منتدى بلاحدود  

معاً من أجل مصالحة وطنية حقيقية
الإعلانات والأخبار
« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: رفعوا شعار " لا"... أعوان الشرطة في الجزائر يطرقون باب الم (آخر رد :علجية عيش)       :: تحريف اسم عاصمة الجزائر من زيري الى دزاير (آخر رد :محمد بلقسام)       :: كتابة السيرة الذاتية ... طريقة و نصائح و كيفية (آخر رد :فريال علاء)       :: العلاقات الجزائرية الإسرائيلية من عهد بومدين الى بوتفليقة(1) (آخر رد :محمد بلقسام)       :: هل تأثر الإخوان المسلمون في مصر بـ: "الوهابية"؟ (آخر رد :علجية عيش)       :: "بورما" تدفع ثمن استقامتها أم أخطائها؟ (آخر رد :علجية عيش)       :: السياحة العلاجية في التشيك - ميديكا لاينز (آخر رد :فريال علاء)       :: الداعية حسن البنّا في مذكراته يكشف بعض الحقائق (آخر رد :علجية عيش)       :: "الرُّدُودُ الشَّنـِيعَةُ على أبَاطـِيلِ الشِّيعَةِ" (آخر رد :علجية عيش)       :: مؤسسة المصالحة الجزائرية تعقد أول لقاء تحسيسي لها بسطيف (آخر رد :علجية عيش)      


استرجاع كلمة المرور طلب كود تفعيل العضوية تفعيل العضوية
العودة   منتدى بلاحدود >
المنتــــــــــــدى العـــــــــام
> المنتـدى العــام > منتـدى التاريخ والحضـارة

منتـدى التاريخ والحضـارة تاريـــــــــــخ وحضـــــــــارة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
قديم 22-07-2007, 08:10 رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
نورالدين خبابه
كاتب جزائري


افتراضي مذكرات أحمد طالب الإبراهيمي



(الصورة ماخوذة من المنتقد)

مذكرات أحمد طالب الإبراهيمي: أحلام ومحن (1932-1965)
نشر يوم 06- 12- 2006

"بطريقة قال عنها أروِ ولا أعلم ما كان شاهدا عليه أو طرقا فيه مستدركا أنه لا يروي كل شيء بل عمد إلى حذف بعض المقاطع يقينا منه كما قال بأنها أقرب إلى السيكولوجيا منها إلى التاريخ وإلى تصرفات الأفراد منها إلى التطور الاجتماعي.
بهذا استهل الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي كتابه مذكرات جزائري في جزئه الأول (1932-1965) الذي جاء تحت عنوان :
"أحلام ومحن" ومن إصدار دار القصبة للنشر.
ونظرا لخصوصية هذا النوع من الكتابات فقد جاء الاعتماد على الذاكرة وعلى مجموعة ملاحظات كان قد سجلها المؤلف بهذه المناسبة أو تلك كانت مساعدة على تدقيق التواريخ وأسماء الأماكن والإعلام، كما لجأ إلى بعض الأصدقاء من الجزائر وخارجها من الذين قاسموه حياة الجامعة أو السجن لتصحيح معلومة أو تدقيقها حسب المؤلف دائما.
الفصل الأول من الكتاب جاء تحت عنوان: "طفل في تلمسان" 1932- 1945 استهله باستعراض سجل عائلته في العلم ومقاومة المحتل بعد أن عاد إلى انتمائها الذي يعود إلى قبيلة أولاد إبراهيم ومعتمدا على ما جاء في بطاقة تعريف والده المؤرخة في 1938، وأمه التي تنحدر من أصول تركية فقد ولدت في تونس سنة 1904 وهاجر مع أسرتها إلى المدينة المنورة، وهنا تعرف والده على جده من أمه وفي دمشق تزوج منها سنة 1919.
بعد أن أسندت مهمة الإشراف على نشاطات جمعية العلماء المسلمين في الغرب إلى والده الشيخ البشير الإبراهيمي سنة 1933 فاختار تلمسان مقرا لعمله ولهذا ارتبطت ذكريات طفولته بهذه المدينة حيث عاش الفترة 1933 إلى 1941 ومن 1942 إلى 1945، يتكلم عن هذه الفترة وكيف كان يحضر مع والده التجمعات بمناسبة المولد النبوي الشريف يستمع لدروسه وأن عمله كان يشمل عدة مدن كمغنية وبلعباس ووهران ومعسكر حيث كان يحث السكان على فتح المدارس والمساجد والنوادي الثقافية، هذا العمل أثار ضغينة الإدارة الفرنسية وأدت إلى تعرضه إلى العديد من الاستفزازات بل حتى محاولة الاغتيال كما حدث في معسكر.
وفي سنة 1936
يقول غادرنا بيت أغادير الهادئ الفسيح لنقيم في وسط المدنية بالقرب من مسجد سيدي ابراهيم المصمودي. وبالإضافة إلى مواصلة الدروس فإنه يقول أيضا أنه بعد درس التفسير كان يجمع أتباعه من أجل تجسيد مشروع بناء دار الحديث المجمع التربوي والديني تيمنا بالمدرسة التي تحمل نفس الاسم في دمشق التي أسسها نور الدين زنكي.
ويتذكر في هذه الفترة زيارات الشيخ بن باديس لوالده وكيف كانا يسهران طويلا، ويضيف بأنه هناك زائر آخر يأتي مرتين في السنة على الأقل وهو إبراهيم الكتاني مبعوث حزب الاستقلال المغربي حيث كان يستقبله في البيت بعيدا عن أعين الإدارة الفرنسية وكيف كان يخبره بنشاطات حزب الاستقلال وزعيمه علال الفاسي والجهود الإصلاحية للشيخ محمد بلعربي العلوي.
كما تحدث في هذا الفصل أيضا كيف عاش هو المرحلة الانتقالية بين المدرسة القرآنية التي لم يحفظ فيها إلا قصار السور وإلحاقه بالمدرسة الفرنسية عام 1937 رغم أن والدي كان معارضا كما يقول بسبب محتواها والشيخ بن باديس هو الذي أقنعه بفوائد تعلم الفرنسية وبأنها تساعد في الكفاح مستشهدا بمثال الأمين العمودي الذي برع في اللغتين وأفاد بذلك الجمعية.
ثم يصور الصدمة التي عاشها وجعلته يكتشف بشكل عنيف الظاهرة الاستعمارية وهو في مرحلة الطفولة في 10 أبريل 1940 لما اقتحمت الشرطة الفرنسية البيت لاعتقال والده واقتياده بعنف، ثم حدث غلق دار الحديث ثم وضع والده تحت الإقامة الجبرية بأفلو مطلع 1940.
وعندما بدأوا السماح للعائلة أن تزوره يقول أنه بعد صلاة الفجر من كل يوم كان والدي وإخوتي يتلون جزءا من القرآن الكريم ثم نجلس حول المائدة يحمل كل واحد منا كراسا وكان والدي يملي علينا آية قرآنية أو حديثا أو أبياتا من الشعر ثم يخوض في تعليقات على أما أملاه متبوعة باستطرادات فلسفية وأخلاقية وتاريخية مقرا بعد ذلك بالقول أعتقد أنني مدين إلى هذه الفترة فيما تعلمته بالعربية.
ويعتبر أنه في الفترة ما بين 42-1945 بدأ اهتمامه بالسياسة يزداد نموا إلى أن بلغ أوجه خلال أحداث 08 ماي 1945 وكيف كانت هذه الأحداث مثار حديثهم كتلاميذ في دار الحديث وثانوية دي سالان، وتأكدت قناعة أنه إذا كانت فرنسا تملك القدرة على القمع فمن واجبنا أن نصمد ونقاوم.
الفصل الثاني جاء تحت عنوان مراهق في العاصمة 45-1949: حيث بوفاة الشيخ ابن باديس تولى والده رئاسة الجمعية وانتقلت العائلة إلى العاصمة وهنا تعرف على شخصيات بارزة مثل حسين لحول، أحمد بودة، فرحات عباس، أحمد بومنجل، عمار أوزجان وغيرهم، كما يقول عن نفسه أنه في هذه الفترة كنت شغوفا بالمطالعة خاصة وأني كنت محاطا بالكتب وفي هذه الفترة أيضا مررت بتجربة زهد صوفي أو بالأحرى ورع مغالى فيه، وعن اختياره لدراسة الطب يقول أن الكتابان اللذان ساهما في توجيهه نحو هذا العلم هما مدخل إلى دراسة الطب التجريبي لكلود برنارد والإنسان ذلك المجهول لألكسيس كاريل.
وعن تجربته الصحفية الأولى يقول شرعت في كتابة مقالاتي الأولى بالعربية أملا في نشرها في البصائر لكن والدي كان يرفضها ويوصيني قائلا: قبل أن تكتب يجب أن تحسن القراءة وقبل أن تتكلم يجب أن تحسن الإصغاء، ليتحدث بعد ذلك عن الآلة الراقنة أوليفيتي التي أحضرها والده إلى البيت وكانت عربية والتي حولته من ابن إلى سكرتير لوالده خلال سنوات 1948-1952
حيث كان والده يملي عليه مراسلاته التي يبعث بها إلى مراسليه الموزعين عبر العالم ذاكرا أسماء كل من شفيق معلوف في ساوباولو، والمستشرق عبد الكريم جرمانوس في بودابست، وراعي العلماء والأدباء محمد نصيف في جدة، والكاتب طه حسين في القاهرة، لكنه يأسف لعدم عثوره بعد استعادة الاستقلال على نسخ من هذه المراسلات.
وفي دراسته للطب أيضا يقول حين اخترت هذا التخصص أهداني والدي كتابا لا يقدر بثمن هو طبعة من القانون لابن سينا منشورة في روما سنة 1593
وحين سلمني الهدية علق قائلا: من خلال هذه الموسوعة العظيمة سوف تدرك أن أجدادك ساهموا مساهمة لا يستهان بها في بناء صرح الحضارة الإنسانية حتى في الميدان الذي اخترته.

