منتدى بلاحدود  

معاً من أجل مصالحة وطنية حقيقية
الإعلانات والأخبار
« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: تحريف اسم عاصمة الجزائر من زيري الى دزاير (آخر رد :محمد بلقسام)       :: كتابة السيرة الذاتية ... طريقة و نصائح و كيفية (آخر رد :فريال علاء)       :: العلاقات الجزائرية الإسرائيلية من عهد بومدين الى بوتفليقة(1) (آخر رد :محمد بلقسام)       :: هل تأثر الإخوان المسلمون في مصر بـ: "الوهابية"؟ (آخر رد :علجية عيش)       :: "بورما" تدفع ثمن استقامتها أم أخطائها؟ (آخر رد :علجية عيش)       :: السياحة العلاجية في التشيك - ميديكا لاينز (آخر رد :فريال علاء)       :: الداعية حسن البنّا في مذكراته يكشف بعض الحقائق (آخر رد :علجية عيش)       :: "الرُّدُودُ الشَّنـِيعَةُ على أبَاطـِيلِ الشِّيعَةِ" (آخر رد :علجية عيش)       :: مؤسسة المصالحة الجزائرية تعقد أول لقاء تحسيسي لها بسطيف (آخر رد :علجية عيش)       :: شجرة النسب تتوقف عند الجد الخامس والباقي في المخطوطات والكتب (آخر رد :محمد بلقسام)      


استرجاع كلمة المرور طلب كود تفعيل العضوية تفعيل العضوية
العودة   منتدى بلاحدود >
المنتـــــدى السيــــــاسي
> المنتدى السيـاسي > ملفــــــات الفســــــــاد

ملفــــــات الفســــــــاد طـــــــرح- نقد متابعة معالجة( رشاوى سرقات تهريب -خيانات-اغتيالات )

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
قديم 15-02-2007, 13:42 رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
نورالدين خبابه
كاتب جزائري


افتراضي الجزائر من أحمد بن بلة إلى عبد العزيز بوتفليقة


الجزائر نظرة تاريخية

وصل الإسلام إلى الشمال الإفريقي عن طريق عقبة بن نافع
وأستقبله سكان هذه المنطقة برحابة صدر, عدا في بعض الأماكن , حيث كان الأمازيغ – وهم السكان الأصليون في المغرب العربي – يعتقدون أن المسلمين الفاتحين لا يختلفون عن غيرهم من الوندال والفنيقيين والرومان الذين تعودّوا على غزو منطقة المغرب العربي وكان الأمازيغ –
وتعني هذه العبارة الأحرار- يتصدّون لهذه الغزوات ببسالة .
وبعد فترة وجيزة إنقلب هذا الإعتقاد رأسا على عقب حيث أصبح الإسلام هو الدين السائد في منطقة المغرب العربي وأهم مقوّم لحياة المغاربة الذين إنطلقوا في خدمته حيث ساهموا في فتح الأندلس
وفي إيصال الإسلام إلى جزء كبير من أوروبا .
وغداة سقوط الأندلس بدأت شواطئ المغرب العربي تتعرض لإعتداءات الإسبان والبرتغاليين بدافع الثأر من المسلمين الذين أشادوا حضارة للإسلام في الأندلس .
و أثناء هذه الحملات الصليبية التي كان يتعرض لها المغرب العربي على مدى مئات السنين إنطلقت الخلافة العثمانية في إسطنبول – دار السلام – وشرعت في توسيع رقعتها بإتجاّه الأقاليم العربية والإسلامية , وأستغاث حينها ولاّة المغرب العربي بالخلافة العثمانية التي أمرت أسطولها البحري في البحر الأبيض المتوسط
والذي كان على رأسه خير الدين وبابا عروّج بالتوجه إلى السواحل المغاربية وتوفير الحماية للمسلين في هذه المنطقة , وبموجب هذا أصبحت دول المغرب العربي فعليّا تحت الوصاية العثمانية وذلك بدءا من عام 1515 ميلادي وإلى غاية 1830 تاريخ إحتلال فرنسا للجزائر وبقية الدول المغاربية في وقت لاحق .
وقد إستغلّت فرنسا وقتها ضعف الجزائر التي أرسلت أسطولها البحري للمشاركة مع الأسطول العثماني في معركة –لافارين – سنة 1827 لمواجهة بعض الأساطيل الأوروبية , وكانت النتيجة أن تحطمّ الأسطول الجزائري وأصبحت المياه الإقليمية الجزائرية سهلة المنال أمام القوات الفرنسية التي كانت تخطط قبل ذلك في إحتلال بوابّة إفريقيا –الجزائر-.
ولم يمر الإحتلال الفرنسي دون مقاومة عارمة وقوية أبداها الشعب الجزائري
بقيادة شيوخ الإصلاح والزوايا وحفظة القرآن الكريم , ومنهم الأمير عبد القادر الجزائري والشيخ بوعمامة والشيخ المقراني وغيرهم من شيوخ المقاومة الذين كان مصيرهم جميعا إماّ الإستشهاد أو السجن ومن ثمّ النفي .ومع هؤلاء أستشهد مئات الآلاف من الجزائريين على يد القوات الفرنسية التي وبمجرد أن بسطت سيطرتها على الأراضي الجزائرية شرعت في تحويل المساجد إلى كنائس ,وشرعت في القضاء على اللغة العربية والتعليم العربي , وترافق هذا المشروع الإستعماري مع مشروع تغريبي ما زالت الجزائر تعاني من أثاره إلى يومنا هذا .
وكانت الإدارة الفرنسية التي تولّت الحكم في الجزائر تطلب المزيد من الجنود والذخيرة الحربية من فرنسا الأمر الذي سهلّ عليها إخماد المقاومة الجزائرية التي كانت تشتعل هنا وهناك في كل القطر الجزائري المترامي الأطراف , و عندما هدأت المقاومة المسلحة بدأت مقاومة من نوع أخر تجسدّت في وضع إستراتيجيّة أخرى للحفاظ على عروبة الجزائر وإسلاميتها , وتأسسّت لهذا الغرض أحزاب وتنظيمات تدعو إلى الوقوف بوجه فرنسا
التي تعمل على تذويب الشخصية الجزائرية وسلخ الجزائر عن هويتها العربية والإسلامية . وكانت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بقيادة الشيخ عبد الحميد بن باديس من أبرز هذه التيارات التي لعبت أكبر الأدوار في مواجهة الغزو الثقافي الفرنسي , وتمكنت هذه الجمعية من إنشاء مدارس عربية وإسلامية في مناطق عدّة في الجزائر , وكان لها الفضل في الإعداد للثورة الجزائرية التي دحرت فيما بعد الاحتلال الفرنسي عن الجزائر .
وعندما تأكدّ الجزائريون من حقيقة النوايا الفرنسية لدمج الجزائر وبشكل كامل في فرنسا , تشكلّت في الجزائر ما يعرف بلجنة 22 ومهدّت لتفجير الثورة الجزائرية في الأول من نوفمبر –تشرين الثاني من سنة 1954 .
وتميزّت الثورة الجزائرية بكونها شعبية وعربية وإسلامية المنطلق , حيث أقرّ بيان ثورة نوفمبر 1954 و مؤتمر الصومام الذي انعقد في ولاية بجاية لتنظيم شؤون الثورة الجزائرية سنة 1956 أنّه إذا تحررت الجزائر فيجب عندها إقامة دولة في إطار المبادئ الإسلامية وهذا المعنى يؤكده كل أحرار الجزائر الذين عاصروا هذه الحقبة .
وعندما فرضت الثورة الجزائرية نفسها وقوتها ولاحت في الأفق بوادر الإستقلال شرع الجنرال ديغول في إعداد خطته لسرقة الإنتصار الجزائري وطلب من الجنرال لاكوست
تسريح الضباط الجزائريين الذين كانوا ضمن القوات الفرنسية والذين وجدوا أنفسهم تلقائيا قبيل الاستقلال وبعيده في صفوف جيش التحرير الشعبي الوطني الجزائري , وبعد إستقلال الجزائر في 05يوليو- تموز 1962 إستمرّت الوصاية الثقافية الفرنسية على الجزائر كما بقيت منابع الطاقة الجزائرية
بيد السلطات الفرنسية إلى أن جرى تأميم النفط والغاز في عهد هواري بومدين ,وهذا ما دفع بعض السياسيين الجزائريين إلى القول بأنّ الإستقلال الجزائري كان ناقصا وأن إتفاقيّات إيفيان التي أفضت إلى استقلال الجزائر كانت ملغومة وأعطت حيزا لفرنسا تمكنت من خلاله التسلل إلى مواقع السيادة الجزائرية.
ومثلما كانت رحلة الثورة الجزائرية شاقة , فكذلك كانت رحلة الإستقلال الحبلى بالتطورات والصراعات والخلافات والفتن , ومنذ عهد أحمد بن بلة و إلى عهد عبد العزيز بوتفليقة تحاول الجزائر إستيعاب ما جرى ويجري لها وتحاول في الوقت نفسه رسم طريق المستقبل الصعب .

يتبع








التوقيع

"اللّهم طهر أعمالنا من الرياء وألسنتنا من الكذب"
ملاحظة :ماأنقله لايعبر بالضرورة عن قناعاتي وإنما أنقله للتدوين والمطالعة .
رد مع اقتباس
قديم 15-02-2007, 13:53 رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
نورالدين خبابه
كاتب جزائري


افتراضي


الجزائر في عهد أحمد بن بله أحمد بن بلّة :
الثائر الناصري.
تعتبر الثورة الجزائريّة من أعظم الثورات العربية في القرن العشرين ,
وقد خرجت هذه الثورة من رقعتها المحليّة المحدودة في قلب المغرب العربي
لتصير ثورة لكل العرب وكل الأحرار في العالم الثالث .
وبفضل الثورة الجزائرية تمكنت الجزائر أن تصبح ذات سمعة عربيّة وإسلامية محترمة , وكان يكفي ذات يوم ترديد اسم الجزائر لتقشّعر الأبدان .
لقد إندلعت الثورة الجزائرية في غرّة نوفمبر سنة 1954
بإمكانات متواضعة وبسيطة , وفي غضون أشهر وجيزة إلتفّ حولها الشعب الجزائري لتقوده في نهاية المطاف إلى شاطئ الإستقلال في 05يوليو – تموز سنة 1962 ,
وحاولت فرنسا جاهدة وبمختلف الوسائل السياسية والعسكرية وأد هذه الثورة التي إستعصت على فرنسا وتحققّ بذلك قول شاعر الثورة الجزائرية مفدي زكريا :
أقسمنا بالدماء أن تحيا الجزائر .
وما كانت الثورة الجزائرية لتقود الجزائر بإتجاه الحرية لو لم يتوفر لها مجموعة من الرجال الذين إجتمعت كلمتهم على ضرورة الثورة كشرط وحيد لإسترجاع الحق المنهوب من قبل فرنسا .
وقبل إندلاع الثورة الجزائرية إندلع لغط كبير في الأوساط السياسية والثقافية الجزائرية
حول الإندماج في الدائرة الفرنسية أو الإستقلالية عن فرنسا وتحصين الشخصية الجزائرية ,
وذهب بعض السياسيين الجزائريين بعيدا في ذلك الوقت عندما شككوا في وجود الأمة الجزائرية
و قد عرف عن أحد السياسيين الجزائريين قوله : لقد فتشت في القبور عن جذور الأمة الجزائرية فلم أجد شيئا , وكانت النخبة الجزائرية الفرانكفونية والتي درست في المعاهد الكولونيالية تنظر بعين الهازئ والساخر
إلى دعوات المنادين بالحفاظ على السيادة الجزائرية والثقافة الجزائرية ذات البعدين العربي والإسلامي . ووسط هذا الجدل الواسع بين دعاة الإندماج ودعاة الإستقلال قررّت مجموعة من الثائرين الجزائريين تشكيل لجنة واسعة تضمّ إثنين وعشرين عضوا وهدفها الإعداد للثورة الجزائرية,
وقد إقتنعت هذه اللجنة – النواة الأولى للثورة الجزائرية – بأنّه لا يمكن الحصول على الإستقلال بالوسائل السياسية , لأن فرنسا قررت وبشكل نهائي ضمّ الجزائر إلى فرنسا وإعتبار الجزائريين فرنسيين مسلمين , وكانت بطاقات الهويّة التي تمنحها فرنسا للجزائريين فرنسية كتب عليها لدى التعريف بجنسية حاملها عبارة فرنسي مسلم ,
وقد جاءت هنا المواطنة الفرنسية قبل الإسلام الذي صاغ الشخصية الجزائرية و وقاها من الذوبان في مستنقع التغريب الفرنسي .
وشرعت اللجنة المذكورة في الإتصال بالشخصيات الجزائرية الوطنية المؤمنة بحتمية الثورة , وقد كان لمحمد بوضياف ورابح بيطاط وزيغود يوسف ومئات غيرهم دور كبير في تفجير الثورة الجزائرية , ومن الشخصيات الجزائرية التي اإضمت إلى صفوف الثورة الجزائرية منذ إندلاعها أول رئيس للجزائر المستقلة أحمد بن بلة الذي كان يعرف في أوساط إخوانه الثوّار بلقب : سي حميمد .
و يعتبر أحمد بن بلة من روّاد الثورة الجزائرية ومن الساسة الذين قادوا المرحلة بعد إستقلال الجزائر , وقد انضم إلى حزب الشعب الذي كان يتزعمه مصالي الحاج ثمّ إلى جبهة التحرير الوطني التي فجرت الثورة الجزائرية .
و سجنته السلطات الفرنسية بعد أن تمكنّ من وضع قنبلة في مركز للبريد بمدينة وهران الواقعة في الغرب الجزائري , وفي السجن الفرنسي خططّ للفرار منه وتمّ له ما يريد , وظلّ مستترا إلى أن تمكن من مغادرة الجزائر إلى المغرب سنة 1956 . وأعتقلته السلطات الفرنسية مجددا وهو في طريقه إلى تونس جوّا , وقد كان على متن الطائرة التي كانت تقله من الرباط إلى تونس قادة الثورة الجزائرية محمد بوضياف ,محمد خيضر , رابح بيطاط , وحسين أيت أحمد , وكانت طريقة اعتقال أحمد بن بلة ورفاقه تعتبر أول عملية قرصنة جوية من نوعها حيث أجبرت الطائرات الحربية الفرنسية الطائرة المدنيّة التي كان على متنها أحمد بن بلة ورفاقه على الهبوط في مطار الجزائر العاصمة . وحتى لا تتكرر عملية الفرار السابقة تمّ اقتياد أحمد بن بلة الى سجن فرنسي يقع على الأراضي الفرنسية
وبقيّ معتقلا فيه الى موعد الاستقلال في 05 تموز-يوليو من سنة 1962 فعاد هو ورفاقه الى الجزائر .
وقبيل الاستقلال الجزائري وبعيده اندلعت خلافات واسعة في صفوف الثورة الجزائرية وكادت هذه الخلافات أن تتحول الى حرب أهلية ضروس بين رفاق الأمس , وقد حسمت قيادة الأركان التي كان على رأسها هواري بومدين الخلافات لصالحها وعينّت أحمد بن بلة على رأس الدولة الجزائرية الفتية , وبذلك أصبح أحمد بن بلّة أو سي حميمد كما كان يسميه رفاقه أول رئيس للدولة الفتيّة التي رأت النور بفضل مليونين من الشهداء. •
معالم الدولة الجزائرية في عهد أحمد بن بلّة :
يعترف أحمد بن بلّة بأنّه كان قليل الخبرة السياسية وقليل الثقافة لجهة ما يتعلق بتسيير شؤون الدولة
و ادارة شؤون العباد والبلاد , بل لقد ذهب بعيدا عندما قال بأنّ الثورة الجزائرية كانت تفتقد الى أطروحة الدولة , ويعترف بن بلة أيضا أنّه كان من أشدّ المعجبين بالرئيس المصري جمال عبد الناصر الذي كان يتمتع تاريخئذ بسمعة جماهيرية عربية واسعة , وقد ناصر جمال عبد الناصر الثورة الجزائرية وكان يمدها بالأسلحة عبر الحدود التونسية , كما منح كل التسهيلات والامكانات لرجال جبهة التحرير الوطني الذين أقاموا في القاهرة ومنها انطلقوا للتعريف بالثورة الجزائرية في العالم العربي والعالم الثالث .
ولم يتنكّر الثائر الناصري ابن بلّة لفضل عبد الناصر على الثورة الجزائريّة فقررّ غداة انتصار الثورة الجزائرية التنسيق مع مصر عبد الناصر في كل المستويات وخصوصا فيما يتعلق بقضايا العالم الثالث و القضايا العربية الساخنة وحركات التحرر في العالم . ويمكن القول أن جزائر أحمد بن بلة أصبحت نموذجا مصغرا للقاهرة في ذروة ريادتها للخط القومي .
بعد خروج فرنسا من الجزائر ورثّت الدولة الجزائرية الفتيّة معضلات أثرّت الى أبعد الحدود في مسار الدولة الجزائرية وأداءها السياسي والاقتصادي , فلقد تركت فرنسا الخزينة الجزائرية خالية وخاوية بعد أن قامت بسلب كل ما فيها و سحبت معها كل الودائع والأموال والسيولة التي كانت موجودة في البنوك , كما أنّ المحتلين الفرنسيين ونكاية بالثورة الجزائرية والجزائريين حطمّوا معظم الجرارات والألات الزراعيّة , الأمر الذي ألحق أكبر الأضرار بالزراعة الجزائرية وأبقى الجزائر تابعة زراعيا لفرنسا والى يومنا هذا , كما أدّى خروج الأساتذة الفرنسيين من الجزائر الى شغور فظيع في القطاع التربوي والتعليمي . وفوق هذا وذاك فقد خلفّت فرنسا في الجزائر مرضا ظلّ ومازال يفتك بالجزائر وهو مرض الأمية التي قدرّت سنة 1962 ب 80 بالمائة .
وكان التحدي الأول الذي واجه الدولة الجزائرية هو قلّة الخبراء والأكفاء الذين لهم القدرة على تسيير دفّة الحكم , فأضطرّت الدولة الجزائرية الفتية الى الاستعانة بالمحسوبين على الثقافة الفرنسية من الجزائريين الذين تلقوا تعليمهم في باريس وكان بعضهم يؤمن بفرنسا أكثر منه بالجزائر . وبدافع سدّ النقص أصبح دعاة الثقافة الفرانكفونيّة هم أصحاب الحل والربط ومن جملتهم المهندس سيد أحمد غزالي الذي تخرج من الجامعات الفرنسية كمهندس في الطاقة وعين لدى عودته الى الجزائر مديرا لقطاع الطاقة الذي كانت تشرف عليه فرنسا في الجزائر .
وهذا لا يعني أنّ أحمد بن بلّة لم يكن قلقا على مصير الثقافة العربية , بل كان يؤمن بعروبة الجزائر ولذلك قام باستدعاء ألاف الأساتذة العرب من مصر والعراق وسوريا للمساهمة في قطاع التعليم , وقد اصطدم هؤلاء التربويون العرب بمجموعة كبيرة من العراقيل البيروقراطية والتي كان يضعها في طريقهم سماسرة الثقافة الفرانكفونية وأختار العديد من هؤلاء المتعاونين العودة الى بلادهم وبذلك تمّ الاجهاز على مشروع التعريب الذي مازال متعثرا الى يومنا هذا .
ورغم ايمانه بعروبة الجزائر الاّ أنّ بلة كان مهووسا بالفكر الاشتراكي اليساري وكان متحمسا لبعض التجارب التي كانت سائدة في البلاد الاشتراكية , وتحمسّه للفكر الاشتراكي واليساري جعله يصطدم بالرجل الثاني في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الشيخ البشير الابراهيمي الذي ورث خلافة الجمعية من الشيخ عبد الحميد بن باديس الذي أدركته المنيّة قبل اندلاع الثورة الجزائرية , وفسرّ البعض ذلك الصدام بأنّه بداية الطلاق بين النظام الجزائري والخط الاسلامي الذي كانت تمثله جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بقيادة الشيخ البشير الابراهيمي . وبدأ الطلاق عندما اتهم البشير الابراهيمي الرئيس أحمد بن بلّة بتغييب الاسلام عن معادلات القرار الجزائري وذكّر بن بلة بدور الاسلام في تحرير الجزائر والجزائريين من ربقة الاستعمار الفرنسي , وبسبب هذا التصادم وضع الشيخ البشير الابراهيمي تحت الاقامة الجبرية وقطع عنه الراتب الشهري وبقيّ كذلك بدون راتب وتحت الاقامة الجبرية الى أن وافته المنية في يوم الجمعة من 20 محرّم سنة 1375 هجرية الموافق ل 21 مايو –أيّار سسنة 1965 . ويقول بعض المؤرخين الجزائريين أنّ التصادم بين أحمد بن بلة والشيخ البشير الابراهيمي سببه البيان الذي أصدره الابراهيمي في 16 أبريل –نيسان سنة 1964
, وهذا نصّ البيان . باسم الله الرحمان الرحيم كتب الله لي أن أعيش حتى استقلال الجزائر ويومئذ كنت أستطيع أن أواجه المنيّة مرتاح الضمير , اذ تراءى لي أني سلمت مشعل الجهاد في سبيل الدفاع عن الاسلام الحق والنهوض باللغة- ذلك الجهاد الذي كنت أعيش من أجله – الى الذين أخذوا زمام الحكم في الوطن ولذلك قررت أن ألتزم الصمت .
غير أني أشعر أمام خطورة الساعة وفي هذا اليوم الذي يصادف الذكرى الرابعة والعشرين لوفاة الشيخ عبد الحميد بن باديس –رحمه الله – أنّه يجب عليّ أن أقطع الصمت , ان وطننا يتدحرج نحو حرب أهلية طاحنة ويتخبط في أزمة روحية لا نظير لها ويواجه مشاكل اقتصادية عسيرة الحل , ولكنّ المسؤولين فيما يبدو لا يدركون أن شعبنا يطمح قبل كل شيئ الى الوحدة والسلام والرفاهية وأن الأسس النظرية التي يقيمون عليها أعمالهم يجب أن تبعث من صميم جذورنا العربية والاسلامية لا من مذاهب أجنبيّة . لقد ان للمسؤولين أن يضربوا المثل في النزاهة وألاّ يقيموا وزنا الاّ للتضحية والكفاءة وأن تكون المصلحة العامة هي أساس الاعتبار عندهم , وقد ان أن يرجع الى كلمة الأخوة التي أبتذلت –معناها الحق –
وأن نعود الى الشورى التي حرص عليها النبيّ صلىّ الله عليه وسلم , وقد ان أن يحتشد أبناء الجزائر كي يشيّدوا جميعا مدينة تسودها العدالة والحرية , مدينة تقوم على تقوى من الله ورضوان ..
الجزائر في 16 أبريل – نيسان 1964 . توقيع : محمّد البشير الابراهيمي . ومثلما دخل أحمد بن بلة في صراع مع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين , فقد دخل في صراع أخر مع رفاق دربه بالأمس , حيث شعر العديد من مفجرّي الثورة الجزائرية أن البساط قد سحب من تحتهم وأنهم باتوا بدون أدوار في مرحلة الاستقلال و بدأت الفتنة تطل برأسها بين الأخوة الأعداء وتمّ تدشين أولى الاغتيالات السياسية في الجزائر والتي تواصلت في عهد هواري بومدين و رافقت كل العهود الجزائرية , وقد بلغت هذه الاغتيالات الذروة في عهد محمد بوضياف
وعلى كافي واليامين زروال . وفي عهد أحمد بن بلة أعدم العقيد شعباني , كما أغتيل في اسبانيا محمّد خيضر أحد قادة الثورة الجزائرية, أما حسين أيت أحمد الذي كان مغضوبا عليه فقد فرّ الى باريس و أسسّ جبهة القوى الاشتراكية , وتمّ اعتقال محمد بوضياف وحكم عليه بالاعدام وبعد تدخل العديد من الوسطاء خرج من السجن وغادر الجزائر متوجها الى فرنسا
ومنها الى مدينة القنيطرة في المغرب حيث قضّى فيها قرابة ثلاثين سنة قبل أن تستغيث به المؤسسة العسكرية في الجزائر ليكون رئيسا خلفا للشاذلي بن جديد الذي أقالته نفس المؤسسة غداة الانتخابات الاشتراعية التي فازت فيها الجبهة الاسلامية للانقاذ في أواخر 1991 .


