نورالدين خبابه
22-07-2007, 09:47
نشأة وتطور الأدب الصوفي في المغرب الأوسط (177 - 200)
الأدب الصوفي هو الأدب الذي أنتجه الزهاد واالصوفية بمختلف اتجاهاتها السنية والفلسفية ويبحث في النفس الإنسانية بعمق فلسفي يسعى لتطهير النفس والروح من حب الدنيا وزينتها وإدخال الطمأنينة إليها. ويطرح في اكمل صوره الفنية التجريدية كوامن النفس من حب وجمال وقيم أخلاقية ومعرفة. وفي مضمونه أيضا الخطوات التي يتدرجها السالك - المريد - في تطهير نفسه والبلوغ بها مرتبة الكشف.
كل ذلك يعكس الروح الدينية العالية عندهم وهو آما قصائد منظمة أم نثرا فنيا راقي البيان وأغراضه هي : الامتداح النبوية - رسائل الشوق إلى الأماكن المقدسة - الأحزاب والأوراد - التوسلات - الحكم - الرسائل الصوفية (المكاتبات السنية) - الحكايات الكرمية - شعر الزهد - شعر التصوف السني - شعر التصوف الفلسفي 1.
مقدمات الأدب الصوفي :
مثلما مهد لنشوء التصوف في المغرب الأوسط خلال القرن 6 هـ /12 م بحركة زهدية امتدت من القرن 3 هـ /9 م إلى القرن 6 هـ /12 م أنتجت التصوف بتيارات المتنوعة كان الأدب الزهدي أيضا قد سبق الأدب الصوفي من حيث الظهور وتعدد الأغراض. فقد برزت خيوطه الأولى في قصائد الشاعر بكر بن حماد بن سمك بن إسماعيل الزناتي التهرتي ت 295 هـ /909 م الذي تأثر في رحلاته إلى المشرق ورحلاته المتكررة إلى أفريقية (تونس) بشعرائها وعلمائها وصوفيتها.2
ومن أبرزهم بالقيروان الزاهد الفقيه سحنون بن حبيب التنوخي ت 240 هـ / 845 م فتجرع عنه منهجه القائم على الزهد في الدنيا والتبعد وفق الشريعة 3 لذا كانت أشعاره تتمحور حول محاسبة النفس والتذكير بالموت كقوله.
لقد جمحت نفسي فصدت أعرضت
فيا أسـفي مـن جـنح ليل يقوده
إلى مـشهد لابـد لي مـن شهوده
ستأكلـها الديدان في باطن الثرى وقد مرقت نفسي وطال مروقه
وضوء نهـار لا يزال يسوقه
وجـرع المـوت سوف اذوقه
ويذهب عنها طيـبه وخلوقها4
وكذلك أشعاره في الزهد والتذكير بالموت قوله :
الموت أجحف بالدنيا فخـربه
فالان فابكوا فقد حق البكاء لكم
ماذا عسى تنفع الدني مجمعه وفعلـنا فـعل قـوم يموتون
فالحـاملون لعرش الله باكون
لو كان جـمع فيها كنز قارونا5
وفي الجملة تعكس أشعاره تجربته الزهدية التي عبر فيها عما يختلج في نفسه والتي سمحت لنا بتصنيفه ضمن الزهد الوجداني الذاتي وقد دخلت المغرب الأوسط مع الزاهد قاسم بن عبد الرحمان التهارتي الذي تلقاها مباشرة عن شاعرها بالقيروان وعن طريقه انتشرت بحواضر المغرب الأوسط.6
