علجية عيش
07-09-2010, 12:57
الجَمَاعَات السَّلفـِيَّة "الوَهـَّابية" تـُضَيِّقُ النـَّشَاطَ َ على"الزَّوَايـَا"
دعوة إلى إنشاء رابطة عربية صُوفيّة تتولـَّى مُناقشَة الفـِكـْر الصُّوفِي و الطـّـُرُقِ الصُّوفـِيَّةِ و الزَّوَايــَا
عرفت الطرق الصوفية في الجزائر و في المغرب العربي انتشارا واسعا بسبب نشاط مريديها لدرجة أن الجماهيرية العربية الليبية اليوم تكاد أن تعيش تحت سيطرة إحدى هذه الطرق و هي "العيساوية"، حيث يفوق عدد الزوايا المتواجدة بالجماهيرية العربية الليبية 738 زاوية ، 400 زاوية وحدها تابعة للعيساويين، بخلاف الجزائر أين وجدت هذه الزوايا نفسها محاصرة من طرف الجماعات السلفية الوهابية التي استغلتها و ضيقت المجال عليها ، و لم تتمكن أي جهة في الدولة من التصدي لها خشية من الدخول في مواجهة جديدة مثلما حدث في العشرية السوداء ، الأمر الذي استوجب إنشاء رابطة عربية صوفية لمناقشة الفكر الصوفي في العالم العربي و الإسلامي
التدخل في المباحثات الصوفية لا شك أنه يتطلب دراية كبيرة و توسعا في فهم حقيقة الصوفية و الصوفيين من جانب الأصل و المذهب ومريديهم و الطقوس التي يمارسونها، و دورهم أيضا في تنوير المجتمع و هدايته إلى الصواب و طريق الحق، و هذا يعني وجود أناس ذوي اختصاص في الفكر الصوفي و لهم باع طويل في البحث العلمي الأكاديمي، حتى لا يتعرض أصحاب هذه المباحثات لمصاعب و أخطار و هم يخوضون في قضايا حساسة جدا يستقرأون أصولها و فروعها و يتبينوا ما يشتمل عليه العقل في إدراك الدين الحق..
فقضية الصوفية و التصوف يحتلان أهمية كبرى في الحياة الفكرية المعاصرة ، كونها من القضايا الشائكة و المعقدة في التاريخ الثقافي و الديني، و لطالما دار حول هذه المسألة جدال كبير و أسالت الكثير من الحبر، خاصة بعد ظهور الحركات الإسلامية و السلفية على الخصوص، فقد كان ينظر إلى المتصوف ذلك الإنسان "الزاهد" الذي طـَلـَّقَ الدنيا و تركها كلية و تعلق قلبه و عقله بالخالق وحده، مقتديا في ذلك بالرسول صلى الله عليه و سلم عندما قال في حديثه "كن في الدنيا كأنكَ غريبٌ أو عابـِرَ سبيلٍ"، و الداعي إلى تحرر النفس من الشهوات و الملذات و تطهيرها غير آبه بما يحدث في العالم من تغير و تطور، ويجعل من التأمل الدائم في ملكوت الله مسلكه حتى يصل إلى حالة من الذهول، كل هذا بحثا عن الكمال، الذي يتمثل كما يقول أهل الاختصاص في التأمل الروحاني يوصل صاحبه إلى مستوى وجداني قد يجعله يتحد مع ربه بعدما يصفي باطنه من الرذائل و يحليها بأنواع الفضائل، و لو أن البعض ذهب إلى التفريق بين (التصوف و الزهد) و نفوا وجود الزهد في الإسلام نفياً قاطعاً، واعتبروه بـِدْعَةً دخيلة على الدين.