..







التوقيع

"اللّهم طهر أعمالنا من الرياء وألسنتنا من الكذب"
ملاحظة :ماأنقله لايعبر بالضرورة عن قناعاتي وإنما أنقله للتدوين والمطالعة .
رد مع اقتباس
قديم 15-02-2007, 13:56 رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
نورالدين خبابه
كاتب جزائري


افتراضي


وفي باريس ألفّ محمد بوضياف كتابا بعنوان :
الجزائر الى أين !
عالج فيه مصير الجزائر بعد استقلالها .
ووسط هذه الخلافات السياسية ترأس بن بلة الدولة الجزائرية وحاول الاستعانة بدول المحور الاشتراكي ف
ي ذلك الوقت لتجاوز مخلفّات الاستعمار , وفي بداية عهده أولى بن بلة القطاع الاقتصادي والتربوي أهمية خاصة , فعلى المستوى الاقتصادي نهجت الجزائر
نهج الاقتصاد الموجّه والمسيّر وكانت الحكومة الجزائرية تستعين في هذا المجال
بالمساعدات القادمة من الصين ويوغوسلافيا السابقة ومصر وباقي الدول التي ناصرت الثورة الجزائرية . وكانت هناك معضلة تواجه الاقتصاد الجزائري تمثلت في سيطرة فرنسا على قطاع الطاقة
وأستفردت ولسنوات عديدة في الاستفادة من الثروات الطبيعية الجزائرية وكانت الشركات الفرنسية تتولى التنقيب عن النفط وتسويقه , وبدل أن يكون النفط الجزائري في خدمة الشعب الجزائري الذي أنهكته الحقبة الاستعمارية الفرنسية , فقد واصلت فرنسا عملية السلب والنهب الى أن قام الرئيس الجزئري هواري بومدين بتأميم النفط .
وقد وجدت الدولة الفتية صعوبة بالغة في اعادة تأهيل البنى التحتية واعادة الروح الى القطاع الزراعي والاقتصادي ,ورغم أن عدد الشعب الجزائري لم يتجاوز تاريخئذ 12 مليون نسمة الاّ أنّ الحكومة الفتية وجدت صعوبة في ايجاد الحلول للمشاكل العالقة .
وفي العهد الاستعماري كانت السلطات الفرنسية
تخصّ بالاهتمام المناطق الأهلة بالسكان الفرنسيين كالجزائر العاصمة ووهران والبليدة وغيرها أما القرى النائية والأرياف فقد كانت محرومة من أبسط أساليب العيش الكريم كالكهرباء والماء والمستوصفات وماالى ذلك من نقائص ,و وجدت الدولة الجزائرية الفتية صعوبات في اعادة تأهيل القرى والمناطق الريفية , وبقيّ وضعها على ماهو عليه الى أن تولىّ الرئيس هواري بومدين الحكم بانقلاب عسكري فأولى الفلاحين المحرومين بعضا من اهتمامه .
وعلى مستوى بنيوية الدولة فقد كانت مفاصلها بيد المؤسسة العسكرية التي كانت متحالفة مع حزب جبهة التحرير الوطني الذي كان الحزب الوحيد الحاكم الى بداية الانفصال بين السلطة و حزب جبهة التحرير الوطني عقب خريف الغضب الجزائري في 05 أكتوبر –تشرين الأول 1988 , وكانت الدولة أنذاك تفتقد الى المؤسسات الدستورية بل كانت تكتفي بالتلويح دوما بالشرعية الثورية , وعندما شعرت الدولة بحاجتها الى مؤسسة تشريعية قامت بتشكيل مؤسسة شبه اشتراعية تمّ تعيين كل أعضائها وكان يشترط في العضو أن يكون منتمياّ الى حزب جبهة التحرير الوطني .
علاقات الجزائر الدولية : على الرغم من أن الدولة الجزائرية الفتية قررت اقامة علاقات حسنة ومميزة مع كل الذين وقفوا الى جانب الثورة الجزائرية , الاّ أنّ حكومة بن بلة وجدت نفسها في مهب العاصفة مع المغرب بسبب خلافات حدودية بين الجزائر والمغرب , وفي سنة 1963 نشبت مناوشات على الحدود بين البلدين وقد شكلت هذه المناوشات لبنة الصراع السياسي الحاد بين الرباط والجزائر الذي مافتئ يتفاقم ويتفاعل على امتداد ثلاثة عقود .
وكانت علاقات الجزائر مع كل من ليبيا وموريتانيا وتونس الى حدّ ما جيدة الى أن أصبحت قضية الصحراء الغربية هي معيار التوازن في علاقات الجزائر المغاربية حيث باتت ساعتها خاضعة للمدّ والجزر .
وعلى صعيد علاقات الجزائر مع بقية الدول العربية كمصر والعراق وسوريا فقد كانت ايجابية , كما حرص بن بلة على مدّ جسور التواصل مع الدول الاشتراكية بدءا بموسكو ومرورا بهافانا ووصولا الى بلغراد . السقوط :
كان أحمد بن بلة يثق ثقة عمياء في وزير دفاعه هواري بومدين , فهذا الأخير هو الذي نصبّ بن بلة على رأس الدولة الجزائرية الفتية وهو الذي مهدّ له الطريق باتجاه قمة هرم السلطة , ولم يكن بن بلة يتوقع أن تأتيه طعنة بروتوس من صديقه هواري بومدين .
وبومدين الذي أطاح بأحمد بن بلة بانقلاب كان يعتبر أن بن بلة خرج عن خط الثورة الجزائرية واستأثر بالسلطة و كان يتهمه بالديكتاتورية والشوفينية وكان يأخذ عليه احتكاره لتسعة مناصب حساسة في وقت واحد , وكان بومدين يزعم أنه لجأ الى الانقلاب انقاذا للثورة وتصحيحا للمسار السياسي و حفاظا على مكتسبات الثورة الجزائرية .
ومهما كانت مبررات الانقلاب فانّه سنّ سنّة سيئة في الجزائر وأعتبر هذا الانقلاب بداية الانحراف في السياسة الرسمية الجزائرية التي مازالت أزمة الشرعية احدى معالمها .
وغداة الانقلاب عليه وضع أحمد بن بلة في فيلا خاصة في منطقة شبه معزولة ولم يسمح لأحد بزيارته , ولم تجد تدخلات جمال عبد الناصر الشخصية في اطلاق سراحه , وذهبت سدى كل المحاولات التي قام بها رؤساء الدول الذين كانت تربطهم بابن بلة علاقات صداقة .
وعن فترة اعتقاله التي استمرّت 15 سنة قال أحمد بن بلة أنّه استفاد من أجواء العزلة واستغلّ أوقاته في المطالعة والقراءة حيث بدأ يتعرف الى الفكر الاسلامي وغيره من الطروحات الفكرية .
وقد تزوجّ وهو في السجن من صحافية جزائرية تعرفت عليه عندما كان رئيسا للدولة الجزائرية .
وعندما وصل الشاذلي بن جديد الى السلطة سنة 1980 أصدر عفوا عن أحمد بن بلة حيث غادر الجزائر متوجها الى باريس ومنها الى سويسرا في منفى اختياري , وعندما كان في باريس أسسّ حزبا أطلق عليه اسم الحركة من أجل الديموقراطية , وكانت هذه الحركة تصدر مجلتين هما البديل وبعده منبر أكتوبر تيمنا بانتفاضة أكتوبر الجزائرية سنة 1988







التوقيع

"اللّهم طهر أعمالنا من الرياء وألسنتنا من الكذب"
ملاحظة :ماأنقله لايعبر بالضرورة عن قناعاتي وإنما أنقله للتدوين والمطالعة .
رد مع اقتباس
قديم 15-02-2007, 13:59 رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
نورالدين خبابه
كاتب جزائري


افتراضي

.
وقد عارض نظام الشاذلي بن جديد وحزب جبهة التحرير الوطني والأحادية السياسية ,
وكان يطالب بحياة سياسية تتسم بالديموقراطية واحترام حقوق الانسان .
وبعد دخول الجزائر مرحلة الديموقراطية التنفيسية عقب خريف الغضب في 05 تشرين الأول – أكتوبر – 1988 عاد أحمد بن بلة الى الجزائر على متن باخرة أقلعت من أسبانيا وكان برفقته مئات الشخصيات الجزائرية والعربية والأجنبية , وواصل في الجزائر معارضته للنظام الجزائري من خلال حركته من أجل الديموقراطية .
ولم يحقق حزب أحمد بن بلة أي نجاح يذكر أثناء الانتخابات التشريعية الملغاة والتي جرت في 26 كانون الأول –ديسمبر 1991 وعلى الرغم من ذلك فانّ أحمد بن بلة كان معترضا على الغاء الانتخابات التشريعية وكان يطالب بالعودة الى المسار الانتخابي وكان يعتبر المجلس الأعلى للدولة – رئاسة جماعية –
الذي تشكل بعد الغاء الانتخابات واقالة الشاذلي بن جديد سلطة غير شرعية . وعندما حلّت الجبهة الاسلامية للانقاذ من قبل السلطة الجزائرية اعترض على ذلك وغادر الجزائر مجددا وتوجه الى سويسرا ومافتئ هناك يطالب بالمصالحة الوطنية المؤجلة و عاد الى الجزائر مجددا وقابل عندها رئيس الحكومة بلعيد عبد السلام الذي قال لبن بلة : أن هناك مجموعة من الضباط يقفون ضد الحوار وطلب بلعيد من بن بلة التحرك لقص أجنحة رافضي الحوار , ويبدو أن أجنحة بلعيد عبد السلام هي التي قصّت وأقيل من منصبه . أراء بن بلة في مختلف القضايا :
عندما سئل بن بلة بعد خروجه من السجن وتوجهه الى فرنسا ومنها الى سويسرا هل أنت لائكي –علماني – أجاب بأنّه ليس لائكيا وليس من دعاة اللائكية ,و هي نتاج غربي محض وجاءت لتحلّ محل الكنيسة ونجم عن ذلك الفصل مابين الدين والدولة ومن يدعو الى اللائكية كما قال بن بلة فهو يريد أن يلبس جلدا غربيا لجسد اسلامي , انّه يريد تغريب مجتمعه ويبعده عن الحضارة الاسلامية الاطار الصحيح لأي منظور سياسي في الحكم .
وفي هذا المجال أيضا قال بن بلة أنه يرفض حكم الفقهاء وأنّه ليس خمينيا ولا يلبس عباءة أي شخص , أنّه مجرد مواطن جزائري ومناضل في حزب الشعب ثمّ حركة انتصار الحريات الديموقراطية ثمّ مجاهد في أول نوفمبر وأحد مناضلي جبهة التحرير الوطني كما قال بن بلة عن نفسه . وقال بن بلة :
أنا أفتخر بأنني أحد مناضلي جبهة التحرير الوطني التي كانت تتويجا للنضالات الجزائرية من الأمير عبد القادر الجزائري مرورا بأولاد سيدي الشيخ والمقراني والشيخ الحدّاد وبومعزة بوزيان و الزعاطشة , ومذبحة 08 ماي – أيّار 1945 في قالمة وسطيف وخراطة وهي سلسلة نضالات وانتفاضات شعبية متكاملة نابعة من قيّمنا العربية والاسلامية , أنا أنطلق من هذه القيم مجتمعة . وسئل بن بلة عن رأيه في الذين قادوا انقلابا عليه ووعدوا الشعب الجزائري بكتاب أبيض فأجاب : ليس من حقي أن أقول للشعب الجزائري ما يعرفه ويحس به يوميا , أنا لن أطالبهم بالكتاب الأبيض لأن الشعب الجزائري يدرك من أعماقه ذلك , أولم يعدوا الشعب الجزائري في 19 جوان – حزيران 1965 –تاريخ الانقلاب على حكم أحمد بن بلة – بانشاء دولة القانون واحترام كل المؤسسات السياسية والتشريعية القائمة ! أين هي الدولة ! أو لم ينهوا مسيرة المجلس الشعبي الوطني ! قال أحمد بن بلة والذي استطرد قائلا :
أولم يلغوا اللجنة المركزية والمكتب السياسي ! وسئل بن بلة عن الثقافة في الجزائر فقال : هل توجد ثقافة في الجزائر ! هل يوجد في ذهن مسؤول جزائري تقلدّ وزارة الثقافة مشروع ثقافي ! ألم يهن الكتاب والمفكرون ! وسئل عن الدولة في عهده فقال : أنا الذي كونت الدولة الجزائرية بعد استرجاع السيادة الوطنية , وهذا شرف أفتخر به , ذلك أن اتفاقيات ايفيان –وهي التي أفضت الى استقلال الجزائر – فرضت ضرورة وجود طرف قويّ لتحمل المسؤولية و كان لابدّ لنا من اللجوء الى الانتخابات الشعبية وتأميم أراضي الكولون , ما يقرب من 03ملايين هكتار و أراضي الباشاوات – الجزائريون الذين كانوا يتعاملون مع السلطات الفرنسية وجمعوا ثروات جرّاء هذه العمالة - , وأعتقد أن المشروع الحقيقي للثورة الزراعية بدأ في عهد تأميمنا للأراضي التي لم تكن للجزائر وانما للكولون – المستعمرين – وعملائهم . وقال بن بلة :
وقد لجأت الى التسيير الذاتي وتأميم البنوك و انتهاج سياسة خارجية فعالة لمدّة لم تتجاوز السنتين والنصف , ولم تكن في أيدينا أموال النفط والغاز , ومع ذلك قمنا بحل الكثير من المشاكل الاجتماعية وقضينا على ظواهر عديدة مثل ظاهرة المتسولين وماسحي الأحذية وغيرها .
وقمنا بحملات ضخمة للتشجير ومحاربة التصحّر , وكانت المدينة نظيفة بشوارعها وسكانها ولم تكن هناك أفكار تحقد على الثورة كما هو الأن , كان المواطن الجزائري مستعدا للتضحية في سبيل وطنه , ولم تكن هناك ظاهرة الرشوة كما هو الأن . وسئل عن موقفه من اللغة العربية والبربرية ! ولماذا لجأ في عهده الى محو الأمية باللغة الفرنسية ! فأجاب : أعتبر أنه من العيب أن نأتي بعد ربع قرن لنسأل عن موقفنا من اللغة العربية , أنا ضدّ من يطرح أي لغة أخرى مهما كانت , فعلى مستوى اللغة العربية فهي لغتنا الوطنية , ولا يمكن التخلي عنها أو تشجييع أي لغة أخرى منافسة لها , أنا بربري في الأصل وتراثي البربري تدعيم لأصالتي العربية والاسلامية ومن ثمّة لا أسمح بوجود لغتين وطنيتين : عربية وبربرية , انّ اللغة الوطنية الوحيدة هي اللغة العربية , أما البربرية فتدخل في حيّز التراث الذي يتطلب منا اثراؤه ودعم الايجابي منه . وردّ على الاتهام بقوله : بدأنا بمحو الأمية بالفرنسية ,و لم يكن عندنا ما يكفي من المعلمين باللغة العربية لتسيير مؤسسة تربوية واحدة وقد لجأنا لاحقا الى التعريب , لقد أحضرنا جيشا من الأساتذة من مختلف الأقطار العربية وشرعنا في اعداد برنامج وطني للتعليم في مختلف مستويات التعليم .
و كناّ نعد لاصدار قرار بعد قرار التسيير الذاتي يقضي بتعريب الجامعة , وقام السيد الطاهر الذي كلفته باعداد المشروع القاضي بدراسة مختلف المؤسسات التعليمية واحتياجاتها وبرامجها الاّ أن الانقلاب كان أسبق من الاعلان عن المشروع الوطني للتعريب وكنا ندرك جيدا أهمية تعريب الجامعة وهذا لا يعني أنه لم يكن هناك برنامج للتعليم بل لقد بدأنا بالتعليم الأصلي .
وسئل بن بلة عن وفائه لجمال عبد الناصر فقال :أنا وفيّ لفكر جمال عبد الناصر لأنني أعتبره رجلا عظيما ساهم في دعم الثورة الجزائرية أكثر من أي شخص أخر في الوطن العربي الذي تحكمه أطراف متناقضة ومتباينة مثل عبد الاله في الأردن ونوري السعيد في العراق وعبود السودان وكانت تعيش تابعة للغير ,باستثناء عبد الناصر الذي كان يمثل الوفاء للثورة الجزائرية في مختلف مراحلها , والجزائريون مدينون لهذا الرجل وأظن أنّ خروج الشعب الجزائري الى الشارع يوم وفاته كان دليلا على وجوده في وجدانهم وضمائرهم ولا نستطيع أن نحصي ما قدمّه للثورة الجزائرية في سطور كما قال أحمد بن بلة . وعما يريده من الجزائر بعد ثلاثين سنة من استقلالها قال :
ما أطالب به هو تحرير البلاد - أي الجزائر – من التبعية والرجوع الى الأصل العربي والاسلامي ووضع حدّ للهيمنة الرأسمالية الغربية واقامة وحدة بين الدول المغاربية ….. ذلك هو أحمد بن بلة اليوم بعيدا عن السلطة التي يبدي ندمه الكبير على سنوات وجوده في قمة هرمها , بن بلة اليوم غيره البارحة , وبن بلة الثائر غير بن بلة السلطوي وكلاهما غير بن بلة المعارض , ومهما قيل ويقال عن بن بلة ومرحلة حكمه يبقى الرجل من الرموز التي ساهمت في تحرير الجزائر من ربقة الاستعمار الفرنسي







التوقيع

"اللّهم طهر أعمالنا من الرياء وألسنتنا من الكذب"
ملاحظة :ماأنقله لايعبر بالضرورة عن قناعاتي وإنما أنقله للتدوين والمطالعة .
رد مع اقتباس
قديم 15-02-2007, 14:06 رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
نورالدين خبابه
كاتب جزائري
إحصائية العضو








آخر مواضيعي

نورالدين خبابه est déconnecté


افتراضي


الجزائر في عهد بومدين هواري بومدين :