الفصل الثالث عنونه في رحاب جامعة الجزائر 46-1954: الشباب المسلم رحلات نحو الغرب والشرق: استهل هذا الفصل بالإقرار أن الطلبة الجزائريين كان عددهم لا يتجاوز عشر مجموع الطلاب البالغ عددهم خمسة آلاف طالب في جامعة الجزائر ويعيشون في وسط مغلق ومع ذلك كانت هناك مجموعتان صغيرتان نشيطتين ومهيكلتين جيدا وهما الشيوعيون والمسيحيون اليساريون، ويقول كانوا يدعونني إلى بعض المناظرات لعل أسخنها نقاش حول الأمة الجزائرية "بينما الشيء الوحيد الذي كان يعيبه على الطلبة المسيحيين هو أن إرادتهم لفهم الجزائر العميقة وقعت إلى حد كبير تحت تأثير شباب جزائري نأى بنفسه عن الإسلام، قبل أن يسرد أمثلة عن عنصرية بعض الأساتذة تجاه الفرنسيين ويكتشف فرنسا سنة 1950 عندما يرافق والده للعلاج ويكتشف أيضا أن فرنسيي فرنسا أكثر طبيعية وأقل توترا من فرنسي الجزائر فهناك يخاطبك الناس مخاطبة الند للند.
ويذكر عن والده أيضا أنه في سنة 1951 سافر مرة أخرى إلى باريس للقاء وفود البلدان العربية والإسلامية المجتمعة بمناسبة انعقاد دورة الأمم المتحدة واقترح عليها تسجيل القضية الجزائرية في جدول أعمال الجمعية العامة القادمة للأمم المتحدة، ليستدعى ابتداء من 07 مارس 1952 لزيارة بعض البلدان العربية كتب لها أن تستمر عشر سنوات.
ويتحدث عن جو دراسته بالجامعة فيقول كنا نصدم بلا شك بجدار من اللامبالاة والاحتقار لكننا نحن أيضا نفتقد إلى الليونة ورحابة الصدر ولا أذكر أنني ناقشت مشكلة بعمق مع زميل أوربي، ومن جهة أخرى كانت المشاكل المهمة التي لها صلة بمستقبل البلاد لا تطرح للنقاش لأنها تدخل ضمن المحرمات، وأما ما يسميه بالمفارقة يقول بدأت في التفكير جديا في رد الفعل وخلصت إلى نتيجة وهي أن أفضل طريقة للدفاع هي إنشاء جريدة باللغة الفرنسية تكو ن بالمقابل وسيلة للتأصيل ومن ثمة وسيلة للتحرر وعرضت المشروع على الشخصيات الثلاث التي كانت تدير جمعية العلماء في غياب والدي (العربي التبسي ومحمد خير الدين وأحمد توفيق المدني)
فوافقوا عليه، وهكذا صدر العدد الأول من le Jeune musulman في 06 جوان 1952 التي انضم إليها فيما بعد شخصيات مثل مالك بن نبي وعبد العزيز خالدي والهاشمي التيجاني وإسلام مدني، ليتعرض بعدها للسجن أكثر من شهر ويقول مثلت أمام المحكمة العسكرية وإني لمدين بإطلاق سراحي إلى التدخل الحازم لفرحات عباس الذي كان آنذاك نائبا في المجلس الجزائري وفي يوم 22 أوت 1953 يقول وصلت القاهرة وكلف والدي الذي كان في الحج طالبا مصريا وهو علي عفيفي ليرشدني فزرت معه مقر
"الإخوان المسلمين" حيث استقبلني المرشد العام نفسه حسن الهضيبي وكذلك مسؤولو الفروع المختلفة (طلبة وعمال وفرع الاتصال بالعالم الإسلامي) إضافة إلى حضوره عدة أنشطة أخرى..
ويضيف كان والدي يغتنم كل الفرص التي كانت القاهرة تتيحها له للتعريف بالقضية الجزائرية قبل أول نوفمبر 1954 أو بعده، وكان يحاضر في مقر "الإخوان المسلمون" وكان يجلس في الصف الأمامي كل من حسن الهضيبي وسيد قطب وعبد القادر عودة وعبد الحكيم عابدين وسعيد رمضان ومحمد الغزالي، كما يذكر استقبال عبد الناصر لوالده وتعرفه على بعض أعضاء مجلس الثورة.
وبعودته للجزائر في 1953 عاد ومعه أمل التحرر من الاستعمار بعد أن فتحت له رحلته إلى مصر باب الأمل في مستقبل أفضل لبلدي كما يقول وبدا له التحرر ممكنا وقريبا لأنه على حد قوله يندرج في مسيرة شاملة لتصفية الاستعمار كانت جارية ولأننا نملك قاعدة خلفية هي العالم العربي الإسلامي ومنارته هما القاهرة وباكستان.
كما يذكر استقبال الشيخ محمد نصيف له ووالده وهما في الطريق لمكة لأداء فريضة الحج وما بعثت فيه من أحاسيس وانفعالات روحية وفكرية وسياسية، في وقت كان والده في انتظارهم في دمشق وهناك كما يقول تعرفت على أصدقائه مثل بهجت البيطار وزين العابدين بن الحسين ومصطفى السباعي زعيم الإخوان المسلمين في سوريا، ليعرج فيما بعد على تركيا التي قضى فيها أسبوعا في اسطنبول وكانت الطائرة التي حملته من بيروت مكتظة بحجاج أتراك عائدين من جدة يصف المشهد فيقول يا له من ورع لم يفلح كمال أتاتورك في إخماد إيمان الشعب التركي أو حتى إضعافه.
وعند عودته للجزائر يخبره صديقه أنه حول ملفه من كلية الطب بالجزائر إلى باريس وأن أباه لن يوافق على ذلك إلا إذا سافرنا معا ويقول نجحت بصعوبة في إقناع والدي بذلك.







التوقيع

"اللّهم طهر أعمالنا من الرياء وألسنتنا من الكذب"
ملاحظة :ماأنقله لايعبر بالضرورة عن قناعاتي وإنما أنقله للتدوين والمطالعة .
رد مع اقتباس
قديم 22-07-2007, 08:12 رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
نورالدين خبابه
كاتب جزائري


افتراضي

الفصل الرابع: طالب في باريس (54-1957):
وقدر أن تزامن وصوله إلى باريس باندلاع الثورة في الجزائر فانبعث في صدره الحلم وتناست من رأسه عدة أسئلة، هذه الإقامة التي بدأت في أول نوفمبر 1954 ستنتهي كما قال في 27 فيفري 1957 يوم اعتقلتني مصالح الشرطة الفرنسية سنتان وأربعة أشهر كانت خصبة وغنية دراسة
وثقافة عامة ونشاطات سياسية، عاش حياته الجامعية ومعها عاش حياته الفكرية بين نوازع حضاريتين الإسلامية والغربية في مجال الطب وفي غيره من المجالات إلى أن يقول فإن "مونيي" هو المفكر الغربي الذي تأثرت به أكثر من غيره في شبابي، وسواء تعلق الأمر بحضور المسألة الدينية أو ضرورة إضفاء الطابع الديني على الثورة أو ضرورة التحلي بالنزاهة أو الحوار مع الشيوعيين
أو رفض الانضمام إلى معسكر أنصار المال، فقد وجدت في كتابات مونيي تعبيرا عن أفكاري في أجلى صورها وأنا راسخ الاعتقاد أن الأمر يتعلق بأفكار تجذرت في أعماق شخصيتي وباتت تشكل جزءا مني.
وفي جانب آخر يقول أنه ابتداء من صيف 1955
أصبحت أضع النضال فوق أي اعتبار آخر أولا في الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين ثم بعد ذلك في فيدرالية فرنسا لجبهة التحرير ثم يتحدث عن عودته للجزائر أثناء عطلة أوت وقيامه بزيارة لمقر جمعية العلماء واستقباله من قبل االشيخ العربي التبسي الذي كان يشرف على الجمعية لكن بعد مضي عامين اعتقل الجيش الفرنسي الشيخ العربي التبسي ولم يعثر على جسده إلى الآن، إضافة إلى ما عرفته هذه الفترة من أحداث عسكرية وسياسية في إطار الكفاح المسلح من أجل الاستقلال.
ليعود مع بداية سبتمبر إلى باريس وكيف كان يقضي يومه بين الدراسة والعمل في الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين، كما استعرض لقاءاته وحواراته مع بعض المثقفين الفرنسيين وحتى ببعض الشخصيات من العالم الإسلامي التي كانت تعيش في باريس، وفي إطار هذا النضال يقول لقد كلفت بالعديد من المهام منها أنه في مارس 1956 توجهت إلى جنيف بهدف ضمان انخراط الاتحاد العام للعمال الجزائريين في الكنفدرالية الدولية للنقابات الحرة.
لكن في 26 فيفري 1957 يعتقل من قبل الشرطة الفرنسية حيث كان مدعوا لعقد اجتماع اللجنة الفيدرالية ليتم سجنه يوم 28 فيفري في سجن فران الزنزانة 497 في القسم الثالث.