أما المظهر الثاني لأدب الزهد في هذه المرحلة المبكرة فيعود إلى أواخر القرن الرابع للهجرة - 10 م عندما شارك الزاهد احمد بن نصر الداودي المسيلي ت 402 هـ / 1013 م من تلمسان 7 فقهاء القيروان بزعامة عبد الله بن أبي زيد القيرواني ت 389 هـ /999 م 8 في ردهم على الطائفة البكرية التي مثلها عبد الرحمان بن محمـد بن عبد الله البكـري ادعى رؤيـة الله في اليقظة 9 بتأليفه كتابا بعنوان "الرد على البكرية" اقتفى فيه اثر ابن أبي زيد القيرواني في الجدل حول إثبات كرامات الأولياء فكان هذا المصنف أول كتاب في الأدب الصوفي بالمغرب الأوسط لم ينكر فيه الداودي كرامات الأولياء إلا انه تبنى موقف ابن أبى زيد القيرواني في التشدد على التصوف المائل إلى الشعوذة.10
وفي ذات السياق ظهرت مناهج زهدية متفرقة ارتبط أصحابها في علاقاتهم الأدبية بحواضر العالم الإسلامي فبينما ارتبط أبو محمد بن عبد الله التاهرتي ت 313 هـ /905 م برباط سوسـة واختص بفلسفة زهدية فكـرتها المحبة والشرق 11 وثق احمد بن مخلوف المسيلي المعروف بالخياط ت 393 هـ /1003 م وعبد الله بن زياد الله الطبني ت 410 هـ /1011 م صلتهما بقرطبة فلتزم الأول منهجه العملي القائم على المرابطة 12 واختص الثاني في أدب التنسك في حين وسع أبو القاسم عبد الرحمان الهمذاني المعروف بالخراز والوهراني ت 411 هـ /1018 م 13من علاقاته بحكم رحلته العلمية التي استغرقت عشرين سنة وشملت بيئات الزهد والتصوف كالبصرة وبغداد والحجاز ومصر وخرسان ونيسأبور ثم الأندلس صنع من خلالها طريقة زهدية جمع فيها بين الالتزام بالسنة النبوية والانقباض والعلم 14 والورع والسخاء والمروءة.15
وكذلك استفاد احمد بن واضح من رحلاته إلى المشرق في القرن 5 هـ /11 م تعكسها تلك المناظرات التي خاضها مع فقهاء بجاية والتي تمثل أحد اوجه الجدال بين الفقه وأدب الزهد.16
وفي المقابل تلقى أدب الزهد بالمغرب الأوسط جرعة قوية على يد النزلاء من الزهاد الأندلسيين ببونة حيث أطر أبو عبد الملك مروان بن محمد الأندلسي ت 440 هـ /1048 م نشاطه الزهدي بتأسيسه لرباط درس فيه العلم وصنف فيه المصنفات 17 بينما اقتصر الزاهد علي بن محمد التدميري ت 347 هـ /958 م على التأليف في الفقه وأدب الزهد 18 وحتى نهاية النصف الأول من القرن 5 هـ /11 م كان أدب الزهد بالمغرب الأوسط يستمد أفكاره ومواضيعه من أدب الزهد والتصوف الذي عرفته مدينة القيروان قبل خرابها من طرف القبائل الهلالية سنة 449 هـ /1057 م وكذلك من قرطبة والبصرة وبغداد والحجاز وقد نتج عن هذا الارتباط ظهور على المستوى العملي تيارين زهديين يعتمد الأول منهج المجاهدة العملية من خلال المرابطة في الثغور والسواحل لحراستها من الخطر المسيحي وتيار ثاني التزم أصحابه الزهد في الدنيا والاعتكاف على المجاهدات والمكابدة على نشر العلم الذي يعد أدب الزهد أحد محاوره الرئيسة.