رجل الثورة والدولة .
في مساء يوم 28 أيلول –سبتمبر 1962
و عند الساعة الثامنة وخمس دقائق عقد المجلس الوطني التأسيسي – هيئة البرلمان – دورته الثالثة
لمنح الثقة لحكومة أحمد بن بلّة رئيس الحكومة , وقد افتتح الجلسة رئيس المجلس الوطني التأسيسي فرحات عبّاس وبعد اجراءات الافتتاح تقدمّ أحمد بن بلة الى المنصة وألقى خطابا , هذه مقدمته :
سيداتي سادتي , بعد فترة سيطرة الاستعمار التي هيمنت على البلاد طيلة 132 سنة
, وبعد حرب تحريرية دامت سبع سنوات , أصبح الشعب الجزائري مستقلا وأصبحت الأمة الجزائرية حرّة , و أعلنت الجمهورية الديموقراطية الشعبية .
فكل موتانا الذين قدموا أنفسهم فداء للحرية أحياء , وكل من تعذبّ وأتلفت أرزاقه وكل من يحمل على جلده جروح تعذيب المستبدين وكل الضحايا المجهولين أبطال التحرير الوطني
وكل من ساعد الشعب الجزائري على الصمود والانتصار كلهم يستحقون اليوم اعتراف الوطن الذي تمكنّ بفضلهم من نيل حقوقه وكرامته .
سيداتي سادتي انّ هذا الاعتراف بالجميل لا يمكن أن يأخذ عبرته منّا الاّ اذا اتعظنا بما سبق لنا من الدروس في كفاح شعبنا البطل , خصوصا وأنّ ذلك الكفاح قد أعطانا بشائر الأمل الدائم, وجهودنا في سبيل التحرير كانت تتسم بالأخوة والحماس الخالص ويجب علينا اليوم أن نتممّ تلك الجهود بنفس تلك الروح لبناء الوطن وتشييده .
وبعد هذا الخطاب الطويل تمّ الاعلان عن التشكيلة الحكومية الجديدة والتي جاءت كالتالي:
رئيس الحكومة : أحمد بن بلة .
نائب رئيس الحكومة : رابح بيطاط .
وزير العدل : عمّار بن تومي .
وزير الداخلية : أحمد مدغري .
وزير الدفاع الوطني : هواري بومدين .
وزير الخارجية : أحمد خميستي .
وزير المالية : أحمد فرنسيس .
وزير الزراعة: عمّار أوزقان .
وزير الاقتصاد : محمد خبزي .
وزير الطاقة : عروسي خليفة .
وزير البناء : أحمد بومنجل .
وزير العمل : بشير بومعزة .
وزير التربية الوطنية :
عبد الرحمان بن حميدة .
وزير الصحة : محمد الصغير نقاش .
وزير البريد : موسى حساني .
وزير المجاهدين : محمدي السعيد .
وزير الشباب : عبد العزيز بوتفليقة .
وزير الأوقاف : توفيق مدني .
وزير الأخبار : محمد حاج حمو .
وكما برز هواري بومدين كقائد عسكري محترف ايّام الثورة الجزائرية , برز أيضا كوزير للدفاع في حكومة أحمد بن بلة , ولقد أمسك بذلك بأهم حقيبة وزارية بعد الاستقلال وسوف يكون لهواري بومدين مستقبلا دورا مركزيا في تاريخ الجزائر المعاصر . لكن من هو هواري بومدين ! هواري بومدين :
هواري بومدين أو محمد بوخروبة كما هو اسمه الصريح لعب دورا كبيرا في تاريخ الجزائر ايّام ثورتها ضدّ الاستعمار الفرنسي , وبعد الاستقلال عندما تولى الاشراف على المؤسسة العسكرية التي تعرف في الجزائر بالمؤسسة السيدة بدون منازع وبفضل هذا المنصب تمكنّ من الاطاحة بالرئيس أحمد بن بلة في 19 حزيران- جوان 1965 .
ولد هواري بومدين في مدينة قالمة الواقعة في الشرق الجزائري وتعلم في مدارسها ثمّ التحق بمدارس قسنطينة معقل جمعية العلماء المسلمين الجزائريين , ومعقل دعاة العروبة والاسلام . رفض هواري بومدين خدمة العلم الفرنسي – كانت السلطات الفرنسية تعتبر الجزائريين فرنسيين ولذلك كانت تفرض عليهم الالتحاق بالثكنات الفرنسية لدى بلوغهم السن الثامنة عشر – وفرّ الى تونس سنة 1949 والتحق في تلك الحقبة بجامع الزيتونة الذي كان يقصده العديد من الطلبة الجزائريين , ومن تونس انتقل الى القاهرة سنة 1950 حيث التحق بجامع الأزهر الشريف .
وعندما اندلعت الثورة الجزائرية في 01 تشرين الثاني –نوفمبر 1954 التحق بجيش التحرير الوطني وكان مسؤولا عسكريّا في منطقة الغرب الجزائري , وتولى قيادة وهران من سنة 1957 والى سنة 1960 ثمّ تولى رئاسة الأركان من 1960 والى تاريخ الاستقلال في 05 تموز –يوليو 1962 , وعيّن بعد الاستقلال وزيرا للدفاع ثم نائبا لرئيس مجلس الوزراء سسنة 1963 دون أن يتخلى عن منصبه كوزير للدفاع .
و في 19 حزيران –جوان 1965 قام هواري بومدين بانقلاب عسكري أطاح بالرئيس أحمد بن بلة ,وأصبح بذلك أول رئيس يصل الى السلطة في الجزائر عن طريق انقلاب عسكري . علي بوهزيلة ابن خال هواري بومدين عندما طلب منه الحديث عن هواري بومدين قال: ماذا تريدون معرفته بالضبط ! هناك أمور عديدة لم تذكر عن بومدين ! بومدين كان رجلا عظيما , قضى عمره كاملا من أجل القضية الوطنية , لكن بعد وفاته دفنوا تاريخه و ألغوا اسمه ولولا المطار في الجزائر العاصمة الذي يحمل اسمه لنسيّ الناس من يكون هواري بومدين , والفوضى التي شهدتها الجزائر تعود الى الفراغ الذي خلفّه موت هواري بومدين . حياة هواري بومدين كطفل وشاب أحفظها عن ظهر قلب , وكنت من أقرب أبناء عمومته اليه و كنا نحكي كل كبيرة وصغيرة , وكان لنا صديق ثالث هو ابن خالته مصطفى صالح الذي استشهد أثناء ثورة التحرير . بومدين ابن فلاح بسيط من عائلة كبيرة العدد ومتواضعة ماديا , ولد سنة 1932 وبالضبط في 23 أب –أوت في دوّار بني عدي مقابل جبل هوارة على بعد بضعة كيلوميترات غرب مدينة قالمة , وسجّل في سجلات الميلاد ببلدية عين أحساينية – كلوزال سابقا -. في صغره كان والده يحبه كثيرا ويدلّله رغم ظروفه المادية الصعبة قررّ تعليمه و لهذا دخل الكتّاب – المدرسة القرأنية – في القرية التي ولد فيها , وكان عمره أنذاك 4 سنوات , وعندما بلغ سن السادسة دخل مدرسة ألمابير سنة 1938 في مدينة قالمة – وتحمل المدرسة اليوم اسم مدرسة محمد عبده -, وكان والده يقيم في بني عديّ ولهذا أوكل أمره الى عائلة بني اسماعيل وذلك مقابل الفحم أو القمح أو الحطب وهي الأشياء التي كان يحتاجها سكان المدن في ذلك الوقت . وبعد سنتين قضاهما في دار ابن اسماعيل أوكله والده من جديد لعائلة بامسعود بدار سعيد بن خلوف في حي مقادور والذي كان حياّ لليهود في ذلك الوقت – شارع ديابي حاليا- وبعد ثماني سنوات من الدراسة بقالمة عاد الى قريته في بني عدي , وطيلة هذه السنوات كان بومدين مشغول البال شارد الفكر لا يفعل ما يفعله الأطفال , لكنّه كان دائما يبادرك بالابتسامة وخفة الروح رغم المحن التي قاساها منذ صغره . لقد كان بومدين يدرس في المدرسة الفرنسية وفي نفس الوقت يلازم الكتّاب من طلوع الفجر الى الساعة السابعة والنصف صباحا
ثمّ يذهب في الساعة الثامنة الى المدرسة الفرنسية الى غاية الساعة الرابعة وبعدها يتوجّه الى الكتّاب مجددا . وفي سنة 1948 ختم القرأن الكريم وأصبح يدرّس أبناء قريته القرأن الكريم واللغة العربية
وفي سنة 1949 ترك محمد بوخروبة – هواري بومدين – أهله مجددا وتوجه الى المدرسة الكتانية في مدينة قسنطينة الواقعة في الشرق الجزائري , وكان نظام المدرسة داخليّا وكان الطلبة يقومون بأعباء الطبخ والتنظيف . وفي تلك الأونة كان عمه الحاج الطيب بوخروبة قد عاد من أداء فريضة الحجّ مشيا على الأقدام , وبعد عودته ذهب اليه محمد –هواري بومدين – ليقدمّ له التهاني
وكان هواري يسأل عمه عن كل صغيرة وكبيرة عن سفره الى الديار المقدسة , وكان عمه يخبره عن كل التفاصيل ودقائق الأمور وكيف كان الحجاج يتهربون من الجمارك والشرطة في الحدود وحدثّه عن الطرق التي كان يسلكها الحجّاج , وكان بومدين يسجّل كل صغيرة وكبيرة , وكان بومدين يخطط للسفر حيث أطلع ثلاثة من زملائه في المدرسة الكتانية على نيته في السفر وعرض عليهم مرافقته فرفضوا ذلك لأنهم لا يملكون جواز سفر
فأطلعهم على خريطة الهروب وقال : هذا هو جواز السفر . وقبل تنفيذ الخطة تمّ استدعاؤه للالتحاق بالجيش الفرنسي لكنّه كان مؤمنا في قرارة نفسه بأنه لا يمكن الالتحاق بجيش العدو ولذلك رأى أنّ المخرج هو في الفرار والسفر, وعندما تمكن من اقناع رفاقه بالسفر باعوا ثيابهم للسفر برا باتجاه تونس . ومن تونس توجه بومدين الى مصر عبر الأراضي الليبية ,وفي مصر التحق وصديقه بن شيروف بالأزهر الشريف
وقسّم وقته بين الدراسة والنضال السياسي حيث كان منخرطا في حزب الشعب الجزائري , كما كان يعمل ضمن مكتب المغرب العربي الكبير سنة 1950 , وهذا المكتب أسسّه زعماء جزائريون ومغاربة وتونسيون تعاهدوا فيما بينهم على محاربة فرنسا وأن لا يضعوا السلاح حتى تحرير الشمال الافريقي , ومن مؤسسي هذا المكتب علال الفاسي من المغرب وصالح بن يوسف من تونس وأحمد بن بلة وأية أحمد من الجزائر وكان هذا المكتب يهيكل طلبة المغرب العربي الذين يدرسون في الخارج . وقد أرسل مكتب المغرب العربي هواري بومدين الى بغداد ليدرس في الكلية الحربية وكان الأول في دفعته , وطيلة هذه الفترة كان يراسل والده الذي كان بدوره يبعث لولده ماتيسّر من النقود
وذلك عن طريق صديق بومدين عجّابي عبد الله . وعندما تبيّن للسلطات الفرنسية أن المدعو محمد بوخروبة –هواري بومدين – فرّ من خدمة العلم قامت بحملة بحث عنه ,وأنهكت والده بالبحث والتفتيش والاستدعاءات وتحت وطأة الضغط اعترف والد بومدين بالأمر وأعترف أن ابنه سافر للدراسة في مصر
وحصلت السلطات الفرنسية على عنوان بومدين من أبيه وقامت السلطات الفرنسية بارسال مذكرة بهذا الخصوص الى السفارة الفرنسية في القاهرة , وكان الملك فاروق هو صاحب السلطة أنذاك في مصر وتقرر طرد بومدين من مصر واعادته الى الجزائر , لكن ثورة الضباط الأحرار أنقذت هواري بومدين و انتصارها جعل بومدين يبقى في مصر . وعندما عاد صديق هواري بومدين عبد الله العجابي الى الجزائر ليلتحق بالثورة الجزائرية سنة 1955








التوقيع

"اللّهم طهر أعمالنا من الرياء وألسنتنا من الكذب"
ملاحظة :ماأنقله لايعبر بالضرورة عن قناعاتي وإنما أنقله للتدوين والمطالعة .
رد مع اقتباس
قديم 15-02-2007, 14:11 رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
نورالدين خبابه
كاتب جزائري


افتراضي


ألقيّ عليه القبض في مدينة تبسة الجزائرية وهنا فتح ملف هواري بومدين مجددا , وأدركت السلطات الفرنسية أن محمد بوخروبة أو هواري بومدين كما هو اسمه الحركي خطر على الأمن القومي الفرنسي .
هذا الرصيد الذي كان لهواري بومدين خولّه أن يحتل موقعا متقدما في جيش التحرير الوطني وتدرجّ في رتب الجيش الى أن أصبح قائدا للأركان ثمّ وزيرا للدفاع في حكومة أحمد بن بلّة .
ومثلما أوصل هواري بومدين بن بلّة الى السلطة فقد أطاح به عند أول منعطف ,وقد بررّ بومدين انقلابه بأنّه للحفاظ على الثورة الجزائرية وخطها السياسي والثوري .
وبعد الاطاحة بحكم الرئيس أحمد بن بلة في 19 حزيران – جوان 1965 تولى هواري بومدين رئاسة الدولة الجزائرية بمساعدة رجل المخابرات القوي أنذاك قاصدي مرباح الذي كان يطلق عليه بومدين لقب المستبّد المتنوّر .
وقد شرع هواري بومدين في اعادة بناء الدولة من خلال ثلاثية الثورة الزراعية والثورة الثقافية والثورة الصناعية على غرار بعض التجارب في المحور الاشتراكي التي كان هواري بومدين معجبا بها .
وغداة استلامه السلطة لم يقلّص هواري بومدين من حجم نفوذ حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم بل استمرّ هذا الحزب في التحكم في مفاصل الدولة , وكان الأساس الذي بموجبه يعيّن الشخص في أي منصب سياسي أو عسكري هو انتماؤه الى حزب جبهة التحرير الوطني , وبالاضافة الى سيطرة الحزب الواحد قام هواري بومدين بتأسيس مجلس الثورة وهو عبارة عن قيادة جماعية تتخذ قرارات في الاختيارات الكبرى للجزائر الداخلية منها والخارجية ,وفي داخل هذا المجلس أتخذت القرارات المصيرية من قبيل تأميم النفط والمحروقات واسترجاع الثروات الطبيعية والباطنية , ومن قبيل تعميم نظام الثورة الزراعية و انتهاج الاقتصاد الموجه واشراف الدولة على كل القطاعات الانتاجية .
لقد عمل هواري بومدين بعد استلامه الحكم على تكريس هيبة الدولة الجزائرية داخليا وخارجيا , وفي بداية السبعينيات توهجّت صورة الجزائر أقليميا ودوليا وباتت تساند بقوة القضية الفلسيطينية وبقية حركات التحرر في العالم , ولعبت الجزائر في ذلك الوقت أدوارا كبيرة من خلال منظمة الوحدة الافريقية و منظمة دول عدم الانحياز .
وعن مشروع بومدين قال مدير جهاز الاستخبارات العسكرية في ذلك الوقت قاصدي مرباح -الذي قتل أثناء الأحداث الدامية التي عرفتها الجزائر في بداية التسعينيات - :
انّ هواري بومدين كان يهدف الى بناء دولة عصريّة تسعد فيها الشريحة الواسعة من هذا الشعب . و من الصحافيين الفرنسيين الذين كتبوا عن هواري بومدين بكثير من الموضوعية الصحافي الفرنسي جاك لاكوتور الذي أشتهر خاصة بكتبه عن سيّر عظماء هذا القرن من أمثال الزعيم الفيتنامي هوشي مينه والزعيم الصيني ماوتسي تونغ والجنرال شارل ديغول .
وقد كتب لاكوتور في جريدة لوموند الفرنسية مقالا عن هواري بومدين يوم 28 كانون الأول –ديسمبر 1978 جاء فيه مايلي : انّ السلطة لتنحت الأفراد بالتقعير والتحديب , فهناك من تنصب لهم التماثيل وهناك من تنفخهم الريح وهناك من تنثرهم غبارا . ومحمد بوخروبة المدعو هواري بومدين لم يكن من أولئك الذين جعلتهم السلطة يتفسخون وكل من عرفه في ذلك الوقت الذي برز فيه من الجبل – يقصد الجبال التي كان يلوذ بها مفجرو الثورة الجزائرية – فلا شكّ أنّه قد انطبع في ذاكرته بصورة ذئب ضامر ذي نظرة هاربة وهو متدثر معطفه الشبيه بمعاطف المخبرين السريين , نصف مطارد ونصف صائد , منغلقا على صمته العدائ الذي لا تقطعه سوى انفجارات الغضب , شخصية هامشية لاذعة كلها ذؤابات وزوايا حادة ومستويات بين - بين , شخصية نمطية للتمرد والرفض .
بعد احدى عشرة سنة من ذلك وفي يوم 3 أيلول – سبتمبر 1973 كان الرئيس بومدين يستقبل في الجزائر العالم الثالث كزعيم وقائد واثق من نفسه وقوته وفصاحته . التقاطيع بقيت حادة , والذؤابات متمردة والصوت أبّح , لكنّ الرجل كان قد تكثف وأستوى عضلا ويقينا , لقد أصبح من القوة بحيث لم يعد في امكانه أن يخاطر بأن يسير في طريق الاعتدال , لقد اكتشف في غضون ذلك البدلات الأنيقة وربطات العنق وتعلمّ اللغة الفرنسية التي صار مذ ذاك يستعملها بفعالية مثيرة للدهشة بالنسبة لأولئك الذين كانوا يجهدون أنفسهم كثيرا لفهم كلام ذلك العقيد المتمرد في الجبال أثناء الحرب .
وعندما استقبل فاليري جيسكار ديستان في نيسان –أفريل – 1975 لم يكن هواري بومدين كريفي خشن من وراء البحار وانما كجار فخور باظهار ثمراته للاعجاب , وفي تلك الأثناء كانت الجزائر قد انتقلت من وضعيتها كطلل من الأطلال في أمبراطورية خربانة الى دولة كلها ورشات ثمّ الى أمة نموذجية للتنمية السلطوية تحت هيمنة وسلطة ابن الفلاّح ذاك الذي فضّل المنفى عن الاستعمار ثمّ فضلّ المعركة الشرسة و عندما أهلّ الاستقلال في الجزائر كان هواري بومدين أول قائد مقاومة يوقّع على النصوص الانعتاقية باللغة العربية ..وهذه الشهادة لهذا الصحافي الفرنسي لا تختلف عن غيرها من الشهادات لكتاب عرب وغربيين .
في سنة 1964 وجّه صحافي مصري سؤالا الى بن بلة حول ماذا يفكر في بومدين الذي كان حاضرا معهما فأجابه الرئيس بن بلة وهو يقهقه ضاحكا :
أنت تعلم أنّه الرجل الذي يقوم باحاكة كل المؤمرات والدسائس ضدّي ! ولم يكن في وسع تلك الدعابة أن تقف في وجه المقدور , فبعد سنة من ذلك اليوم وفي 19 حزيران –جوان – 1965 أختطف أحمد بن بلة ووضع في مكان سري من طرف رجال بومدين نفسه . وفي مجلس الثورة الذي تشكل مباشرة بعد الانقلاب الذي قاده بومدين ضدّ أحمد بن بلة لم يكن أي عضو يملك القدرة على مزاحمة هواري بومدين . بدأ بومدين ينتقل شيئا فشيئا من منطق الثورة الى منطق الدولة وأصبح يحيط بكل تفاصيل الدولة وأجهزتها , وحاول بومدين أن يمزج بين كل الأفكار التي سبق له وأن اطلعّ عليها في محاولة لايجاد ايديولوجيا للدولة التي بات سيدها بدون منازع فمزج بين الاشتراكية والاسلام وبين فرانتز فانون وأبوذر الغفاري وكانت النتيجة بومدين الذي عرفه العالم في السبيعينيات ببرنسه الأسود وسيجاره الكوبي وكأن في ذلك اشارة الى قدرة بومدين على الجمع بين الثنائيات وحتى المتناقضات .وفي ايار –مايو- من عام 1972 استقبل هواري بومدين الرئيس الكوبي فيدل كاسترو وبدا واضحا أنّ الجزائر خلقت لها مكانة في محور الجنوب الذي كان ولا يزال يعيش تراكمات وتداعيات الحقبة الاستعمارية . وفي أيلول –سبتمبر –من سنة 1973 وبمناسبة مؤتمر دول عدم الانحياز , استقبل هواري بومدين أزيد من سبعين من رؤساء الدول وكان جمعا لم يسبق له مثيل في التارييخ من ذلك المستوى .
و في سنة 1974 ترأسّ هواري بومدين في مقر الأمم المتحدة الجمعية الاستثنائية التي انعقدت بطلب منه والتي كرست للعلاقات بين الدول المصنعة وتلك التي تعيل نفسها من خلال بيع مواردها الأولية .
وهذه الأدوار الدولية التي اضطلع بها ترافقت مع محاولات حثيثة في الداخل لبناء الدولة الجزائرية التي أرادها أن تكون ذات امتداد جماهيري وحيث تنعم الجماهير بما تقدمه الدولة من خدمات في كل المجالات وفي عهد بومدين تمّ العمل بما يعرف في الجزائر بديموقراطية التعليم والصحة , حيث أصبح في متناول كل الجزائريين أن يبعثوا أولادهم الى المدارس وللأبناء أن يكملوا التعليم الى نهايته دون يتحملوا عبء شيئ على الاطلاق , وكل المستشفيات والمستوصفات كانت في خدمة الجزائريين لتطبيب أنفسهم دون أن يدفعوا شيئا . وهذا ما جعل بومدين يحظى بالتفاف شعبي لامتحفظ ويستهوي القلوب , وهذا لا يعني أن بومدين كان ديموقراطيا منفتحا على معارضيه , بل كان متسلطا الى أبعد الحدود ومادامت الأمة معه ومادام هو مع الأمة العاملة والفلاحة فهذه هي الديموقراطية ,ليس بالضرورة أن تكون الديموقراطية على السياق الغربي في نظره. وهواري بومدين الذي تزوج متأخرا سنة 1973 من محامية جزائرية السيدة أنيسة كان منهمكا من قبل ذلك في تأسيس الدولة الجزائرية حتى قال البعض أنه كان متزوجا الدولة. ولا شك على الاطلاق أن الدولة الجزائرية الحديثة فيها الكثير الكثير من لمسات محمد بوخروبة المدعو هواري بومدين . •
سياسة بومدين الداخلية :
بعد أن تمكن هواري بومدين من ترتيب البيت الداخلي , شرع في تقوية الدولة على المستوى الداخلي وكانت أمامه ثلاث تحديات وهي الزراعة والصناعة والثقافة , فعلى مستوى الزراعة قام بومدين بتوزيع ألاف الهكتارات على الفلاحين الذين كان قد وفر لهم المساكن من خلال مشروع ألف قرية سكنية للفلاحين وأجهز على معظم البيوت القصديرية والأكواخ التي كان يقطنها الفلاحون , وأمدّ الفلاحين بكل الوسائل والامكانات التي كانوا يحتاجون اليها . وقد ازدهر القطاع الزراعي في عهد هواري بومدين واسترجعت حيويتها التي كانت عليها اياّم الاستعمار الفرنسي عندما كانت الجزائر المحتلة تصدّر ثمانين بالمائة من الحبوب الى كل أوروبا .
وكانت ثورة بومدين الزراعية خاضعة لاستراتيجية دقيقة بدأت بالحفاظ على الأراضي الزراعية المتوفرة وذلك بوقف التصحر واقامة حواجز كثيفة من الأشجار الخضراء بين المناطق الصحراوية والمناطق الصالحة للزراعة وقد أوكلت هذه المهمة الى الشباب الجزائريين الذين كانوا يقومون بخدمة العلم الجزائري . وعلى صعيد الصناعات الثقيلة قام هواري بومدين بانشاء مئات المصانع الثقيلة والتي كان خبراء من دول المحور الاشتراكي يساهمون في بنائها , ومن القطاعات التي حظيت باهتمامه قطاع الطاقة , ومعروف أن فرنسا كانت تحتكر انتاج النفط الجزائري وتسويقه الى أن قام هواري بومدين بتأميم المحروقات الأمر الذي انتهى بتوتير العلاقات الفرنسية –الجزائرية , وقد أدى تأميم المحوقات الى توفير سيولة نادرة للجزائر ساهمت في دعم بقية القطاعات الصناعية والزراعية .
وفي سنة 1972 كان هواري بومدين يقول أن الجزائر ستخرج بشكل كامل من دائرة التخلف وستصبح يابان العالم العربي . وبالتوازي مع سياسة التنمية قام هواري بومدين بوضع ركائز الدولة الجزائرية وذلك من خلال وضع دستور وميثاق للدولة وساهمت القواعد الجماهيرية في اثراء الدستور والميثاق اللذين جاء ليكرسّا الخطاب الأحادي الديماغوجي للسلطة الجزائرية . معركة التعريب :









