المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دعوة الى انشاء رابطة عربية صوفية


علجية عيش
07-09-2010, 12:57
الجَمَاعَات السَّلفـِيَّة "الوَهـَّابية" تـُضَيِّقُ النـَّشَاطَ َ على"الزَّوَايـَا"



دعوة إلى إنشاء رابطة عربية صُوفيّة تتولـَّى مُناقشَة الفـِكـْر الصُّوفِي و الطـّـُرُقِ الصُّوفـِيَّةِ و الزَّوَايــَا



عرفت الطرق الصوفية في الجزائر و في المغرب العربي انتشارا واسعا بسبب نشاط مريديها لدرجة أن الجماهيرية العربية الليبية اليوم تكاد أن تعيش تحت سيطرة إحدى هذه الطرق و هي "العيساوية"، حيث يفوق عدد الزوايا المتواجدة بالجماهيرية العربية الليبية 738 زاوية ، 400 زاوية وحدها تابعة للعيساويين، بخلاف الجزائر أين وجدت هذه الزوايا نفسها محاصرة من طرف الجماعات السلفية الوهابية التي استغلتها و ضيقت المجال عليها ، و لم تتمكن أي جهة في الدولة من التصدي لها خشية من الدخول في مواجهة جديدة مثلما حدث في العشرية السوداء ، الأمر الذي استوجب إنشاء رابطة عربية صوفية لمناقشة الفكر الصوفي في العالم العربي و الإسلامي