الفصل الخامس: في السجون الفرنسية (فيفري 1957 - سبتمبر 1961).
استهل هذا الفصل بالقول بعد سنتين من النشاط الحثيث تخللتها تنقلات محفوفة بالأخطار والخوف من وقوع ضحية التعذيب أو القتل بدا لي أن السجن أرحم أن يقدم خدمة ثمينة، الوقت الكافي للتأمل، بطبيعة الحال خصصت أولى أوقاتي للنوم مدركا أنني كنت في حاجة إلى كل قواي لمواجهة ذلك العالم الجديد عالم السجن ليضيف في مرحلة أولى كانت معاملتنا كسجناء حتى عام بحيث ألحقونا بهذا الصنف في القسم الثالث بسجن فران Fresnes وضعونا في زنزانات فردية لكن كان بإمكاننا التحدث مع بعضنا أثناء "النزاهة اليومية" هكذا قررنا شن إضراب عن الطعام دام أسبوعين وهو ما سمج لنا بتحقيق أول انتصارا الحصول على "وضع السجين السياسي"، ثم يقول لم تلبث حياتنا بالسجن أن انتظمت حيث كنا نقوم بنشاطات تشمل إجراء مقابلات في الكرة الطائرة بالساحة يديرها مالك حسين وتخصيص حصة لمعرض صحافة الأسبوع يقدمه ياكر اعتمادا على أسبوعية المجاهد والصحف التي استطاع المحامون تسريبها إلينا وكان ياكر يستعرض الأحداث بإبراز بطولات جيش التحرير الوطني، كما كنا نقوم بتحضير عروض شهرية حول مواضيع مختلفة إضافة إلى ذلك كنا نقوم بتنظيم دروس في اللغة العربية.
وفي سياق آخر وفي ذات مساء يصور كيف اخترق صوت نافذ هدوء الليل من أحد الرفاق وهو ينشد النشيد الوطني حيث كان الصوت ضعيفا في البداية لكنه سرعان ما تقوى بفعل انطلاق أصوات الآخرين وكيف شعر الجميع بإحساس رائع وكانا الأمل يرتفع إلى السماء، وفي أوقات أخرى راح يطالع الكتب التي كان القاضي يسمح بها وما كان موجودا بمكتبة السجن.
وفي 05 نوفمبر 1957 يقول تم نقلنا إلى سجن "لاسانتي" حيث التحقنا في القسم السادس الأعضاء الأوائل للجنة الفيدرالية ففي الطابق الذي شغلناه كان هناك قياديون من الحركة الوطنية المصالية، أما الطابق السفلي فكان يحتله الخمسة (بن بلة، وخيضر، وبوضياف، وآيت أحمد، والأشرف) ودامت إقامتنا بسجن لاسانتي عاما واحدا (نوفمبر 57- نوفمبر 1958)، ثم تحدث عن خبر مرضه وردود الفعل التي أثارها وكيف سرب المحامون الخبر إلى الصحافة بما أفضى إلى إصدار وزارة العدل قرارا استفاد منه قبله بعض رفاقه، وما أثارته أيضا عملية القرار من ضجة سواء على مستوى مديرية السجن أو على مستوى وزارة العدل، إلى أن يقول عن نفسه وهكذا اكتشفت أنني إذا كنت أجمع بين رحابة الصدر واعتدال المزاج فإنني مع الأسف أركن إلى لذة اللامبالاة والكسل، فكم من مشروع راودني لكنه لم ير سبيلا إلى النور أبدا. إلى أن يقول في 08 سبتمبر 1961 ودعت رفاقي ولم يكن الوداع مؤثرا لأننا كنا واثقين من اللقاء قريبا في حضن الجزائر المستقلة.

الفصل السادس: الخروج من الجيش إلى إعلان الاستقلال (ديسمبر 1961 – ديسمبر 1962): الذي استهله بالخروج من السجن وضعه تحت الإقامة الجبرية إلى تنقله إلى بروكسل وعبوره الحدود الألمانية إلى غاية بلوغه مدينة دوسلوف ثم المغادرة باتجاه جينيف. إلى أن يقول في الفاتح من أكتوبر طرت إلى تونس حيث كان أهلي في انتظاري بعد أن قدموا من القاهرة لاستقبالي. ليستعرض الوقائع على الجانب الآخر وما بات يشهده من بداية ظهور المصلحة الخاصة وظهور نزعة فردانية، وما سمي "الأمراض الطفولية للاستقلال" حيث يقول على مستوى الدولة لم تكن الأمور بأحسن حال حيث لم أكن أرى ذلك الرجل الجديد الذي صنعته الثورة وكنت استقبل رفاقا عرفتهم في السابق معرفة جيدة إلا أنني وجدتهم قد تغيروا وكأن لا عهد لي بهم، كانت التحالفات تعقد وينفرط عقدها تحتسبت القرابات الجهوية والمصالح الضيقة، سواء كانت حزبية أو قبلية وكان السباق على أشده للظفر بمناصب الشرف والامتيازات.
ثم يتحدث عن رحلته للعلاج إلى نيويورك في نوفمبر 1961 وتصادف ذلك بداية انعقاد الدورة السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة وعند وصوله تعرف على أعضاء الوفد الرسمي للحكومة المؤقتة وهم امحمد يزيد رئيس الوفد وعبد القادر شندرلي الذي كان يقود مكتب جبهة التحرير بنيويورك ويسهر على تكوين دبلوماسيي جزائر الغد من بينهم محمد سحنون ورؤوف بوجقجي ولخضر إبراهيمي.
وفي مطلع سنة 1962
حيث كان الكل متفقا على أنها ستكون سنة الاستقلال يقول غادرت نيويورك في اتجاه تونس عبر جنيف وفور وصولي قدمت عرضا عن مهمتي لكريم بلقاسم الذي أعرب في حضور طربوش عن غربته في الاحتفاظ بي في تونس.
وبعد العودة إلى أرض الوطن من القاهرة تحدث عن إنهائه لرسالة الدكتوراه والعمل بمستشفى مصطفى باشا.

الفصل السابع: نحو الأستاذية في الطب (أكتوبر 1962- جويلية 1964): تفاعلات الأيام الأولى للاستقلال والتوتر الحاصل مع الجارة المغرب هي النقاط التي بدأ بها هذا الفصل معرجا فيما بعد لتفاعلات أسلوب إدارة شؤون البلاد وهي في أيامها الأولى من الاستقلال معتبرا أن حياته المهنية في الطب وانهماكه الكامل في النشاط الاستشفائي الجامعي مكناه من الإفلات من أجراس السياسة واستمر في المقاومة أما القوة التي كانت تجذبه نحو العودة للحياة السياسية وكيف كان يرد على مختلف العروض التي كانت تأتيه من مسؤولين في الدول لتبوأ مناصب في السلطة سواء كسفير أو أمين عام لوزارة الخارجية أو إطار في سوناطراك، ليشير في ذات السياق إلى أن النظام في اختياره للإطارات الوسطى لم يأخذ في الحسبان لاعتبار الولاء ضاربا عرض الحائط بالكفاءة والنزاهة وهكذا نمت بيروقراطية استطاعت بفضل خنوع لا تحده حدود أن تقوم على الترف بل الفسق في بعض الأحيان وبذلك ترك مناضل الثورة المتنور والشجاع مكانه لموظف الجبان الجاري وراء إشباع رغباته، وكيف كان والده يعبر عن مواقفه من بعض الأحداث في النصح والتوجيه للقائمين على أمر البلاد.

