نورالدين خبابه
10-08-2007, 14:25
http://www.chihab.net/images/maqalat/mnabi1.jpg
ولد مالك بن نبي عام 1905 في قسنطينة في شرق الجزائر وكانت مراحل دراسته الابتدائية والثانوية بين مدينتي (تِبِسّة) و(قسنطينة).
سافر عام 1925 إلى مرسيليا وليون وباريس بحثاً عن عمل ولكن دون جدوى، فعاد إلى الجزائر حيث عمل في تِبسَّة مساعد كاتب في المحكمة.
وأتاح له عمله هذا الاحتكاك بمختلف شرائح المجتمع أيام الاستعمار مما ساعد على تفسير ظواهر مختلفة فيما بعد.
وفي عام 1928 تعرّف مالك بن نبي على الشيخ عبد الحميد بن باديس (1887- 1940م)، وعرف قيمته الإصلاحية. ثم سافر مرّة ثانية إلى فرنسا عام 1930، حيث سعى للدخول إلى معهد الدراسات الشرقية، ولكنه لم ينجح في الدخول، وسُمح له بدخول معهد اللاسلكي وتخرّج فيها مهندساً كهربائياً.
بقي في باريس من عام 1939 إلى 1956، ثم ذهب إلى القاهرة للمشاركة في الثورة الجزائرية من هناك. انتقل إلى الجزائر عام 1963 – بعد الاستقلال – حيث عيّن مديراً للتعليم العالي ولكنه استقال من منصبه عام 1967 وانقطع للعمل الفكري وتنظيم ندوات فكرية كان يحضرها الطلبة من مختلف المشارب كانت النواة لملتقى الفكر الإسلامي الذي يُعقد كل عام في الجزائر.
وظل مالك بن نبي يُنير الطريق أمام العالم الإسلامي بفكره إلى أن توفى في 31 أكتوبر عام 1973.
أما آثاره الفكرية، فيمكن القول أنه لم يكف عن التأليف منذ سنة 1946 حيث ألَّف أول كتاب له وهو (الظاهرة القرآنية)، وتلاه برواية (لبَّيك) 1947 وهي رواية فلسفية، ثم (شروط النهضة) 1948 ؛ (وجهة العالم الإسلامي) ؛ (الفكرة الأفروآسيوية) 1956 ؛ (مشكلة الثقافة) 1959 ؛ (الصراع الفكري في البلاد المستعمرة) 1960 وهو أول كتاب كتبه مالك بن نبي بالعربية مباشرة بخلاف معظم كتبه التي ألّفها بالفرنسية.
وفي عام 1960 كتب أيضاً كتابه (فكرة كومنولث إسلامي) ؛ (ميلاد مجتمع) 1962 ؛ (إنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي) 1969 ؛ (مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي) ؛ (مذكرات شاهد القرن) 1970 ؛ (المسلم في عالم الاقتصاد). ونشر له بعد وفاته كتب (دور المسلم ورسالته في القرن العشرين) 1977 ؛ (بين الرشاد والتيه) 1978.
ولمالك بن نبي آثار فكرية لم تطبع وهي في صورة مخطوطات مثل:
(دولة مجتمع إسلامي) ؛ (العلاقات الاجتماعية وأثر الدين فيها) ؛ (مجالس تفكير) وغيرها.
مشكلات الحضارة
اتجه مالك بن نبي نحو تحليل الأحداث التي كانت تحيط له وقد أعطته ثقافته المنهجية قدرة على إبراز مشكلة العالم النامي باعتباره قضية حضارة أولاً وقبل كل شيء، يقول ((إن مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارته، ولا يمكن لشعب ان يفهم مشكلته ما لم يرتفع بفكره إلى مستوى الأحداث الإنسانية وما لم يتعمّق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها))(1). لأن بناء الحضارة لا يتم عن طريق الصدفة، بل يتطلّب نظرة منهجية تعتمد على التحليل ومعرفة عوامل البناء.