ولأن الصوفية مشتقة من الصفاء فلعل أول فرقة نشأت هي فرقة "إخوان الصفاء" كمذهب فلسفي في حوالي القرن الرابع الهجري بعد ظهور الحركة الصوفية، و كما قال الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: إن عصرنا هذا عصر حضارة ذكية الفكر عارمة الهوى و ليس يجدي في تقويمها إلا أصحاب بصائر نيّرة و قلوب عامرة لهم من رحابة ألإطلاع و الأفق ما يسدد حُكـْمَهُمْ و يـُقـْنِعُ خُصُومَهُم " و قبل هذا أشار الشيخ محمد الغزالي إلى أصناف الناس و كان ما يُشْعِرُهُ بالضيق صنفان من الناس: ( صنف حار العاطفة قليل الدراية، و صنف ظاهر الجحود لا يدري شيئا أو يدري الأمور على نحو بعيد من الحقيقة)، و ربما هو نفس الشعور الذي انتاب بعض الذين حضروا "الملتقى الدولي حول الفكر الصوفي و دور الزوايا في التحرر الوطني " الذي نظم و للمرة الأولى بدار الثقافة محمد العيد آل خليفة لولاية قسنطينة..
الذي تابع الملتقى يقف من دون شك على حقيقة واحدة هو أن ملتقى الفكر الصوفي الدولي قد أُخْرِجَ من مُحْتواهُ و من مضمونه الحقيقي فكانت نهايته "الفشل"، وذلك لأسباب عديدة أولها غياب المختصين في الفكر الصوفي من العلماء و الأئمة و كبار الدعاة و أصحاب الدراسات و منهم الدكتور مفتاح عبد الله بن مسعودة من الجماهيرية العربية الليبية و الدكتور زعيم خنشلاوي من جامعة الجزائر الذين كانوا مدعوين إلى المشاركة و إلقاء محاضرة في الملتقى ، باستثناء الدكتور محمود العقيل من سوريا، كذلك غياب شيوخ الزوايا و أهل الطريقة ، فالذي نشطك الملتقى بعض المهتمين بالطرق الصوفية و إعلاميين، كما شهد الملتقى غياب كلي لشيوخ الزوايا، و عزوف الجمهور المتعطش للفكر الصوفي، لأسباب مجهولة
ما جاء في الملتقى الدولي حول الفكر الصوفي لم يكن ضمن إطار البحث العلمي و هذا ربما راجع لقلة الدراسات الإسلامية أو عدم الإطلاع عليها، فمعظم الكتابات التي نوقشت في هذا المجال ( الفكر الصوفي و الطرق الصوفية و الزوايا) تعود إلى المستشرقين، و قام باحثون بترجمتها و التحقيق فيها، لاسيما و الكتابات حول الطرق الصوفية ما زال يلفها الغموض لاختلاف الأفكار و الميول و المذاهب، و وقع الباحثون في تضارب و تناقضٍ انقسموا إلى مُؤيد و مُعارضٍ، المتدخلون عدلوا عنوان مداخلاتهم و ركزوا الحديث عن دور الزوايا في محاربة الاستعمار دون التطرق إلى لب الموضوع و هو الفكر الصوفي كفر له قواعده و أسسه و فلسفته، ماعدا الأستاذ محمد محمد الجرذم من ليبيا، إذا قلنا أن الفكر الصوفي مسالة تتعلق بالقضايا الروحانية و الوجودية و علاقتها بالباطنية و المذاهب الإسلامية الأخرى و أمور أخرى تتعلق بالحلول و الارتقاء بالذات فوق الجسد و العثور على الذات الإلهية و هي طقوس تمارسها الطرق الصوفية و منها العيساوة، تصل بها إلى درجة الهيجان أو ما يسمى بالوجدان الإلهي.