الفصل الثامن: في السجون الجزائرية (جويلية 1964-فيفري 1965) تحدث فيه عن حادث اعتقاله الذي كان يوم 12جويلية 1964 عندما كان يهم بالتوجه إلى المستشفى رغم أن اليوم كان يوم عطلة وما عرفته هذا من استنطاقات وتعذيب مستعرضا معاناته النفسية والجسدية في هذه الأوضاع إلى درجة أن يقول ذات صباح استيقظت وفي ذهني قصيدة شعرية ثمانية المقاطع تصف ويلات الجحيم التي كان من الممكن تبادلها مع رفقائه في السجن بن أحمد وآيت شعلال هي السعال من أجل تشجيع بعضنا البعض وليؤكد كل واحد منا للآخر لا زلت حيا.
لينقل بعد ذلك إلى السجن المدني بوهران ليتم إطلاق سراحه من سجن الحراش.

الفصل التاسع: قبيل وفاة والدي وبعدها (فيفري –جويلية 1965): عند خروجه من السجن كان عليه البحث عما ينسيه معاناة الاعتقال فاتجه مع رفيقه آيت شعلال إلى سويسرا ثم الانتقال إلى تونس ثم العودة إلى عمله كطبيب بالمستشفى وهنا يقول أنه في أفريل 1965 عندما عدنا آيت شعلال وأنا إلى أرض الوطن وجدنا أجواء الأحقاد والقمع والسخط والشائعات تسود العاصمة مضيفا أنه إذا كانت 1962 سنة الفتنة فإن سنة 1963 تميزت بظهور شروخ في جدار السلطة وأبرزت تناقضات داخلية عميقة، وكانت 1964 سنة القمع.
وينتقل إلى جانب آخر قائلا في أوائل شهر ماي تدهورت حالة والدي الصحية فجأة، كنت والأستاذ سعيد سليمان طلب نتناوب على البقاء بجانبه إلى أن وافته المنية ببيته يوم 20 ماي 1965 واصفا بعد ذلك هول الصدمة بعد هذا الحادث وما أعقبه من تشييع للجنازة وتلقي مراسيم العزاء إلى أن يصل إلى يوم 19 جوان وتحديدا الساعة الخامسة صباحا عند ما يقول أيقظني رنين الهاتف كانت المكالمة من صديق يخبرني أن بن بلة لم يعد رئيسا وأن مجلس ثورة برئاسة هواري بومدين حل محله وبعد مرور أسبوع على هذا التحول في مسيرة الثورة أخبرني الشريف بلقاسم أن بومدين يرغب في رؤية اسمي في قائمة الطاقم الحكومي الجديد الذي كان بصدد تشكيله وبعدها بأيام قليلة استقبلني بومدين بمكتبه ليعيد علي العرض نفسه وموضحا أن الأسباب التي جعلتني أرفض المشاركة في الحكومة إلى حد الآن لم يعد لها مبرر.
إلى أن يقول عندما نطقت بكلمة نعم لم أكن أدري أني كنت بصدد الزج بنفسي في غمار تجربة من نوع جديد سوف تقيدني على امتداد ربع قرن تقريبا بما تفرضه علي من تضحية ونكران للذات.
إضافة إلى الفصول التسعة فقد احتوى الكتاب في الأخير على ملاحق نذكر منها مقتطفات من جريدة الشباب المسلم لسان حال شبيبة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، رقم 27 الصادرة بتاريخ 26 فبراير 1945، وخطاب افتتاحي أهدته لجنة مكونة من بلعيد عبد السلام، عبد المالك بن حبيلس ومولود بلهوان وأحمد طالب الإبراهيمي وهو خطاب رسمي ألقي بمناسبة افتتاح المؤتمر التأسيسي للاتحاد العام للطلبة المسلمين جويلية 1955، ورسالة من جبهة التحرير الوطني إلى الفرنسيين ماي 1956، ورسالة مفتوحة من المؤلف إلى ألبيركامو 26 أوت 1959.
وإذا كانت هذه المذكرات كما قال المؤلف صدر الجزء الأول منها ليشمل الفترة الممتدة من سنة 1932 إلى سنة 1965 ويغطي مرحلة الطفولة والمراهقة والنضال والسجن والخطوات الأولى في مهنة الطب وفي الجزائر المستقلة فسوف تخصص الأجزاء القادمة على التوالي للسنوات التي قضيتها في الحكومة في عهدي الرئيس الراحل هواري بومدين (65-1978) والرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد (1979-1988) على أن يتناول الجزء الرابع أزمة التسعينيات بخلفياتها وأبعادها (88-2004) وهي أزمة متعددة الجوانب يقول عنها المؤلف كشفت في أحد أوجهها عن عدم توفيق جيلنا في نقل قيم الثورة إلى الأجيال الصاعدة.
أسرة المختار
العدد 14، نوفمبر 2006"







التوقيع

"اللّهم طهر أعمالنا من الرياء وألسنتنا من الكذب"
ملاحظة :ماأنقله لايعبر بالضرورة عن قناعاتي وإنما أنقله للتدوين والمطالعة .
رد مع اقتباس
قديم 22-07-2007, 12:52 رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
نورالدين خبابه
كاتب جزائري