التوقيع

"اللّهم طهر أعمالنا من الرياء وألسنتنا من الكذب"
ملاحظة :ماأنقله لايعبر بالضرورة عن قناعاتي وإنما أنقله للتدوين والمطالعة .
رد مع اقتباس
قديم 15-02-2007, 14:13 رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
نورالدين خبابه
كاتب جزائري


افتراضي


أعتبرت فرنسا الجزائر مقاطعة فرنسية وراء البحر
اعتبارا من عام 1884 طبقا لقرار الجمعية الوطنية الفرنسية –البرلمان –
وعليه فانّ سكان الجزائر اعتبروا فرنسيين منذ ذلك التاريخ , ولكن الصحيح أن فرنسا أعتبرت الجزائر فرنسية منذ 1830 تاريخ وصول قواتها الى الشواطئ الجزائرية واحتلالها الجزائر .
وقد قامت السلطة الفرنسية بعملية احصاء واسعة لسكان الجزائر وسجلت أسماءهم وأوجدت للجزائريين أسماء جديدة , وهو ما أعتبر ذروة العمل على مسخ الشخصية الجزائرية ذلك أن بعض الأسماء المحذوفة كانت عربية والجديدة غريبة النكهة والكثير منها مشتق من أسماء الحيوانات وهذا ما يفسّر غرابة بعض الأسماء في الجزائر وكانت فرنسا تختار ماهبّ ودبّ من الألقاب والتي كانت مستهجنة من قبيل التيس والعتروس وغيرها من أسماء الأنعام . وقامت فرنسا بمنح الجزائريين بطاقات هوية تصفهم كفرنسيين مسلمين وذلك تمييزا لهم عن باقي الأوروبيين الذين حصلوا على الجنسية الفرنسية , كما منحت السلطات الفرنسية جنسيتها لليهود الجزائريين الذين كانوا يتعاونون مع السلطات الاستعمارية وكوفئوا بنقلهم الى فرنسا غداة الاستقلال الجزائري .
وبالتوازي مع فرنسة الهوية قامت السلطات الفرنسية بالغاء التعليم الأصلي العربي وفرضت اللغة الفرنسية في المعاهد التعليمية والادارة اتماما لدمج الشعب الجزائري في المنظومة الفرنسية . ولولا المجهودات التي بذلها الاصلاحيون في الجزائر وبعدهم جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في استرجاع الهوية وتكريس عروبة واسلامية الجزائر لأستكملت فرنسا كل خطوات المسخ .
وقد أدركت القيادة الفتية التي تولت زمام الأمور في الجزائر بعد الاستقلال فظاعة تغييب اللغة العربية فتقدم مجموعة من أعضاء المجلس التأسيسي –البرلمان –بمشروع لفرض التعريب و جاء في مذكرتهم مايلي : منذ تأسيس الحكومة الفتية واجتماع المجلس الوطني التأسيسي وقع الكلام كثيرا عن التعريب , ومع أنّه قد مرّ على ذلك نحو ستة أشهر فاننا لم نشاهد أي أثر للتعريب سوى شيئ ضئيل .
انّ الأغلبية الساحقة من الشعب الجزائري تريد التعريب , لأنّ اللغة العربية هي اللغة القومية ومع ذلك ما تزال تعيش على الهامش كلغة أجنبية في وطنها والشواهد على ذلك كثيرة لا تحصى . فالادارات الحكومية لا تعترف ولا تقبل ما يقدم لها باللغة العربية من طلبات وشكاوى ووثائق , وتجبر المواطنين على تقديمها باللغة الفرنسية ومن الأمثلة على ذلك أن بعض عوائل الشهداء قدموا من شمال قسنطينة للسكن في الجزائر العاصمة وقدموا شهادات مكتوبة باللغة العربية الى بعض الدوائر الرسمية تثبت أنهم من عوائل الشهداء بحق ليتمكنوا من حقهم فما كان من هذه الادارة الاّ أن رفضت معاملتهم ولم تعترف بها, لا لسبب الاّ أنّها مكتوبة باللغة العربية وعليهم أن يقدموها باللغة الفرنسية . وقد كان من واجب البلدية وغيرها من الادارات الرسمية أن توظف من يحسن اللغة العربية لمثل هذه المهمة ليسهل على الشعب قضاء مأربه وتقديم شكاويه بلغته الوطنية والطبيعية , ولا تكلفه مالا يطيق .
وحتى لا يشعر الشعب الذي ضحّى من أجل عزته القوية بالنفس والنفيس أنّ لغته ماتزال كشأنها من قبل غريبة وحتى لا يشعر هذا الشعب – من بقاء سيطرة اللغة الفرنسية – أنّ الهيمنة ماتزال ممثلة في سيطرة لغة المستعمر وأن الاعتذار بالصعوبات التي تحول دون تعريب الادارات أو ادخال اللغة العربية اليها غير مقبول . أولا : لأنّ المسألة قومية ولا يمكن التساهل فيها . ثانيا :
لأننا في عهد الثورة – رغم الظروف الحربية القاسية ورغم فقدان الوسائل من ألات كاتبة ومن كتّاب يحسنون اللغة العربية – كنّا نشاهد أن قادة الثورة يقبلون كل التقارير الواردة اليهم باللغة العربية والفرنسية وتغلبوا على كل الصعوبات التي اعترضتهم بفضل العزيمة الصادقة والارادة الثورية الجبارة , فكيف نعجز في السلم تحقيق ما حققناه وقت الحرب ومن أجل هذا ونظرا لكون الجزائر اليوم دولة مستقلة ذات سيادة , ونظرا لكون الشعب الجزائري شعبا عربيا والوطن الجزائري وطنا عربيا حاول الاستعمار طيلة فترة وجوده بأرضنا مسخ الشعب وفرنسة الوطن تنفيذا لقوانين الحكومة الفرنسية الزاعمة بأن الجزائر ولاية فرنسية , فلم تستطع فرنسا فعل ذلك .
وتنفيذا لارادة الشعب الصارمة التي صارعت الادارة الاستعمارية بالمقاومة السلبية والايجابية وتماشيّا مع تصريحات رئيس الحكومة أحمد بن بلة الذي قال : نحن عرب , نحن عرب , نحن عرب ثلاث مرات ,ونظرا للتصريحات الصادرة عن مختلف الشخصيات الرسمية المسؤولة في الحزب والحكومة واستجابة للرغبات الصادرة عن الشعب كل يوم وبمختلف طبقاته نقترح :
أولا : المبادرة بالاعلان الرسمي من المجلس الوطني بأنّ اللغة العربية هي اللغة القومية الرسمية ذات الدرجة الأولى في الجزائر المستقلة , ويجب أن تحتل مكانها الصحيح وتتمتع بجميع حقوقها وامتيازاتها . ثانيا : يجب أن يعم تعليمها بأسرع ما يمكن جميع دواليب الدولة الجزائرية التنفيذية والتشريعية والادارية ثالثا :
يجب المبادرة بتعريب كوادر وزارة التربية الوطنية ووضع برنامج سريع لتعريب التعليم وتعميمه , لأنّ التعليم عليه المعوّل في تكوين كوادر المستقبل وعلى وزير التربية أن يقوم بما يلي :
-تأسيس معهد وطني للتعريب في الحال ويقوم هذا المعهد بمايلي : - وضع مجموع قواعد عملية تستخدمها الادارات . - وضع كتب مدرسية أساسية لتعليم اللغة العربية في مختلف المراحل التربوبية من التعليم الابتدائ والى الجامعة . - الحرص على تزكية التعليم التربوي للغة العربية , ونتيجة لذلك يجب أن تصدر الجريدة الرسمية باللغة العربية ويجب تحسين حالة الترجمة وتعميمها ويجب تعريب البريد وكل الوزارات . وفوق هذا وذاك يجب تعريب الشوارع والأزقّة , اذ مازالت الشوارع تحمل أسماء : بيجو , سانت أرنو , كلوزيل وأورليان وكافينياك ودارمون وغيرها .
توقيع السادة النواب التالية أسماؤهم : عمار قليل , مسعود خليلي , عبد الرحمان زياري , محمد الشريف بوقادوم , عمار رمضان , يوسف بن خروف , بلقاسم بناني , بشير براعي , محمد الصغير قارة , بوعلام بن حمودة , زهرة بيطاط , محمد بونعامة , علي علية , سعيد حشاش , محمد بلاشية , اسماعيل مخناشة , عمار أوعمران , محمد خير الدين , محمد عزيل , عبد الرحمان بن سالم , رابح بلوصيف , عبد الرحمان فارس , أحمد زمرلين , صالح مبروكين , مصطفى قرطاس , الصادق باتل , دراجي رقاعي , محمد عمادة , أحسن محيوز , سليمان بركات , مختار بوبيزم ,ونوّاب أخرون . وبصراحة فان مطالبة هؤلاء النواب بالتعريب انتهت بالفشل الذريع لأنّ الحكومة الفتية كانت تتذرع بالصعوبات التي تلاقيها في هذا المجال , وابطاء القيمّين على صناعة القرار في عهد أحمد بن بلة في اقرار قانون التعريب ولدّ بداية التصدع في الجزائر بين التيار الفرانكفوني والتيار العروبي .
وقد أدرك هواري بومدين أهمية التعريب فقرر جعله على رأس الثورة الثقافية التي راح يبشر بها بالتوازي مع الثورة الزراعية والصناعية , وقد سمحت له خلفيته العروبية وعداؤه لفرنسا التي كان يقول عنها بيننا وبين فرنسا جبال من الجماجم وأنهار من الدماء , تفهم أهمية التعريب وضرورته خصوصا وقد كان من المتحمسين لعروبة الجزائر .
وشرع قطاع التربية في عهده بمحو الأمية باللغة العربية في مختلف مؤسسات الدولة وقطاعاتها , كما تقررّ تعريب العلوم الانسانية في الجامعة الجزائرية .
لكن عندما بدأ التعريب يأخذ مجراه شيئا فشيئا كانت الجامعة الجزائرية قد خرجت أفواجا من الطلبة الذين درسوا باللغة الفرنسية فقط والذين أصبحوا أساتذة في الجامعات أو تولوا مهمات أخرى في دوائر الدولة وعمل الكثير من هؤلاء على عرقلة التعريب , وكثيرا ماكانت الجامعات الجزائرية تشهد صراعات حادة بين دعاة التعريب ودعاة الفرنسة . ومازالت قضية التعريب في الجزائر من أهم المسائل الشائكة التي لم يحسم أمرها وكانت نتيجة غضّ النظر عن التعريب لأسباب يطول شرحها أن أنقسم المجتمع الجزائري الى معسكرين معسكر الأغلبية الذي يقف مع التعريب وصيانة الهوية ومعسكر الأقلية الفرانكفوني . علاقات الجزائر الدولية : اجمالا كانت علاقة الجزائر بكل الدول وخصوصا دول المحور الاشتراكي حسنة للغاية عدا العلاقة بفرنسا والجار المغربي الذي كان مستاءا من تبنيّ هواري بومدين لجبهة البوليساريو . فاقدام هواري بومدين على تأميم قطاع المحروقات أدىّ الى توتر العلاقات الجزائرية –الفرنسية , حيث قاطعت فرنسا شراء النفط الجزائري وكانت تسميه :البترول الأحمر .
والمغرب كان يرى أن الجزائر وبحكم طبيعتها الايديولوجية الثورية وتحالفها مع عبد الناصر قد تشكل خطرا على المغرب وقد تمد يدها للمعارضة الوطنية المغربية وبالتالي قد تهدد العرش العلوي في الرباط , كما أن الثوار الجزائريين كانوا يعتبرون المغرب محسوبا على المحور الغربي , وكان بن بلة يتهم دوائر في الرباط بأنها كانت وراء الوشاية به عندما غادر المغرب متوجها الى تونس عبر طائرة مغربية مدنية وأجبرت الطائرات الحربية الفرنسية الطائرة التي كانت تقله بالهبوط في مطار الجزائر العاصمة وفي عهد بن بلة وهواري بومدين كانت الجزائر في واد والمغرب في واد أخر كما كان يقول العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني .
وأهم ماميزّ العلاقات الجزائرية –المغربية في عهد هواري بومدين هو ظهور جبهة البوليساريو كمنظمة ثورية تريد تحرير الصحراء الغربية من أطماع الحسن الثاني , ومعروف أن الجزائر ساهمت في انشاء جبهة البوليساريو وأمدتها بالسلاح والمال وظلت العلاقات الجزائرية –المغربية متوترة الى أن قام الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد باعادة العلاقة مع المغرب بعد وساطة قام بها العاهل السعودي الملك فهد بن عبد العزيز في سنة 1986 .
بداية الانهيار : أصيب هواري بومدين صاحب شعار " بناء دولة لا تزول بزوال الرجال " بمرض استعصى علاجه وقلّ شبيهه , وفي بداية الأمر ظن الأطباء أنّه مصاب بسرطان المثانة , غير أن التحاليل الطبية فندّت هذا الادعّاء وذهب طبيب سويدي الى القول أن هواري بومدين أصيب بمرض " والدن ستروم " وكان هذا الطبيب هو نفسه مكتشف المرض وجاء الى الجزائر خصيصا لمعالجة بومدين , وتأكدّ أنّ بومدين ليس مصابا بهذا الداء الذي من أعراضه تجلط الدم في المخ .
أستمرّ بومدين يهزل ويهزل وتوجه الى الاتحاد السوفياتي سابقا لتلقّي العلاج فعجز الأطباء عن مداوته فعاد الى الجزائر .
وقد ذكر مهندس التصنيع في الجزائر في عهد هواري بومدين بلعيد عبد السلام أن هواري بومدين تلقى رسالة من ملك المغرب الحسن الثاني جاء فيها اذا لم نلتق مطلع العام فاننا لن نلتقيّ أبدا , وقد سئل مدير الاستخبارات العسكرية قاصدي مرباح عن هذه الرسالة فأجاب :







التوقيع

"اللّهم طهر أعمالنا من الرياء وألسنتنا من الكذب"
ملاحظة :ماأنقله لايعبر بالضرورة عن قناعاتي وإنما أنقله للتدوين والمطالعة .
رد مع اقتباس
قديم 15-02-2007, 14:14 رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
نورالدين خبابه
كاتب جزائري


افتراضي


أنّه يجهل وصولها أساسا باعتباره -كما قال –
كنت أنا الذي يضمن الاتصالات مع المغرب باستثناء مرة واحدة ذهب فيها الدكتور أحمد طالب الابراهيمي
الى المغرب في اطار قضية الصحراء الغربية وقد يكون هو الذي جاء بهذه الرسالة .
وقد انتشرت في الجزائر شائعات كثيرة حول موت هواري بومدين وسط غياب الرواية الحقيقية وصمت الذين عاصروا هواري بومدين وكانوا من أقرب الناس اليه , علما أن هواري بومدين لم يعرف له صديق حميم ومقرب عدا صديقه شابو الذي توفي في وقت سابق وبقي بومدين بدون صديق .
ومن الشائعات التي راجت في الجزائر أن هواري بومدين شرب لبنا مسموما , حيث كان يدمن شرب اللبن وهذا السم أستقدم من تل أبيب . وقيل أيضا أنّ العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني كان على علم باختفائه قريبا عن المشهد الدنيوي وقيل أن المخابرات الأمريكية كانت مستاءة منه جملة وتفصيلا وقد ساهمت في اغتياله , وقيل أيضا أنه أصيب برصاصة في رأسه في محاولة اغتيال في ثكنة عسكرية .
و كانت مجلة العالم السياسي الجزائرية والتي توقفت عن الصدور قد نشرت ملفا كاملا بعنوان : الرواية الكاملة لاغتيال هواري بومدين , وقد أفادت هذه الرواية أنه تمّت تصفيته من قبل الموساد عن طريق التسميم , لكن الرواية لم تكشف هوية من أوصل السمّ الى مائدة هواري بومدين في مقر سكنه الرئاسي !! ومهما كثرت الروايات حول وفاة هواري بومدين فانّ الجزائر خسرت الكثير الكثير بغياب هذا الرجل المفاجئ الذي كان يحلم أن يجعل الجزائر يابان العالم العربي . وقد مات هواري بومدين في صباح الأربعاء 27 كانون الأول – ديسمبر – 1978 على الساعة الثالثة وثلاثون دقيقة فجرا . وكانت الفاجعة كبيرة على الجزائريين الذين خرجوا في حشود جماهيرية وهم يرددون:
انّا لله واناّ اليه راجعون , وبموت هواري بومدين كانت الجزائر تتهيأ لدخول مرحلة جديدة تختلف جملة وتفصيلا عن الحقبة البومدينية , وسوف يفتقد الجزائريون في عهد الشاذلي بن جديد الى الكرامة والعزة التي تمتعوا بها في عهد هواري بومدين . مات الرجل الفلاح ابن الفلاح ولم يترك أي ثروة , فحسابه في البنك كان شاغرا , كما أنّ أقرباءه ظلوا على حالهم يقطنون في نفس بيوتهم في مدينة قالمة . مات هواري بومدين وماتت معه أحلام الجزائر , وبموته بدأت السفينة الجزائرية تنعطف في غير المسار الذي رسمه للجزائر هواري بومدين . لقد كان هواري بومدين يقول :
الذي يرغب في الثورة عليه أن يترك الثروة , وفي عهد الشاذلي بن جديد العقيد الخجول القادم من مدينة وهران أنتصر أهل الثروة على أهل الثورة فتاهت الجزائر !!







التوقيع

"اللّهم طهر أعمالنا من الرياء وألسنتنا من الكذب"
ملاحظة :ماأنقله لايعبر بالضرورة عن قناعاتي وإنما أنقله للتدوين والمطالعة .
رد مع اقتباس
قديم 15-02-2007, 14:20 رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
نورالدين خبابه
كاتب جزائري