مصادر نشاة وتطور الأدب الصوفي :
الثابت من الناحية التاريخية أن أدب الزهد إلى غاية نهاية النصف الأول من القرن 6 هـ /12 م لم يكن يرقى في نصوصه المنظومة والنثرية إلى مستوى يسمح بإدراجه ضمن أدب التصوف إلا بعد أن شهد المغرب الأوسط خلال النصف الثاني من نفس القرن دخول مجموعة من المصنفات الصوفية المشرقية والأندلسية والمغربية في فترات زمنية يصعب ضبطها ضبطا دقيقا مع فقهاء والعلماء العائدين من المشرق أو بواسطة صوفية المغربين الأدنى والأقصى الذين استقر بهم المقام بحواضر المغرب الأوسط 19 أو مع الأندلسيين المهاجرين إلى بجاية وتلمسان بقصد تجديد أنفاس الرحلة ذهابا وإيابا أو بغرض الاستقرار وكان لهؤلاء دور بارز في شرح وتبسيط محتوياتها لجمهور الطلبة والمهتمين.20
ومن اكثر المصادر المشرقية والمغربية والأندلسية التي نهل منها أدب التصوف أفكاره. كتاب الرعاية لحقوق الله للحارث بن أسد المحاسبي ت 243 هـ /858 م وقوت القلوب لأبى طالب المكي ق 3 هـ /9 م والرسالة القشيرية لأبي القاسم القشيري ت 465 هـ /1072 م وإحياء علوم الدين لأبى حامد الغزالي ت 505 هـ /1111 م وهي مصنفات في التصوف السني تطرح الخطوات التي يقطعها السالك بواسطة المجاهدات للوصول إلى النجاة من عقاب الله كما حددها المحاسبي 21 وإلى تقويم النفس وتهذيبها عن طريق الإرادة والرياضة لبلوغ بها مرتبة الأنبياء والصديقين والصلحاء 22 ثم النزوع إلى الكشف عن عالم الغيب وهي مرحلة فراغ القلب عما سوى الله كما تبينها الرسالة القشيرية وإحياء علوم الدين.23
وقد أصبحت هذه المصنفات منذ النصف الثاني من القرن 5هـ /11 م متداولة بين القراء في حلقات الدرس بتلمسان وبجاية وقلعة بني حماد حيث كان الصوفي عبد السلام التونسي ت 486 هـ /1093 م يدرس برابطته بتلمسان رعاية المحاسبي 24 ويدعو في أوائل القرن السادس 12م إلى قراءة أحياء علوم الدين وقد افلح في تحسيس الوسط الفكري في تلمسان بأهمية الأحياء وقيمة أفكاره الصوفية وبهذه الطريقة شرع التلمسانيون في نسخ الأحياء وحفظه.25
وبقلعة بن حماد انتصب الصوفي أبو الفضل ابن النحوي 513 هـ /1119م مدرسا للإحياء واستنسخه في ثلاثين جزءا فإذا دخل شهر رمضان قرا كل يوم جزءا 26 ولشدة تمسكه بالإحياء نقل عنه قوله : (وددت أني لم أنظر في عمري سواه) 27 واستطاع أن يؤلف من حوله كوكبة من القلعيين ينهجون أفكاره الغزالية 28 وكذلك في بجاية التي حل بها أبو مدين شعيب ت 594 هـ /1189 م منذ 559 هـ /1163 م ومكث بها خمسة عشرة عاما جعل من الكتاب إحياء علوم الدين افضل كتب التذكير لديه وأكثرها قراءة في مجلس تذكيره كما درس الرسالة القشيرية واطلع الطلبة على رعاية المحاسبي.29
أما معاصره أبا علي الحسن بن علي المسيلي توفي أواخر القرن 6 هـ /12 م فقد نسج على منوال الأحياء كتاب (التفكر فيما تشتمل عليه السور والآيات من المبادئ والغايات) 30 أحاط فيه بالفقه والتصوف حتى لقب بأبي حامد الصغير وأضحى الكتاب متداولا بين البجائيين وغطى بشهرته شهرة الإحياء آن ذاك.31
وفي أواخر القرن 5 هـ /11 م وأوائل القرن 6 هـ /12 م هاجر من تلمسان وجزائر بني مزغنة كوكبة من الأطر الزهدية إلى الأندلس للتمدرس عن كبار صوفيتها إذ قصد كل من المحدث يوسف بن علي بن جعفر التلمساني والفقيه حجاج بن يوسف الجزائري إشبيلية. واخذوا به الإحياء عن القاضي أبي بكر بن العربي ت 543 هـ /1148 م 32 بينما قصد كل من الفقيه أبي الحسن بن أبي القنون ت 557 هـ /1162 م والزاهد أبى موسى عيسى بن حماد الأوربي ويعقوب بن حمود التلمساني مرسية. واخذوا بها عن القاضي أبي علي الصدفي (ت في النصف الأول من القرن 6 هـ) 33 وأخذوا عنه (آداب الصحبة للسلمي) و(رياض المتعلمين) و(حلية الأولياء) لأبي النعيم الأصفهاني 34 ولما عادوا إلى مواطنهم عملوا على نشرها بين الطلبة والمريدين.