افتراضي




عرض/سكينة بوشلوح
خمسينية أي حدث، سواء كان ذا طابع تاريخي أو خاص، تشكل دوما وقفة لاستحضار الماضي والتأمل في الدروس التي يجب استخلاصها والالتزامات التي ينبغي تجديدها، حتى لا ننحرف عن جادة الصواب.. وذكرى ثورة التحرير الجزائرية لا تشذ عن هذه القاعدة.
-الكتاب: مذكرات جزائري.. أحلام ومحن
-المؤلف: أحمد طالب الإبراهيمي
-عدد الصفحات: 268
-الناشر: دار القصبة، الجزائر
-الطبعة: الأولى/2006
هذه المناسبة المهمة معلم تاريخي بارز استوقف العديد من الشخصيات الجزائرية، ودفعها لإعادة النظر بعين النقد في هذه المرحلة من حياتها.
والدكتور أحمد طالب الإبراهيمي -الوزير السابق وابن الشيخ العلامة البشير الإبراهيمي- واحد من هؤلاء الذين اقتنعوا بأن السكوت ضرب من الإثم، وأن الكتابة دين في أعناقهم وواجب لا مناص من تأديته.
لأجل ذلك ولغيره، ينشر المؤلف ذكرياته في كتاب بعنوان "مذكرات جزائري.. أحلام ومحن" يسوق فيه الوقائع كما رآها، تاركا للمؤرخ مهمة تحري الحقيقة في ضوء دراسة الأحداث واستجلاء أسبابها.
اعتمد الإبراهيمي في كتابة مذكراته الأسلوب السردي البعيد عن المنهج التحليلي أو الاستدلالي، مستقرئا في ذلك مراحل حياته ابتداء من طفولته ووصولا إلى نهاية فترة الشباب، تاركا سرد وقائع ما بعد هذه الفترة إلى حين صدور الجزء الثاني من المذكرات.
أحمد الطفل والمراهق والطالب
ولد أحمد طالب الإبراهيمي يوم 5 يناير/كانون الثاني 1932 بمدينة سطيف (شرق الجزائر) لأسرة يقال إنها ترقى بنسبها إلى الصحابي الجليل أبي بكر الصديق.
وقد تعمد استعمال صيغة المجهول "يقال" ليوضح أن هذا قد يكون صحيحا أو أحد تلك الأوهام التي دأب أهل المغرب منذ قرون على نسجها بنسب أنفسهم إلى أصول من شبه الجزيرة العربية.
والده الشيخ البشير الإبراهيمي (1891-1965) أحد مؤسسي جمعية علماء المسلمين الجزائريين، والمشرف الأول على نشاطاتها في الغرب الجزائري، وكانت تلمسان العاصمة التاريخية لمقر عمله.
ولهذا السبب ارتبطت ذكريات طفولة أحمد بمدينة تلمسان حيث عاش فيها بين عامي 1933 و1945 مع انقطاع بسيط بين عامي 1941 و1942.
كان الإبراهيمي الوالد معارضا لالتحاق ابنه بالمدرسة الفرنسية بسبب محتواها الاغترابي، غير أن الشيخ عبد الحميد بن باديس أقنعه بفوائد تعلم الفرنسية وفضلها في الكفاح ضد الاستعمار الفرنسي، ومن ثم درس أحمد طالب في مدرسة فرنسية وبرع فيها براعة مكنته من الالتحاق بالأقسام الثانوية عن جدارة واستحقاق.
في هذه المرحلة من حياة المؤلف أخذت الظاهرة الاستعمارية تتجلى في ذهنه وتكشف عن أنيابها، إذ اعتقل والده واقتيد بعنف نحو وجهة مجهولة إلى أن استقر به الأمر في الإقامة الجبرية بمدينة تبعد عن تلمسان مئات الكيلومترات، وكان السبب الأول في ذلك رفضه القاطع لتأييد فرنسا في حربها ضد ألمانيا عام 1939.
في الفترة من مارس/آذار 1956 وحتى اعتقاله في فبراير/شباط 1957 من قبل السلطات الفرنسية، دخلت السرية التامة حياة الإبراهيمي لما كلف به من مهمات تنسيقية بين أعضاء فدرالية فرنسا وقيادة جبهة التحرير الوطني
"
وفي ظل غياب الوالد الذي كان إما في السجن أو المنفى أو في جولة عمل، بدأ أحمد -الطالب في الأقسام الثانوية- يهتم بالسياسة ويزداد تعلقا بها إلى أن بلغ الأمر أوجه خلال أحداث مجزرة 8 مايو/أيار 1945 التي راح ضحيتها قرابة 45 ألف شخص من المشاركين وغير المشاركين في المظاهرات التي عمت شوارع مدن سطيف وقالمة وخراطة، ولم تعد مفردات "الوطن" و"الاستقلال" ومثيلاتهما مجرد كلمات، وإنما أصبحت تثير في نفسه كثيرا من الانفعال والتأثر.
التحق الإبراهيمي بجامعة الجزائر عام 1949 في السنة التحضيرية للطب وبها انخرط في جمعية الطلبة المسلمين لشمال أفريقيا وشارك في كل التظاهرات التي نظمتها.
وبالجامعة ولأول مرة اتضحت في ذهنه أهداف التعليم الاستعماري المتمثلة في فصل النخبة عن ثقافتها الأصلية وإشباعها بثقافة دخيلة تنهل منها حتى تصبح أداة للهيمنة الاستعمارية.
وأمام هذه المفارقة كان من واجب الإبراهيمي -كما يذكر- أن يخلص إلى رد فعل جذري وطريقة مثلى للدفاع، وكان ذلك من خلال جريدة باللغة الفرنسية باسم "الشاب المسلم"، تكون بالمقابل وسيلة للتأصيل ومن ثم وسيلة للتحرر.
وبعد خمس سنوات في جامعة الجزائر طار الإبراهيمي إلى باريس والتحق بكلية الطب فيها للسنة الخامسة التي توجت في آخرها بامتحان نظري وفق فيه بنجاح مكنه من التردد على المستشفيات الباريسية والالتحاق بها في السنة السادسة له.
وابتداء من هنا وضع الإبراهيمي النضال فوق أي اعتبار آخر، فكان أولا في الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين ثم بعد ذلك في فدرالية فرنسا لجبهة التحرير الوطني، ومن ثم المشاركة في العديد من الاجتماعات التي كانت تعقد في المدن الجامعية الفرنسية.
وانتهى به المطاف رئيسا للاتحاد الوطني للطلبة المسلمين الجزائريين الذي أوجد له فروعا في العديد من المدن الفرنسية، بالإضافة إلى فرع الجزائر الذي كان ينشط فيه محمد الصديق بن يحيى والأمين خان.
وابتداء من مارس/آذار 1956 وإلى غاية فبراير/شباط 1957 تاريخ اعتقاله من قبل السلطات الفرنسية، دخلت السرية التامة حياة الإبراهيمي لما كلف به من مهمات خاصة تصب في مجملها باتجاه تحقيق التنسيق بين أعضاء فدرالية فرنسا وقيادة الجبهة التي غالبا ما كان يرى في بعض مواقفها الغرابة والازدواجية.
من السجن إلى إعلان الاستقلال
بعد سنتين من النشاط الحثيث تخللتهما تنقلات محفوفة بالأخطار والخوف من الوقوع ضحية التعذيب أو القتل، اعتقلت الشرطة الفرنسية أحمد طالب مع جملة من رفاقه من فدرالية فرنسا وزجت بهم في السجن، وهناك التقى بالزعماء الخمسة: أحمد بن بلة ومحمد بوضياف وحسين آيت أحمد ويوسف خيضر ومصطفى الأشرف، وكانت له معهم نقاشات سياسية واسعة انتهت في مجملها إلى عدم الانحياز لأحد والانصراف إلى التأمل في عالم السجن كملاحظ متحل بما يمليه الضمير وتفرضه الموضوعية.
وهنا يؤكد المؤلف أن بعضا من الخمسة كان يحاول -مثلما فعل داخل مجموعته– اكتساب امتدادات له في جميع هيئات جبهة التحرير، وأن الشقاقات التي كانت تحدث في اجتماعات كل من المجلس الوطني للثورة ولجنة التنسيق والتنفيذ كانت للأسف الشديد قائمة على الولاء والتبعية الشخصية أكثر منها على خيارات أيديولوجية.
وتبعا لذلك يقرر أن وفاة عبان رمضان المأساوية عام 1958 كانت نتيجة حتمية لتلك الازدواجية التي تميز بها المسؤولون على مستوى القيادة الذين لم يكترثوا للحادث رغم دفاعهم عن مبدأ أولوية السياسي على العسكري.
"
الأيام الأخيرة بالسجون الفرنسية يراها الإبراهيمي حافلة بالأحداث، إذ كان يبدو أن إطلاق سراح جميع المساجين الجزائريين قاب قوسين أو أدنى ويعني ذلك قرب الاستقلال
"
وعن تشكيل الحكومة المؤقتة أوائل صيف 1953، رأى الإبراهيمي فيه طريقا لتسهيل عملية التفاوض مع فرنسا، وفي هذا الشأن يصرح بأنه خلال عامي 1960 و1961 وخلال إقامته بالسجن وفي دورية له بالمستشفى المركزي علم من بعض المحبوسين الجزائريين أن بوضياف تلقى رسالة من بومدين في سياق إبرام تحالفات كانت تعقد بين الحكومة والمساجين الخمسة بهدف الاستيلاء على الحكم، فرفض بوضياف العرض ولم يطعن في شرعية الحكومة المؤقتة التي كان عضوا فيها.
وأمام هذا الرفض بدأ بومدين يبحث عن بديل، فأوفد أحد مساعديه وهو عبد العزيز بوتفليقة (الرئيس الحالي للجزائر) في مهمة استطلاعية لدى الخمسة انتهت باستمالة متبادلة بينه وبين بن بلة.
وفي هذا يعتقد المؤلف أن بومدين كان متأثرا بالتجربة الناصرية التي يعرفها جيدا إذ كان يبحث عن "نجيبه"، أي شخصية يستعملها مثلما استعمل عبد الناصر اللواء نجيب في انقلاب الضباط الأحرار بمصر.
الأيام الأخيرة بالسجون الفرنسية يراها الإبراهيمي حافلة بالأحداث، إذ كان يبدو أن إطلاق سراح جميع المساجين الجزائريين قاب قوسين أو أدنى ويعني ذلك قرب الاستقلال.








التوقيع

"اللّهم طهر أعمالنا من الرياء وألسنتنا من الكذب"
ملاحظة :ماأنقله لايعبر بالضرورة عن قناعاتي وإنما أنقله للتدوين والمطالعة .
رد مع اقتباس
قديم 22-07-2007, 22:26 رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
نورالدين خبابه
كاتب جزائري