الفكر الصوفي منهجا و مسلكا لا يمكنه
الخروج عن السنة
الدكتور محمود العقيل من سوريا باحث في الدراسات القرآنية و الإسلامية و خبير في الأعشاب و صاحب دراسات معمقة في الطب الشرعي مطبوعة في 14 مؤلفا عرج في مداخلته إلى جملة من القضايا المتعلقة بالزوايا و دورها في التحرر الوطني و التي اتسمت و تمحورت حولها الصوفية في كل أبعادها الفكرية الثقافية و المنهجية، معتبرا أن الفكر الصوفي من حيث المنهج و المسلك لا يمكنه أبدا أن يخرج عن السنة المحمدية، باعتباره الجامع بين تركيبتي الجسد و بين المادة و الروح، و هو جانب أغفل عنه الكثيرون، لقد عرف الدكتور محمود العقيل الصوفية بأنها انعتاق روحاني متجليا في الجماليات الكمالية مسترشدا في ذلك بكلام معروف الكرفي أحد علماء الصوفية في الشرق في شرحه معنى الإنعتاق الروحي بالقول: " من عرف أحدًا لم يعرف الله "، و يقول المحاضر أن الزوايا و الطرق الصوفية من القضايا المعقدة و الشائكة لدرجة أن الباحثين فيها انقسموا إلى مؤيد و معارض، ليعرج بالحديث إلى تاريخ ظهور الصوفية و ظروف نشأتها بعد سقوط دولة الموحدين، وكيف تطورت و امتدت إلى أن أصبح لها شان عظيم في الحياة الاجتماعية ، إلى أن جاء الاستعمار الإسباني و الفرنسي هبّت فيه الزوايا لمواجهة العدو، و التاريخ يشهد على الدور الذي قدمه المرابطون و أصحاب الزوايا ، لقد كان للزوايا دورا سياسيا أكثر ما هو ديني، هكذا يقول الأستاذ محمد غديرة من تونس الذي أشار إلى أن الزوايا استطاعت أن تقوم بما لم تقم به الأحزاب السياسية و الجمعيات من خلال تأثيرها الكبير على من التفوا حولها..
الخطاب السلفي "الوهابي" هو الذي أنتج العنف
ويقف إلى جانب الأستاذ محمد غديرة الإعلامي و الباحث في الطرق الصوفية سعيد جاب الخير بأن الزوايا اعتمدت على الجانب التعليمي التربوي، الاجتماعي ، الأمني و كذلك الجانب الروحي و يعني به التسليك أو التلقين أي تدريب المريدين لإيصالهم إلى مراتب معينة من التحرر و التوحد الروحاني، و يذكر جاب الخير وقوف الطريقة الدرقاوية في وجه الاستعمار في مصر عند احتلال نابليون مصر، و تصديها للسلطة المنحرفة و المستبدة على طول تاريخها، كاشفا ما قام به الاحتلال الفرنسي في الجزائر من خلال اختراعه بعض المقاديم و شيوخ لا صلة و لا علاقة لهم بالزوايا، و هذا لتشويه صورة الطرق الصوفية، و محارب مصالي الحاج لبن غبريط و كيف تلقى هذا الرجل بذور الوعي الوطني الثوري في الزاوية الدرقاوية بتلمسان ، و هي إشارة منه إلى أن مصالي الحاج ابن زاوية و أنه من أتباع العلويين، و نظرا لهذا الدور الذي قامت به الزوايا فقد حاول الاستعمار التضييق عليها و مصادرة أوقافها بل تهديم البعض منها، مما أدى إلى دخولها في عزلة تامة ، و يمكن للملاحظ أو المتأمل أن يقف إلى جانب هذا الرأي بأن الزوايا حققت معجزات هائلة في كسر شوكة الاحتلال الفرنسي و بالخصوص في الجزائر، لكن هذا الرأي يجر إلى التساؤل : أين كانت الزوايا عندما كان الشعب الجزائري يغرق في دمائه، و أبناء الجزائر يتقاتلون فيما بينهم طيلة العشرية السوداء، دون اتخاذ أي موقف في تهدئتهم و غرس السكينة و المودة في قلوبهم؟ و بالتالي تعتبر الزوايا كذلك مسؤولة و لو بجزء صغير في عملية التقتيل؟..
يقول جاب الخير في رده على سؤال "المثقف" بأن التضييق على الزوايا بقي مستمرا إلى ما بعد الاستقلال و كان الخطاب السلفي الوهابي قد زاد في التضييق عليها و أن السلفيون الوهابيون هم الذين أنتجوا العنف، محذرا في ذلك من الاختراق السلفي و تبني فكره، و هو بهذا يبرئ الزوايا من تحملها مسؤولية العنف في الجزائر و صمتها عما حدث طيلة العشرية و يرفع عنها الملام و هي الظاهرة ( الإرهاب) التي قصمت ظهر الدولة و بددت قواها بسبب الخصومات المذهبية التي لا طائل منها، و يمكننا القول أن الوقوف مع جانب دون آخر يخلق نوعا من "العصبية" القبلية التي كانت سببا في إسالة الدماء و هتك الأعراض و كرامة الأمة و حياتها كما يقول في ذلك الشيخ محمد الغزالي رحمه الله.