افتراضي


الجزائر في عهد الشاذلي بن جديد الشاذلي بن جديد
: البراغماتي الاصلاحي
بعد وفاة هواري بومدين في كانون الأول- ديسمبر- 1978 تولّى رئاسة الدولة رئيس مجلس الشعب –البرلمان – رابح بيطاط , ذلك أنّ الدستور الجزائري نصّ على أنّه في حالة وفاة رئيس الدولة
يتولى رئيس البرلمان رئاسة الجمهورية لمدّة خمسة وأربعين يوما , يتم اختيار رئيس للجمهورية .
وكان الوصول الى الرئاسة في الجزائر يتمّ بعد تزكية من المؤسسة العسكرية حيث نجح هواري بومدين في بناء مؤسسة عسكرية متينة أصبحت صاحبة الفصل في كل صغيرة وكبيرة , بل يمكن القول أنّ النظام السياسي أصبح هو الجيش والجيش هو النظام السياسي .
و الرئيس هواري بومدين كان رئيسا للدولة ورئيسا لمجلس قيادة الثورة ورئيس الوزراء ووزيرا للدفاع في نفس الوقت , وبالاضافة الى تقوية دور المؤسسة العسكرية فانّ هواري بومدين عمل على تقوية دور المخابرات العسكرية التي كانت ولاتزال من أهم وأبرز الأجهزة النافذة في الجزائر , وفي عهد هواري بومدين
كان جهاز المخابرات العسكرية شديد الفعالية
وكانت له نشاطات في الجزائر وخارجها .
فجهاز المخابرات العسكرية في عهد هواري بومدين تمكنّ من سحق كل المعارضات في المهد , كما تمكنّ هذا الجهاز من الاطاحة بنظام معاوية ولد داده في موريتانيا
عندما وقف هذا الأخير الى جانب المغرب في قضية الصحراء الغربية .
وكان المرور الى الرئاسة في الجزائر يقتضي بحصول المرشح على دعم المؤسسة العسكرية وجهاز الاستخبارات العسكرية . وقبل نهاية ولاية رابح بيطاط احتدم الصراع بين شخصيات في جبهة التحرير الوطني
والمؤسسة العسكرية حول الرئيس المرتقب . لكن من يملك مواصفات هواري بومدين ! كان التنافس قائما على أشدّه بين محمد الصالح يحياوي أحد قادة حزب جبهة التحرير الوطني وعبد العزيز بوتفليقة رئيس الديبلوماسية الجزائرية في عهد هواري بومدين , وكلا المتنافسين لم يكونا يملكان أسهما داخل المؤسسة العسكرية
كما لم يكونا من أصحاب البزّات العسكرية . وبينما كان البعض يضرب أخماسا في أسداس بشأن الرئيس المنتظر , فوجئ الجميع بأنّ الرئيس المنتظر هو العقيد الشاذلي بن جديد مسؤول ناحية الغرب العسكرية , وكان ملايين الجزائريين يسمعون باسم الشاذلي بن جديد لأول مرّة الذي قضّىمعظم وقته داخل الثكنات العسكرية .
وقد ساهمت المؤسسة العسكرية في ترجيح الكفة لصالح الشاذلي بن جديد , كما أن قاصدي مرباح مدير جهاز الاستخبارات العسكرية دعم الشاذلي بن جديد , وكوفئ في وقت لاحق بتعيينه رئيسا للحكومة قبل أن يساهم ذوو النفوذ في المؤسسة العسكرية في الاطاحة به وتأليب الشاذلي عليه في حملة استهدفت العناصر البومدينية في مراكز الجيش والدولة . لم يسبق للعقيد الشاذلي بن جديد أن مارس عملا سياسيّا , وأقصى ما عرف عنه عقب انتخابه رئيسا أنّه كان ضابطا في جيش التحرير الوطني , ولم يكن له دور كبير أثناء الثورة الجزائرية , وبعد الاستقلال واصل عمله في السلك العسكري الى أن تمت ترقيته الى رتبة عقيد , كما أنّ المعلومات القليلة التي كانت متوفرة عن الشاذلي بن جديد
أفادت بأنّه كانت لديه ممتلكات في مدينة وهران احدى مدن الغرب الجزائري . وقيل ساعتها أنّ أصحاب الحلّ والعقد في الجزائر اختاروا الشاذلي بن جديد شخصيا لاستغلال بساطته وتحريكه في الوجهة التي يريدونها , وقد تميزت بداية عهده بصعود نجم بعض الضبّاط الذين لا يؤمنون كثيرا بالخط البومدييني ويميلون الى المحور الغربي أكثر منه للمحور الاشتراكي الذي كان بومدين حريصا على مدّ جسور التواصل معه .
وفي الاجتماع الاستثنائ لحزب جبهة التحرير الوطني تمّ انتخاب الشاذلي بن جديد بالاجماع , فأصبح بذلك ثالث رئيس للجزائر بعد أحمد بن بلة وهواري بومدين , وبالاضافة الى أنّه أصبح رئيسا فقد كان يتولى وزارة الدفاع والأمانة العامة لحزب جبهة التحرير الوطني , وهذه المراكز العليا والمناصب الفوقية التي كان يتمتع بها الشاذلي بن جديد لا تعني أنّه كان صاحب السطوة والحل والربط , لأن أصحاب الحل والربط الحقيقيين يكرهون الأضواء ويعتبرون الخروج الى الشمس بمثابة زوال قوتهم ومصالحهم وهم لايريدونها أن تنتهيّ . وبمجرد تعيينه رئيسا للدولة قال العارفون بالبيت الجزائري أنّه بين البومديينية والشاذلية كبين موسكو وواشنطن أثناء الحرب الباردة , وقد قرر بن جديد و أصحاب النفوذ الجدد الذين كانوا خلفه أن ينعطفوا بسفينة الجزائر بنسبة 180 درجة لتصير في مسار مناقض عما كانت عليه مسار السفينة الجزائرية في عهد هواري بومدين .
وقد كان الشاذلي ضعيفا أمام مراكز القوة و أهل الحل والربط داخل المؤسسة العسكرية , وقد أعترف أنه حاول مرارا الفرار من هذا المنصب الرئاسي الذي لم يخلق له والذي دفع اليه دفعا . والشاذلي الذي كان بعيدا عن الجزائر العاصمة مركز الثقل في لعبة الحكم , وجد غداة انتقاله الى الجزائر العاصمة ليقود الدولة صعوبة في التأقلم مع الأجواء المشحونة التي خلفها رحيل هواري بومدين . وبحكم خلفيته البورجوازية وقربه من الغرب قررّ وبدعم من اللاعبين الجدد تدشين بداية الطلاق بين الجزائر وايديولوجيتها السابقة .
وكانت خزينة الدولة الجزائرية في بداية عهد الشاذلي بن جديد تضم حوالي ملياري دولار أمريكي والديون لم تكن بحجم 26 مليار دولار والتي تراكمت في عهد الشاذلي بن جديد فقرر الشاذلي وبطانته صرف الكثير من هذه الأموال على مشروع من أجل حياة أفضل وذلك من خلال استيراد الكماليات والمطربين والمطربات لايهام الشباب الجزائري بأن مرحلة الايديولوجيا ولّت وجاءت حياة مغايرة فيها الكثير من نكهة الغرب , والحقيقة التي بات يعيها كل الجزائريين أنّ هذا المشروع الذي استهلّ به الشاذلي ولايته عاد بالنفع الكبير على مجموعة من ذوي النفوذ الذين جمعوا مال قارون ودمجوا بين السلطة والمال وهم الذين أطلق عليهم الرئيس المغتال محمد بوضياف اسم المافيا في وقت لاحق وهم الذين افترقوا عن خط الثورة وفضلوا خط الثروة . ولم يكن هناك أدنى تحسب لطارئ انخفاض أسعار النفط , حيث يشكل النفط والغاز في الجزائر أهم مصدرين للمداخيل الجزائرية بالعملة الصعبة .
و غير تبديد خزينة الدولة الجزائرية , فانّ المرحلة الشاذلية شكلّت بداية القطيعة مع المنجزات التي تحققت في عهد هواري بومدين , فمشروع الثورة الزراعية تبددّ ومشروع التصنيع انتهى الى طريق مسدود والثورة الثقافية تمّ الاستعاضة عنها بثورة الراي وثقافة الفن المتعفّن, وخصوصا عندما أصبح أصحاب الثقافة الفرانكفونية في مواقع القرار الذين ألغوا مشروع التعريب بجرّة قلم. لقد قررّ الشاذلي بن جديد أن يخوض معركة الانفتاح على الغرب , لكنّ ذلك ماكان ليتمّ بدون اعادة ترتيب البيت السياسي والقضاء على الامتداد البومدييني في المؤسسة العسكرية ودوائر القرار , وبهذا الشكل وجد رجالات هواري بومدين أنفسهم على الهامش و أحيلوا الى التقاعد قبل حلول السنّ القانونية كبلعيد عبد السلام وعبد العزيز بوتفليقة وغيرهما . ومثلما قام الشاذلي ومن يخططّ له بتقليم أظافر المحسوبين على هواري بومدين فقد قام أيضا بالغاء مشاريع بومدين الكبيرة , فقد أرجع الأراضي المؤممة الى أصحابها , وأرخى العنان للقطاع الخاص , وبدل مشروع التصنيع قررّ الشاذلي بن جديد استيراد حاجيات الجزائر من عواصم الغرب وبهذا الشكل تسنى للسماسرة أن يدخلوا على الخط ويحققوا أحلام العمر .
وفي سابقة هي الأولى من نوعها قام الشاذلي بن جديد بزيارة باريس – عاصمة العدو الفرنسي –وخالف بذلك بروتوكولا جزائريا غير مدوّن سنّه أسلافه ويقضي باستحالة قيام رئيس الجزائر بزيارة الى فرنسا التي قال عنها بومدين يوما
: بيننا وبين فرنسا جبال من الجبال وأنهار من الدماء . وقد نقل عن الشاذلي بن جديد لدى قيامه بزيارة الى واشنطن قوله : لقد عرفت أين تكمن مصلحة الجزائر !
وهذه النقلة النوعية في المسار السياسي الجزائري والتي تمّت على يد الشاذلي بن جديد فسّرت على أن موسكو قد خسرت أخر مواقعها في الشمال الافريقي , ذلك أنّ تونس كانت محسوبة على باريس مع وجود الحبيب بورقيبة والمغرب بوجود الحسن الثاني كان لها شهرا عسل الأول مع باريس والثاني مع واشنطن ,و الجزائر التي طلقت المسار الاشتراكي والتي عاد فيها الفرانكفونيون بقوة الى دوائر الحكم بات واضحا أنها اختارت الضفة الشمالية باتجاه الغرب . وفي وقت قياسي أختفى عن المشهد السياسي الجزائري كل الذين كان يعتمد عليهم بومدين في حكمه من قبيل :
بلعيد عبد السلام ومحمد صالح يحياوي وبلعيد عبد السلام وعبد العزيز بوتفليقة وبن شريف وغيرهم
. وعلى صعيد المؤسسة العسكرية أجرى الشاذلي بن جديد سلسلة تغييرات أزاح بموجبها كل المحسوبين على التيار البومدييني وأحالهم الى التقاعد , وتقدمّ الى الواجهة ما يعرف في الجزائر بضبّاط فرنسا
وهم الضباط الجزائريون الذين كانوا في صفوف الجيش الفرنسي وألتحقوا بصفوف الثورة الجزائرية في أواخر أيامها كخالد نزار وعبّاس غزيل ومحمد العماري وعبد المالك قنايزية وغيرهم , وكلهم أصبحوا جنرالات في عهد الشاذلي بن جديد .
و أحد الذين كانوا محسوبين على ضباط فرنسا اللواء العربي بلخير أصبح في عهد الشاذلي غولا يخشى جانبه كثيرون , كما أصبح أمين الرئاسة الجزائرية أي الباب الموصل الى الشاذلي بن جديد







التوقيع

"اللّهم طهر أعمالنا من الرياء وألسنتنا من الكذب"
ملاحظة :ماأنقله لايعبر بالضرورة عن قناعاتي وإنما أنقله للتدوين والمطالعة .
رد مع اقتباس
قديم 15-02-2007, 14:29 رقم المشاركة : 10
معلومات العضو
نورالدين خبابه
كاتب جزائري


افتراضي


وعندما كان الشاذلي يعمل على انهاء الوجود البومدييني , كانت الحركة الاسلامية الجزائرية
تتأهبّ للخروج من الكواليس والى الخشبة , وهذا التزامن بين بداية اختفاء تيار وبداية بروز أخر جعل بعض المحللين يشبّهون هذا المشهد بأخر مماثل في مصر عندما عمل الرئيس المصري محمد أنور السادات
على انهاء الوجود الناصري مقابل السماح للاخوان المسلمين بالظهور على الخشبة السياسية . وكانت الحركة الاسلامية الجزائرية ترى في هواري بومدين رجلا يساريّا شيوعيا يتعامل مع عواصم الالحاد
وقد كان شيوخ هذه الحركة من قبيل الشيخ عبد اللطيف سلطاني والشيخ أحمد سحنون على خلاف دائم مع هواري بومدين . وبين 1980والى 1984 كان الشاذلي يعمل على اعادة رسم خارطة سياسية جديدة للجزائر , وأستغلّ العديد من أركان النظام الجديد الواقع الجديد
فأثروا ثراءا فاحشا وقد أوجدت هذه الحقبة 6000 ملياردير أغلبهم من أركان النظام والمؤسسة العسكرية .
وبعد اعادة ترميم العلاقات الجزائرية مع الغرب بات شغل الشاذلي الشاغل هو في كيفية التحول الى اللبيرالية في أقرب وقت . وهذا الاضطراب بين الرأسمالية والاشتراكية , رأسمالية أهل النفوذ واشتراكية الرعية , ونفاذ أموال خزينة الدولة الجزائرية أدى الى بداية تراكم الديون ومستحقاتها , ومع انخفاض سعر النفط بدأت الأزمة الاقتصادية الخانقة تطرق أبواب الجزائر والذي ساهم في تعميقها ترك الانتاج والتعويل فقط على الاستهلاك وترتبّ عن ذلك أزمة تضخم وارتفاع عدد البطالين وافلاس القطاع العام .
وبدأت الحركة الاسلامية تخرج من قمقمها ,كما بدأ التيار البربري يستعد هو الأخر لرفع ألويته , وبدأت العلامات الأولى للزلزال الجزائري ترتسم في الأفق لكن الرسميين في الجزائر كانوا يفضلون أغاني الراي على تحذيرات الاستراتجيين والمحللين !! بروز التيّار الاسلامي في 12 تشرين الثاني –نوفمبر- 1982
دعت الحركة الاسلامية الجزائرية الى تجمع ضخم في الجامعة المركزية في الجزائر العاصمة , وضمّ التجمع ألاف المعتصمين من الاسلاميين الذين طالبوا رئيس الدولة الشاذلي بن جديد برفع الظلم عنهم
وتحصين المجتمع الجزائري من افرازات الغزو الثقافي الغربي . وكان أحد الصحافيين الغربيين قد كتب تقريرا سنة 1981 جاء فيه : … قريبا ستصبح المساجد هي الصناعة الأولى في البلاد
وهي تنبت في كل مكان .
وفي تلك الفترة أي في سنة 1982 زار جورج بوش الجزائر عندما كان مديرا للمخابرات المركزية الأمريكية , وألقى محاضرة في كلية الشرطة في منطقة الأبيار جاء فيها أنّ الخطر الذي يهدّد الجزائر يكمن في التيار الأصولي وليبيا .
وقد طالب المجتمعون في الجامعة المركزية والذين كان على رأسهم الشيوخ أحمد سحنون , عبد اللطيف سلطاني , والدكتور عباسي مدني السلطة بوقف الاعتقالات العشوائيّة التي يتعرض لها الطلبة الاسلاميون في الجامعات الجزائرية , كما طالب المجتمعون بالاسراع الفوري في تصحيح المسار السياسي
وذلك بالقضاء على نفوذ المحسوبين على الثقافة الفرنسية داخل النظام وردّ الاعتبار للثقافة الاسلامية والعربيّة . وقد نددّ الاسلاميون بصرف أموال الشعب الجزائري في غير ما يعود بالنفع على الشعب الجزائري .
و أصدر سحنون وعبد اللطيف ومدني بيانا جاء فيه : …….
وتداركا لوقوع بلادنا بلاد المليون والنصف شهيد فيما ألت اليه النظم الأخرى كان لابدّ من التصدي لهذه المؤامرة بتطهير أجهزة الدولة من العناصر العميلة وازالة الفساد في البلاد قبل فوات الأوان , ونظرا لخطورة الموقف فانّ التعاون المشترك بين العناصر الطيبة في الأمة أصبح أمرا لابدّ منه و أيّ تهرب من المسؤولية من أي طرف يعّد خيانة كبرى للاسلام والوطن ,و وجود هذا التعاون لا يتوفر في اعتقادنا الاّ في ظلّ العوددة الصادقة الى الاسلام لنلحّ على الاسراع في البتّ في القضايا التاليّة : 1-
وجود عناصر في مختلف أجهزة الدولة معادية لديننا متورطة في خدمة عدونا الأساسي وعملية تنفيذ مخططاته الماكرة الأمر الذي ساعد على اشاعة الفاحشة وضياع المهام والمسؤوليات على الدولة وغيرها .
2- تعيين النساء والمشبوهين في سلك القضاء والشرطة وغياب حرية القضاء وعدم المساواة لهو هدم للعدالة ولا أمن ولا استقرار بدونها .
3- تعطيل حكم الله الذي كان نتيجة حتميّة للغزو الاستعماري واحتلاله للبلاد الذي لم يعد له مبررا اليوم بعد عشرين سنة من الاستقلال فلا بدّ من اقامة العدل بين الناس بتطبيق شرع الله , قال تعالى : و أنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط .
4- حرمان المواطن من حريته وتجريده من حقه في الأمن على نفسه ودينه و ماله وعرضه وحرمانه من حريّة التعبير لهو اعتداء على أهم حقوقه ومبررات التزامه بواجباته الشرعية والأخلاقيّة .
5- عدم توجيه تنميتنا الاقتصادية وجهة اسلامية رشيدة بازالة كل المعاملات غير الشرعية وعدم تيسير السبل الشرعية لاكتساب الرزق من زراعة وتجارة وتسوية بين الناس في فرص الاستفادة من خيرات البلاد بدون تمييز .
6- تفكيك الأسرة والعمل على انحلالها وارهاقها بالمعيشة الضنكة كانت سياسة بدأتها فرنسا وبقيت تمارس حتى اليوم بالاضافة الى محاولة وضعها على غير الشريعة الاسلامية تحت شعار نظام الأسرة .
7- الاختلاط المفروض في المؤسسات التربوية والادارية انعكست نتائجه السيئة على المردود التربوي والثقافي والاقتصادي والاجتماعي .
8- الرشوة والفساد الممارسين في المؤسسات التربوية من المدرسة الى الجامعة والادارة وغيرها مرض بيروقراطي لا أخلاقي خطير لا يسلم مجتمع منه الاّ اذا نفضه عنه .
9- تشويه مفهوم الثقافة وحصره في المهرجانات الماجنة اللاأخلاقية عرقل النظام التربوي , وحال دون توصله الى ابراز المواهب والنبوغ والكفاءات التي تفتقر اليها البلاد للتخلص من الوضعية الثقافية المفروضة علينا .
10- ابعاد التربية الاسلامية وتفريغ الثقافة من المضمون الاسلامي زاد في تعميق الهوّة و استمراريتها .
11- الحملة المسعورة للاعلام الأجنبي والوطني لاستهداء الدولة على الدعوة والصحوة التي تهدد مصالح الدوائر الاستعمارية في بلادنا .
12- اطلاق سراح الذين أعتقلوا دفاعا عن أنفسهم ودينهم و كرامتهم .
13- فتح كل المساجد التي أغلقت في الأحياء الجامعيّة والثانويات والتكميليات والمؤسسات العمالية .
14- عقاب كل من يتعدى على كرامة عقيدتنا وأمتنا وشرعيتها وأخلاقها و الحدود الشرعية الاسلامية .هذه الأمور هزّت مشاعر أمتنا وحركت ضميرها وما وقفتها اليوم الاّ دليل على أنها مازالت تستحق كل اكبار وتقدير واحترام ,وهذه المواقف التي عرفها شعبنا كافية للتعبير عن نضجه الاعلامي ووعيه السياسي وهذه الخصال جديرة بأن تجعله في مستوى مسؤولية أمام الله والرسول والوطن
قال تعالى : باسم الله الرحمان الرحيم .
والعصر انّ الانسان لفي خسر . الاّ الذين أمنوا وعملوا الصالحات . وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر .
توقيع : أحمد سحنون – عبد اللطيف سلطاني – عباسي مدني .
وكان هذا البيان ايذانا بميلاد الحركة الاسلامية الجزائرية المنظمّة والمهيكلة , والتي ستصير في وقت لاحق أعقد معادلة سياسية في الجزائر .
مطالب البربر :
في بداية الثمانينيات اندلعت في منطقة تيزي وزو البربرية مواجهات عنيفة بين مجموعة من المتظاهرين وقوات الأمن الجزائرية , ولم تكن للمتظاهرين البربر مطالب سياسية , بل طالبوا بأحقيّة الثقافة الأمازيغية – البربرية – في الوجود , وأطلق على هذا الحدث اسم الربيع البربري , فلأول مرة في تاريخ الجزائر تطالب شريحة من المثقفين البربر ومن خلال العنف بردّ الاعتبار للثقافة الأمازيغية واعتبار اللغة الأمازيغية لغة رسميّة في الجزائر .
وكانت النخبة المثقفة البربرية ذات نفس عدائي للعروبة والاسلام , وتدعّي هذه النخبة أنّ الشعب الجزائري بربري له ثقافته الخاصة ولغته الخاصة أيضا والتي يجب تطويرها واحياؤها. ومن رموز الدعوة البربرية الكاتب البربري مولود معمّري الذي عينته فرنسا على رأس الأكاديمية البربرية في باريس , والدكتور سعيد سعدي الذي أصبح في وقت لاحق زعيما للتجمع من أجل الثقافة والديموقراطية البربري وهو حزب يقوم على أساس عرقي ولغوي أيضا .
ويذهب الدكتور أحمد بن نعمان في كتابه : فرنسا والأطروحة البربرية في الجزائر , الى القول بأنّ فرنسا رعت الورقة البربرية للقضاء على مشروع التعريب الذي كانت ترى فيه فرنسا أهم هادم للفرانكفونية التي أقامت لها صرحا في الجزائر وبقية الدول المغاربية , وهذا التمكين للثقافة الأمازيغية ليس حبا لها بل لجعلها مجرّد مدخل الى تكريس اللغة الفرنسية .
ومنذ بروز الحركة البربرية والجامعات الجزائرية تعيش حالة صراع بين معسكري العروبة والاسلام ومعسكر الفرانكفونية والأمازيغية . وبعد اندلاع المواجهات في منطقة تيزي وزو التي تعتبر معقل الثقافة الأمازيغية , والورقة البربرية مطروحة بقوّة في دائرة الصراع السياسي والثقافي في الجزائر .
الأزمة الاقتصادية : الثروة التي تركها هواري بومدين في خزينة الدولة صرفت جميعها في غير الوجهة التي تعود على الاقتصاد الجزائري بالنفع , وقد استفاد الكثير من من ذوي النفوذ من هذه الثروات فأسسوا شركات خاصة وتجمعات اقتصادية جبّارة كتجمع رياض الفتح الشهير الذي أثار بناؤه جدلا واسعا في صفوف الشعب الجزائري .
وفي عهد الشاذلي بن جديد برزت طبقة رأسمالية مزجت بين السلطة والمال , وأستفادت الى أقصى درجة من امتيازات النظام . و بعد أن تفاقمت الأزمة الاقتصادية أخذت السلطة الجزائرية تبحث عن مصادر للديون والقروض , وقد قام الشاذلي بن جديد في نيسان –أبريل – 1985 بأول زيارة الى الولايات المتحدة الأمريكية , فأستقبله الرئيس الأمريكي رونالد ريغان بحفاوة نظرا لدور الجزائر في حلّ أزمة الرهائن الأمريكان في طهران , وبدأت العلاقات الأمريكية –الجزائرية تعرف طريقها الى التحسن . والأموال التي وصلت الى الجزائر من باريس وواشنطن وطوكيو لم تؤدّ الى انعاش الاقتصاد الجزائري , و وجدت الجزائر نفسها تقوم بايفاء فوائد الديون دون أصولها , وبدأت أزمة المديونية هي الأخرى تعصف بالجزائر الأمر الذي أدى الى افلاس المؤسسات التابعة للقطاع العام فأرتفعت معه حدّة البطالة .
وقبل 05 تشرين الأول – أكتوبر – 1988 تفاقمت المشاكل الاجتماعية والاقتصادية وكانت النتيجة زلزال أكتوبر الشعبي , حيث تدفقّ الجزائريون الى الشوارع منددين بالنظام وفساده , وغادرت دبابات الجيش الجزائري الثكنات ودخلت في مواجهات مع الكتل البشرية الجائعة . وقبل حدوث هذا الانفجار الشعبي وقع جدل كبير داخل جبهة التحرير الوطني بين المحافظين والاصلاحيين , وبلغ هذا الصراع ذروته عندما طالب الرئيس الجزائري في أيلول – سبتمبر – 1988 من الشعب الجزائري بالثورة على حاكميه ويبدو أنّه كان يريد التحرر من ضغوط مراكز القوة , ولم يمض أسبوعان حتى انفجر الشعب الجزائري في أعنف مواجهات دموية عرفتها الجزائر بعد الاستقلال ! و بدل أن يلجأ الشاذلي و فريقه من خلف الستار الى معالجة الأزمة من جذورها فقد فضلّ حلا تنفيسيا , ديموقراطية تنفيسية لم تصمد هي الأخرى في وجه المتناقضات الجزائرية . خريف الغضب الجزائري في 05 تشرين الأول – أكتوبر – 1988
كان انطلاقة نحو مرحلة جديدة سوف يقودها الشاذلي بن جديد الذي تمكنّ من تهدئة الوضع العام بعد أن وعد باصلاحات سياسية جذرية .