ولم يكن اهتمام ابن نبي بالحضارة من قبيل اهتمام الانثروبولوجي الذي يمثّل لديه كل شكل من التنظيم للحياة البشرية نوعاً معيناً من الحضارة.
فالمسألة لا تعني عنده محاولة لاكتشاف حقائق جديدة تتعلّق بعلم الإنسان، ولكنها تعني لديه تحديد الطرق المؤدية إلى الهدف المنشود وهو تحريك العالم الإسلامي المعاصر، حتى يتخلّص من رواسبه ومعوقاته وينطلق بإرادة وفاعلية نحو استعادة مكانته في التاريخ والحياة وفق شروط معيّنة.
فالمشكلات التي تواجه العالم الإسلامي متعدّدة، وذلك يتطلّب أن نقوم بترتيبها منطقياً، حتى نعطي لكل نوع قيمته الحقيقية، دون أن نقع في شراك الشيء السهل أو شراك الشيء المستحيل مدركين بأن للحضارة قانونها الذي لا يجامل أحداً، وبذلك يستطيع العالم الإسلامي أن يشقّ طريقه نحو دورة حضارية جديدة.
ولقد استطاع مالك بن نبي أن يحدّد المشكلات الأساسية التي تواجه العالم الإسلامي في الآتي:
• مشكلة الإنسان
• مشكلة التراب
• مشكلة الوقت (الزمن)
ولا ريب أن مشكلة الإنسان تأتي في المقام الأول، إذ أنه هو الذي يوجّه الأشياء ويبني الحضارة، ولكن الإنسان الذي يستطيع أن يصنع الحضارة هو الكائن الاجتماعي الفعّال الذي يتحرك ويسعى، والمقصود بالتراب هو المعطيات المادية التي يجب أن تستغل جيداً لصالح المجتمع، أما الوقت فهو الزمن الذي يتم تكييفه بحيث يصبح زمناً اجتماعياً.
إن مشكلات الإنسان والتراب والوقت هي المشكلات الأساسية التي تواجه كل مجتمع متخلّف، فإذا أراد أن يبني نفسه ويخرج من دائرة التخلّف فعليه أن يُولي اهتمامه بهذه المشكلات وأن لا يضيع جهوده بالاهتمام بالمشكلات الجزئية.
يقول مالك بن نبي ما نصّه:
((إن أول ما يجب علينا أن نفكّر فيه حينما نريد أن نبني حضارة أن نفكّر في عناصرها تفكير الكيماوي في عناصر الماء إذا ما أراد تكوينه، فهو يحلّل الماء تحليلاً علمياً ويجد أنه يتكوّن من عنصرين عنصر الهيدروجين وعنصر الاكسجين ثم إنه بعد ذلك يدرس القانون الذي يتركّب منه هذان العنصران ليعطيانا الماء.
وهذا بناء وليس تكديساً، ذلك لأنه لو كدّس ملايين من الاطنان من الهيدروجين والاكسجين ثم بقي ينتظر أن يتكوّن الماء فإنه لا يتكوّن وحده إلاّ بأن يبعث الله إليه شرارة من عنده.
فحينما نحلّل منتجات الحضارة ولنأخذ أياً منها ولتكن هذه الورقة فإننا نجدها تتكوّن من عناصر ثلاثة: الإنسان: لأنه هو الذي ولدها بفكره وصنعها بيده من بغداد في العصر العباسي حيث اخترع الفكر الإنساني الورق.
فالعنصر الأول إذن الإنسان.
أما العنصر الثاني: فهو التراب إذ من التراب كل شيء على الأرض وفي باطنها، ومعنى التراب هنا ليس المتبادر إلى الذهن فقد تعمّدت ألاَّ استخدم كلمة مادة.