كما شكلت مصنفات المغرب الأقصى أهمية كبيرة في بلورة أفكار الأدب الصوفي وصنع مخياله من خلال مؤلفات أبي محمد صالح الماجري ت 631 هـ /1234 م شيخ رباط أسفي التي دخلت بجاية وقلعة بني حماد مع الصوفي أبي عبد الله محمد بن أبي القاسم السجلماسي ت في النصف الثاني من القرن 7هـ /13 م 35 وهي كتاب (بداية الهداية) 36 و(تلقين المريد) 37 وشرح المقصد الأسني في شرح أسمـاء الله الحسنى لأبي حامد الغزالي وشـرح الرسالـة القشيرية 38 فضلا عن كتاب (قطب العارفين ومقامات الأبرار والأصفياء الصديقين) لعبد الرحمان بن يوسف البجائي في النصف الثاني من القرن 6 هـ / 12 م 39 وإسهامات أبي زكريا يحي بن محجوبة القريشي السطيفي ت 673 هـ /1278 م من خلال كتابه شرح أسماء الله الحسنى.40
الأدب الصوفي هو الأدب الذي أنتجه الزهاد واالصوفية بمختلف اتجاهاتها السنية والفلسفية ويبحث في النفس الإنسانية بعمق فلسفي يسعى لتطهير النفس والروح من حب الدنيا وزينتها وإدخال الطمأنينة إليها. ويطرح في اكمل صوره الفنية التجريدية كوامن النفس من حب وجمال وقيم أخلاقية ومعرفة. وفي مضمونه أيضا الخطوات التي يتدرجها السالك - المريد - في تطهير نفسه والبلوغ بها مرتبة الكشف.
كل ذلك يعكس الروح الدينية العالية عندهم وهو آما قصائد منظمة أم نثرا فنيا راقي البيان وأغراضه هي : الامتداح النبوية - رسائل الشوق إلى الأماكن المقدسة - الأحزاب والأوراد - التوسلات - الحكم - الرسائل الصوفية (المكاتبات السنية) - الحكايات الكرمية - شعر الزهد - شعر التصوف السني - شعر التصوف الفلسفي 1.
مقدمات الأدب الصوفي :
مثلما مهد لنشوء التصوف في المغرب الأوسط خلال القرن 6 هـ /12 م بحركة زهدية امتدت من القرن 3 هـ /9 م إلى القرن 6 هـ /12 م أنتجت التصوف بتيارات المتنوعة كان الأدب الزهدي أيضا قد سبق الأدب الصوفي من حيث الظهور وتعدد الأغراض. فقد برزت خيوطه الأولى في قصائد الشاعر بكر بن حماد بن سمك بن إسماعيل الزناتي التهرتي ت 295 هـ /909 م الذي تأثر في رحلاته إلى المشرق ورحلاته المتكررة إلى أفريقية (تونس) بشعرائها وعلمائها وصوفيتها.2
ومن أبرزهم بالقيروان الزاهد الفقيه سحنون بن حبيب التنوخي ت 240 هـ / 845 م فتجرع عنه منهجه القائم على الزهد في الدنيا والتبعد وفق الشريعة 3 لذا كانت أشعاره تتمحور حول محاسبة النفس والتذكير بالموت كقوله.