التدخل في المباحثات الصوفية لا شك أنه يتطلب دراية كبيرة و توسعا في فهم حقيقة الصوفية و الصوفيين من جانب الأصل و المذهب ومريديهم و الطقوس التي يمارسونها، و دورهم أيضا في تنوير المجتمع و هدايته إلى الصواب و طريق الحق، و هذا يعني وجود أناس ذوي اختصاص في الفكر الصوفي و لهم باع طويل في البحث العلمي الأكاديمي، حتى لا يتعرض أصحاب هذه المباحثات لمصاعب و أخطار و هم يخوضون في قضايا حساسة جدا يستقرأون أصولها و فروعها و يتبينوا ما يشتمل عليه العقل في إدراك الدين الحق..
فقضية الصوفية و التصوف يحتلان أهمية كبرى في الحياة الفكرية المعاصرة ، كونها من القضايا الشائكة و المعقدة في التاريخ الثقافي و الديني، و لطالما دار حول هذه المسألة جدال كبير و أسالت الكثير من الحبر، خاصة بعد ظهور الحركات الإسلامية و السلفية على الخصوص، فقد كان ينظر إلى المتصوف ذلك الإنسان "الزاهد" الذي طـَلـَّقَ الدنيا و تركها كلية و تعلق قلبه و عقله بالخالق وحده، مقتديا في ذلك بالرسول صلى الله عليه و سلم عندما قال في حديثه "كن في الدنيا كأنكَ غريبٌ أو عابـِرَ سبيلٍ"، و الداعي إلى تحرر النفس من الشهوات و الملذات و تطهيرها غير آبه بما يحدث في العالم من تغير و تطور، ويجعل من التأمل الدائم في ملكوت الله مسلكه حتى يصل إلى حالة من الذهول، كل هذا بحثا عن الكمال، الذي يتمثل كما يقول أهل الاختصاص في التأمل الروحاني يوصل صاحبه إلى مستوى وجداني قد يجعله يتحد مع ربه بعدما يصفي باطنه من الرذائل و يحليها بأنواع الفضائل، و لو أن البعض ذهب إلى التفريق بين (التصوف و الزهد) و نفوا وجود الزهد في الإسلام نفياً قاطعاً، واعتبروه بـِدْعَةً دخيلة على الدين.
ولأن الصوفية مشتقة من الصفاء فلعل أول فرقة نشأت هي فرقة "إخوان الصفاء" كمذهب فلسفي في حوالي القرن الرابع الهجري بعد ظهور الحركة الصوفية، و كما قال الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: إن عصرنا هذا عصر حضارة ذكية الفكر عارمة الهوى و ليس يجدي في تقويمها إلا أصحاب بصائر نيّرة و قلوب عامرة لهم من رحابة ألإطلاع و الأفق ما يسدد حُكـْمَهُمْ و يـُقـْنِعُ خُصُومَهُم " و قبل هذا أشار الشيخ محمد الغزالي إلى أصناف الناس و كان ما يُشْعِرُهُ بالضيق صنفان من الناس: ( صنف حار العاطفة قليل الدراية، و صنف ظاهر الجحود لا يدري شيئا أو يدري الأمور على نحو بعيد من الحقيقة)، و ربما هو نفس الشعور الذي انتاب بعض الذين حضروا "الملتقى الدولي حول الفكر الصوفي و دور الزوايا في التحرر الوطني " الذي نظم و للمرة الأولى بدار الثقافة محمد العيد آل خليفة لولاية قسنطينة..
الذي تابع الملتقى يقف من دون شك على حقيقة واحدة هو أن ملتقى الفكر الصوفي الدولي قد أُخْرِجَ من مُحْتواهُ و من مضمونه الحقيقي فكانت نهايته "الفشل"، وذلك لأسباب عديدة أولها غياب المختصين في الفكر الصوفي من العلماء و الأئمة و كبار الدعاة و أصحاب الدراسات و منهم الدكتور مفتاح عبد الله بن مسعودة من الجماهيرية العربية الليبية و الدكتور زعيم خنشلاوي من جامعة الجزائر الذين كانوا مدعوين إلى المشاركة و إلقاء محاضرة في الملتقى ، باستثناء الدكتور محمود العقيل من سوريا، كذلك غياب شيوخ الزوايا و أهل الطريقة ، فالذي نشطك الملتقى بعض المهتمين بالطرق الصوفية و إعلاميين، كما شهد الملتقى غياب كلي لشيوخ الزوايا، و عزوف الجمهور المتعطش للفكر الصوفي، لأسباب مجهولة
ما جاء في الملتقى الدولي حول الفكر الصوفي لم يكن ضمن إطار البحث العلمي و هذا ربما راجع لقلة الدراسات الإسلامية أو عدم الإطلاع عليها، فمعظم الكتابات التي نوقشت في هذا المجال ( الفكر الصوفي و الطرق الصوفية و الزوايا) تعود إلى المستشرقين، و قام باحثون بترجمتها و التحقيق فيها، لاسيما و الكتابات حول الطرق الصوفية ما زال يلفها الغموض لاختلاف الأفكار و الميول و المذاهب، و وقع الباحثون في تضارب و تناقضٍ انقسموا إلى مُؤيد و مُعارضٍ، المتدخلون عدلوا عنوان مداخلاتهم و ركزوا الحديث عن دور الزوايا في محاربة الاستعمار دون التطرق إلى لب الموضوع و هو الفكر الصوفي كفر له قواعده و أسسه و فلسفته، ماعدا الأستاذ محمد محمد الجرذم من ليبيا، إذا قلنا أن الفكر الصوفي مسالة تتعلق بالقضايا الروحانية و الوجودية و علاقتها بالباطنية و المذاهب الإسلامية الأخرى و أمور أخرى تتعلق بالحلول و الارتقاء بالذات فوق الجسد و العثور على الذات الإلهية و هي طقوس تمارسها الطرق الصوفية و منها العيساوة، تصل بها إلى درجة الهيجان أو ما يسمى بالوجدان الإلهي.


الفكر الصوفي منهجا و مسلكا لا يمكنه


الخروج عن السنة


الدكتور محمود العقيل من سوريا باحث في الدراسات القرآنية و الإسلامية و خبير في الأعشاب و صاحب دراسات معمقة في الطب الشرعي مطبوعة في 14 مؤلفا عرج في مداخلته إلى جملة من القضايا المتعلقة بالزوايا و دورها في التحرر الوطني و التي اتسمت و تمحورت حولها الصوفية في كل أبعادها الفكرية الثقافية و المنهجية، معتبرا أن الفكر الصوفي من حيث المنهج و المسلك لا يمكنه أبدا أن يخرج عن السنة المحمدية، باعتباره الجامع بين تركيبتي الجسد و بين المادة و الروح، و هو جانب أغفل عنه الكثيرون، لقد عرف الدكتور محمود العقيل الصوفية بأنها انعتاق روحاني متجليا في الجماليات الكمالية مسترشدا في ذلك بكلام معروف الكرفي أحد علماء الصوفية في الشرق في شرحه معنى الإنعتاق الروحي بالقول: " من عرف أحدًا لم يعرف الله "، و يقول المحاضر أن الزوايا و الطرق الصوفية من القضايا المعقدة و الشائكة لدرجة أن الباحثين فيها انقسموا إلى مؤيد و معارض، ليعرج بالحديث إلى تاريخ ظهور الصوفية و ظروف نشأتها بعد سقوط دولة الموحدين، وكيف تطورت و امتدت إلى أن أصبح لها شان عظيم في الحياة الاجتماعية ، إلى أن جاء الاستعمار الإسباني و الفرنسي هبّت فيه الزوايا لمواجهة العدو، و التاريخ يشهد على الدور الذي قدمه المرابطون و أصحاب الزوايا ، لقد كان للزوايا دورا سياسيا أكثر ما هو ديني، هكذا يقول الأستاذ محمد غديرة من تونس الذي أشار إلى أن الزوايا استطاعت أن تقوم بما لم تقم به الأحزاب السياسية و الجمعيات من خلال تأثيرها الكبير على من التفوا حولها..


