والغلبة هي السائدة.

4- ألغى النظام، نصا وواقعا، كل مناقشة حول المشروع وحول سبل الخروج من الأزمة.

هذا، من حيث الظروف والملابسات التي جرى فيها تحضير المشروع والاستفتاء حوله، أما نصوص هذا المشروع فلا تترك أدنى شك فيما يتعلق بنية أصحابه، ونكتفي في هذا الصدد بذكر بعض ما تتضمنه مواد هذه المراسيم وديباجتها.

* لا تشير مواده لا من قريب ولا من بعيد إلى بدابة المحنة ومسببها الأول أي انقلاب يناير 1992 ولا إلى توقيف الانتخابات في دورها الثاني مع الزج بآلاف المناضلين والمتعاطفين مع الحزب الفائز إلى معتقلات الصحراء دون محاكمة ولا حتى توجيه اتهام، ولا إلى اختطاف الآلاف من الأبرياء دون أن يعلم أحد مصيرهم إلى اليوم، ولم تشير إلى" محاكمها الخاصة" التي قننت اللا- قانون، في تجاهل وابتذال لقوانين البلاد والقوانين الدولية، إلى أن اضطرت لإلغائها في صمت عند استفحال وافتضاح أمرها.

* تجاهل المشروع واجب ا لكشف عن الحقيقة وإرساء دعائم العدالة وواجب الذاكرة؛

* لزم المشروع السكوت المطبق والمريب بشأن الآلاف من ضحايا التعذيب والإعدام خارج القانون والمجازر الجماعية و"الاعتقال الإداري" التعسفي؛

* جرد المشروع المواطنين من حقهم المدني والسياسي الدستوري المشروع في انتهاك صارخ للقوانين الدولية والالتزامات الواجب الوفاء بها؛

* حتى إطلاق سراح المعتقلين، الشيء الذي لا محالة يدخل الفرحة في القلوب، خاصة ذويهم الذين حرموا عطفهم وإعالتهم طيلة سنين، وهم الذين سجنوا ظلما بغير وجه حق، فحتى هذا الإجراء "المتكرم به كإجراء تخفيف في إطار السلم ولمصالحة " جعله النظام أقصى ما يمكن تقديمه مختصرا بذلك كافة المطالب في مجرد الإفراج عن السجناء، بل وأفرغ هذا الإجراء من كل معنى نبيل، إذ ألزم المفرج عنهم الاعتراف بالتهم الموجهة إليهم والإعراب عن امتنانهم للسلطة مع الرضا بحرمانهم من الحقوق وقبول القيود الظالمة المفروضة عليهم، تماما مثل مقايضة عائلات المفقودين دراهم معدودات مقابل مساندتهم أطرحته الكاذبة؛

نورالدين خبابه
18-04-2010, 01:55
والأخطر من هذا كله، إن القانون الجديد والمراسيم التنفيذية الرئاسية المزمع تطبيقها بموجب ذلك القانون تضمن إفلات المسئولين عن الفظائع المروعة من العقاب وتكمم الأفواه بشكل تام ونهائي إزاء كل نقاش عام حول الأزمة وما خلفته من دمار وذلك عبر سن ترسانة قانونية رادعة، منتهكا بذلك القانون الدولي فيما يتعلق بالجرائم الخطيرة بحيث تجعل كل نقاش في هذا الصدد مستحيلا بفعل إصدار مواد صريحة في هذا الباب تعاقب من يخوض في الموضوع، ويعتبر ذلك مساسا خطيرا بحقوق الإنسان في الجزائر، فتمنح هذه المراسيم العفو الشامل الغير قابل للنقاش أو المراجعة لصالح قوى الأمن والمليشيات المسلحة من قبل السلطة والمسئولة عن اقتراف جرائم تدخل في نطاق جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية، دون أن تجرى إلى يومنا هذا أي تحقيق مستقل نزيه فيها؛
* وكما توقعه المهتمون بشأن حقوق الإنسان، فهذه المراسيم جاءت لتؤكد المخاوف بشأن حرمان الشعب الجزائري والمجتمع الدولي برمته من معرفة الحقيقة وحرمان ضحايا التعسف وعائلاتهم من حقوقهم العادلة إذ تجردهم بموجب هذه المراسيم من حقهم المشروع في تقديم قضاياهم أمام المحاكم في لجزائر ومن ثم عرقلة كل مسار يروم كشف الحقيقة أمام هذه المحاكم، وتقديم المسئولين عن ارتكابها أمام هذه المحاكم أيا كانوا ومهما كانت مراتبهم آو مواقعهم في السلطة آو خارجها. وبذلك تنتهج السلطة مسارا مغايرا للمسار الذي يضمن تفادي اقتراف في المستقبل مثل هذه الجرائم إذ تنص المادة 45 على ما يلي: "لا يمكن إجراء أي متابعة سواء على المستوى الفردي أو الجماعي بحق أفراد قوى الجيش والأمن في الجمهورية إزاء أعمال قاموا بها بقصد حماية الأشخاص والممتلكات، وحماية الوطن والحفاظ على مؤسسات الجمهورية الجزائرية" وتذهب المادة 44 أبعد إذ تصف الأعمال المقترفة من قبل هذه القوى بأنها قد "أنقدت الجزائر وحافظت على مكتسبات الوطن" فيمجد المشروع مرتكبي الجرائم ضد البشرية رغم أن هذه الجرائم تبلغ من حيث الخطورة وسعة نطاقها درجة جرائم الحرب، فراحت النصوص تصنف تلك الجرائم على أنها " أعمال انقدت البلاد " ومنحت مرتكبيها ضمانة للإفلات من العقاب بشكل شامل وغير مشروط، علما أن هيئات دولية معتمدة في هذا الشأن مثل الأمانة العامة للأمم المتحدة وغيرها من الهيئات لأممية قد صرحت على أنه لا يجوز بأي حال من الأحوال منح العفو العام والشامل أو غيرها من التدابير المماثلة بحيث يفلت مرتكبي الجرائم الخطيرة لحقوق الإنسان من العقاب، وهي الجرائم التي لا تلغى بالتقادم. من جانب آخر، صنفت السلطة الضحايا إما إرهابيين يتوجب اعترافهم بالتهم الموجهة إليهم، إذ اعتبرت كل من وقف ضد انقلاب يناير 1992 على أنه إرهابي أو مساند للإرهاب، ويتوجب عليه التوبة والتكفير عما بدر منه ليستفيد من تدابير العفو، وإما "ضحايا المأساة الوطنية" فراحت تعتم على المسئولين عنها وكأنهم أشباح لم يأتي على ذكر احد منهم؛