لأن التراب يتّصل به الإنسان بصورتين:
صورة الملكية أي من حيث تشريع الملكية في المجتمع الذي يحقق للفرد الضمانات الاجتماعية، فالتراب هنا شيء حيوي في المجتمع من حيث التشريع. وهو يتّصل به بصورة أخرى من ناحية علم التراب والمعلومات التي تتصل به كالكيمياء وغيرها فالتراب نعني به هذين الجانبين:
جانب التشريع وجانب السيطرة الفنية والاستخدام الفني. فالتراب بهذا المعنى يدخل في عناصر هذه الورقة. وأما العنصر الثالث، فهو الزمن لأنه إذا صحّ ما أقول فلماذا لم يخترع الفكر الإنساني الورق قبل هذا التاريخ ؟
إن الجواب على ذلك هو نقص تجاربه في هذا المضمار، في مضمار علم التراب والنباتات فالزمن قبل ذلك التاريخ لم يكف لتخمّر فكرة ابتكار الورق، إذن يجب أن نجهز عناصر ثلاثة حتى يتكوّن منها الورق.
الإنسان – التراب – الوقت.
وهذا التحليل يوجب عليّ أن أقول:
((منتج حضارة (وهنا ورقة) = إنسان + تراب + وقت))(2).
لقد اهتم مالك بن نبي بالحضارة من زاوية التحليل والتركيب، كما اهتم بها من الناحية الوظيفية، إذ عرّفها بأنها القدرة على القيام بوظيفة أو مهمة معينة، وأنها جملة العوامل المعنوية والمادية التي تتيح لمجتمع ما أن يوفّر لكل أعضائه جميع الضمانات الاجتماعية اللازمة لتقدّمه.
ما الحضارة؟
يتساءل مالك بن نبي ما الحضارة ؟
ويجيب على هذا السؤال بقوله ((أهي من نور الكهرباء وصوت المذياع وما إلى هنالك من المنتجات الحضارية ؟
إنها ليست في شيء من ذلك وحده.
ليست في أن أحل مشكلة هنا ببناء مدرسة ومشكلة أخرى ببناء مستشفى من غير ان يكون ذلك كله متوائماً مع توجيه لامكاناتنا نحو البناء في كل مكان وفي اهم مكان، أعني نحو البناء من داخل النفس بأن تغير تلك النفس الساكنة المستكينة التي انفصلت عن المجتمع وأسلمته وأسلمت نفسها إلى الجهل الذي نراه اليوم بيننا متفشياً ونرى أنه ينفع في علاجه بناء مدرسة.
والمرض الذي يتراءى لنا علاجه في بناء مستشفى ألخ. فإن هذه المشاكل الأخيرة والملحّة كلها سوف لا تجد حلها ببناء مدرسة للأولى ومستشفى للثانية.
إن حلّها باصلاح الفساد في الرأس، ذلك المنبع الذي ما زال يشيع الجهل والمرض وهي النفس الإنسانية. وحينئذ سوف يؤدي المستشفى عمله على أتمه والمدرسة أيضاً))(3).
اهتم ابن نبي بعالم الأفكار بدلاً من عالم الأشياء وتساءل ما هي المشكلات ؟ إنها تبدو هنا الجهل وهناك الفقر – أو اطار سياسي – الاستعمار والاحتلال الأجنبي وفي مجال آخر النقص في الامكانات والثروات الطبيعية.
لقد طرح مالك بن نبي في كل هذه الأعراض في مختلف كتبه وعالجها معالجات متعددة لكنها كما رأى تصبّ في اطار واحد:
إنها مشكلة حضارة نحن خارجها ومشكلة ثقافة لم يتكامل اطارها في مختلف حياتنا اليومية ونحن لذلك شتّى النوازع والقلوب والوسائل، تتعارض الامكانات في مختلف الأصعدة ثم تسقط هذه في هوّة الفراغ والضياع وعدم الفعالية ؛ ((فالقضية إذن ليست قضية أدوات ولا امكانات (…)
إن القضية كامنة في أنفسنا، إن علينا أن ندرس أولاً الجهاز الاجتماعي الأول وهو الإنسان فإذا تحرّك الإنسان تحرّك المجتمع والتاريخ وإذا سكن، سكن المجتمع والتاريخ))(4).