الخطاب السلفي "الوهابي" هو الذي أنتج العنف

ويقف إلى جانب الأستاذ محمد غديرة الإعلامي و الباحث في الطرق الصوفية سعيد جاب الخير بأن الزوايا اعتمدت على الجانب التعليمي التربوي، الاجتماعي ، الأمني و كذلك الجانب الروحي و يعني به التسليك أو التلقين أي تدريب المريدين لإيصالهم إلى مراتب معينة من التحرر و التوحد الروحاني، و يذكر جاب الخير وقوف الطريقة الدرقاوية في وجه الاستعمار في مصر عند احتلال نابليون مصر، و تصديها للسلطة المنحرفة و المستبدة على طول تاريخها، كاشفا ما قام به الاحتلال الفرنسي في الجزائر من خلال اختراعه بعض المقاديم و شيوخ لا صلة و لا علاقة لهم بالزوايا، و هذا لتشويه صورة الطرق الصوفية، و محارب مصالي الحاج لبن غبريط و كيف تلقى هذا الرجل بذور الوعي الوطني الثوري في الزاوية الدرقاوية بتلمسان ، و هي إشارة منه إلى أن مصالي الحاج ابن زاوية و أنه من أتباع العلويين، و نظرا لهذا الدور الذي قامت به الزوايا فقد حاول الاستعمار التضييق عليها و مصادرة أوقافها بل تهديم البعض منها، مما أدى إلى دخولها في عزلة تامة ، و يمكن للملاحظ أو المتأمل أن يقف إلى جانب هذا الرأي بأن الزوايا حققت معجزات هائلة في كسر شوكة الاحتلال الفرنسي و بالخصوص في الجزائر، لكن هذا الرأي يجر إلى التساؤل : أين كانت الزوايا عندما كان الشعب الجزائري يغرق في دمائه، و أبناء الجزائر يتقاتلون فيما بينهم طيلة العشرية السوداء، دون اتخاذ أي موقف في تهدئتهم و غرس السكينة و المودة في قلوبهم؟ و بالتالي تعتبر الزوايا كذلك مسؤولة و لو بجزء صغير في عملية التقتيل؟..
يقول جاب الخير في رده على سؤال "المثقف" بأن التضييق على الزوايا بقي مستمرا إلى ما بعد الاستقلال و كان الخطاب السلفي الوهابي قد زاد في التضييق عليها و أن السلفيون الوهابيون هم الذين أنتجوا العنف، محذرا في ذلك من الاختراق السلفي و تبني فكره، و هو بهذا يبرئ الزوايا من تحملها مسؤولية العنف في الجزائر و صمتها عما حدث طيلة العشرية و يرفع عنها الملام و هي الظاهرة ( الإرهاب) التي قصمت ظهر الدولة و بددت قواها بسبب الخصومات المذهبية التي لا طائل منها، و يمكننا القول أن الوقوف مع جانب دون آخر يخلق نوعا من "العصبية" القبلية التي كانت سببا في إسالة الدماء و هتك الأعراض و كرامة الأمة و حياتها كما يقول في ذلك الشيخ محمد الغزالي رحمه الله.
لقد أطلقت الجماعات السلفية العديد من الفتاوى و حرمت الكثير من ألأمور خاصة ما تعلق بالتسميات، و قد سبق و أن أصدرت هذه الجماعات في مدينة قسنطينة فتوى تحريم مناداة الأشخاص بكلمة "سيدي" و قامت بنزع كل لائحة معلقة بمدخل المساجد مكتوب عليها مسجد سيدي فلان ، و قد أشار المتدخل في رده على سؤال "المثقف" إلى إبطال هذه الفتوى بحجة أن كلمة التـّسْيِيد واردة في السنة و هي كلمة غير مبتدعة طالما تتعلق بجانب التكريم و أن ظاهرة التسييد ظاهرة قديمة و هي من باب التكريم و ليس التأليه، ضاربا بذلك مثالا عندما أمر الله الملائكة بالسجود إلى آدم، و إن كانت مسالة سجود الملائكة لآدم تحتاج إلى موضع خاص و مختصين في التفسير غير أن الآية قد يكون لها تفسير آخر لأن الله خلق الكون بما يحتويه من نبات و حيوان قبل خلقه سيدنا آدم عليه السلام، و هذا لما يتميز به البشر عن باقي المخلوقات و هي "العقل" و يبين الله أنه ميز البشر على جميع مخلوقاته لأنهم سيكونون خليفته في الأرض..، كما تجدر الإشارة كذلك أن الجماعات السلفية الوهابية عرفت انتشارا قويا في الجزائر و كانت المجال الأرحب لتوسعها و ظهر ما يسمى بالإسلام السلفي من خلال إطلاق اللجة و تقصير السروال، و لبس "التشادور" بالنسبة للمرأة ، و بدأت فتاوى التحريم و التحليل تسقط كالمطر في العديد من قضايا المجتمع الجزائري..