لقد أطلقت الجماعات السلفية العديد من الفتاوى و حرمت الكثير من ألأمور خاصة ما تعلق بالتسميات، و قد سبق و أن أصدرت هذه الجماعات في مدينة قسنطينة فتوى تحريم مناداة الأشخاص بكلمة "سيدي" و قامت بنزع كل لائحة معلقة بمدخل المساجد مكتوب عليها مسجد سيدي فلان ، و قد أشار المتدخل في رده على سؤال "المثقف" إلى إبطال هذه الفتوى بحجة أن كلمة التـّسْيِيد واردة في السنة و هي كلمة غير مبتدعة طالما تتعلق بجانب التكريم و أن ظاهرة التسييد ظاهرة قديمة و هي من باب التكريم و ليس التأليه، ضاربا بذلك مثالا عندما أمر الله الملائكة بالسجود إلى آدم، و إن كانت مسالة سجود الملائكة لآدم تحتاج إلى موضع خاص و مختصين في التفسير غير أن الآية قد يكون لها تفسير آخر لأن الله خلق الكون بما يحتويه من نبات و حيوان قبل خلقه سيدنا آدم عليه السلام، و هذا لما يتميز به البشر عن باقي المخلوقات و هي "العقل" و يبين الله أنه ميز البشر على جميع مخلوقاته لأنهم سيكونون خليفته في الأرض..، كما تجدر الإشارة كذلك أن الجماعات السلفية الوهابية عرفت انتشارا قويا في الجزائر و كانت المجال الأرحب لتوسعها و ظهر ما يسمى بالإسلام السلفي من خلال إطلاق اللجة و تقصير السروال، و لبس "التشادور" بالنسبة للمرأة ، و بدأت فتاوى التحريم و التحليل تسقط كالمطر في العديد من قضايا المجتمع الجزائري..
يتبع...
دعوة إلى إنشاء رابطة عربية صُوفيّة تتولـَّى مُناقشَة الفـِكـْر الصُّوفِي و الطـّـُرُقِ الصُّوفـِيَّةِ و الزَّوَايــَا
عرفت الطرق الصوفية في الجزائر و في المغرب العربي انتشارا واسعا بسبب نشاط مريديها لدرجة أن الجماهيرية العربية الليبية اليوم تكاد أن تعيش تحت سيطرة إحدى هذه الطرق و هي "العيساوية"، حيث يفوق عدد الزوايا المتواجدة بالجماهيرية العربية الليبية 738 زاوية ، 400 زاوية وحدها تابعة للعيساويين، بخلاف الجزائر أين وجدت هذه الزوايا نفسها محاصرة من طرف الجماعات السلفية الوهابية التي استغلتها و ضيقت المجال عليها ، و لم تتمكن أي جهة في الدولة من التصدي لها خشية من الدخول في مواجهة جديدة مثلما حدث في العشرية السوداء ، الأمر الذي استوجب إنشاء رابطة عربية صوفية لمناقشة الفكر الصوفي في العالم العربي و الإسلامي
التدخل في المباحثات الصوفية لا شك أنه يتطلب دراية كبيرة و توسعا في فهم حقيقة الصوفية و الصوفيين من جانب الأصل و المذهب ومريديهم و الطقوس التي يمارسونها، و دورهم أيضا في تنوير المجتمع و هدايته إلى الصواب و طريق الحق، و هذا يعني وجود أناس ذوي اختصاص في الفكر الصوفي و لهم باع طويل في البحث العلمي الأكاديمي، حتى لا يتعرض أصحاب هذه المباحثات لمصاعب و أخطار و هم يخوضون في قضايا حساسة جدا يستقرأون أصولها و فروعها و يتبينوا ما يشتمل عليه العقل في إدراك الدين الحق..