* وفيما يتعلق بملف المفقودين الذي يدمي القلوب، خصصت هذه المراسيم تعويضات مالية لعائلاتهم غير أنها اشترطت في ذلك قبول ذويهم استلام شهادة وفاة للمفقودين، أي رشوة رسمية مقابل السكوت على معرفة الحقيقة إزاء المفقودين، يأتي ذلك بعد سنوات من وعود الرسميين غير الموفى بها في إلقاء الضوء وكشف الحقيقة في هذا الصدد، ويرى في دلك المتتبعون لشؤون الجزائر محاولة أخرى لشطب نهائي لملف المفقودين؛

* والقانون لا يتوقف عند حد منع المتابعة القضائية بل ويغلق الأبواب أمام كل نقاش عمومي بشأن جرائم ما بعد الانقلاب 1992، إذ تنص المادة 46 على ما يلي: "يعاقب بالحبس لمدة تتراوح بين 3 إلى 5 سنوات سجنا وغرامة مالية قدرها بين 250000 و500000 دينار كل من يستغل جراح المأساة الوطنية، سواء كان ذلك من خلال تصريحات أو كتابات أو على أي نحو آخر، للمساس بمؤسسات الجمهورية الجزائرية وإضعاف الدولة وتشويه شرف أفرادها الذين خدموها بكرامة أو تلطيخ صورة الجزائر على الصعيد الدولي." وتأتي هذه المادة لتحرم الضحايا وعائلاتهم والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحافيين وكل جزائري وجزائرية من حق الشهادة وانتقاد جرائم قوى الأمن المرتكبة طيلة عمر المحنة ما بعد الانقلاب، وتبطن المراسيم تهديدا لعائلات المفقودين الذين يحاولون مواصلة حملتهم للبحث عن الحقيقة بشأن ذويهم.

يستخلص مما سلف أن السلطة في الجزائر تتجاهل كليا بل وتزدري الحقيقة الجلية والتي مفادها أن السلم والمصالحة هما نتيجتان طبيعيتان لمسار يعالج الأسباب الحقيقية للازمة، التي لا يمكن أن تحل بدونها.

إن واضعي هذه المراسيم قاموا بتمجيد مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية من خلال قوانين جائرة تحميهم وتوفر لهم الغطاء للإفلات من العقاب، غير أنه سيسجل التاريخ على الرئيس بوتفليقة، الذي لم يكن طرفا في المحنة، لا في نشوبها ولا في تغذيتها، إن لم يستدرك الأمر، أنه فوت على الشعب الجزائري فرصة ثمينة أخرى للخروج من الأزمة.

ولا يفوتنا في هذا المقام أن نجدد، قبل فوات الأوان، دعوتنا للنظام في الجزائر لاحترام حقوق كافة الأشخاص الذين تعرضوا لانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، ابتداء من الحق في معرفة حقيقة ما جرى طيلة عمر الأزمة الدامية إلى تحقيق العدل للجميع فضلا على تعويض المتضررين، أصحاب الحقوق دون مقايضة ذلك بأي شرط، ناهيك عن السكوت، فمن شأن مثل هذه الضمانات أن تعبد الطريق لمصالحة صادقة ترجع الأمل الحقيقي.

وعلى أشراف الأمة أن لا يسكتوا وأن لا يركنوا أمام محاولات النظام الرامية إلى إجهاض الحقيقة ونسيان الآلاف المعذبين والقتلى والمفقودين الذين سيبقون جراحا غائرة تؤرقنا وحية في ضمائرنا إلى أن يكشف عن مصيرهم، أحياء كانوا أم غير أحياء، وهو ما يوجب على الشرفاء مواصلة عملهم للمطالبة بتحقيق نزيه تقوم به هيئات مستقلة مشهود لها بالنزاهة والمهنية، سواء من داخل البلاد أو خارجها، بعيدا عن تدخلات أجهزة الجلاد، ولا نقبل أقل من الحقيقة، كل الحقيقة ولاشيء غير الحقيقة.

بقلم: د. رشيد زياني شريف
نائب منتخب عن مدينة سيدي بلعباس (ديسمبر 1991)
http://www.hoggar.org