لقد جمحت نفسي فصدت أعرضت
فيا أسـفي مـن جـنح ليل يقوده
إلى مـشهد لابـد لي مـن شهوده
ستأكلـها الديدان في باطن الثرى وقد مرقت نفسي وطال مروقه
وضوء نهـار لا يزال يسوقه
وجـرع المـوت سوف اذوقه
ويذهب عنها طيـبه وخلوقها4
وكذلك أشعاره في الزهد والتذكير بالموت قوله :
الموت أجحف بالدنيا فخـربه
فالان فابكوا فقد حق البكاء لكم
ماذا عسى تنفع الدني مجمعه وفعلـنا فـعل قـوم يموتون
فالحـاملون لعرش الله باكون
لو كان جـمع فيها كنز قارونا5
وفي الجملة تعكس أشعاره تجربته الزهدية التي عبر فيها عما يختلج في نفسه والتي سمحت لنا بتصنيفه ضمن الزهد الوجداني الذاتي وقد دخلت المغرب الأوسط مع الزاهد قاسم بن عبد الرحمان التهارتي الذي تلقاها مباشرة عن شاعرها بالقيروان وعن طريقه انتشرت بحواضر المغرب الأوسط.6
أما المظهر الثاني لأدب الزهد في هذه المرحلة المبكرة فيعود إلى أواخر القرن الرابع للهجرة - 10 م عندما شارك الزاهد احمد بن نصر الداودي المسيلي ت 402 هـ / 1013 م من تلمسان 7 فقهاء القيروان بزعامة عبد الله بن أبي زيد القيرواني ت 389 هـ /999 م 8 في ردهم على الطائفة البكرية التي مثلها عبد الرحمان بن محمـد بن عبد الله البكـري ادعى رؤيـة الله في اليقظة 9 بتأليفه كتابا بعنوان "الرد على البكرية" اقتفى فيه اثر ابن أبي زيد القيرواني في الجدل حول إثبات كرامات الأولياء فكان هذا المصنف أول كتاب في الأدب الصوفي بالمغرب الأوسط لم ينكر فيه الداودي كرامات الأولياء إلا انه تبنى موقف ابن أبى زيد القيرواني في التشدد على التصوف المائل إلى الشعوذة.10
وفي ذات السياق ظهرت مناهج زهدية متفرقة ارتبط أصحابها في علاقاتهم الأدبية بحواضر العالم الإسلامي فبينما ارتبط أبو محمد بن عبد الله التاهرتي ت 313 هـ /905 م برباط سوسـة واختص بفلسفة زهدية فكـرتها المحبة والشرق 11 وثق احمد بن مخلوف المسيلي المعروف بالخياط ت 393 هـ /1003 م وعبد الله بن زياد الله الطبني ت 410 هـ /1011 م صلتهما بقرطبة فلتزم الأول منهجه العملي القائم على المرابطة 12 واختص الثاني في أدب التنسك في حين وسع أبو القاسم عبد الرحمان الهمذاني المعروف بالخراز والوهراني ت 411 هـ /1018 م 13من علاقاته بحكم رحلته العلمية التي استغرقت عشرين سنة وشملت بيئات الزهد والتصوف كالبصرة وبغداد والحجاز ومصر وخرسان ونيسأبور ثم الأندلس صنع من خلالها طريقة زهدية جمع فيها بين الالتزام بالسنة النبوية والانقباض والعلم 14 والورع والسخاء والمروءة.15
وكذلك استفاد احمد بن واضح من رحلاته إلى المشرق في القرن 5 هـ /11 م تعكسها تلك المناظرات التي خاضها مع فقهاء بجاية والتي تمثل أحد اوجه الجدال بين الفقه وأدب الزهد.16