فقضية الصوفية و التصوف يحتلان أهمية كبرى في الحياة الفكرية المعاصرة ، كونها من القضايا الشائكة و المعقدة في التاريخ الثقافي و الديني، و لطالما دار حول هذه المسألة جدال كبير و أسالت الكثير من الحبر، خاصة بعد ظهور الحركات الإسلامية و السلفية على الخصوص، فقد كان ينظر إلى المتصوف ذلك الإنسان "الزاهد" الذي طـَلـَّقَ الدنيا و تركها كلية و تعلق قلبه و عقله بالخالق وحده، مقتديا في ذلك بالرسول صلى الله عليه و سلم عندما قال في حديثه "كن في الدنيا كأنكَ غريبٌ أو عابـِرَ سبيلٍ"، و الداعي إلى تحرر النفس من الشهوات و الملذات و تطهيرها غير آبه بما يحدث في العالم من تغير و تطور، ويجعل من التأمل الدائم في ملكوت الله مسلكه حتى يصل إلى حالة من الذهول، كل هذا بحثا عن الكمال، الذي يتمثل كما يقول أهل الاختصاص في التأمل الروحاني يوصل صاحبه إلى مستوى وجداني قد يجعله يتحد مع ربه بعدما يصفي باطنه من الرذائل و يحليها بأنواع الفضائل، و لو أن البعض ذهب إلى التفريق بين (التصوف و الزهد) و نفوا وجود الزهد في الإسلام نفياً قاطعاً، واعتبروه بـِدْعَةً دخيلة على الدين.
ولأن الصوفية مشتقة من الصفاء فلعل أول فرقة نشأت هي فرقة "إخوان الصفاء" كمذهب فلسفي في حوالي القرن الرابع الهجري بعد ظهور الحركة الصوفية، و كما قال الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: إن عصرنا هذا عصر حضارة ذكية الفكر عارمة الهوى و ليس يجدي في تقويمها إلا أصحاب بصائر نيّرة و قلوب عامرة لهم من رحابة ألإطلاع و الأفق ما يسدد حُكـْمَهُمْ و يـُقـْنِعُ خُصُومَهُم " و قبل هذا أشار الشيخ محمد الغزالي إلى أصناف الناس و كان ما يُشْعِرُهُ بالضيق صنفان من الناس: ( صنف حار العاطفة قليل الدراية، و صنف ظاهر الجحود لا يدري شيئا أو يدري الأمور على نحو بعيد من الحقيقة)، و ربما هو نفس الشعور الذي انتاب بعض الذين حضروا "الملتقى الدولي حول الفكر الصوفي و دور الزوايا في التحرر الوطني " الذي نظم و للمرة الأولى بدار الثقافة محمد العيد آل خليفة لولاية قسنطينة..
الذي تابع الملتقى يقف من دون شك على حقيقة واحدة هو أن ملتقى الفكر الصوفي الدولي قد أُخْرِجَ من مُحْتواهُ و من مضمونه الحقيقي فكانت نهايته "الفشل"، وذلك لأسباب عديدة أولها غياب المختصين في الفكر الصوفي من العلماء و الأئمة و كبار الدعاة و أصحاب الدراسات و منهم الدكتور مفتاح عبد الله بن مسعودة من الجماهيرية العربية الليبية و الدكتور زعيم خنشلاوي من جامعة الجزائر الذين كانوا مدعوين إلى المشاركة و إلقاء محاضرة في الملتقى ، باستثناء الدكتور محمود العقيل من سوريا، كذلك غياب شيوخ الزوايا و أهل الطريقة ، فالذي نشطك الملتقى بعض المهتمين بالطرق الصوفية و إعلاميين، كما شهد الملتقى غياب كلي لشيوخ الزوايا، و عزوف الجمهور المتعطش للفكر الصوفي، لأسباب مجهولة
ما جاء في الملتقى الدولي حول الفكر الصوفي لم يكن ضمن إطار البحث العلمي و هذا ربما راجع لقلة الدراسات الإسلامية أو عدم الإطلاع عليها، فمعظم الكتابات التي نوقشت في هذا المجال ( الفكر الصوفي و الطرق الصوفية و الزوايا) تعود إلى المستشرقين، و قام باحثون بترجمتها و التحقيق فيها، لاسيما و الكتابات حول الطرق الصوفية ما زال يلفها الغموض لاختلاف الأفكار و الميول و المذاهب، و وقع الباحثون في تضارب و تناقضٍ انقسموا إلى مُؤيد و مُعارضٍ، المتدخلون عدلوا عنوان مداخلاتهم و ركزوا الحديث عن دور الزوايا في محاربة الاستعمار دون التطرق إلى لب الموضوع و هو الفكر الصوفي كفر له قواعده و أسسه و فلسفته، ماعدا الأستاذ محمد محمد الجرذم من ليبيا، إذا قلنا أن الفكر الصوفي مسالة تتعلق بالقضايا الروحانية و الوجودية و علاقتها بالباطنية و المذاهب الإسلامية الأخرى و أمور أخرى تتعلق بالحلول و الارتقاء بالذات فوق الجسد و العثور على الذات الإلهية و هي طقوس تمارسها الطرق الصوفية و منها العيساوة، تصل بها إلى درجة الهيجان أو ما يسمى بالوجدان الإلهي.