ولد مالك بن نبي عام 1905 في قسنطينة في شرق الجزائر وكانت مراحل دراسته الابتدائية والثانوية بين مدينتي (تِبِسّة) و(قسنطينة).
سافر عام 1925 إلى مرسيليا وليون وباريس بحثاً عن عمل ولكن دون جدوى، فعاد إلى الجزائر حيث عمل في تِبسَّة مساعد كاتب في المحكمة.
وأتاح له عمله هذا الاحتكاك بمختلف شرائح المجتمع أيام الاستعمار مما ساعد على تفسير ظواهر مختلفة فيما بعد.
وفي عام 1928 تعرّف مالك بن نبي على الشيخ عبد الحميد بن باديس (1887- 1940م)، وعرف قيمته الإصلاحية. ثم سافر مرّة ثانية إلى فرنسا عام 1930، حيث سعى للدخول إلى معهد الدراسات الشرقية، ولكنه لم ينجح في الدخول، وسُمح له بدخول معهد اللاسلكي وتخرّج فيها مهندساً كهربائياً.
بقي في باريس من عام 1939 إلى 1956، ثم ذهب إلى القاهرة للمشاركة في الثورة الجزائرية من هناك. انتقل إلى الجزائر عام 1963 – بعد الاستقلال – حيث عيّن مديراً للتعليم العالي ولكنه استقال من منصبه عام 1967 وانقطع للعمل الفكري وتنظيم ندوات فكرية كان يحضرها الطلبة من مختلف المشارب كانت النواة لملتقى الفكر الإسلامي الذي يُعقد كل عام في الجزائر.
وظل مالك بن نبي يُنير الطريق أمام العالم الإسلامي بفكره إلى أن توفى في 31 أكتوبر عام 1973.
أما آثاره الفكرية، فيمكن القول أنه لم يكف عن التأليف منذ سنة 1946 حيث ألَّف أول كتاب له وهو (الظاهرة القرآنية)، وتلاه برواية (لبَّيك) 1947 وهي رواية فلسفية، ثم (شروط النهضة) 1948 ؛ (وجهة العالم الإسلامي) ؛ (الفكرة الأفروآسيوية) 1956 ؛ (مشكلة الثقافة) 1959 ؛ (الصراع الفكري في البلاد المستعمرة) 1960 وهو أول كتاب كتبه مالك بن نبي بالعربية مباشرة بخلاف معظم كتبه التي ألّفها بالفرنسية.
وفي عام 1960 كتب أيضاً كتابه (فكرة كومنولث إسلامي) ؛ (ميلاد مجتمع) 1962 ؛ (إنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي) 1969 ؛ (مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي) ؛ (مذكرات شاهد القرن) 1970 ؛ (المسلم في عالم الاقتصاد). ونشر له بعد وفاته كتب (دور المسلم ورسالته في القرن العشرين) 1977 ؛ (بين الرشاد والتيه) 1978.
ولمالك بن نبي آثار فكرية لم تطبع وهي في صورة مخطوطات مثل:
(دولة مجتمع إسلامي) ؛ (العلاقات الاجتماعية وأثر الدين فيها) ؛ (مجالس تفكير) وغيرها.
مشكلات الحضارة
اتجه مالك بن نبي نحو تحليل الأحداث التي كانت تحيط له وقد أعطته ثقافته المنهجية قدرة على إبراز مشكلة العالم النامي باعتباره قضية حضارة أولاً وقبل كل شيء، يقول ((إن مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارته، ولا يمكن لشعب ان يفهم مشكلته ما لم يرتفع بفكره إلى مستوى الأحداث الإنسانية وما لم يتعمّق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها))(1). لأن بناء الحضارة لا يتم عن طريق الصدفة، بل يتطلّب نظرة منهجية تعتمد على التحليل ومعرفة عوامل البناء.