يتبع...

علجية عيش
07-09-2010, 12:58
هل هي دعوة إلى العَـصَبـِيّة الصُّوفِيَّة؟

ما يمكن استنتاجه في الملتقى الدولي حول الفكر الصوفي أن المحاضرين في تدخلاتهم حاول كل منهم أن يدافع عن الطريقة التي يؤمن بها أو يتبعها، مثلما ذهب إليه الأستاذ سعيد جاب الخير الذي كما يبدو أنه ذو الانتماء العلاوي ، حيث غاص المتحدث في الحديث عن العلاوية و راح بقوة و حماس يدافع عن الطريقة العلاوية و العلاويين و كيف ذاع صيتهم في كل بقاع العالم ، و لم يقف عند هذا الحد بل طالب بطبع آثار الشيخ العلوي و مناقشة أفكاره نقاشا علميا أكاديميا، و ربما المتحدث لا يعلم أن أصحاب هذه الطريقة متوفر لديهم كل إمكانيات الطبع و النشر من خلال امتلاكهم مطبعة خاصة بهم وحدهم في تلمسان تسمى "المطبعة العلاوية"، و قد سبق و أن نشر العلاويون كتب عديدة لشيوخهم نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: ( "رسالة الناصر معروف في الذب عن مجد النصوص" تأليف الحاج احمد بن مصطفى العلوي المستغانمي، الطبعة الثانية 1990، و كتاب بعنوان: " دراسات في الخطاب الصوفي عند أقطاب الطريقة العلاوية" للدكتور يحي بعيطيش الطبعة الأولى 2009، و هو إحدى منشورات جمعية الشيخ العلاوي للتربية و الثقافة الصوفية، كذلك كتاب " الحلل المرضية على الرسالة العلاوية " للأستاذ محمد بن الصالح التمسماسي، كما نقف على " الدرة البهيّة " في أوراد و سند الطريقة العلاوية لجامعه الشيخ عد بن تونس صدرت طبعته الرابعة بالمطبعة العلاوية )..، و ما يؤكد على هذا الانتماء هو تركيزه على الطريقة الدرقاوية، التي هي في الأصل الطريقة العلاوية و ذلك بشهادة الشيخ عدة بن تونس عندما أكد أن الطريقة العلاوية كانت تعرف من قبل بالدرقاوية غربا و الشاذلية شرقا.
من جهة أخرى أشار المحاضر إلى أن العلامة عبد العميد ابن باديس ابن زاوية و إن كان ذلك صحيحا كون الشيخ ابن باديس عندما بلغ سن الخامسة من عمره ( 1894) أرسله والده إلى احد الكتاتيب القرآنية و تعلم القرآن على يد الشيخ المداسي بإحدى زوايا القادرية بالمدينة العتيقة السويقة قسنطينة، لأن أسرة ابن باديس كانت من أتباع الطريقة القادرية، و كان معلمه الشيخ المداسي من أتباعها كذلك ، و قد ذكر الدكتور عبد الكريم بوصفصاف أستاذ التاريخ الحديث و المعاصر بجامعة منتوري قسنطينة أن "التبعية" لإحدى الطرق الصوفية في الجزائر إبان العهد الاستعماري كانت ظاهرة شائعة بل "موضة" مرغوب فيها، و يشير بوصفصاف إلى الدراسات التي أجريت حول الحركة الوطنية الجزائرية و التي أثبتت أن ابن باديس و من معه من المصلحين استطاعوا أن يكشفوا فئة انتهازية من المرابطين الذين استغلوا سذاجة العامة و جهلهم..
و لو أن الأستاذ جاب الخير وقف على هذه الحقيقة عندما أكد على عدم المزج بين الدولة المرابطية التي أسسها ابن تاشفين و بين المرابطين، عندما تكلم عن الحالة المرابطية، موضحا أن المرابطون هم من أشراف - آل البيت- و هم من أسّسوا الحالة المرابطية، و ربما يقصد المحاضر بآل البيت - الشيعة - من خلال قوله أن أقدم ضريح هو ضريح الولي الصالح سيدي سليمان ابن عبد الله الكامل في تلمسان، و أن بينه و بين علي بن أبي طالب ثلاثة أجداد أي قريب الأصل منهم، أما مسالة " الأشراف" فقد ذكر الشريف كمال دحومان الحسني في دراسته المعمقة التي أجراها حول "أشراف الجزائر" أنهم قدموا من الغرب إلى بلاد القبائل لتعليم الناس في بداية القرن الخامس عشر، كحكام و قضاة و منهم سيدي محمد الشريف و سماهم بـ: "المرابطين" نظرا للدور الذي قاموا به في تحرير منطقة القبائل من سيطرة العائلات الإقطاعية ..
و يفرق صاحب الكتاب بين الطرق الصوفية و المرابطين بالقول في الصفحة 61 منه: " و قد عايش رجال الطرق الصوفية في بداية أمرهم مع المرابطين مظهرين احترامهم لما اكتسبوه من نفوذ ثم أخذوا يحلون محلهم حتى أدمجوا فيهم كلية "، ثم اخلت كلمة "المرابط" كما يقول في الصفحة 67 و أصبحت تطلق حتى على الدراويش و الشيوخ و رجال التصوف و المشعوذين و المرضى عقليا، و شيئا فشيئا ابتعد المرابطون عن العمل و العلم و اتخذوا من التدجيل و الخرافة سنّة لهم متبوعة بتحضير الوعدة و الحضرة و الرقص و الشعوذة من أجل الحصول على المال و استغلال العامة، وهو ما نشاهده اليوم باتخاذ المرابطين مقرات سكناهم " قُرَّابَة " للزوار بدلا من "الزاوية" و نسمع البعض يقولون ( لازم نزوروا قرابة سيدي الشيخ ) و نذكر هنا تورط بعض المرابطين في بعض القضايا و متابعتهم في العدالة بسبب انحرافهم ( المرابط عاشوري بتلاغمة) بحيث لم تنفعهم دروشتهم أو صوفيتهم من الإفلات من قبضة القانون أو فك القيود عنهم، وربما ذلك ما قصده جاب الخير بقوله أن المرابطين عندنا في الجزائر هم المعروفون بـ: ( الـمْرَابْطِينْ ) (بسكون الميم) أي الدجالين و المشعوذين..