افتراضي

كان الخمسة محل اهتمام كبير لاسيما بن بلة الذي رأى فيه بعض الفرنسيين الضامن لجزائر اشتراكية، وبعض آخر رآه موحدا بين المؤمنين ضد الماركسيين، في حين رأى فيه عبد الكريم الخطيب (قائد جيش التحرير المغربي) مساعدا أساسيا في إنشاء حركة إسلامية مغاربية.
وهنا يعلق المؤلف بأن عقدة المرآة التي يتحدث عنها علماء النفس موجودة فعلا، فالرجل الذي ما لبث أن أصبح يرى نفسه أول رئيس للجمهورية الجزائرية كان يسعى لإرضاء الجميع مرددا على كل من يخاطبه ما يطيب له سماعه.
غادر الإبراهيمي سجون فرنسا في سبتمبر/أيلول 1961 ومنها اتجه إلى تونس ثم إلى الرباط وبعدها إلى نيويورك حيث خضع لبعض التحاليل والعلاجات الطبية، ومنها إلى القاهرة حيث التقى بأهله المقيمين بها منذ 1952، ومن ثم كان رجوعه إلى الجزائر في يوليو/تموز 1962.
وفي نفس السنة وبغرض تفادي المواجهة المسلحة بين الفرقاء المتناحرين على السلطة تشكلت لجنة مصغرة من ثلاثة أعضاء -كان الإبراهيمي أحدهم- عهد إليها بإجراء الاتصالات الضرورية بالكبار.
وهنا يصرح المؤلف بأن لقاءه مع بن خدة انتهى باقتراح الأخير عليه منصب أول سفير للجمهورية الجزائرية بالرباط، وأن لقاءه مع آيت أحمد انتهى إلى أن الوضع السائد قد حكم بعدم أهلية جيله وأن السلطة اليوم يجب ألا تعتمد على الشخصيات التاريخية، الأمر الذي كان يحثه على الانسحاب من الساحة السياسية.
وبعد استيلاء بن بلة على الحكم في سبتمبر/أيلول 1962 اتفق أعضاء اللجنة المصغرة على أن يخدم كل واحد منهم بلده في المجال الذي يعنيه، مانحين بذلك النظام الجديد الوقت الكافي للعمل في الساحة دون معارضته أو تأييده، ومن ثم التحق الإبراهيمي للعمل في مجال الطب بمستشفى الجزائر العاصمة.
السجن مجددا.. سجن جزائري
"
تحت وطأة تعذيب لم يعشه الإبراهيمي في أي من سجون فرنسا، كان السؤال يتكرر دائما: ما علاقته بحكومة المعارضة في المهجر؟ وكانت الإجابة المتكررة أيضا: أنه لا دراية له بهذه الحكومة
"
"تجري الرياح بما لا تشتهي السفن".. شطر البيت هذا من قصيدة المتنبي ينطبق على أحمد الإبراهيمي تماما، فهو الذي حلم في صباه بأن يكون طبيبا للأمراض النفسية يجد نفسه في نهاية المطاف طبيبا لأمراض الدم بمستشفى مصطفى باشا الجامعي بالعاصمة، بعيدا بعض الشيء عن أجراس السياسة التي كانت تجذبه وتقلص من يوم إلى آخر المسافة بينهما.
يذكر الإبراهيمي أنه خلال السنتين الأخيرتين بعد الاستقلال ظهرت شيئا فشيئا إلى العلن تناقضات داخلية:
فعلى الصعيد السياسي وبما أنه لا توجد أي علاقة أيديولوجية بين أعضاء المجموعة التي استولت على الحكم، كان ينتظر أن تؤول الأمور بعد إقصاءات متتالية إلى تمركز السلطات في يد رجل واحد، وهو ما تم.
فقد أقصي فرحات عباس الذي كان يريد توازنا في السلطات بين رئيس الجمهورية والبرلمان، واستبعد الأمين العام لجبهة التحرير محمد خيضر الذي كان يريد الفصل بين الحزب والجهاز التنفيذي.
وبعدما تحول الحزب إلى أداة في يد الحكومة ماتت الديمقراطية وقتلت روح النقد في مهدها، وعوض تشييد حكيم لهرم الحزب انطلاقا من القاعدة وصولا إلى القمة تمت التعيينات من فوق، مما يفسر الأسلوب الانفرادي في الحكم.
أما على الصعيد الثقافي فقد ظل الاغتراب على حاله وكانت الكلمة العليا لخصوم تعريب التعليم، علما بأن التعريب كان أحد الأهداف الأساسية لثورة التحرير.
في هذا الجو المشحون بالقلق والريبة وفي ظل الاعتقالات وحالات الاختطاف، اعتقل أحمد طالب يوم 12 يوليو/تموز 1964 وهو يهم بالتوجه إلى المستشفى، إذ حضر ثلاثة من أفراد الشرطة بزي مدني وطلبوا منه أن يتبعهم إلى مقر الأمن العسكري حيث ستطرح عليه بعض الأسئلة، على ألا يستغرق الأمر أكثر من ربع ساعة.
غير أن الأمر لم يكن كذلك، فقد أدرك الإبراهيمي فور وصوله أنه محتجز لدى الشرطة القضائية التي أبقته في قبو تحت الأرض لأيام لا يذكر عددها لشدة قسوتها.
وتحت وطأة تعذيب لم يعشه الإبراهيمي في أي من سجون فرنسا، كان السؤال يتكرر دائما: "ما علاقته بحكومة المعارضة في المهجر؟".
وكانت الإجابة المتكررة أيضا: أنه لا دراية له بهذه الحكومة، وأنه سمع صدفة وعن طريق إذاعة "مونتي كارلو" نبأ إنشاء مجلس للمعارضة، مضيفا أنه لو كان فعلا عضوا في هذا المجلس لما أمكنهم اعتقاله بتلك السهولة.
دام الأمر كذلك إلى أن تم ترحيله يوم 13 أغسطس/آب إلى السجن العسكري بوهران (غرب الجزائر) حيث مكث في زنزانه لم ير فيها ضوء النهار مدة شهرين ونصف لحرمانه من اجتياز عتبة الزنزانة الموصدة أبوابها.
وبعد انقضاء هذه المدة خرج من زنزانته ليستنطق على غير العادة من قبل وكيل الجمهورية الذي كان يستفسر عن سبب رفضه الحياة السياسية، من غير إثارة مسألة المشاركة في حكومة المنفى.
وهنا راح الإبراهيمي يشرح موقفه مشيرا إلى أن انسحاب التاريخيين من الساحة وترك المكان لإطارات أفرزتها حرب التحرير حل جذري لكنه مستحيل لأن الإطارات الشابة غير جاهزة لهذا الدور، كما أن الحل المتمثل في الوحدة الوطنية هو الآخر لم يكن ليتأتي دون أن تتحلى الشخصيات التاريخية بالتواضع وبحس عال بالمسؤولية.

"
أولى أصعب مراحل حياة الإبراهيمي انتهت بعرض الرئيس بومدين عليه حقيبة وزارة التربية التي قبل بها شريطة المنع المطلق للتعذيب في الجزائر
"
لكن مع الأسف الشديد وصل الأمر بكل واحد من هذه الشخصيات إلى الظن بأنه قطب العالم وأن كل شيء يجب أن يقع أو لا يقع بأمره.. وهكذا ظهر جبن المثقفين وضعف القادة وضحالة الفكر لدى هؤلاء وأولئك على حد سواء.
وبعد هذا التحقيق وإدراك المسؤولين قناعة الإبراهيمي أخلي سبيله في فبراير/شباط 1965 ليلتحق بمهنته ويواجه مأساة وفاة والده في مايو/آيار 1965 ويعيش أجواء الإطاحة بنظام بن بلة من قبل مجلس الثورة برئاسة العقيد بومدين يوم 19 يونيو/حزيران، ليتساءل حينها: أين الذين كانوا يهتفون باسم القائد المحبوب؟


وهنا تنتهي أولى أصعب مراحل حياة الإبراهيمي بعرض الرئيس بومدين عليه حقيبة وزارة التربية التي يقبل بها شريطة المنع المطلق للتعذيب في الجزائر، كما ينتهي هنا سرد المؤلف للجزء الأول من مذكراته "أحلام ومحن".

الجزيرة







التوقيع

"اللّهم طهر أعمالنا من الرياء وألسنتنا من الكذب"
ملاحظة :ماأنقله لايعبر بالضرورة عن قناعاتي وإنما أنقله للتدوين والمطالعة .
رد مع اقتباس
قديم 12-05-2008, 01:06 رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
نورالدين خبابه
كاتب جزائري


افتراضي



الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي ينشر الجزء الثاني من مذكراته
بومدين كان سجين ''جماعة وجدة'' ورفاقه لاموه على ذلك