وفي المقابل تلقى أدب الزهد بالمغرب الأوسط جرعة قوية على يد النزلاء من الزهاد الأندلسيين ببونة حيث أطر أبو عبد الملك مروان بن محمد الأندلسي ت 440 هـ /1048 م نشاطه الزهدي بتأسيسه لرباط درس فيه العلم وصنف فيه المصنفات 17 بينما اقتصر الزاهد علي بن محمد التدميري ت 347 هـ /958 م على التأليف في الفقه وأدب الزهد 18 وحتى نهاية النصف الأول من القرن 5 هـ /11 م كان أدب الزهد بالمغرب الأوسط يستمد أفكاره ومواضيعه من أدب الزهد والتصوف الذي عرفته مدينة القيروان قبل خرابها من طرف القبائل الهلالية سنة 449 هـ /1057 م وكذلك من قرطبة والبصرة وبغداد والحجاز وقد نتج عن هذا الارتباط ظهور على المستوى العملي تيارين زهديين يعتمد الأول منهج المجاهدة العملية من خلال المرابطة في الثغور والسواحل لحراستها من الخطر المسيحي وتيار ثاني التزم أصحابه الزهد في الدنيا والاعتكاف على المجاهدات والمكابدة على نشر العلم الذي يعد أدب الزهد أحد محاوره الرئيسة.
مصادر نشاة وتطور الأدب الصوفي :
الثابت من الناحية التاريخية أن أدب الزهد إلى غاية نهاية النصف الأول من القرن 6 هـ /12 م لم يكن يرقى في نصوصه المنظومة والنثرية إلى مستوى يسمح بإدراجه ضمن أدب التصوف إلا بعد أن شهد المغرب الأوسط خلال النصف الثاني من نفس القرن دخول مجموعة من المصنفات الصوفية المشرقية والأندلسية والمغربية في فترات زمنية يصعب ضبطها ضبطا دقيقا مع فقهاء والعلماء العائدين من المشرق أو بواسطة صوفية المغربين الأدنى والأقصى الذين استقر بهم المقام بحواضر المغرب الأوسط 19 أو مع الأندلسيين المهاجرين إلى بجاية وتلمسان بقصد تجديد أنفاس الرحلة ذهابا وإيابا أو بغرض الاستقرار وكان لهؤلاء دور بارز في شرح وتبسيط محتوياتها لجمهور الطلبة والمهتمين.20
ومن اكثر المصادر المشرقية والمغربية والأندلسية التي نهل منها أدب التصوف أفكاره. كتاب الرعاية لحقوق الله للحارث بن أسد المحاسبي ت 243 هـ /858 م وقوت القلوب لأبى طالب المكي ق 3 هـ /9 م والرسالة القشيرية لأبي القاسم القشيري ت 465 هـ /1072 م وإحياء علوم الدين لأبى حامد الغزالي ت 505 هـ /1111 م وهي مصنفات في التصوف السني تطرح الخطوات التي يقطعها السالك بواسطة المجاهدات للوصول إلى النجاة من عقاب الله كما حددها المحاسبي 21 وإلى تقويم النفس وتهذيبها عن طريق الإرادة والرياضة لبلوغ بها مرتبة الأنبياء والصديقين والصلحاء 22 ثم النزوع إلى الكشف عن عالم الغيب وهي مرحلة فراغ القلب عما سوى الله كما تبينها الرسالة القشيرية وإحياء علوم الدين.23
وقد أصبحت هذه المصنفات منذ النصف الثاني من القرن 5هـ /11 م متداولة بين القراء في حلقات الدرس بتلمسان وبجاية وقلعة بني حماد حيث كان الصوفي عبد السلام التونسي ت 486 هـ /1093 م يدرس برابطته بتلمسان رعاية المحاسبي 24 ويدعو في أوائل القرن السادس 12م إلى قراءة أحياء علوم الدين وقد افلح في تحسيس الوسط الفكري في تلمسان بأهمية الأحياء وقيمة أفكاره الصوفية وبهذه الطريقة شرع التلمسانيون في نسخ الأحياء وحفظه.25