لابد من التفرقة بين المرابط و الشيخ
كما يفرق صاحب الدراسة كذلك بين المرابط و شيخ الطريقة، الأول حسبه يكون في الغالب جدا حقيقيا للقبيلة أو بالولاء، ( كما يلاحظ عن المرابط عاشوري فقد انتقلت بركة أبيه المرابط معمر إليه) ، و الشيخ لا تربطه علاقة بها ، كما أن الرئاسة عند المرابطين تعود إلى ذريتهم من بعدهم بحكم انتقال التركة إليهم أبا عن جد بينما يتولى رئاسة الطريقة أصبح تلاميذ الشيخ ، و يفرق بعض الباحثين في مجال الصوفية الفرق بين الشيخ و المرابط ، من خلال أضرحتهم ، الأول يكون ضريحه مغطى بقماش ملون باللون الأخضر و بجانبه الشموع و الحنـّة و ما إلى ذلك، في حين يبقى ضريح الشيخ كما هو دون غطاء، وهو الجانب الذي أهمله الأستاذ جاب الخير في تطرقه إلى الشيخ عبد الحميد ابن باديس و هو الجانب الأهم، كون الشيخ ابن باديس في نطاق الدين لعب دورا هاما في تطهير الإسلام من الشوائب التي علقت به من بعض رجال " الزاويا " المشعوذين الذين استفادوا من الاستعمار و خدموا فرنسا بإخلاص كبير وحافظوا على مصالحهم الخاصة، و هذا يعني أن الشيخ ابن باديس لم يتأثر بالمعتقدات الباطلة و الخرافات التي كان يمارسها الطرقييون، و ربما المحاضر تجاهل أن ابن باديس كان شديد التأثير بعقلانية جمال الدين الأفغاني و منهجية محمد عبده..، لقد كان الشيخ عبد الحميد ابن باديس رائدا للنهضة و الإصلاح في الجزائر بلا منازع رفقة الشيخ الإبراهيمي و العربي التبسي و الشيخ أمبارك الميلي مقدما في ذلك قيم الإسلام و روح الحضارة لعلاج أمراض المجتمع الإسلامي، و كانت الحلول التي يقدمها بعيدة كل البعد عن البدع و الخرافات و الطرق الصوفية المنحرفة، كما قاوم الشيخ ابن باديس بعض الظواهر الاجتماعية المرتبطة بالدين كتقديس الأولياء و التبرك بهم و التمسح بقبورهم بعد وفاتهم لدرجة أنه تعرض لمحاولة الاغتيال من طرف العلاويين أنفسهم.