الفكر الصوفي منهجا و مسلكا لا يمكنه
الخروج عن السنة
الدكتور محمود العقيل من سوريا باحث في الدراسات القرآنية و الإسلامية و خبير في الأعشاب و صاحب دراسات معمقة في الطب الشرعي مطبوعة في 14 مؤلفا عرج في مداخلته إلى جملة من القضايا المتعلقة بالزوايا و دورها في التحرر الوطني و التي اتسمت و تمحورت حولها الصوفية في كل أبعادها الفكرية الثقافية و المنهجية، معتبرا أن الفكر الصوفي من حيث المنهج و المسلك لا يمكنه أبدا أن يخرج عن السنة المحمدية، باعتباره الجامع بين تركيبتي الجسد و بين المادة و الروح، و هو جانب أغفل عنه الكثيرون، لقد عرف الدكتور محمود العقيل الصوفية بأنها انعتاق روحاني متجليا في الجماليات الكمالية مسترشدا في ذلك بكلام معروف الكرفي أحد علماء الصوفية في الشرق في شرحه معنى الإنعتاق الروحي بالقول: " من عرف أحدًا لم يعرف الله "، و يقول المحاضر أن الزوايا و الطرق الصوفية من القضايا المعقدة و الشائكة لدرجة أن الباحثين فيها انقسموا إلى مؤيد و معارض، ليعرج بالحديث إلى تاريخ ظهور الصوفية و ظروف نشأتها بعد سقوط دولة الموحدين، وكيف تطورت و امتدت إلى أن أصبح لها شان عظيم في الحياة الاجتماعية ، إلى أن جاء الاستعمار الإسباني و الفرنسي هبّت فيه الزوايا لمواجهة العدو، و التاريخ يشهد على الدور الذي قدمه المرابطون و أصحاب الزوايا ، لقد كان للزوايا دورا سياسيا أكثر ما هو ديني، هكذا يقول الأستاذ محمد غديرة من تونس الذي أشار إلى أن الزوايا استطاعت أن تقوم بما لم تقم به الأحزاب السياسية و الجمعيات من خلال تأثيرها الكبير على من التفوا حولها..