وبقلعة بن حماد انتصب الصوفي أبو الفضل ابن النحوي 513 هـ /1119م مدرسا للإحياء واستنسخه في ثلاثين جزءا فإذا دخل شهر رمضان قرا كل يوم جزءا 26 ولشدة تمسكه بالإحياء نقل عنه قوله : (وددت أني لم أنظر في عمري سواه) 27 واستطاع أن يؤلف من حوله كوكبة من القلعيين ينهجون أفكاره الغزالية 28 وكذلك في بجاية التي حل بها أبو مدين شعيب ت 594 هـ /1189 م منذ 559 هـ /1163 م ومكث بها خمسة عشرة عاما جعل من الكتاب إحياء علوم الدين افضل كتب التذكير لديه وأكثرها قراءة في مجلس تذكيره كما درس الرسالة القشيرية واطلع الطلبة على رعاية المحاسبي.29
أما معاصره أبا علي الحسن بن علي المسيلي توفي أواخر القرن 6 هـ /12 م فقد نسج على منوال الأحياء كتاب (التفكر فيما تشتمل عليه السور والآيات من المبادئ والغايات) 30 أحاط فيه بالفقه والتصوف حتى لقب بأبي حامد الصغير وأضحى الكتاب متداولا بين البجائيين وغطى بشهرته شهرة الإحياء آن ذاك.31
وفي أواخر القرن 5 هـ /11 م وأوائل القرن 6 هـ /12 م هاجر من تلمسان وجزائر بني مزغنة كوكبة من الأطر الزهدية إلى الأندلس للتمدرس عن كبار صوفيتها إذ قصد كل من المحدث يوسف بن علي بن جعفر التلمساني والفقيه حجاج بن يوسف الجزائري إشبيلية. واخذوا به الإحياء عن القاضي أبي بكر بن العربي ت 543 هـ /1148 م 32 بينما قصد كل من الفقيه أبي الحسن بن أبي القنون ت 557 هـ /1162 م والزاهد أبى موسى عيسى بن حماد الأوربي ويعقوب بن حمود التلمساني مرسية. واخذوا بها عن القاضي أبي علي الصدفي (ت في النصف الأول من القرن 6 هـ) 33 وأخذوا عنه (آداب الصحبة للسلمي) و(رياض المتعلمين) و(حلية الأولياء) لأبي النعيم الأصفهاني 34 ولما عادوا إلى مواطنهم عملوا على نشرها بين الطلبة والمريدين.
كما شكلت مصنفات المغرب الأقصى أهمية كبيرة في بلورة أفكار الأدب الصوفي وصنع مخياله من خلال مؤلفات أبي محمد صالح الماجري ت 631 هـ /1234 م شيخ رباط أسفي التي دخلت بجاية وقلعة بني حماد مع الصوفي أبي عبد الله محمد بن أبي القاسم السجلماسي ت في النصف الثاني من القرن 7هـ /13 م 35 وهي كتاب (بداية الهداية) 36 و(تلقين المريد) 37 وشرح المقصد الأسني في شرح أسمـاء الله الحسنى لأبي حامد الغزالي وشـرح الرسالـة القشيرية 38 فضلا عن كتاب (قطب العارفين ومقامات الأبرار والأصفياء الصديقين) لعبد الرحمان بن يوسف البجائي في النصف الثاني من القرن 6 هـ / 12 م 39 وإسهامات أبي زكريا يحي بن محجوبة القريشي السطيفي ت 673 هـ /1278 م من خلال كتابه شرح أسماء الله الحسنى.40