يكشف الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي في الجزء الثاني من مذكراته، أن الرئيس بومدين كان سجين ''جماعة وجدة، وأن مجلس الثورة الذي انبثق عن انقلاب جوان 1965 لم يكن متجانسا. وكتب أن مسألة السلطة في الجزائر لم تحسم إلا عام .1968 كما كشف الدكتور طالب أن الرئيس بومدين وقف إلى جانبه في الصراع الذي دار بينه وبين خصومه الأيديولوجيين بخصوص مسألة التعريب، ورفض استقالته من منصب وزير التربية. كما أورد أنه من بين الأسباب التي دفعت العقيد الطاهر الزبيري للانقلاب على بومدين، انزعاج الزبيري من انفراد بومدين بالسلطة، وتعيينه بن يحيي في منصب وزير الإعلام دون استشارة مجلس الثورة الذي لم يأخذ بمبدأ أولوية السياسي على العسكري.
أسهب الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي في الحديث عن علاقته بالرئيس الراحل هواري بومدين، في الجزء الثاني من مذكراته الذي صدر هذا الأسبوع عن منشورات القصبة بعنوان ''مذكرات جزائري.. هاجس البناء (1965 _ 1978). ونقرأ عبر هذه العلاقة التي اتصفت بالحميمة، صفحات مطولة عن طبيعة النظام السياسي الجزائري خلال هذه المرحلة الحاسمة، إذ توقف الدكتور طالب عند أهم الأحداث السياسية منذ انقلاب جوان 1965 إلى غاية رحيل الرئيس بومدين عام .1978
يحدد أحمد طالب في الفصل الرابع من مذكراته علاقته مع الرئيس بومدين، من زاوية كونها علاقة مهنية لا غير. وكتب انه لم يكن يطلب مقابلة الرئيس إلا في قضية ملحة هي ''خلاف مع زميل يقتضي تحكيمه هو''. وحسب طالب، فإن الرئيس بومدين كان يستقبله على وجه السرعة ملبيا أغلب طلباته لصالح التربية الوطنية ''بل إنه ما فتئ يحفز سياسة التعريب''.
وكان طالب يلح على بومدين إطلاق سراح حسين آيت الذي القي عليه القبض يوم 17 أكتوبر 1964، لكنه انزعج من المسألة. فعمل أحمد طالب بنصيحة بعض المقربين، فاتصل بمساعدي بومدين وهم ''قايد، مدغري، الشريف بلقاسم وبوتفليقة'' للتأثير على الرئيس بخصوص إطلاق صراح آيت أحمد. لكن الرد جاء من هؤلاء على الشكل التالي ''من الأفضل مخاطبة بومدين شخصيا''. وبقي الأمر عالقا. ولما فر آيت أحمد من سجنه يوم 30 أفريل 1966، قال بومدين لطالب '' تمنيت لو أصغيت إليك''.
تعاطف مع سيد قطب
كما تطرق طالب لمسألة أخرى خطيرة تتعلق بمسألة التعذيب، وكشف انه استقبل كلود روا سنة 1966، فأخبره أنه جاء للجزائر ''للاحتجاج على ممارسة التعذيب من قبل السلطات الجزائرية التي أنا جزء منها''. وسلم روا، وهو كاتب من الأقدام السود ناصر الثورة الجزائرية، لأحمد طالب ملفا عن الموضوع. اتصل الدكتور أحمد طالب ببومدين لكي يعبر له عن اشمئزازه، وعندما جرى اللقاء، قال بومدين لطالب ''إذا كان هناك من تجاوز في هذا الشأن فإنه يعود إلى أعوان ثانويين. ذلك أنني وقعت شخصيا على تعليمة موجهة لمصالح الأمن تمنع استخدام التعذيب''. ويضيف طالب أن بومدين أراه التعليمة. لكن طالب أصر على معاقبة الذين يمارسون التعذيب، فوعده الرئيس بأن يتخذ إجراءات بخصوص المسألة. وكتب طالب ''لم أتوقف عن القول لبومدين إن كل شيء ينجزه النظام من أجل رفع المستوى المادي والثقافي للشعب قد يمحوه أدنى مساس لحقوق الإنسان وأدنى عمل للتعذيب''.
وتوقف الدكتور أحمد طالب في ذات الفصل عند مسألة إعدام سيد قطب في أوت 1966 من قبل نظام عبد الناصر. كان لأحمد طالب رأي يسير في اتجاه التعاطف مع سيد قطب ضد عبد الناصر، لكن بومدين لامه على ما اعتبره انحيازا منه، لكنه اعترف (أي بومدين) في الوقت نفسه عن عدم وجود التناسب بين التهم الموجهة لقطب، والحكم الصادر في حقه.
ونقرأ في المذكرات أن العلاقة بين بومدين والدكتور طالب راحت تصطبغ شيئا فشيئا بالحميمية، فصار الرئيس يشارك وزيره في العديد من محادثاته مع الأجانب. وبعدها اقترح بومدين على طالب السكن في فيلا من بين عدد من الفيلات استرجعتها الدولة الجزائرية من سفارة الولايات المتحدة الأمريكية بعد تدهور العلاقة بين الجزائر وواشنطن عقب هزيمة جوان 1967، وكان الدكتور طالب يدفع أجرة الكراء لولاية الجزائر، فغادر شقته الصغيرة بتيلملي.
ومن بين الأحداث المثيرة التي يرويها الدكتور طالب في مذكراته، كيف تصرف بومدين خلال إبلاغه خبر وفاة والده في أوت .1966 كان يترأس اجتماع مجلس الوزراء. دخل مدير التشريفات عبد المجيد علاهم قاعة الاجتماع، وضع أمامه قصاصة من الورق. قراها بومدين، فاستمر في العمل مع وزرائه. وبعد الاجتماع أخبر علاهم الوزراء بأن القصاصة كتب عليها خبر وفاة والد الرئيس بومدين. وفي العشية اتصل بومدين بالدكتور طالب، فطلب منه الحضور للقائه في صباح اليوم التالي، وحين جرى اللقاء قال بومدين ''اعترف أنني تسببت لوالدي في العديد من المشاكل أثناء مراهقتي. ولاستعطافه كان لدي سلاح وحيد فعال دائما وأبدا: كنت أتلو عليه بعض الآيات القرآنية، وإذا بوجهه يتهلل وتنتشر عليه دلائل السعادة''.
كما أخبر بومدين الدكتور طالب بأنه أعطى تعليمات للأمن الرئاسي لكي لا تتجاوز مراسيم الدفن الإطار العائلي، دون وفود رسمية أو ضجيج إعلامي.
وفي أوت 1967 دار حديث بالشريعة (تبسة) بين طالب وسعيد عبيد بخصوص صلاحيات مجلس الثورة. وبحسب الدكتور طالب، فإن سعيد عبيد كان منزعجا من تصرفات بومدين الذي لم يكن يعير باللانتقادات التي ترتفع من كل جهة حيال بعض معاوني الرئيس. ويروي طالب انه اعترف بصواب بعض تلك الانتقادات، فوعد سعيد عبيد بالحديث مع بومدين بشأن المسألة. وفيما بعد علم أحمد طالب بأن الطاهر الزبيري قائد أركان الجيش، كان مستاء بدوره من بومدين. وكان الزبيري قد أخبر طالب أن سبب الاستياء يكمن في أن بومدين عين بن يحيي وزيرا للإعلام بعد ذهاب بشير بومعزة، دون أن يستشير مجلس الثورة. وكتب طالب الذي سمع هذا الكلام على لسان الزبيري شخصيا ''وعلى الرغم من كل ما سمعته، ما أحسست بأنه يجري تحضير شيء ما''.
توقيت الإطاحة ببن بلة لم يكن مواتيا
وبعد حديثه عن وقوع الانقلاب الفاشل ضد بومدين في ديسمبر 1967، ومصرع سعيد عبيد بصورة مفجعة وفرار الزبيري، تطرق لمحاولة الاغتيال التي دبرت ضد الرئيس. وكتب طالب ''هذه الحوادث المأسوية تبين أن مسألة السلطة لم تحسم إلا عام .1968 حقا، لقد حل مجلس الثورة الذي هو الجهاز المركزي للمؤسسات الجديدة، محل الهيئات العليا للحزب (اللجنة المركزية والمكتب السياسي) في انتظار إصدار الدستور الجديد وعقد مؤتمر جبهة التحرير الوطني''.
وبحسب الدكتور طالب، فان مجلس الثورة لم يكن متجانسا، بل كان عبارة عن ''تحالف من عناصر متنافرة بدا أن نقطة واحدة تجمع فيما بينها عشية 19 جوان 1965، وهي إنقاذ الثورة الجزائرية من الانحراف وإعادة إقرار الشرعية الثورية''.
كما تكشف تشكيلة المجلس، حسب أحمد طالب، عن شيء آخر ''فمن بين الأعضاء الستة والعشرين، كان هناك حول العقيد بومدين 23 عسكريا من العساكر القدامى. وذلك يعني أننا كنا أبعد ما نكون عن أولوية ما هو سياسي على ما هو عسكري''.
كما أن بومدين، حسب الدكتور طالب، كان محل انتقادات من أعضاء مجلس الثورة، بسبب غياب التشاور، ''ووقوعه سجينا لمجموعة وجدة (قايد أحمد، مدغري، بوتفليقة، وشريف بلقاسم)، مما أدى إلى انسحاب علي منجلي وبومعزة ومحساس ثم المحاولة الانقلابية التي قادها الزبيري بمساندة يوسف الخطيب.
يجيب الدكتور طالب على هذا السؤال كالتالي ''وكان على هذا الأخير (يقصد بومدين) أن يجابه بعد ذلك خصومه السياسيين الذين أدانوا حركة 19 جوان داخل الجزائر (تجمع اليسار داخل منظمة سرية هي منظمة المقاومة الشعبية) وفي الخارج (حزب الثورة الاشتراكية لبوضياف، المنظمة السرية للثورة الجزائرية بقيادة البجاوي ثم الحركة من أجل الدفاع عن الثورة الجزائرية لكريم بلقاسم بداية من عام 1968 ).
ثم يعود الدكتور طالب لانقلاب جوان 1965 ضد بن بلة، ويخبرنا أن بومدين كان يشعر أحيانا بأنه مهان بسبب برودة الاستقبال من جانب زملائه من رؤساء الدول الإفريقية عندما حضر بعض الاجتماعات الإفريقية. وحسب الدكتور طالب، فإن التوقيت للإطاحة بالرئيس بن بلة لم يكن مواتيا، إذ أثر سلبا على صورة بومدين عبر العالم الثالث، ولم يسترجع هامته إلا بعد حرب الأيام الستة في جوان 1967 عندما أعلن الحرب على إسرائيل وقطع العلاقات الدبلوماسية مع واشنطن، ومنع تصدير البترول نحو بعض العواصم الغربية. فتحقق حسب ما جاء في المذكرات ''أول التفاف وطني كبير حول السلطة منذ الاستقلال''.
حتى أن علي منجلي الذي انسحب من مجلس الثورة عبر للدكتور طالب عن رضاه ببومدين لما أقدم عليه، لكنه طلب منه في المقابل أن يقنعه (يقصد بومدين) بضرورة الانفتاح على القوى الصاعدة في البلاد دون التفريط في قيم الثورة، والتخلص من تأثير جماعة وجدة. فرد طالب قائلا ''حتى إذا كان موقف بومدين يتسم بالضعف امام رفقائه القدامى في الولاية الخامسة، فهو مستعد لاستخلاص العبر من الأحداث وتصحيح المسار عندما يكتشف انه اخطأ، فعلى سبيل المثال، فإن بومدين يعترف اليوم بأنه ذهب بعيدا في ميدان الثورة الزراعية، من جهة أخرى لن يمضي وقت طويل حتى ينهي مهام مجلس الثورة بإقامة مؤسسات شرعية''. ولما اقترح الدكتور طالب على منجلي تدبير لقاء بينه وبين بومدين رفض رفضا مطلقا، حتى لا يظهر بمظهر الملتمس المطالب بشيء.
استقالة بسبب سياسة التعريب
ويستطرد الدكتور طالب في الحديث عن خصومه السياسيين الذين حملوا يوم 3 نوفمبر 1967 لافتات تطالب باستقالته من منصب وزير التربية، ووصفهم بخصومه الأيديولوجيين الذين تهجموا عليه بسبب سياسة التعريب.
لكن بومدين عبر عن رأيه أن سياسة التعريب ليست سياسة شخص واحد، بل كل مجلس الثورة. كما رد بومدين على هؤلاء قائلا ''إننا ثوريون، ثوريون ثوريون''.
ونقرأ في المذكرات أن الدكتور طالب قدم استقالته للرئيس بومدين، عقب تزايد الاحتجاجات على سياسة التعريب، لكن الرئيس بومدين رفضها.
كما نقرأ في الجزء الثاني من هذه المذكرات تفاصيل عن العلاقة التي تدهورت بين مسؤول حزب جبهة التحرير الوطني، أحمد قايد والرئيس بومدين، الذي كان يحتل المرتبة الثالثة لدى أوساط الطلبة، حسب عملية لسبر الآراء أجرتها مصالح الأمن، فأبدى انزعاجه من عدم احتلاله المرتبة الأولى.
بعد هذا انتقل الدكتور طالب للحديث عن علاقته مع الرئيس بومدين عقب توليه مسؤولية وزير الإعلام والثقافة.
فتحدث عن علاقة الرئيس بقضايا الإعلام، والصخب الذي أثير في نوفمبر 1967 حول كتاب لبوعلام بسايح الذي كتب عن الشاعر عبد الله بلخير، بتشجيع من أحمد طالب. كما كتب طالب عن شغف بومدين بالفكر الإسلامي وبتاريخه. وكيف كان يمقت الشعر الحر، ويفضل شعر القافية، وكان يمتعض من شعر نزار قباني، لكنه أغرم لاحقا بقصائد أحمد فؤاد نجم ومنها قصيدة ''جيفارا مات''. كما كان بومدين من عشاق السينما، يشاهد أفلام فلليني، ونصحه طالب بمشاهدة أفلام ايليا كازان، وكان يقضي الليل في قراءة الكتب. وينهي الدكتور أحمد طالب الجزء الثاني من مذكراته عند مرض، الرئيس هواري بومدين، ثم وفاته بعد ذلك.