الخطاب السلفي "الوهابي" هو الذي أنتج العنف
ويقف إلى جانب الأستاذ محمد غديرة الإعلامي و الباحث في الطرق الصوفية سعيد جاب الخير بأن الزوايا اعتمدت على الجانب التعليمي التربوي، الاجتماعي ، الأمني و كذلك الجانب الروحي و يعني به التسليك أو التلقين أي تدريب المريدين لإيصالهم إلى مراتب معينة من التحرر و التوحد الروحاني، و يذكر جاب الخير وقوف الطريقة الدرقاوية في وجه الاستعمار في مصر عند احتلال نابليون مصر، و تصديها للسلطة المنحرفة و المستبدة على طول تاريخها، كاشفا ما قام به الاحتلال الفرنسي في الجزائر من خلال اختراعه بعض المقاديم و شيوخ لا صلة و لا علاقة لهم بالزوايا، و هذا لتشويه صورة الطرق الصوفية، و محارب مصالي الحاج لبن غبريط و كيف تلقى هذا الرجل بذور الوعي الوطني الثوري في الزاوية الدرقاوية بتلمسان ، و هي إشارة منه إلى أن مصالي الحاج ابن زاوية و أنه من أتباع العلويين، و نظرا لهذا الدور الذي قامت به الزوايا فقد حاول الاستعمار التضييق عليها و مصادرة أوقافها بل تهديم البعض منها، مما أدى إلى دخولها في عزلة تامة ، و يمكن للملاحظ أو المتأمل أن يقف إلى جانب هذا الرأي بأن الزوايا حققت معجزات هائلة في كسر شوكة الاحتلال الفرنسي و بالخصوص في الجزائر، لكن هذا الرأي يجر إلى التساؤل : أين كانت الزوايا عندما كان الشعب الجزائري يغرق في دمائه، و أبناء الجزائر يتقاتلون فيما بينهم طيلة العشرية السوداء، دون اتخاذ أي موقف في تهدئتهم و غرس السكينة و المودة في قلوبهم؟ و بالتالي تعتبر الزوايا كذلك مسؤولة و لو بجزء صغير في عملية التقتيل؟..
يقول جاب الخير في رده على سؤال "المثقف" بأن التضييق على الزوايا بقي مستمرا إلى ما بعد الاستقلال و كان الخطاب السلفي الوهابي قد زاد في التضييق عليها و أن السلفيون الوهابيون هم الذين أنتجوا العنف، محذرا في ذلك من الاختراق السلفي و تبني فكره، و هو بهذا يبرئ الزوايا من تحملها مسؤولية العنف في الجزائر و صمتها عما حدث طيلة العشرية و يرفع عنها الملام و هي الظاهرة ( الإرهاب) التي قصمت ظهر الدولة و بددت قواها بسبب الخصومات المذهبية التي لا طائل منها، و يمكننا القول أن الوقوف مع جانب دون آخر يخلق نوعا من "العصبية" القبلية التي كانت سببا في إسالة الدماء و هتك الأعراض و كرامة الأمة و حياتها كما يقول في ذلك الشيخ محمد الغزالي رحمه الله.
لقد أطلقت الجماعات السلفية العديد من الفتاوى و حرمت الكثير من ألأمور خاصة ما تعلق بالتسميات، و قد سبق و أن أصدرت هذه الجماعات في مدينة قسنطينة فتوى تحريم مناداة الأشخاص بكلمة "سيدي" و قامت بنزع كل لائحة معلقة بمدخل المساجد مكتوب عليها مسجد سيدي فلان ، و قد أشار المتدخل في رده على سؤال "المثقف" إلى إبطال هذه الفتوى بحجة أن كلمة التـّسْيِيد واردة في السنة و هي كلمة غير مبتدعة طالما تتعلق بجانب التكريم و أن ظاهرة التسييد ظاهرة قديمة و هي من باب التكريم و ليس التأليه، ضاربا بذلك مثالا عندما أمر الله الملائكة بالسجود إلى آدم، و إن كانت مسالة سجود الملائكة لآدم تحتاج إلى موضع خاص و مختصين في التفسير غير أن الآية قد يكون لها تفسير آخر لأن الله خلق الكون بما يحتويه من نبات و حيوان قبل خلقه سيدنا آدم عليه السلام، و هذا لما يتميز به البشر عن باقي المخلوقات و هي "العقل" و يبين الله أنه ميز البشر على جميع مخلوقاته لأنهم سيكونون خليفته في الأرض..، كما تجدر الإشارة كذلك أن الجماعات السلفية الوهابية عرفت انتشارا قويا في الجزائر و كانت المجال الأرحب لتوسعها و ظهر ما يسمى بالإسلام السلفي من خلال إطلاق اللجة و تقصير السروال، و لبس "التشادور" بالنسبة للمرأة ، و بدأت فتاوى التحريم و التحليل تسقط كالمطر في العديد من قضايا المجتمع الجزائري..
يتبع...