التوقيع

"اللّهم طهر أعمالنا من الرياء وألسنتنا من الكذب"
ملاحظة :ماأنقله لايعبر بالضرورة عن قناعاتي وإنما أنقله للتدوين والمطالعة .
رد مع اقتباس
قديم 15-02-2007, 14:33 رقم المشاركة : 11
معلومات العضو
نورالدين خبابه
كاتب جزائري


افتراضي

والى تاريخ خريف الغضب الجزائري
كانت الجزائر تعيش في نطاق ديكتاتورية الحزب الواحد – حزب جبهة التحرير الوطني
– الذي أصبح ممرا حتميا لكل هواة الثروة والمقاولات , فبالاضافة الى الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضررّ منها الشعب الجزائري , كانت الأفواه مكممة والأفكار ملاحقة والمعتقلات حاشدة بأصحاب الرأي الأخر .
وعندما هدأت أحداث أكتوبر وعد الشاذلي بن جديد بتغيير الدستور الجزائري
الذي وضعه هواري بومدين عام 1976 .
لكن قبل الاقدام على هذه الخطوة كان لابدّ على الشاذلي أن يقوم بابعاد الراديكاليين داخل حزب جبهة التحرير الوطني وحتى جهاز الاستخبارات العسكرية , ففي 29 تشرين الأول –أكتوبر – 1988
أبعد الشاذلي الرجل العتيد في حزب جبهة التحرير الوطني محمد شريف مساعديّة
مسؤول الأمانة العامة في حزب جبهة التحرير الوطني , كما أقال مدير الاستخبارات العسكرية الأكحل عيّاط .
و في شباط –فبراير – 1989
صوتّ الشعب الجزائري لصالح الدستور الجزائري والذي أقرّ مبدأ التعددية السياسية والاعلاميّة .
وفور المصادقة على الدستور الجديد والاقرار بمبدأ التعددية السياسية والحزبية , بدأ رموز المعارضة يعودون من الخارج كأحمد بن بلة وحسين أية أحمد , أما محمد بوضياف المقيم منذ ثلاثين سنة في منفاه الاختياري في مدينة القنيطرة في المغرب فقد شككّ في مصداقية الديموقراطية الشاذليّة ورفض العودة الى الجزائر .
أماّ قانون الأحزاب الجديد فقد نصّ على ما يلي :
- يجب على كل حزب أن يسعى للحفاظ على الاستقلال الوطني والوحدة الوطنية والنظام الجمهوري والقيم العربية والاسلامية والامتناع عن الممارسات الطائفية المخالفة للسلوك الجزائري , كما لا يسمح لأفراد الجيش الانخراط في العمل الحزبي , ويجب استخدام اللغة العربية في الممارسات الرسمية للحزب .
- أن يكون العضو المؤسس للحزب لم يسبق له سلوك مضاد لثورة التحرير الوطني ,وأن يكون مقيما بالتراب الوطني . - لا يتجاوز حجم تبرعات الحزب في مجموعها 20 في المائة من حجم اشتراكات الأعضاء .
- وزير الداخلية له الحق في استصدار أمر قضائي بوقف نشاطات الحزب واغلاق مقاره وذلك اذا خرق الحزب المواد الدستورية وقوانين الجمهورية . أماّ الدستور الجديد فقد نصّ على أنّ الاسلام هو دين الدولة وأنّ اللغة العربية هي اللغة الرسمية , وقد حددّ مهمة الجيش الجزائري في صون الاستقلال والدفاع عن السيادة . كما نصّ الدستور على ضرورة الاحتكام الى صناديق الاقتراع كوسيلة محايدة لمعرفة حجم القوى السياسية في الاطار الديموقراطي .
وبعد هذه التغييرات الجذرية بدأت الأحزاب الجزائرية بالتشكّل ومنها الحركة من أجل الديموقراطية والجبهة الاسلامية للانقاذ وجبهة القوى الاشتراكية وقد تكاثرت هذه الأحزاب بشكل مدهش حتى بلغت ستين حزبا .
وفي أول انتخابات بلدية جرت في 12 حزيران –جوان –1990 فازت الجبهة الاسلامية للانقاذ , وكان ذلك ايذانا بميلاد هذه الجبهة التي ستكون الرقم الصعب في المعادلة الجزائرية .. وبعد الانتخابات البلدية طالبت الجبهة الاسلامية للانقاذ باجراء انتخابات تشريعية وبررت ذلك بأنّه لا يمكن الحديث عن التعددية السياسية في ظل وجود برلمان أحادي حكر على حزب جبهة التحرير الوطني . وقد وعد الشاذلي بن جديد بايصال الاصلاحات السياسية الى ذروتها , فقررّ أن تجرى انتخابات تشريعية في في 27 حزيران –جوان – 1991 , الاّ أنّ الانتخابات لم تجر في موعدها , بل عادت الجزائر أثناءها الى درجة الصفر أو ماقبله , حيث عادت الدبابات من جديد الى الشوارع الجزائرية و فرضت حالة الحصار العسكري , و أقيلت حكومة مولود حمروش , و أعتقل قادة الجبهة الاسلامية للانقاذ •
راجع كتاب المؤلف أربعة أيّام ساخنة في الجزائر , وكتاب الحركة الاسلامية المسلحة في الجزائر لنفس المؤلف .
ومرّت العاصفة بسلام , اذ عاد الشاذلي بن جديد وحددّ موعدا أخر للانتخابات التشريعية في 26 كانون الأول –ديسمبر – 1991 , وأستعدّت الجبهة الاسلامية للانقاذ وبقية الأحزاب لخوض غمار المعركة الانتخابيّة . وأنتصرت الجبهة الاسلامية للانقاذ مجددا و حصلت على 188 مقعدا في البرلمان وحلّ في المرتبة الثانية حزب جبهة التحرير الوطني وفي المرتبة الثالثة جبهة القوى الاشتراكية .
وقد استعدّت المؤسسة العسكرية لمصادرة هذه النتائج وحركّت فيلقها السياسي قبل العسكري , وتحركت جبهات اليسار والبربر والفرانكفونيين وطالبت بالغاء الانتخابات كما طالبوا الجيش الجزائري بالتدخل , وفي الأثناء اعتقد الشارع الجزائري أن الانتخابات ستتواصل وأن الدورة الثانية ستجرى في موعدها في 16 كانون الثاني – جانفي – 1992 , وكانت المفاجأة الكبرى عندما قدمّ الرئيس الجزائري استقالته تاركا الجزائر تغرق في أتون فتنة يشيب لها قلب الحليم وعقله
, وقد جاء في استقالته ما يلي :
أيّها الاخوة ,أيّها الأخوات , أيها المواطنون لا شكّ أنكم تعلمون بأنني لم أكن راغبا في الترشح لمنصب رئيس الجمهورية غداة وفاة الرئيس الراحل هواري بومدين
وما قبولي بالترشح الاّ نزولا عند رغبة والحاح رفقائي ويومها لم أكن أجهل بأنّها مسؤلية ثقيلة وشرف عظيم في أن واحد . ومنذ ذلك الحين وأنا أحاول القيام بمهامي بكل ما يمليه علىّ ضميري وواجبي , وكانت قناعتي أنّه يتعين تمكين الشعب الجزائري من الوسيلة التي يعبّر بواسطتها عن كامل ارادته لاسيما وأنّ هذا الشعب سبق له وأن دفع ثمنا باهظا من أجل استرجاع مكانته على الساحة الدولية , لذا فبمجرّد أن تهيأت الظروف عملت على فتح المسار الديموقراطي الضروري لتكملة مكتسبات الثورة التحريرية .
وها نحن اليوم نعيش ممارسة ديموقراطية تعددية تتسم بتجاوزات كثيرة وسط محيط تطبعه تيارات جدّ متصارعة . وهكذا فانّ الاجراءات المتخذة والمناهج المطالب باستعمالها لتسوية مشاكلنا قد بلغت اليوم حدّا لا يمكن تجاوزه دون المساس الخطير والوشيك بالانسجام الوطني والحفاظ على النظام العام والوحدة الوطنية
و أما حجم هذا الخطر الداهم فانني أعتبر في قرارة نفسي وضميري بأنّ المبادرات المتخذة ليس بامكانها ضمان السلم والوفاق بين المواطنين في الوقت الراهن. و أمام هذه المستجدات الخطيرة فكرت طويلا في الوضع المتأزّم و الحلول الممكنة وكانت النتيجة الوحيدة التي توصلت اليها هي أنّه لا يمكنني الاستمرار في الممارسة الكليّة لمهامي دون الاخلال بالعهد المقدّس الذي عاهدت به الأمة .
ووعيا مني بمسؤولياتي في هذا الظرف التاريخي الذي يجتازه وطننا فانني أعتبر أنّ الحل الوحيد للأزمة الحالية يكمن في ضرورة انسحابي من الساحة السياسية . و لهذا أيّها الاخوة , أيتها الأخوات , أيها المواطنون , فانني ابتداء من اليوم أتخلى عن مهام رئيس الجمهورية ,و أطلب من كل واحد ومن الجميع اعتبار هذا القرار تضحية مني في سبيل المصلحة العليا للأمة . تحيا الجزائر والمجد والخلود لشهدائنا .
الشاذلي بن جديد بتاريخ : 11 جانفي – كانون الثاني - 1992 . وفي ظرف خمس دقائق قبل المجلس الدستوري برئاسة بن حبيلس استقالة أو اقالة الشاذلي بن جديد وبثّ التلفزيون الجزائري نص الاستقالة في الثامنة ليلا . وبعدها بساعتين وجّه رئيس الحكومة سيد أحمد غزالي خطابا متلفزا للشعب الجزائري , هذا نصّه :
باسم الله الرحمان الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين , أيّها المواطنون ,أيتها المواطنات , سمعتم جميعا نص الرسالة التي وجهها رئيس الجمهورية الى الأمة مساء هذا اليوم والتي أعلن فيها عن تقديم استقالته , وكما علمتم أيضا فانّ المجلس الدستوري قد عقد اجتماعه القانوني وأثبت رسميا الشغور النهائي لرئاسة الجمهورية , ونتجت عن ذلك حالة لم يسبق للجزائر أن عرفت لها مثيلا , وهي حالة تقوم المؤسسات الدستورية بمعالجة جوانبها المختلفة حسب ما تنص عليه قوانين البلاد . وفيما يتعلق بالحكومة فانّ الدستور ينصّ على أنّها مطالبة بمواصلة القيام بالمهام العادية المنوطة بها في جميع الميادين المتصلة بتسيير شؤون البلاد .
وعليّ في هذا الاطار أن أؤكد أيها المواطنون , أيتها المواطنات أنّ الحكومة تضع في مقدمة أولوياتها الحفاظ على أمن الوطن والمواطنين , لذا فاني مباشرة بعد أن وصلني خبر استقالة رئيس الجمهورية طلبت من الجيش الوطني الشعبي أن يتخذّ بصورة وقائية الاجراءات اللازمة من أجل المساهمة في حماية الأمن العمومي وأمن المواطنين وذلك عملا بالقانون 91\488 .
أيها المواطنون , أيتها المواطنات , تأتي استقالة رئيس الجمهورية في الظروف الحرجة التي تجتازها البلاد واني أتوجه اليكم جميعا طالبا من كل واحد منكم أن يتحلى بروح المسؤولية, وأن يحافظ على الهدوء وأن يؤدي مهامه العادية في الاطار والمنصب حيث يوجد .
ولن يفوتني وأنا أتوجه الى الضباط وضباط الصف والجنود في جيشنا الوطني الشعبي أن أؤكد ما سبق لي أن قلته في تصريح يوم 05 حزيران – جوان – 1991
وفي تصريحات أخرى أنّ هذا الجيش قد أثبت بالفعل والممارسة أنّه سليل جيش التحرير الوطني وأنّه يمثل مكسبا عظيما لهذه الأمة , فهو يمناها العتيدة والأمينة في الحفاظ على سيادتها وعلى وحدتها وعلى ثوابتها بما في ذلك دينها الحنيف وعلى حماية أهلها وسلامتهم .
وكذلك أوجّه تحية خاصة ونداءا حثيثا الى رجال الأمن وأسرة الوظيف العمومي والى جميع من يعمل في القطاعات الحيوية في البلاد مناشدا ايّاهم أن يرفعوا مجهوداتهم الى مستوى التحدي الذي لابدّ من مواجهته صفا واحدا وبمنتهى الجدية والصرامة . وعلينا جميعا أن نتزوّد بما يتطلبه هذا الظرف من يقظة وتبصر ووعي وروح وطنية وتضامن وتسامح . وفقنا الله جميعا الى ما فيه خير الشعب والوطن .
و ما أراد أن يقوله سيد أحمد غزالي بين السطور أن الانتخابات التي فازت فيها الجبهة الاسلامية للانقاذ قد صارت في خبر كان , حيث أضطر صناع القرار الحقيقيون أن يضحوا بالشاذلي بن جديد ليهدموا البناء من أساسه , ولكي يعيدوا فيما بعد البناء بطريقة لا تؤدي الى تهديد مصالحهم !
أما المواطنون الذين تحدث اليهم رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء فقد فهموا أن هناك عملية انقلاب عسكرية مغلفّة وقعت في الجزائر و أطاحت بالشاذلي بن جديد الذي رسم له صناع القرار الفعليون خط البداية والنهاية على السواء . وبعد الاطاحة بالشاذلي وباللعبة الانتخابية وبالديموقراطية
اندلعت الفتنة الكبرى في الجزائر والتي أودت بحياة 150,000جزائري وخسائر قدرت بملايير الدولارات .
وقد تبعت اقالة الشاذلي بن جديد سلسلة من الاجراءات كفرض حالة الطوارئ وحل الجبهة الاسلامية للانقاذ وزجّ الألاف من أنصارها في المعتقلات .
واذا كانت المؤسسة العسكرية قد استعاضت عن شغور رئاسة الجمهورية وبقية المؤسسات بمجلس رئاسي خماسي فانها لم تتمكن من اطفاء البركان الذي اسيقظ قاذفا بلهبه في كل اتجاه .
وقد عينّ على رأس المجلس الأعلى للدولة محمد بوضياف و هو أحد مفجرّي الثورة الجزائرية الذي كان غائبا عن الجزائر لمدّة ثلاثين سنة فرارا من حكم اعدام صدر في حقّه من قبل حكومة أحمد بن بلة وكانت تهمته في سنة 1962 أنّه خطير على الأمن القومي الوطني , وأقنعه العسكر بضرورة العودة الى الجزائر باعتبار أنّ الجزائر التي أحبّها وناضل من أجلها على وشك الغرق , وكان أصحاب اللعبة يريدون في الواقع درء الزلزال بشخصية محورية في ثورة التحرير الجزائرية , وأعتقد مستقدموه أن شرعية بوضياف التارخية سوف تلغي الشرعية الانتخابية و الشرعية الجديدة .
لكنّ المنفي العائد بعد ثلاثين سنة الى وطنه تمت تصفيته وفي الظهر بعد 166 يوما من حكمه , وكان ذلك ايذانا أيضا بأن اللعبة القذرة في الجزائر أصبحت خارج السيطرة .







التوقيع

"اللّهم طهر أعمالنا من الرياء وألسنتنا من الكذب"
ملاحظة :ماأنقله لايعبر بالضرورة عن قناعاتي وإنما أنقله للتدوين والمطالعة .
رد مع اقتباس
قديم 16-02-2007, 19:39 رقم المشاركة : 12
معلومات العضو
نورالدين خبابه
كاتب جزائري


افتراضي


الجزائر في عهد محمد بوضياف محمّد بوضياف :
المنفي العائد







محمّد بوضياف ليس رجلا عاديّا بالنسبة للجزائريين
انّه يمثل أحد أباء الثورة الجزائرية التي خلصّت الجزائريين من نير الاستعمار الفرنسي .
و قد بدأ محمد بوضياف نضاله في صفوف حزب الشعب الجزائري منذ عقد الثلاثينات و كان عضوا قياديّا في المنظمة العسكرية الخاصة التي أسسها هذا الحزب في سنة 1947
والتي كانت تهدف الى الاعداد للثورة الجزائرية
وأستمرّ محمد بوضياف مناضلا في هذه المنظمة ككادر وقيادي ومنظّم .
وعندما اكتشفت فرنسا أمر هذه المنظمة قامت باعتقال ألف مناضل من مناضلي حزب الشعب الجزائري , وحكمت على محمد بوضياف بالاعدام غيابيا الأمر الذي دعاه الى التخفي .
وقبل تفجير الثورة الجزائرية في 01 تشرين الثاني –نوفمبر – سنة 1954 , ساهم محمد بوضياف في تأسيس جماعة 22 الثورية للوحدة و العمل وبعدها اللجان الست التي فجرّت ثورة التحرير الجزائرية , وتمكنّ بوضياف في ظروف غير طبيعية من تفجير ثورة التحرير مع رفقائه أحمد بن بلة ورابح بيطاط ومحمد خيضر و كريم بلقاسم وحسين أيت أحمد والعربي بن مهيدي وغيرهم .
ومعروف أنّ الثورة الجزائرية اندلعت في وضع سياسي جزائري يتسم بالتعددية الشكلية , وكانت بعض الأحزاب الجزائرية أنذاك ترى عبثية الثورة وضرورة الاندماج الكلي في المجتمع الفرنسي
أو المجتمع الأم كما كانت تسميه النخبة الفرانكفونية في ذلك الوقت . كما أنّ الثورة الجزائرية انطلقت في ظل ضعف الامكانات المادية حيث كان الثوّار الجزائريون يستخدمون بنادق الصيد والسكاكين وحتى أخشابا منحوتة على شكل بنادق ورشاشات .
ويرى الدكتور يحي بوعزيز المؤرخ الجزائري الشهير أنّ محمد بوضياف أنقذ الجزائر ثلاث مرات الأولى عام 1954 حينما اشتدّت الخصومة بين الأحزاب وأنقسم التيار الاستقلالى على نفسه , فحسم بوضياف ورفاقه الموقف لصالح الحتمية الثورية , والثانية عام 1964 بعد الاستقلال بعامين حينما فضلّ المنفى الاختياري خارج البلاد لمدة ثماني وعشرين سنة حتى لا يشارك في الفوضى والصراع الداخلي الذي نشب بين ثوّار الأمس غداة استعادة الاستقلال في سنة 1964
والثالثة عام 1993 عندما استجاب للنداء الوطني وعاد الى الجزائر لرئاسة المجلس الأعلى للدولة عقب استقالة أو اقالة الشاذلي بن جديد .
و المقربون من محمد بوضياف يعترفون له بقوة العزيمة والاصرار والعناد أحيانا , و لقد تحدث بوضياف ذات يوم عن يومياته أثناء الثورة الجزائرية قائلا أنّه تحملّ المحن في كل أوقاته وظلّ يفر من رجال المخابرات الفرنسية , وأشار الى جوعه وحرمانه هو و اخوته في النضال .
وكثيرا ما كان بوضياف يتنقّل خارج الجزائر لتنظيم شؤون الثورة الجزائرية وتعريف العالم بأهدافها , وما زال العالم شاهدا على غطرسة الاستعمار الفرنسي الذي قام بتحويل الطائرة التي كانت تقلّ بوضياف و بقية رفاقه رابح بيطاط وحسين أيت أحمد وأحمد بن بلة ومحمّد خيضر .
وعندما سئل محمد بوضياف هل كان على علم ببرج المراقبة وطاقم الطائرة التي كانت تقله من المغرب والى تونس وما دور المخبرين والمتعاونين مع السلطات الفرنسية في المغرب, أجاب قائلا : مسألة المراقبة لم نكن نعلم بها ومسألة السفر تقررت بسرعة , وأنا شخصيا كنت مريضا
وقد خرجت من المستشفى قبل ثلاثة ايام من موعد السفر وغاية ما هناك بلغنا أنّ الحكومة الاشتراكية في ذلك الوقت حكومة ذي مولي اتصلت بالرئيس التونسي الحبيب بورقيبة والملك المغربي محمد الخامس وطلبت منهما الاجتماع في تونس لايجاد حل للمسألة الجزائرية وهذا سبب ذهابنا الى تونس , وقال بوضياف أنّه لم يكن في حوزتهم أسلحة عدا بن بلّة الذي كان يحمل معه رشاش ايطالى , والقرصنة الجوية التي تعرضنا اليها كانت بعد اقلاعنا من جزيرة مايوركا
حيث تزودّت الطائرة بالوقود وبعد أن طارت أجبرت على التوجه الى الجزائر العاصمة وقد حاول الطيّار الاتصال ببرج المراقبة في المغرب لكن لا أحد ردّ عليه .
وعن تجربته النضالية قال بوضياف : خلال وجودنا في السجن في فرنسا كانت هناك بيننا وبين قيادة الثورة الجزائرية اتصالات محدودة , وكان أحمد بن بلة على اتصال بالعربي بن مهيدي أحد رموز الثورة الجزائرية في الداخل الجزائري , وكنت على صلة بكريم بلقاسم بينما كان عبان رمضان على اتصال بحسين أيت أحمد , وكانت هذه المراسلات توضح تطورات الثورة الجزائرية داخل الوطن وخارجه , وكانت بعض الأخبار تصلنا عن طريق المحامين وبعض الأشخاص , لكن كل ذلك لا قيمة له مادمنا في السجن وتحت الحراسة والمراقبة .
ففي السجن الفرنسي يقول محمد بوضياف كنّا على اتصال ببعضنا البعض , لكن دون عمل أو نشاط فعّال ما عدا مناقشة ومتابعة أحداث الثورة الجزائرية وماكان يجري داخل قيادتها من ايجابيات وسلبيات .
وفيما يخص المفاوضات الجزائرية –الفرنسية وخاصة الأخيرة منها جاءنا السيد بن يحي وبن طوبال وكريم بلقاسم لاطلاعنا على مجرياتها , وكان ردّي عليهم
أننا بعيدون عن ميدان الأحداث السياسية والعسكرية ولا نعرف ما يجري خارج أسوار السجن , ولا نعرف شيئا عن امكانيات جبهة التحرير الوطني المادية والبشرية وقدرة الشعب الجزائري على الصمود , ولهذا يقول بوضياف كنت ألتزم الحذر دون العاطفة , بينما كان رأي باقي الاخوة وخاصة بن بلة القبول بانهاء الحرب حتى لو كانت بعض بنود اتفاقيّات ايفيان في غير صالح الجزائر مستقبلا .
وعن اتفاقيّات ايفيان التي أفضت الى استقلال الجزائر قال محمد بوضياف : أعترف لبن يحي –وهو أحد الجزائريين المفاوضين – بالذكاء وبعد النظر المستقبلي , وفي الأمور التقنية كانت تنقصنا الخبرة والثقافة ولم يكن الاخوة المفاوضون تقنيين في مجال المفاوضات , لذا نجد رؤساء وملوك الدول في رحلاتهم وزياراتهم العملية مصحوبين بالتقنيين والخبراء في الميادين المختصة لكل اتفاقية أو عقود فيما بين الدولتين أو الدول .
وعن علاقة الثورة الجزائرية بالعالم العربي قال محمد بوضياف : للأمانة التاريخية وحتى نكون منصفين في شهادتنا الثورية وعلى الشعب الجزائري أن يعرف ذلك , أنّ امكانات الثورة الجزائرية كانت ضعيفة في البداية من حيث انعدام الذخيرة الحربية والسلاح , كنّا نملك شعبا قابلا للتضحية والفداء لكن بدون سلاح , وكان اعتمادنا في البداية على أنفسنا وأمكانياتنا الضعيفة , ثمّ اتصلنا باخواننا في الدين والتاريخ والمصير المشترك , فكانت المساعدة الأولى للثورة الجزائرية بل للشعب الجزائري من العالم العربي , فالأخوة المصريون هم الأوائل في المساندة السياسية وتدبير الأسلحة من الدول العربية , وأول مساعدة مالية لشراء الأسلحة كانت من المملكة العربية السعودية .
وعندما ذهب جمال عبد الناصر الى الأراضي المقدسة لأداء فريضة الحج تحدثّ مع المسؤولين السعوديين حول متطلبات الجهاد في الجزائر فخصصت المملكة مبلغ 100 مليون دولار لدعم المقاومة في المغرب العربي . فأخذ منها صالح بن يوسف وشوشان نصيبا لتغطية مصاريف المقاومة التونسية , والباقي كان من نصيب الثورة الجزائرية التي اشترت به أسلحة وذخائر عن طريق مصر , أما المقاومة المغربية فلم تأخذ شيئا من هذا المبلغ على حدّ علمي قال محمد بوضياف , كما كانت هناك مساعدات جمّة من نظم وشعوب العالم العربي كالعراق وسوريا وتونس والمغرب وليبيا ولبنان وغيرها , كما لعب العالم الاسلامي دورا كبيرا في مساعدة الثورة الجزائرية في المحافل الدولية .
وتؤكد الوثائق , وشهادات مفجريّ الثورة الجزائرية ومنهم محمد بوضياف أنّ العالم العربي والاسلامي ساند الثورة الجزائرية منذ تفجير الثورة والى الاستقلال . وكان العالم العربي والاسلامي يرى في الثورة الجزائرية ضد فرنسا والحلف الأطلسي ملحمة ومفخرة للعرب والمسلمين , وقد صارت الثورة الجزائرية قدوة لحركات التحرر في وقت لاحق ..