ولم يكن اهتمام ابن نبي بالحضارة من قبيل اهتمام الانثروبولوجي الذي يمثّل لديه كل شكل من التنظيم للحياة البشرية نوعاً معيناً من الحضارة.
فالمسألة لا تعني عنده محاولة لاكتشاف حقائق جديدة تتعلّق بعلم الإنسان، ولكنها تعني لديه تحديد الطرق المؤدية إلى الهدف المنشود وهو تحريك العالم الإسلامي المعاصر، حتى يتخلّص من رواسبه ومعوقاته وينطلق بإرادة وفاعلية نحو استعادة مكانته في التاريخ والحياة وفق شروط معيّنة.
فالمشكلات التي تواجه العالم الإسلامي متعدّدة، وذلك يتطلّب أن نقوم بترتيبها منطقياً، حتى نعطي لكل نوع قيمته الحقيقية، دون أن نقع في شراك الشيء السهل أو شراك الشيء المستحيل مدركين بأن للحضارة قانونها الذي لا يجامل أحداً، وبذلك يستطيع العالم الإسلامي أن يشقّ طريقه نحو دورة حضارية جديدة.
ولقد استطاع مالك بن نبي أن يحدّد المشكلات الأساسية التي تواجه العالم الإسلامي في الآتي:
• مشكلة الإنسان
• مشكلة التراب
• مشكلة الوقت (الزمن)
ولا ريب أن مشكلة الإنسان تأتي في المقام الأول، إذ أنه هو الذي يوجّه الأشياء ويبني الحضارة، ولكن الإنسان الذي يستطيع أن يصنع الحضارة هو الكائن الاجتماعي الفعّال الذي يتحرك ويسعى، والمقصود بالتراب هو المعطيات المادية التي يجب أن تستغل جيداً لصالح المجتمع، أما الوقت فهو الزمن الذي يتم تكييفه بحيث يصبح زمناً اجتماعياً.
إن مشكلات الإنسان والتراب والوقت هي المشكلات الأساسية التي تواجه كل مجتمع متخلّف، فإذا أراد أن يبني نفسه ويخرج من دائرة التخلّف فعليه أن يُولي اهتمامه بهذه المشكلات وأن لا يضيع جهوده بالاهتمام بالمشكلات الجزئية.
يقول مالك بن نبي ما نصّه:
((إن أول ما يجب علينا أن نفكّر فيه حينما نريد أن نبني حضارة أن نفكّر في عناصرها تفكير الكيماوي في عناصر الماء إذا ما أراد تكوينه، فهو يحلّل الماء تحليلاً علمياً ويجد أنه يتكوّن من عنصرين عنصر الهيدروجين وعنصر الاكسجين ثم إنه بعد ذلك يدرس القانون الذي يتركّب منه هذان العنصران ليعطيانا الماء.
وهذا بناء وليس تكديساً، ذلك لأنه لو كدّس ملايين من الاطنان من الهيدروجين والاكسجين ثم بقي ينتظر أن يتكوّن الماء فإنه لا يتكوّن وحده إلاّ بأن يبعث الله إليه شرارة من عنده.
فحينما نحلّل منتجات الحضارة ولنأخذ أياً منها ولتكن هذه الورقة فإننا نجدها تتكوّن من عناصر ثلاثة: الإنسان: لأنه هو الذي ولدها بفكره وصنعها بيده من بغداد في العصر العباسي حيث اخترع الفكر الإنساني الورق.
فالعنصر الأول إذن الإنسان.
أما العنصر الثاني: فهو التراب إذ من التراب كل شيء على الأرض وفي باطنها، ومعنى التراب هنا ليس المتبادر إلى الذهن فقد تعمّدت ألاَّ استخدم كلمة مادة.