وصل عدد الزوايا بها 738 زاوية
دعوة إلى إنشاء رابطة صوفية تتولى مناقشة الفكر الصوفي

ربما انتشار الطرق الصوفية في العالم العربي و الإسلامي لاسيما المنحرفة منها ، قد يشكل خطرا على المجتمع كون تواجدهم قد فساد أخلاق المجتمع و إيمانهم ببعض الأمور الخرافية و ربما تشكيكهم في الدين، فمن خلال المحاضرة التي ألقاها الدكتور محمد محمد المهدي الجذرم من الجماهيرية العربية الليبية ، نقف على أن الطريقة العيساوية في ليبيا كان لها الحظ الأوفر لاسيما في فترة السبعينيات و خروج بعض الظواهر و الكرامات على السالكين، و حسب المحاضر فقد ظهر عن طريقها سندان هما: سند لأبناء السباعي الإدريسي، و آخر لبي مسعود..
من خلال إحصائيات 90/1999 يقول الأستاذ محمد محمد المهدي الجذرم أن عدد الزوايا في الجماهيرية العربية الليبية تجاوز 738 زاوية، 400 منها كلها عيساوية، و تكاد كل مدينة بل قرية توجد فيها زاوية، و تلقى هذه الزوايا إقبالا كبيرا للزوار الذين يقبلون من أجل علاج "السموم" و تعلم اللغة العربية ، و كان لها دور في محافظة الليبيين على اللباس التقليدي المحتشم، و ربط اللحمة الاجتماعية، و من أشهر شيوخ العيساوية في ليبيا يذكر المحاضر الشيخ مختار السباعي الذي تولى مشيخة العيسوية ، علي المهدي عزاوي في الجنوب الليبي و هو شيخ طريقة كانت له جولات في تونس، الجزائر و المغرب في إطار إحياء المناسبات و ذكر سيرته الرسول صلى الله عليه و سلم، أسلم على يديه عدد كبير من غير المسلمين ، و نشير في هذا الشأن ما كتبته الأقلام الليبية حول التصوف مثل أبي عبد الله محمد بن علي الخروبي ، ومنها شروح على الصلوات المشيشية ، وحكم ابن عطاء الله ، والأنس في شرح عيوب النفس ، وحكم الخروبي نفسه وشرحها وتراجم شيوخه وغيرها ..
و نظرا لأهمية الموضوع و خطورته في الآن نفسه ، دعا الدكتور محمد محمد المهدي الجرذم في مداخلته إلى ضرورة إخراج الصوفية من الخلوات إلى الجلوات، و تحولهم من صالحين إلى مُصْلحين، كما دعاهم إلى تواصل العلماء للطرق الصوفية والمشاركة الفعلية في دعم دور النشر الصوفي، و إنشاء مكتب علمي لرابطة علماء المسلمين و إنشاء كذلك رابطة عربية صوفية تتولى مناقشة الفكر الصوفي و الطرق و الصوفية و الزوايا ، و هي مبادرة سبقه في ذلك رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة من خلال زياراته المتكررة لعدد من أضرحة الأولياء والزوايا لإعطاء هذه المؤسسات القديمة دورها الذي كانت تلعبه، و يعيد لها مكانتها.


تغطية و تحقيق علجية عيش
نشر في اسبوعية المثقف