,







التوقيع

"اللّهم طهر أعمالنا من الرياء وألسنتنا من الكذب"
ملاحظة :ماأنقله لايعبر بالضرورة عن قناعاتي وإنما أنقله للتدوين والمطالعة .
رد مع اقتباس
قديم 16-02-2007, 19:42 رقم المشاركة : 13
معلومات العضو
نورالدين خبابه
كاتب جزائري


افتراضي


الاستقلال وبداية الكارثة :

كان محمد بوضياف يحلم بجزائر قويّة تعتمد على نفسها , وتعمل على ترجمة الأهداف الكبرى التي سطرتها ثورة التحرير المباركة بدماء مليون ونصف مليون من الشهداء , وكان بوضياف يأمل أن أن يتحد رفاق الأمس الذين ضحّوا بالغالي والنفيس من أجل تحرير الجزائر , الاّ أنّه شاهد بداية تمزق صفوف الثوّار وانحرافا عن خطّ الثورة الأصيلة , وعايش بنفسه ظهور المحاور والتكتلات التي كادت تتسبب في اندلاع حرب أهلية في الجزائر .
وكان متضايقا من تهميش بعض مفجري الثورة الجزائرية , وهاله أن يحتل ضباط فرنسا المواقع الأمامية على حساب الثوّار الحقيقيين .
وتعود قصّة التمزق الى ما قبل الاستقلال الجزائري بقليل عندما فرض بعض عقداء جيش التحرير الشعبي أراءهم على باقي الثوّار وسعوا لخلق تكتلات داخل صفوف الثورة الجزائرية , ويعترف رئيس الحكومة المؤقتة يوسف بن خدّة أنّ الخصام بين ثوّار الأمس قد بلغ الذروة , وهو لذلك فضّل الانسحاب من الساحة السياسية في وقت مبكّر .
ورغم الدعوة المتكررة لاعادة كتابة تاريخ الثورة الجزائرية بسلبياتها وايجابياتها , فانّ العديد في الجزائر ما زال يضع العراقيل في وجه هذه الدعوة , وربما يخشى هذا البعض من رفع الغطاء عن العديد من الذين خانوا الثورة الجزائرية وأسعفهم الحظ على تولّي مناصب حسّاسة في الجزائر .
وهذه المتناقضات بين ثوّار الأمس في عهد الاستقلال كادت تؤدي الى حرب أهلية , ولما تفاقم الصراع خرج الشعب الجزائري متظاهرا في الشوارع رافعا شعار : سبع سنوات تكفينا , في اشارة الى السنوات السبع التي قضّاها الشعب الجزائري في محاربة الاستعمار الفرنسي . وقد حسم الصراع لصالح قيادة الأركان والتي عينّت أحمد بن بلة على رأس الدولة الجزائرية الفتية . وقد اعترف بن بلة أنّه كان ضئيل الثقافة والخبرة ورغم ذلك فقد حاول مع رفاقه أن يبني معالم الدولة الفتية , وكان رفاقه يأخذون عليه استحواذه على ثمانية مناصب حسّاسة في وقت واحد , وهو الأمر الذي أثار حفيظة بعض رفاقه الذين فسروا تصرفه أنّه سلطوي وديكتاتوري .
و كان محمد بوضياف أحد الناس الذين هالهم تحريف الثورة الجزائرية عن مسارها وتغليب الأنا في معالجة الأمور بدل المصلحة الوطنية العليا , ولما كان أحمد بن بلة يخشى جانبه أمر باعتقاله وايداعه السجن ثمّ حكم عليه بالاعدام بتهمة التأمر على أمن الدولة .
وعن هذا الاعتقال قال محمد بوضياف : أنّ اعتقاله تمّ بطربقة بشعة حيث كان يتجول في الشارع وجرى اعتقاله ثمّ أبدى استغرابه لكون الشخص الذي امر باعتقاله البارحة من دعاة الديموقراطية اليوم .
وبعد أن تدخلت أطراف متنفذة ولاعتبارات تتعلق بماضي بوضياف التاريخي أطلق سراحه, ففضّل مغادرة الجزائر وبشكل نهائي , وأقام بشكل مؤقت في باريس حيث أسس حزبا معارضا اشتراكيّ التوجه , كما ألّف كتابه الشهير الجزائر الى أين !
وفي هذا الكتاب تحدث عن مصير الثورة الجزائرية والخلل الذي انتاب مسيرتها , وبعد فترة لم تدم طويلا قام بالغاء حزبه , وفضلّ الاقامة في القنيطرة في المغرب , وقد أقام مصنعا للأجر وظلّ يتابع الأحداث في الجزائر دون أن يدلي بأي تصريح أو تعليق لوسائل الاعلام.
وقد رفض محمد بوضياف جميع الدعوات التي وجهها اليه هواري بومدين بالعودة الى الجزائر غداة اطاحته بأحمد بن بلة في 19 حزيران – جوان –1965 , الاّ أنّه رفض كل هذه الدعوات محبذا المنفى على معايشة مشاهد اغتيال الثورة الجزائرية . وكان محمد بوضياف في المغرب محط رعاية العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني , كما كان محل احترام السكان المجاورين له .
وقد استطاع وهو في المغرب وكما قال هو شخصيا أن يحقق ثروة تكفل له ولأبنائه وزوجته العيش بكرامة , ولذلك لما عيّن على رأس المجلس الأعلى للدولة في مطلع سنة 1992 رفض أن يتقاضى راتبا ليؤكّد على نزاهته , وأنّه يختلف عن الأخرين الذين اختلسوا أموال الجزائر وصيرّوها بعد غنى وثراء فقيرة تستجدي العون من البنوك الدولية..


الجزائر من الأحاديّة والى التعدديّة


بعد خريف الغضب في 05 تشرين اول –نوفمبر – 1988 أضطّر الشاذلي بن جديد ولتجاوز الانتفاضة الشعبية العارمة وأثارها , أن يعلن وعلى مسمع ومرأى الشعب الجزائري عن مشروع للاصلاحات السياسية والاقتصادية , ودعا الشعب الجزائري لابداء رأيه في الدستور الجديد المعدّل الذي تصبح التعددية السياسية بموجبه متاحة وكذا التعددية الاعلامية . وتمّت الموافقة الشعبية على هذا الدستور في شهر شباط –فبراير – 1989
وكان ذلك ايذانا بميلاد التعددية السياسية والاعلامية , وشرع المعارضون التقليديون للنظام الجزائري بالعودة الى الجزائر بدءا بحسين أيت أحمد الذي كان يدير حزبه جبهة القوى الاشتراكية انطلاقا من أوروبا ,ثمّ تلاه أحمد بن بلة الذي كان مقيما في سويسرا وهناك كان يتزعم حزبه الحركة من أجل الديموقراطية .
وبعودة هؤلاء الرموز الذين كانوا وراء تفجير الثورة الجزائرية , تساءل بعض الجزائريين عن موعد عودة محمد بوضياف الى الجزائر !
لم ينتظر السائلون كثيرا اذ جاءهم الجواب من خلال تصريح لبوضياف لبرنامج لقاء الصحافة المتلفز والذي خصص للثورة الجزائرية , وقد سئل بوضياف لماذا لا يعود الى الجزائر ! فأجاب بأنّه لا يؤمن بهذه الديموقراطية ولا بالمشروع الديموقراطي المطروح في الجزائر والذي أملته ظروف معينة -
ويقصد أحداث خريف الغضب في شهر أكتوبر –
وأنّه لما يشعر بجديّة التجربة سيعود الى الجزائر أو في حالة وجود ما من شأنه أن يجعل العودة الى الجزائر واجبا وطنيا …
وزاول بوضياف عمله التجاري في منفاه في مدينة القنيطرة في المغرب , حيث كان يتردد عليه بعض الجزائريين الباحثين وغيرهم ويسألونه عن قضايا وملفات تتعلق بالثورة الجزائرية , ونقل عنه بعض زائريه أنّه كان قلقا للغاية على مصير الجزائر , وكثيرا ماكان يسأل الجزائر الى أين ! وهو عنوان كتابه الذي ألفّه في بداية الستينيات أي بعد استقلال الجزائر بسنتين فقط .
و أزداد اهتماما بالجزائر عقب الاضراب الذي دعت اليه الجبهة الاسلامية للانقاذ في 25 أيّار –مايو – 1991 لالغاء القوانين التي سنتها حكومة مولود حمروش بغية تزوير الانتخابات . وقد أدى هذا الاضراب الى اندلاع صراع دموي بين الاسلاميين والسلطة الجزائرية والذي انتهى بتدخل الجيش وفرض حالة الحصار العسكري وحظر التجول واقالة حكومة مولود حمروش وتعيين وزير الخارجية في ذلك الوقت سيد أحمد غزالي على رأس الحكومة .
وجاء اعلان الحصار في الجزائر في 04 حزيران – يونيو – 1991 ليؤكد ماذهب اليه محمد بوضياف من أنّ الديموقراطية الجزائرية شكلية وتدخل في اطار التنفيس عن أحداث دامية كانت تعصف بالدولة الجزائرية .
و أثناء عودة محمد بوضياف الى الجزائر في أواسط كانون الثاني – يناير – 1992 اعتبرت أوساط سياسية جزائرية أنّ عودته في هذا الوقت تحديدا كانت غير مناسبة وغير لائقة و قالت هذه الأوساط أنّ بوضياف تنطبق عليه مقولة الرجل المناسب في الوقت غير المناسب ورأت هذه الأوساط أنّه لو تولىّ الحكم بعد خريف الغضب مباشرة لكان خيرا له وللجزائر .


امتدّت فترة الحصار العسكري أربعة أشهر أعلن الشاذلي بن جديد بعدها أنّ الانتخابات التشريعية ستجرى في 26 كانون الأول – ديسمبر –1991 .
استعدّت القوى السياسية لهذه الانتخابات وعاودت نشاطها السياسي بعد صمت استمرّ أربعة أشهر كان منطق الرصاص والصراع الدموي بين السلطة والاسلاميين هو سيّد الموقف .
وفي اللحظات الأخيرة قررت الجبهة الاسلامية للانقاذ بقيادة المهندس عبد القادر حشّاني المشاركة في الانتخابات .
وكان الشعب الجزائري متحمسا لهذه الانتخابات خصوصا وأنّ الصورة الرسمية التي قدمت له أنّه أصبح صاحب الارادة والقرار يزكّي من يشاء ويختار من يشاء بعد أحادية سياسية ستالينية شلّت طاقته وحتى قدرته على التفكير .
وبعد أيام قليلة من هذه الانتخابات أعلن وزير الداخلية الجنرال العربي بلخير عن النتائج التي جاءت كما يلي :
- 188 مقعدا للجبهة الاسلامية للانقاذ .
- 20 مقعدا للجبهة القوى الاشتراكية .
- 16 مقعدا للحزب جبهة التحرير الوطني .
وبمجرد شعور التيار البربري والفرانكفوني واليساري وتيار في المؤسسة العسكرية برجحان الكفة لصالح الجبهة الاسلامية للانقاذ قامت قيامة الجزائر في أعنف صراع , حيث كان أصحاب الاتجاهات المذكورة يرون أنّه من المستحيل السماح للانقاذ بتكريس مشروعها الاسلامي .
وهاهنا حسم بعض الجنرالات الموقف وذلك باقالة الشاذلي بن جديد وقلب الطاولة من أساسها , والعجيب أن بعض أقطاب التيار الفرانكفوني اعتبر الشعب الجزائري غبيا لا يحسن الاختيار وغير ناضج ديموقراطيا .
وقد أقسم بعض الناس في الجزائر أن لن يتوجهّ أبدا الى صناديق الاقتراع , ما دامت الدبابات تلغي اختيار الشعب بطلقة مدفع واحدة .
وقبل تنحيّة الشاذلي بن جديد , وقبل اجراء الانتخابات التشريعية بأسبوع واحد , قال الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد في ندوة صحفية أنّه سيذهب بالمشروع الديموقراطي الى أبعد حدّ , وسوف يحترم القوة السياسية التي تفرزها ارادة الشعب الجزائري مهما كان لون هذه القوة السياسية . كما أنّ القوى السياسية برمتها أعلنت أنّها ستحترم ارادة الشعب الجزائري و قواعد اللعبة الديموقراطية و سوف تقبل نتائج الانتخابات بروح رياضية , لكن كل هذه الالتزامات تبخرّت مع بروز النتائج الأولية وبدأت عقارب الساعة في الجزائر تتراجع الى الوراء
فسعيد سعدي زعيم التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية البربري والذي صرحّ قبل اجراء الانتخابات التشريعية أنّ حزبه سيحترم افرازات المشروع الديموقراطي هددّ بأنّه سيعلن الحرب على الأصولية , وأعلن أنّ حزبه لن يقبل بأن تتحول الجزائر الى ايران أو سودان ثانية .
والهاشمي شريف زعيم حزب الطليعة اليساري دعا الجيش الجزائري للتدخل وصرحّ أنّ حزبه يقبل بنظام بينوشي ولا يقبل بنظام اسلامي توليتاري رجعي ظلامي .
والفرانكفونيون واليساريون والبربر والعلمانيون وأصحاب كل المتناقضات الأيديولوجية أسسوا وفي يوم واحد جمعية انقاذ الجزائر , وقد منح وزير الداخلية في ذلك الوقت الجنرال العربي بلخير الاعتماد لهذه الجمعية في ظرف ربع ساعة , في حين تنتظر الجمعيات الأخرى مدّة ستة أشهر للحصول على الاعتماد . والجمعيات النسوية التحررية أقامت مهرجانات للمطالبة بحقوق المرأة كاملة وكل تلك الأمور كانت في الواقع رسائل سياسية من جهة , كما كانت مؤشرا على وجود قوة فاعلة تحرك كل هذه الصور من خلف الكواليس كمدخل لما هو أعظم !
العربي بلخير وزير الداخلية وأحد أكثر المتنفذين داخل المؤسسة العسكرية عقد اجتماعا موسعا صبيحة ظهور نتائج الانتخابات مع القيادات الأمنية استعدادا للمرحلة المقبلة .
سيد أحمد غزالي رئيس الوزراء والذي وعد الأمة الجزائرية عشية تعيينه على رأس الحكومة في 04 حزيران –يونيو –1991 بأنّه سيشرف على انتخابات حرّة ونزيهة ,أعلن أنّ ظنه
في الشعب الجزائري قد خاب لأنّه صوتّ لصالح الجبهة الاسلامية للانقاذ, وكان غزالي قد قدمّ ضمانات للمؤسسة العسكرية بأنّ القوة الثالثة العلمانية هي التي ستستحوذ على البرلمان .
جنرالات الجيش وعلى رأسهم وزير الدفاع الجنرال خالد نزار اجتمعوا ولمدة أسبوع كامل بالشاذلي بن جديد وطالبوه بالغاء الانتخابات التشريعية باعتبار أنّ صلاحياته تخوله ذلك , وقد أدّى رفض الشاذلي لطلبهم الى عزله حيث قدم استقالة رمزية أوضح فيها سبب الاستقالة , وقال أنه سيضحّي من أجل الجزائر , وحتى تكتمل اللعبة أمر بحل البرلمان الجزائري ,وقد أعلن رئيس البرلمان عبد العزيز بلخادم أنّه سمع بأمر حل المجلس الشعبي الوطني – البرلمان – من خلال التلفزيون الرسمي .
وقد توالت الأحداث بسرعة مذهلة لتنتهي الجزائر بلا رئاسة ولا مجلس شعبي منتخب ولا مجلس دستوري ولا بلديات منتخبة .
انّه الفراغ الدستور المركّب , انّه الشغور التام , انّه بداية انهيار الدولة ومؤسساتها .
فما المخرج !!!







التوقيع

"اللّهم طهر أعمالنا من الرياء وألسنتنا من الكذب"
ملاحظة :ماأنقله لايعبر بالضرورة عن قناعاتي وإنما أنقله للتدوين والمطالعة .
رد مع اقتباس
قديم 16-02-2007, 19:45 رقم المشاركة : 14
معلومات العضو
نورالدين خبابه
كاتب جزائري


افتراضي


شغور الدولة :

بعد انسحاب الشاذلي بن جديد وحلّ المجلس الشعبي الوطني وجدت الجزائر نفسها تعيش فراغا دستوريّا رهيبا .
والدستور الجزائري ينصّ على أنّه في حالة استقالة رئيس الجمهورية
أو موته يتولىّ رئاسة الدولة رئيس المجلس الشعبي الوطني –البرلمان – وذلك لمدّة 45 يوما تجرى بعدها انتخابات رئاسية . الاّ أنّ المجلس الشعبي تمّ حلّه , وعبد العزيز بلخادم رئيس البرلمان والذي كان يفترض أن يتولى الرئاسة في المرحلة الانتقالية أعلن أنه سمع بقرار حلّ البرلمان في التلفزيون الجزائري .
و يبدو أنّ اللعبة كانت محبوكة بدقة لابقاء الجزائر في ظلّ هذا الوضع , وفي قبضة المؤسسة العسكرية , لأنّه وبعد انهيار كل المؤسسات بقيت المؤسسة العسكرية هي الوحيدة التي تدير مقاليد الأمور . ولمعالجة حالة الشغور اجتمع رئيس الحكومة سيد أحمد غزالي ووزير الخارجية الأخضر الابراهيمي و وزير الداخلية العربي بلخير ووزير الدفاع الجنرال خالد نزار
وكان الاجتماع في قصر الحكومة , و أطلق على هذه النواة اسم اللجنة الاستشارية , وللتذكير فانّ الهيئة الاستشارية دستوريّا لا يحق لها اتخاذ القرار , ووظيفتها الدستورية تكمن في اعطاء المشورة لرئيس الجمهورية في مسائل الأمن القومي , ودستوريا يشترط أن تلتئم هذه اللجنة الدستورية بحضور رئيس الجمهورية وهو في هذه الحالة الشاذلي بن جديد الذي أقيل من منصبه , وقد تجاوزت هذه اللجنة كل هذه الاعتبارات الدستورية بحجة أنّ الوضع الأمني لا يسمح بفلسفة الأمور والوقوف عند حرفية النصوص الدستورية .
وقد خرجت اللجنة المذكورة بعد اجتماعها بفكرة الرئاسة الجماعية وهي ما عرف في الجزائر باسم المجلس الأعلى للدولة , ويتكون هذا المجلس من خمسة أعضاء وهم :
محمد بوضياف رئيسا وخالد نزار عضوا وعلي كافي عضوا وعلي هارون عضوا وتيجاني هدّام عضوا , وبمجرد الاعلان عن هذا المجلس اعترضت عليه القوى السياسية باعتباره غير شرعي وغير دستوري .
وكان البعض في الجزائر يتوقع أن يتقدم رئيس الحكومة سيد أحمد غزالي لرئاسة الدولة خصوصا وأنّ بعض المتنفذين في الجيش أوحوا له بذلك , الاّ أنّ الاضطرابات الجماهيرية والاحتجاجات المتواصلة على قرار الغاء الانتخابات التشريعية جعلت صنّاع القرار في المؤسسة العسكرية يستنجدون بشخصية من وزن محمد بوضياف لتغليب شرعيته التاريخية على الشرعية الشعبية الملغاة بقرار علوي .
وكان الجنرال خالد نزار قد أجرى اتصالات بمحمد بوضياف ودعاه الى الجزائر لمدة أربع وعشرين ساعة , وتمّ تكليف علي هارون صديقه القديم بالتوجه اليه حيث يقيم في مدينة القنيطرة بالمغرب , وأوهم علي هارون بوضياف بأنّ الجزائر على وشك الدخول في حرب أهلية يحترق فيها اليابس والأخضر , ومما قاله محمد بوضياف لعلي هارون أنّ السلطة عليها أن تستأنف الانتخابات وتواصل الدورة الثانية من هذه الانتخابات وعليها أن تقبل بنتائج الانتخابات , وحاول هارون اقناعه بأنّ ذلك غير ممكن وأن المشروع الأصولي خطر على الجزائر .
وعندها أمهل بوضياف على هارون فترة وجيزة للتفكير , وبعد مداخلات حثيثة من الجنرال خالد نزار وزير الدفاع قرر أن يعود الى الجزائر رئيسا بعد أن غادرها منفيا .
وبعد عودته الى الجزائر التقى محمد بوضياف وزير الدفاع خالد نزار , حيث سأله بوضياف عن السبب الذي يحول دون استلام الجيش السلطة بشكل مباشر , وردّ عليه خالد نزار بقوله
أنّ الدستور يحصر مهمة المؤسسة العسكرية في حماية الدولة ومؤسساتها
والواقع أن المؤسسة العسكرية وصنّاع القرار فيها كانوا على الدوام يحبذون توجيه دفّة الحكم من وراء الستار .
وبعد أن استمع الى وزير الدفاع كل ما أراد أن يقوله , غادر الجزائر عائدا الى المغرب لترتيب وضعه , وليعود الى الجزائر وسط ضجة اعلامية بدأ الرسميون في الجزائر يمهدون لها.
وفي القنيطرة في المغرب حاول أهله عن ثنيه لقبول دعوة خالد نزار لتوليّ الرئاسة لأنّ ذلك ينطوي على مخاطر جمّة خصوصا وأنّ التركة ثقيلة ولا يمكن لبوضياف تطويقها أو وضع حدّ للدوامة التي تعصف بالجزائر منذ خريف الغضب سنة 1988 .