لأن التراب يتّصل به الإنسان بصورتين:
صورة الملكية أي من حيث تشريع الملكية في المجتمع الذي يحقق للفرد الضمانات الاجتماعية، فالتراب هنا شيء حيوي في المجتمع من حيث التشريع. وهو يتّصل به بصورة أخرى من ناحية علم التراب والمعلومات التي تتصل به كالكيمياء وغيرها فالتراب نعني به هذين الجانبين:
جانب التشريع وجانب السيطرة الفنية والاستخدام الفني. فالتراب بهذا المعنى يدخل في عناصر هذه الورقة. وأما العنصر الثالث، فهو الزمن لأنه إذا صحّ ما أقول فلماذا لم يخترع الفكر الإنساني الورق قبل هذا التاريخ ؟
إن الجواب على ذلك هو نقص تجاربه في هذا المضمار، في مضمار علم التراب والنباتات فالزمن قبل ذلك التاريخ لم يكف لتخمّر فكرة ابتكار الورق، إذن يجب أن نجهز عناصر ثلاثة حتى يتكوّن منها الورق.
الإنسان – التراب – الوقت.
وهذا التحليل يوجب عليّ أن أقول:
((منتج حضارة (وهنا ورقة) = إنسان + تراب + وقت))(2).
لقد اهتم مالك بن نبي بالحضارة من زاوية التحليل والتركيب، كما اهتم بها من الناحية الوظيفية، إذ عرّفها بأنها القدرة على القيام بوظيفة أو مهمة معينة، وأنها جملة العوامل المعنوية والمادية التي تتيح لمجتمع ما أن يوفّر لكل أعضائه جميع الضمانات الاجتماعية اللازمة لتقدّمه.
ما الحضارة؟
يتساءل مالك بن نبي ما الحضارة ؟
ويجيب على هذا السؤال بقوله ((أهي من نور الكهرباء وصوت المذياع وما إلى هنالك من المنتجات الحضارية ؟
إنها ليست في شيء من ذلك وحده.
ليست في أن أحل مشكلة هنا ببناء مدرسة ومشكلة أخرى ببناء مستشفى من غير ان يكون ذلك كله متوائماً مع توجيه لامكاناتنا نحو البناء في كل مكان وفي اهم مكان، أعني نحو البناء من داخل النفس بأن تغير تلك النفس الساكنة المستكينة التي انفصلت عن المجتمع وأسلمته وأسلمت نفسها إلى الجهل الذي نراه اليوم بيننا متفشياً ونرى أنه ينفع في علاجه بناء مدرسة.
والمرض الذي يتراءى لنا علاجه في بناء مستشفى ألخ. فإن هذه المشاكل الأخيرة والملحّة كلها سوف لا تجد حلها ببناء مدرسة للأولى ومستشفى للثانية.
إن حلّها باصلاح الفساد في الرأس، ذلك المنبع الذي ما زال يشيع الجهل والمرض وهي النفس الإنسانية. وحينئذ سوف يؤدي المستشفى عمله على أتمه والمدرسة أيضاً))(3).
اهتم ابن نبي بعالم الأفكار بدلاً من عالم الأشياء وتساءل ما هي المشكلات ؟ إنها تبدو هنا الجهل وهناك الفقر – أو اطار سياسي – الاستعمار والاحتلال الأجنبي وفي مجال آخر النقص في الامكانات والثروات الطبيعية.
لقد طرح مالك بن نبي في كل هذه الأعراض في مختلف كتبه وعالجها معالجات متعددة لكنها كما رأى تصبّ في اطار واحد:
إنها مشكلة حضارة نحن خارجها ومشكلة ثقافة لم يتكامل اطارها في مختلف حياتنا اليومية ونحن لذلك شتّى النوازع والقلوب والوسائل، تتعارض الامكانات في مختلف الأصعدة ثم تسقط هذه في هوّة الفراغ والضياع وعدم الفعالية ؛ ((فالقضية إذن ليست قضية أدوات ولا امكانات (…)
إن القضية كامنة في أنفسنا، إن علينا أن ندرس أولاً الجهاز الاجتماعي الأول وهو الإنسان فإذا تحرّك الإنسان تحرّك المجتمع والتاريخ وإذا سكن، سكن المجتمع والتاريخ))(4).