 المصدر :الجزائر: حميد عبد القادر
2008-05-12

الخبر







التوقيع

"اللّهم طهر أعمالنا من الرياء وألسنتنا من الكذب"
ملاحظة :ماأنقله لايعبر بالضرورة عن قناعاتي وإنما أنقله للتدوين والمطالعة .
رد مع اقتباس
قديم 14-05-2008, 01:45 رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
نورالدين خبابه
كاتب جزائري


افتراضي


أحمد طالب يتحدث في مذكراته عن علاقة السلطة بالمثقف
بومدين انزعج من الطاهر وطار بسبب ''الزنجية والضابط''

كشف الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي أن الرئيس هواري بومدين، كان منزعجا وغاضبا من الطاهر وطار بسبب
قصة ''الزنجية والضابط''، دون أن يبلغ به الأمر حد منعه من نشر أعماله.
يروي الدكتور أحمد طالب في الجزء الثاني من مذكراته الصادر حديثا عن منشورات القصبة بعنوان ''مذكرات جزائري... الجزء الثاني: هاجس البناء 1965 ـ ''1978، أنه وجد الرئيس بومدين مغتاظا جدا ذات يوم بسبب قصة ''الزنجية والضابط'' التي وردت في مجموعة الشهداء يعودون هذا الأسبوع''. وبعد أن فرغ من قراءة القصة طلب من الدكتور طالب بصفته وزيرا للإعلام والثقافة أن يرجع وطار إلى جادة صوابه.
وجاء في مذكرات الدكتور طالب ''قلت لبومدين:أولا، إن رقابة الدولة على الأعمال الأدبية والفنية ينتهي بها الأمر دائما وأبدا إلى أن تنعكس آثارها سلبيا عليها. انظر إلى ما حدث في مصر عندما أريد منع كتاب علي عبد الرازق (الإسلام وأصول الحكم) والى ما حدث في فرنسا عندما أريد محاكمة مؤلفي ''أزهار الشر''، و''مدام بوفاري''... لم يقلل ذلك أبدا من شأن عبد الرازق، ولم يمنع بودلير وفلوبير من أن يعتبر الأول منهما أكبر شاعر، والثاني أكبر روائي في فرنسا.''
وأضاف أحمد طالب ما يلي ''ثانيا أن وطار لا علاقة له البتة بوزارة الإعلام والثقافة، بالعكس هو مراقب في حزب جبهة التحرير الوطني. إذا كان هناك من لوم يلقى عليه، فانه ينبغي القيام به عبر هذه القناة، أي قناة الحزب''. كما قال أحمد طالب لبومدين ''ثم إنني أرجوك أن تصدق، بعد ثلاثين سنة، قليل من الجزائريين سيذكرون أسماء الوزراء الحاليين، وعلى العكس من ذلك، سوف يواصل الناس قراءة الطاهر وطار، والإعجاب بمنمنمات محمد راسم، وترديد أغاني رابح درياسة.
وفي النهاية فإن الفنون والآداب هي الوحيدة القادرة على قهر الموت''.
ومع مرافعة الدكتور أحمد طالب إلى جانب الطاهر وطار وانحيازه لمسألة حرية التعبير والكتابة، لم يتخذ الرئيس هواري بومدين أي موقف عقابي ضد الطاهر وطار. وهو نفس الموقف الذي اتخذه الرئيس المصري جمال عبد الناصر مع نجيب محفوظ لما نشر رواية ''ثرثرة فوق النيل'' التي قدمت نقدا لاذعا للتجربة الناصرية، فقد غضب عبد الناصر، لكن مرافعة حسنين هيكل ووقوفه إلى جانب نجيب محفوظ، حالت دون منع نشر الرواية.


 المصدر :الجزائر: حميد عبد القادر
2008-05-14

الخبر







التوقيع

"اللّهم طهر أعمالنا من الرياء وألسنتنا من الكذب"
ملاحظة :ماأنقله لايعبر بالضرورة عن قناعاتي وإنما أنقله للتدوين والمطالعة .
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
أحمد طالب الإبراهيمي سنة 1999 ببرج بوعرريج نورالدين خبابه منتدى المصالحة الوطنية 0 29-10-2009 08:57
تصريحات جديدة للدكتور عبد الحميد الإبراهيمي نورالدين خبابه منتدى المصالحة الوطنية 2 11-10-2009 23:02
مذكرات الجنرال خالد نزار المعتصم منتـدى التاريخ والحضـارة 9 20-05-2009 17:01
مناظرة بين الدكتور أحمد بن محمد وعبد القادر حجار نورالدين خبابه منتدى السمعي البصري 0 03-04-2009 11:07
حول مذكرات بلعيد عبد السلام نورالدين خبابه المنتدى السيـاسي 0 16-08-2007 15:49

بحث مخصص

الساعة الآن 11:27.


Powered by vBulletin® Version 3.8.2
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.

... جميع الحقوق محفوظه لمنتدى بلاحدود ...

.. بلاحدود مكان للحوار وتبادل الأفكار ،لاينتمي إلى أي جهة حكومية ، كما لايعبر عن وجهة نظر أية جمعيات أو تنظيمات حزبية ،ومايرد في المنتدى يعبر عن وجهة نظر صاحبيه ولاتتحمل الإدارة أية تبعات أدبية أو قانوينية..