عودة محمد بوضياف :

في 15 كانون الثاني – يناير – 1992 وفي الساعة الخامسة مساءا وصل محمد بوضياف الى مطار هواري بومدين في الجزائر العاصمة بعد غياب طويل دام 27 سنة .
وكان في استقباله لدى وصوله وزير الدفاع الجنرال خالد نزار, ووزير الداخلية الجنرال العربي بلخير و رئيس الحكومة سيد أحمد غزالي , و بقية أعضاء المجلس الأعلى للدولة علي كافي , علي هارون تيجاني هدّام وغيرهم من الرسميين الجزائريين .
توجّه بوضياف الى باحة المطار حيث قال لوسائل الاعلام أنّه جاء الى الجزائر لانقاذها .
ومن المطار توجه مباشرة الى قصر الجمهورية , وأبلغ الشعب الجزائري أنّ محمد بوضياف سيلقي خطابا على الأمة في الساعة الثامنة مساءا . وكانت الأنظار كل الأنظار مشدودة اليه ,ومما جاء في الخطاب أنّه سيعمل على الغاء الفساد والرشوة ومحاربة أهل الفساد في النظام واحقاق العدالة الاجتماعية , ودعا القوى السياسية الى التوحّد لمواجهة التحديّات الجديدة , وطلب من الشعب الجزائري مساعدته في أداء مهامه , وقال :
هذه يدي أمدّها الى الجميع بدون استثناء .
أماّ الجبهة الاسلامية للانقاذ التي صودر انتصارها في الانتخابات التشريعية , فقد أبرقت الى محمد بوضياف محذرّة أياه من مغبّة تلويث سمعته التاريخية ودعته لعدم الوقوع فريسة في أيدي ما أسمته الجبهة الاسلامية للانقاذ بالطغمة الحاكمة التي تريد استغلال وتوظيف سمعة محمد بوضياف ورصيده الثوري . وأصرّت الجبهة الاسلامية للانقاذ في مطالبتها السياسية على ضرورة العودة الى المسار الانتخابي وقد قابلت السلطة الجزائرية هذا الطلب بالمجابهة العنيفة .
وعاشت الجزائر عندها أحلك أيامها , فرضت عندها حالة الطوارئ , وقام وزير الداخلية الجنرال العربي بلخير بحلّ الجبهة الاسلامية للانقاذ , و تمّ اعتقال كافة القيادات الانقاذية , والعناصر المتعاطفة مع الجبهة الاسلامية للانقاذ ولأنّ السجون لا تسع عشرات الألاف من الناس فقد تمّ اقامة معتقلات في الصحراء الجزائرية .
وفي 07 شباط – فبراير – 1992 شهدت العديد من المدن الجزائرية انتفاضات عارمة جوبهت بالدبابات وحتى بالصواريخ كما وقع في مدينة باتنة الجزائرية .
وظلّ محمد بوضياف في كل خطبه يتهجم على الجبهة الاسلامية للانقاذ , وأحيانا كان يلجأ الى السخرية والاستهزاء من جبهة الانقاذ الاسلامية , كما شنّ هجوما على حزب جبهة التحرير الوطني وأمينه العام عبد الحميد مهري الذي كان يعترض على الغاء الانتخابات التشريعية , وكان يطالب بردّ الاعتبار للجبهة الاسلامية للانقاذ وكل هذه المواقف لم ترق للسلطة التي وضعت خطة للانقلاب على عبد الحميد مهري ومن داخل جبهة التحرير الوطني ونجحت الخطة في وقت لاحق !
وفي خضّم الفراغ السياسي القاتل الذي شهدته الجزائر بعد الغاء المسار الانتخابي دعا محمد بوضياف الى انشاء التجمع الوطني الديموقراطي الذي أراده الرسميون تيارا ثالثا بديلا عن الجبهةالاسلامية للانقاذ وحزب جبهة التحرير الوطني
ورغم أنّ هذا التجمع كان شعاره الجزائر أولا وقبل كل شيئ الاّ أنّ هذا الشعار الجميل والمنمّق لم يثر حماس كثيرين في الجزائر الذين كانوا يرون أنّ الجزائر تعيش حربا شرسة بين شرعية الانقلاب وشرعية الصناديق المقلوبة !
فالمؤسسة العسكرية كانت مصرة على ابقاء الوضع على حاله وعدم الرجوع الى المسار الانتخابي مهما كلفّ الأمر , والجبهة الاسلامية للانقاذ كانت مصرة على التغيير الجذري للنظام وتطهير الجزائر من النظام الذي جرّها الى الهاوية .







التوقيع

"اللّهم طهر أعمالنا من الرياء وألسنتنا من الكذب"
ملاحظة :ماأنقله لايعبر بالضرورة عن قناعاتي وإنما أنقله للتدوين والمطالعة .
رد مع اقتباس
قديم 16-02-2007, 19:49 رقم المشاركة : 15
معلومات العضو
نورالدين خبابه
كاتب جزائري


افتراضي


مشكلة الشرعية في الجزائر :

مشكلة الشرعية في الجزائر مطروحة بقوة مع بداية الاستقلال الجزائري
ولعلّ عدم ايجاد حل لها هو السبب وراء كل الكوارث السياسية التي حلّت بالجزائر , فمنذ ثلاثين سنة والجزائر تنتقل من محطة الى محطة أخرى بشرعيات متعددة.
فعقب استقلال الجزائر في 05 تموز –يوليو – 1962 حسم الجيش الجزائري الصراع الذي كان دائرا بين ثوّار الأمس لصالحه , وأسند منصب رئاسة الدولة لأحمد بن بلة
وكانت مرجعية هذه الدولة وسندها الشرعية الثورية , غير أنّ هذه الشرعية لم تعصم رفاق الثورة من التقاتل والتصفيات الجسديّة , وباسم هذه الشرعية سجن محمد بوضياف في 1963
وقتل العقيد شعباني ومحمد خيضر وكريم بلقاسم , وباسم الشرعية الثورية أطاح هواري بومدين بحكم الرئيس أحمد بن بلة في 19 حزيران – يونيو – 1965
وكان قادة الانقلاب يسمون ما حصل تصحيحا ثوريا , وبشرعية هذا التصحيح ظلّ هواري بومدين يحكم الى أن وافته المنيّة في سنة 1978 .
وبعد وفاة هواري بومدين , تمّ ايصال الشاذلي بن جديد الى الحكم من قبل المؤسسة العسكرية وجهاز الاستخبارات العسكرية الذي كان على رأسه أنذاك قاصدي مرباح .
وعلى الرغم من أنّ الشاذلي بن جديد كان يحرص على اجراء انتخابات رئاسية الاّ أنّه كان المرشح الوحيد والفائز الوحيد لثلاث فترات متتالية .
ومثلما دفعت المؤسسة العسكرية الشاذلي بن جديد الى الواجهة فقد أقالته في 11 كانون الثاني – يناير – 1192 . وبتنحية الشاذلي بن جديد دخلت الجزائر مجددا مشكلة الشرعية , وظلّ الصراع قائما بين الجبهة الاسلامية للانقاذ والسلطة الجزائرية وكل منهما يدعّي أنّه صاحب الشرعية المفقودة .


عاد محمد بوضياف الى الجزائر في وقت كانت فيه الجزائر تلتهب وتتهاوى , وسط صراع دموي ومرير بين المؤسسة العسكرية القوة المنظمة الوحيدة بتعبير أحد الصحافيين الجزائريين , والجبهة الاسلامية للانقاذ القوة المنظمة الجديدة .
وقد أدى هذا الصراع الى تفجير الموقف الأمني ودخلت قطاعات واسعة من الناس في مجابهات مع القوى الأمنية والجيش الجزائري , ولم ينحصر الزلزال الأمني في ولاية واحدة بل باتت كل الولايات شرقا وغربا وشمالا وجنوبا
عرضة لهذه الاضطرابات و السبب يعود الى أنّ المنضمّين الى الجبهة الاسلامية للانقاذ جاوز عددهم ثلاثة ملايين وقد هالهم جميعا أن يتم الغاء الانتخابات التشريعية التي فازوا فيها , كما هالهم أن تحلّ الجبهة الاسلامية للانقاذ , وأن يزجّ بقادتها في المعتقلات .
ووسط هذه الأجواء بدأ عهد محمد بوضياف الذي بات دون أن يشعر طرفا في اللعبة وخصوصا عندما قام لدى استلامه مهامه بزيارة الى وزارة الدفاع حيث استقبله هناك وزير الدفاع خالد نزار وجنرالات الجيش , وقد أعتبرت هذه الزيارة خطأ بروتوكوليا لأن موجهّي المؤسسة العسكرية هم الذين ينبغي أن يتوجهوا الى قصر الجمهورية لتقديم الولاء لرئيس الدولة خصوصا وأنّ الدستور الجزائري ينص على أنّ صلاحيات رئيس الجمهورية أكثر سعة من صلاحيات المؤسسة العسكرية , لكن يبدو أنّ ذلك على القراطيس فقط !
وأقحم محمد بوضياف في اللعبة , وبعد أن كان يحمل شعار انقاذ الجزائر , بات يتهجم على الأصولية والظلامية وضرورة انقاذ الجزائر من السرطان الانقاذي والأصولي , وكان يعتبر أنّ الغاء الانتخابات التشريعية كان ضرورة وحتمية علما أنّه كان يرى في ذلك مصادرة للديموقراطية .
أمّا الشارع الجزائري الذي كان يرى في بوضياف شخصية ثورية نزيهة فقد بدأ يغير رأيه فيه خصوصا وأنّ السلطة أيّ سلطة كفيلة بتشويه العبّاد والزهاّد فمابالك بالناس العاديين , وبات الشارع الجزائري يردد أنّ بوضياف عاد لانقاذ مجموعة من العسكريين المتورطين في تفجير الفتنة الجزائرية وليس لانقاذ الجزائر
ويبدو أن هناك من أوصل هذه الانطباعات الى محمد بوضياف الذي بدأ يكتشف سلسلة من الحقائق المذهلة وهو داخل دوائر القرار كما بدأ يكتشف المعادلات الصعبة في تركيبة النظام الجزائري كما أسرّ بذلك الى نجله , وهذا ما جعله في وقت لاحق يتهجم على رجالات النظام الفاسدين والمرتشين ومن أسماهم محمد بوضياف بمختلسي أموال الشعب الجزائري
وعندها علقّ الشارع الجزائري مجددا بأنّ بوضياف لن يسلم !
ولمّا صعدّ من تهجمه على المافيا كما سماها المتحكمة في شرايين الدولة الجزائرية بدأ يستشعر بدائرة النار تدنو منه , وقد نقل مخاوفه هذه الى صديقه محمد يزيد مدير مركز الدراسات الاستراتيجية في الجزائر وأحد روّاد الثورة الجزائرية , وقد أعلن محمد يزيد عقب اغتيال محمد بوضياف أنّ المافيا الجزائرية هي التي قتلت بوضياف وأنّها تتمتع بنفوذ واسع داخل النظام الجزائري .


عندما عاد محمد بوضياف الى الجزائر التفّت حوله شخصيات جزائرية تنتمي الى ثالوث الفرانكفونية واليسار والبريرية , وعينّ بعض الجزائريين الذين يحملون الجنسية الفرنسية كمستشارين له , وعندما أقدم على تأسيس المجلس الاستشاري البديل للبرلمان الملغى كان كل أعضائه من التيار الفرانكفوني واليساري والبربري وأبرزهم رضا مالك الذي أصبح لاحقا وبعد اغتيال محمد بوضياف عضوا في المجلس الأعلى للدولة .
ويعتبر رضا مالك الذي كان رئيسا للمجلس الاستشاري من أبرز منظري حزب فرنسا في الجزائر ومن الدعاة الى بعث تجربة كمال أتاتورك في الجزائر .
وكان من أعضاء هذا المجلس الاستشاري مصطفى الأعرج الذي كتب سلسلة من المقالات قبل وبعد فوز الاسلاميين في الانتخابات التشريعية الملغاة أعتبر فيها الدين الاسلامي أفيون للشعب الجزائري , وأعتبر أنّ اللغة العربية لغة ميتة والأفضل للشعب الجزائري أن يطرحها جانبا لأنّ هذه اللغة هي في حكم اللغات المنقرضة .
وقد ردّ على مقالاته الأستاذ عثمان سعدي - رئيس جمعية الدفاع عن اللغة العربية في الجزائر وسفير الجزائر سابقا في العاصمة العراقية بغداد – على صفحات جريدة الشعب الناطقة باللغة العربية .
وقد لعبت البطانة الفرانكفونية واليسارية والبربرية دورا كبيرا في تأخير المصالحة كما الحل السياسي في الجزائر , وكلما كانت تلوح في الأفق بادرة للحلحلة السلمية كانت هذه البطانة تفجر الموقف وتصعّد الأزمة وبهذا الشكل بقيت الجزائر تراوح مكانها .
وكان المجلس الاستشاري يضطلع بمهام البرلمان حيث كان يسنّ القوانين , كما كان يوافق على القوانين التي يشرعّها المجلس الأعلى للدولة .
ولما دعا بوضياف الى تشكيل التجمع الوطني الديموقراطي لملء الشغور السياسي الرهيب عقب تجميد التعددية السياسية الحقيقية والجادة , بادر اليسار الجزائري وعلى رأسه الهاشمي شريف والحركة البربرية وعلى رأسها سعيد سعدي بالاستحواذ على توجهات التجمع , وكان بوضياف من خلال مدير ديوانه رشيد كريم يعمل على مد جسور مع حزب الطليعة الاشتراكية اليساري بزعامة الهاشمي الشريف و التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية بزعامة سعيد سعدي .
وكان البعض في دوائر النظام يروّج للفكرة الثالثة أو الاتجاه الثالث بين التيار الاسلامي الذي تمثله الجبهة الاسلامية للانقاذ والتيار الوطني الذي تمثله جبهة التحرير الوطني
وكان رئيس الحكومة سيد أحمد غزالي أحد الدعاة الى هذا الطرح , وكان قوام الاتجاه الثالث الفرانكوفونيين والتغربيين الذين لفظتهم صناديق الاقتراع وحاولوا التكتل لاسترجاع زمام المبادرة , والمفارقة أنّ سيد حمد غزالي كان يعتبر هذا الاتجاه ديموقراطيا وهو أول من طالب بمصادرة هذه الديموقراطية عندما تعلقّ الأمر بفوز الاسلاميين ,وهذا الاتجاه هوالذي طالب أيضا بزجّ الجيش في المعركة السياسية والغاء المسار الانتخابي .


بعد اقالة مولود حمروش أثناء أحداث حزيران –يونيو –سنة 1991 عين سيد أحمد غزالي على رأس الحكومة , ومنذ تعيينه على رأس الحكومة عمل على تصفية حسابه مع حزب جبهة التحرير الوطني التي همشته الى أبعد الحدود , وعمل على تصفية الجبهة الاسلامية للانقاذ , وكان ذلك في الواقع استجابة لأراء بعض الصقور في المؤسسة العسكرية الذين كان لديهم حساسة من الوطنية العروبية ومن الاسلام السياسي .
وفي كل مؤتمراته الصحفية كان يتهجم على التيار الوطني والتيار الاسلامي , وبموازاة هذا التهجم بدأ يعدّ لتشكيل قوة ثالثة قوامها المجتمع المدني ذو الميول الفرانكفونيّة .
و أستغلّ سيد أحمد غزالي نقمة محمد بوضياف على حزب جبهة التحرير الوطني الذي همشّه وأقصاه من المشهد السياسي الجزائري بشكل كامل على مدى ثلاثة عقود , وتمكنّ
بوضياف – غزالي من تضييق الخناق على حزب جبهة التحرير الوطني وذلك من خلال سنّ قوانين تجرّد جبهة التحرير الوطني من المقرات والممتلكات التابعة لها , كما سحبت منها صلاحية الاشراف على جريدتي الشعب والمجاهد .
و قد أكتشف محمد بوضياف أنّه أصبح بيدقا في يد هذه التيارات والتكتلات ,وأعلن ذات يوم أنّ الجزائر تسير بناءا على أوامر تصل الى الجزائر عن طريق الفاكس من قصر الاليزي في باريس !
وبدأ بوضياف يكتشف بعض المتناقضات حيث أخبر نجله ناصر بوضياف بأنّ الوضع معقّد للغاية في الجزائر , وكان ناصر بوضياف يقوم بزيارة أبيه في الجزائر قادما من المغرب حيث بقي هناك يواصل الاشراف على مصنع الأجر الذي كان أبوه يديره قبل عودته الى الجزائر .
وغير المتاعب السياسية والأمنية التي صادفها محمد بوضياف , فقد وجد وضعا اقتصاديّا مزريّا ومديونية بلغت 26 مليار دولار عدا الديون العسكرية , كما فوجئ بوضياف بكساد الزراعة و المؤسسات الانتاجية العاطلة والبطالة المتفاقمة واختلاسات بالجملة الأمر الذي جعل مهمة صندوق النقد الدولي في فرض مزيد من الشروط على الجزائر سهلة للغاية .
و المشروع الوحيد الذي كان بحوزة رئيس الحكومة سيد أحمد غزالي هو عرض أبار حاسي مسعود النفطية للبيع .
ووسط عجز كامل في مواجهة التحديات
وعندما كانت الدماء تراق في كل أزقّة الجزائر ومساجدها وأحياءها و ساحاتها , طرح بوضياف مشروع التجمع الوطني الديموقراطي الذي كان ناقصا في أطروحته , وكل ما طرحه محمد بوضياف في هذا السياق هو ضرورة أن يعيش الجزائريون من أجل الجزائر وأن يتحدّوا فيما بينهم لتجاوز الأزمات الخانقة التي تعصف بالجزائر .
وكان شعار هذا التجمع الجزائر أولا وقبل كل شيئ , وقد ظلّ هذا التجمع يراوح مكانه بسبب عدم اقدام الناس على الانتساب اليه .
ومن جهتها الأحزاب الثقيلة التي فازت في الانتخابات التشريعية أعتبرت التجمع الوطني بمثابة العودة الى الأحادية السياسية , وأنّه مناورة جديدة من السلطة لتجميد التعددية السياسية والغاء المسار الديموقراطي , وقد أعتبرت الجبهة الاسلامية للانقاذ في بياناتها أنّ هذا التجمع يعّد لاغيا وأنه يندرج في سياق مصادرة اختيار الشعب الجزائري , أما عبد الحميد مهري الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني فقد أعتبر أنّ تجمع بوضياف مشروع لم يتضح بعد كامل الوضوح ولم يتبلور بعد بالرغم من بيانات وتصريحات حوله وأعتبر أنّ التعددية في الوقت الراهن ضروريّة وأنّها الضمان الوحيد للانتقال من نظام الحزب الواحد الى النظام الديموقراطي التعددي , أمّا جبهة القوى الاشتراكية بقيادة حسين أية أحمد فكانت ترى أنّ المجلس الأعلى للدولة ومعه التجمع الوطني لا شرعية لهما , وهما تكريس للأحادية السياسية التي رسمت معالم النظام السياسي في الجزائر منذ الاستقلال .
ورفضت بقية الأحزاب الوطنية فكرة التجمع الوطني باعتباره محاولة من السلطة لبناء قاعدة جماهيرية لها , وكان بوضياف ينوي اتخاذ خطوات على غاية من الخطورة ضدّ هذه الأحزاب في 05 تموز – يوليو – 1992 الاّ أنّ اغتياله في دار الثقافة في مدينة عنّابة حال دون تنفيذ العديد من الطروحات .









التوقيع

"اللّهم طهر أعمالنا من الرياء وألسنتنا من الكذب"
ملاحظة :ماأنقله لايعبر بالضرورة عن قناعاتي وإنما أنقله للتدوين والمطالعة .
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مدير حملة بوتفليقة في لندن محمد مصدق يوسفي في برنامج بوضوح نورالدين خبابه منتدى السمعي البصري 0 06-04-2009 12:02
مناظرة بين الدكتور أحمد بن محمد وعبد القادر حجار نورالدين خبابه منتدى السمعي البصري 0 03-04-2009 10:07
قال أن إلياذة الجزائر وحدها رسخت الجزائر ثورة و تاريخا علجية عيش المنتدى السيـاسي 0 17-02-2009 12:15
لكل اجل كتاب ((مقطع فيديولعبد العزيز الرنتيسي)) نورالدين خبابه منتدى السمعي البصري 1 25-11-2008 18:31
لقاء مع الدكتور أحمد بن محمد المدير العام لقاءات بلا حـدود 39 28-09-2008 12:35

بحث مخصص

الساعة الآن 09:22.


Powered by vBulletin® Version 3.8.2
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.

... جميع الحقوق محفوظه لمنتدى بلاحدود ...

.. بلاحدود مكان للحوار وتبادل الأفكار ،لاينتمي إلى أي جهة حكومية ، كما لايعبر عن وجهة نظر أية جمعيات أو تنظيمات حزبية ،ومايرد في المنتدى يعبر عن وجهة نظر صاحبيه ولاتتحمل الإدارة أية تبعات أدبية أو قانوينية..